← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

المبحث الثالث في اشتراط الطهارة لسجود التلاوة المدخل إلى المسألة: • لا يوجد دليل صحيح على وجوب الطهارة لسجود التلاوة، والأصل عدم الوجوب. • وجوب الطهارة لسجود التلاوة مرتب على صحة إطلاق اسم الصلاة عليه، ولم يصح في النصوص إطلاق الصلاة على ما دون الركعة. • أطلق الشارع على الفاتحة اسم الصلاة في حديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) رواه مسلم، وإنما قسم الفاتحة، ولا تسمى الفاتحة صلاة على وجه الاستقلال، فكذلك السجود. • ضابط الصلاة: ما افتتح بالتكبير، واختتم بالتسليم، وشرعت له قراءة الفاتحة، وسجود الشكر لا تحريم له، ولا تحليل على الصحيح، ولا تشرع له قراءة الفاتحة. [م-٣٥٣] اختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة لسجود التلاوة: فقيل: يشترط لصحة سجود التلاوة الطهارة من الحدث والخبث في البدن، والثوب، والمكان، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).

стр. 2662

قال ابن رشد الجد في المقدمات: «وأما معرفة أحكام السجود، فإن أحكامه أحكام صلاة النافلة في أنه لا يكون بغير طهارة، ولا في موضع غير طاهر، ولا في وقت لا تحل فيه الصلاة، ولا لغير القبلة إلا للمسافر على دابته … » (١). وقيل: لا تشترط الطهارة، وهو فعل ابن عمر ﵄، وبه قال الشعبي، واختاره الإمام البخاري، وأبو جعفر الترمذي من الشافعية، وابن حزم من الظاهرية، وابن تيمية الحنبلي (٢). • وسبب الخلاف: اختلافهم في سجود التلاوة، أهو صلاة، فيدخل في عموم قوله ﷺ : لا تقبل صلاة بغير طهور، أم ليس بصلاة، فيكون الأصل فيه عدم وجوب الطهارة له إلا بدليل خاص، ولا يوجد دليل خاصُّ على وجوب الطهارة لسجود التلاوة، والأصل براءة الذمة؟ انظر أدلة هذه المسألة في المجلد الرابع عشر عند الكلام على أحكام سجود التلاوة. * * *

стр. 2663

المبحث الرابع في اشتراط الطهارة لسجود الشكر المدخل إلى المسألة: • الأصل عدم وجوب الطهارة؛ لأن الوجوب حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي. • كل موضع شرع فيه السجود وترًا فهو ليس بصلاة كسجود التلاوة والشكر، والعكس صحيح، كل موضع شرع فيه السجود شفعًا فهو مرتبط بالصلاة أو جزء منها. • ضابط الصلاة: ما افتتح بالتكبير، واختتم بالتسليم، وشرعت له قراءة الفاتحة، وسجود الشكر لا تحريم له، ولا تحليل على الصحيح، ولا تشرع له قراءة الفاتحة. • لم يصح في النصوص إطلاق الصلاة على سجود الشكر، ولا على ما دون الركعة. • الصلاة حقيقة شرعية متلقاة من الشارع، ولم يأت في الشرع إطلاق اسم الصلاة على سجود التلاوة والشكر. • قال ﷺ : إنما أمرتم بالوضوء للصلاة، حديث صحيح، وأصله في مسلم. [م-٣٥٤] سجود الشكر: هو السجود الذي سببه شكر الله عند تجدد النعم، أو اندفاع النقم. والخلاف في اشتراط الطهارة له كالخلاف في سجود التلاوة، بل هو أضعف؛ لأن سجود التلاوة مشروع بالإجماع، أما سجود الشكر فمختلف في مشروعيته بين الفقهاء، فالشافعية، والحنابلة ذهبوا إلى مشروعيته خلافًا للمالكية، حيث نص الإمام مالك على كراهته، وهو المشهور في المذهب. واختار بعض المالكية أنه جائز (مباح)، وهي رواية ابن القصار عن مالك، وبه

стр. 2664

قال ابن حبيب (١). هذا من جهة حكمه، وليس هذا موضع بحثه. [م-٣٥٥] وأما الخلاف في اشتراط الطهارة له عند من يقول: إنه مسنون أو جائز. فقيل: تشترط له الطهارة، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة، ومن قال بجوازه من المالكية (٢). قال ابن ناجي في شرح الرسالة: «ويقوم من كلام الشيخ أن سجود الشكر على القول به يفتقر إلى طهارة وهو كذلك على ظاهر المذهب» (٣).

стр. 2665

وقيل: لا تشترط له الطهارة، وهو اختيار ابن تيمية، وبعض المالكية (١). قال الحطاب: «لأن سِرَّ المعنى الذي يؤتى بالسجود لأجله يزول لو تراخى حتى يتطهر» (٢). وأدلة الخلاف في المسألة هي أدلة الخلاف في مسألة سجود التلاوة، وقد ذكرتها في الفصل السابق، والحمد لله. * * *

стр. 2666

المبحث الخامس في صلاة الرجل وهو محدث الفرع الأول إذا صلى وهو محدث استهزاء أو استحلالًا المدخل إلى المسألة: • استحلال الحرام المعلوم من الدين بالضرورة ومثله لا يجهل كفرٌ مُخْرِجٌ من الملة؛ لأنه تكذيب لله ولرسوله ﷺ . • الاستهزاء بأحكام الله، استهزاء بالله، وبآياته، وبرسوله. • أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه، ورسله، والاستهزاءُ بشيءٍ من ذلك منافٍ لهذا الأصل. [م-٣٥٦] إذا صلى الرجل وهو محدث، فإن استحله، ومثله لا يجهل، أو فعله استهزاءً، فإنه يكفر قولًا واحدًا. قال ابن عابدين: «وإنما اختلفوا إذا صلى لا على وجه الاستخفاف بالدين، فإن كان على وجه الاستخفاف بالدين ينبغي أن يكون كفرًا عند الكل» (١). وقال ابن تيمية في الفتاوى: «ومن صلى بغير طهارة شرعية مُسْتَحِلًّا لذلك فهو كافر» (٢). • وجه كونه كفرًا بالاستحلال: لأن تحريم الصلاة مع الحدث مجمع عليه، معلوم من الدين بالضرورة (٣). فكان استحلاله تكذيبًا لله ولرسوله، ومن كذَّب الله ورسوله، ومثله

стр. 2667

لا يجهل فقد كفر. • وجه تكفيره إن فعل ذلك استهزاءً: أن الاستهزاء بأحكام الله استهزاء بالله وآياته، ورسوله. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ .... ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. وجه الاستدلال: أن المستهزئ بأحكام الله داخل بالاستهزاء بآيات الله، وهو من الكفر الصريح؛ لقوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]. قال الشيخ السعدي: «أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيمِ دينِهِ، ورسِلهِ والاستهزاءُ بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة … وأن من استهزأ بشيء من كتاب الله، أو سنة رسوله الثابتة عنه، أو سخر بذلك أو تنقصه، أو استهزأ بالرسول ﷺ أو تنقصه، فإنه كافر بالله العظيم» (١). * * *

стр. 2668

الفرع الثاني إذا صلى وهو محدث جهلًا بوجوب الطهارة المدخل إلى المسألة: • الشرائع لا تلزم قبل العلم. • الجهل عذر يسقط التكليف في جميع المأمورات والمنهيات، والنسيان عذر في ترك المنهيات دون المأمورات. • كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لم يكلف القضاء إذا علم. • إذا فرط المكلف في معرفة الواجبات أثم لتقصيره، ولا يكلف بالقضاء قبل العلم بالشرع. • لا يصح أن يكون وجوب قضاء العبادة عقوبة على تفريطه في طلب العلم، فالتكليف تبع للعلم وليس لإمكان العلم، ويأثم على التفريط. [م-٣٥٧] إذا صلى الرجل، وهو محدث جهلًا بجوب الطهارة، أثم إن كان يمكنه التعلم وفرط في طلب العلم، وهل يقضي؟ فقيل: يجب القضاء، وهو مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (١).

стр. 2669

قال القرافي: «أجرى مالك ﵀ الجاهل في الصلاة مجرى العامد، لا مجرى الناسي؛ لاشتراكهما في العصيان، هذا بعمده، وهذا بترك تعلمه» (١). وقال ابن رشد والقرافي: «الوضوء والصلاة يستوي فيها العامد، والجاهل» (٢). وقال الرملي من الشافعية: «الشروط لا تسقط بالجهل، ولا النسيان» (٣). وقال الخَلْوَتي في حاشيته على منتهى الإرادات: «الشروط لا تسقط بالسهو، ولا الجهل» (٤). وقال في مطالب أولي النهى: «ولا تسقط الشروط عمدًا، أو سهوًا أو جهلًا». وقيل: الجهل عذر في سقوط القضاء، وأما الإثم فإن كان مفرطًا في ترك العلم أثم، وإن لم يفرط فلا إثم، ذكره القاضي أبو يعلى قولًا في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٥). قال ابن مفلح في الفروع نقلًا عن شيخه ابن تيمية: «إن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، فكل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لم يكلف الإعادة، ومَثَّل له ابن تيمية بمن ترك التيمم لعدم الماء؛ لظنه عدم الصحة به، أو أكل حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود؛ لظنه ذلك، أو لم تُصَلِّ مستحاضة ونحوها؛ لظنها بأنه حيض، قال: والأصح لا قضاء، ولا إثم؛ للعفو عن الخطأ والنسيان، قال ابن مفلح: ومعناه: ولم يقصر، وإلا أثم» (٦).

стр. 2670

وقيل: إن أسلم في دار الحرب، وجهل وجوب الطهارة، أو الصلاة، ومكث زمنًا، ثم علم، لا يلزمه القضاء، فإن أسلم في دار الإسلام وجب عليه القضاء، علم بالوجوب أو لا، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (١). جاء في كتاب الأصل للشيباني: «قلت أرأيت رجلًا أسلم في دار الحرب، فمكث بها شهرًا أو شهرين، ولا يعلم أن عليه الصلاة، ولم يأمره بذلك أحد، ولم يَرَ أحدًا يصلي؟ قال: ليس عليه قضاء. قلت: فإن كان هذا في دار الإسلام. قال: عليه القضاء» (٢). فهذه ثلاثة أقوال في الجاهل إذا صلى محدثًا:

стр. 2671

- يقضي مطلقًا. - لا يقضي مطلقًا. - يقضي، إن أسلم في دار الحربي. • دليل الجمهور على أن الجهل ليس بعذر: الدليل الأول: أن الطهارة من الحدث شرط بالاتفاق، ويلزم من عدم الشرط، عدم المشروط. • ويناقش: بأن القول بأن الشرط يلزم من عدمه العدم، هذا إذا ثبت التكليف بالشرط، والمخالف يقول: لا تكليف بالشرط قبل العلم به، فلا يكون شرطًا في حقه. الدليل الثاني: ولأن الطهارة من الحدث من قسم المأمور، وقد قال الزركشي في القواعد: «الجهل والنسيان يعذر بهما في حق الله تعالى في المنهيات دون المأمورات» (١). • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الاستدلال بهذا الكلام هو من الاستدلال بالقواعد، والضوابط الفقهية المختلف فيها بين الفقهاء، والقواعد هي من صياغة بعض الفقهاء، والفقيه غير معصوم، وهناك قواعد متفق عليها، قامت على أدلة قطعية، فلا إشكال في الاستدلال بها، وهناك قواعد تخص بعض المذاهب دون بعض، تتنزل على أصول ذلك المذهب، دون بعض، ولهذا لم يذكر الأصوليون القواعد الفقهية في الأدلة الشرعية، لا في المتفق عليها، ولا في المختلف فيها، والفقيه حين يصوغ قاعدة فقهية لا يراعي اتفاق المذاهب عليها. وعلى القول بالاحتجاج بها يشترط أن تكون القاعدة لا تخالف نصًّا شرعيًّا، كهذه القاعدة حيث تخالف نصوصًا صحيحة صريحة كثيرة بأن الجهل عذر مطلقًا في المأمورات والمنهيات، بخلاف النسيان، فهو الذي يصح أن يفرق فيه بين

стр. 2672

المأمورات والمنهيات؛ لحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها .... ) رواه مسلم. وانظر: أدلة القول الثاني لتعلم أن هذه القاعدة التي أطلقها بعض الفقهاء تصادم نصوصًا كثيرة صريحة. الوجه الثاني: أن جميع أدلة هذه القاعدة ليس فيها دليل واحد يدل على تكليف الجاهل قبل علمه، فالزركشي استدل لقاعدته بأدلة كثيرة ليس منها حديث واحد يدل على أن الجاهل مكلف في المأمورات قبل علمه، وأن عليه القضاء، علم أو لم يعلم، وإنما الذي يصح للزركشي من أدلته في الجاهل والناسي أن الجهل عذر في سقوط القضاء في المنهيات، وهذا صحيح، ولكنه فرد من إسقاط التكليف عن الجاهل مطلقًا على الصحيح حتى في المأمورات. ويصح له أن النسيان ليس عذرًا في سقوط القضاء في المأمورات، لأن النسيان لا يرفع أهلية التكليف كالنوم، ويبقى على الزركشي أن يذكر في أدلته أن الجهل ليس عذرًا في سقوط القضاء في المأمورات، وهذا ما لم يذكر الزركشي ولا غيره أدلة عليه، وقد ذكرت أمثلة كثيرة على سقوط القضاء عن الجاهل في المأمورات يأتي ذكرها في الأدلة فلا داعي لتكرارها. فالزركشي ساق من الأدلة حديث: (من نام عن صلاة أو نسيها) كدليل على أن النسيان ليس عذرًا في سقوط القضاء في المأمورات، وهو في الناسي، وليس في الجاهل. وساق حديث معاوية بن الحكم في التكلم في الصلاة، وهو في اعتبار الجهل عذرًا في المنهيات. وساق حديث أبي سعيد في خلع نعليه، وهو في الصلاة؛ لكونها نجسة، والبناء عليها، وهو دليل على أن الجهل عذر في المنهيات، وكلاهما لا ينافي أن يكون الجهل عذرًا في المأمورات، والله أعلم. الدليل الثالث: الأصل وجوب تحصيل العلم، وأن تارك التعلم عاصٍ، وليس الجهل مما يشق الاحتراز منه حتى يعذره الشرع به، فالجهل من كسب المكلف، فهو المفرط

стр. 2673

في تعلم أمور دينه، فلا يكون الجهل عذرًا، قال الشافعي ﵁: «لو عذر الجاهل لأجل جهله، لكان الجهل خيرًا من العلم، إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف، ويريح قلبه من ضروب التعنيف» (١). فظاهر كلام الشافعي أن الجهل لا يمنع التكليف. • ويناقش: قولكم: بأن تارك التعلم عاصٍ هذا مسلَّم به، إذا كان يمكنه التعلم وفرط في طلبه، وليس استحقاقه الإثم بالتقصير ما يجعله مكلفًا بما جهل؛ فالشرائع لا تلزم قبل العلم بها، ولا يكفي للتكليف إمكان العلم. وقولكم: لو عذر لكان الجهل خيرًا من العلم، فيقال: إن إعذار الجاهل ليس تكريمًا له، وإنما من باب التخفيف؛ لأن المكلف ليس في وسعه الامتثال قبل العلم، فتكليف الجاهل فيه حرج ومشقة، وقد نفى الله الحرج عن هذه الشريعة، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. • دليل من قال: لا يجب القضاء على الجاهل: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. [الإسراء: ١٥]. دلت الآية أن الله لا يعذب أحدًا من خلقه حتى يبعث إليهم من يقيم الحجة عليهم. الدليل الثاني: أحاديث كثيرة في الشرع تبين أن التكليف يناط بالعلم، من ذلك: حديث المسيء صلاته، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، حيث لم يطلب منه إعادة تلك الصلوات. ومثله المستحاضة حيث كانت تتوهم أن دمها دم حيض، فجاءت إلى الرسول ﷺ ، وهي تشكو له بأنه حبسها عن الصلاة والصيام، فبين لها الرسول ﷺ أن هذا الدم ليس

стр. 2674

بحيض، وإنما هو دم عرق، ولم يطلب منها الرسول ﷺ فعل الصلوات التي تركتها. ومنها صلاة عمار حين أجنب، حيث تمرغ ﵁ كما تتمرغ الدابة، ومع أنه لم يأتِ بالصفة المشروعة في التيمم، فصلى، وحدثه لم يرتفع، ومع ذلك لم يطلب منه الرسول ﷺ القضاء. وقد كان عمر ﵁ مع عمار، ولم يوافق عمارًا على اجتهاده، ولم يُصَلِّ ﵁، ولم يأمر النبي ﷺ عمر بالصلاة. ومنها صاحب العقالين عندما أكل متوهمًا أنهما الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يؤمر بالقضاء. ومنها لما أفطر الصحابة رضوان الله عليهم في يوم غيم ظنًّا منهم أن الشمس قد غربت، ثم طلعت الشمس. وافتتح الصلاةَ أهلُ قباء إلى بيت المقدس بعد فرضية التوجه إلى الكعبة، وحين بلغهم النسخ، تحولوا إلى القبلة الجديدة، وبنوا على صلاتهم، ولم يبطلوها. وكل هذه الأحاديث مخرجة في الصحيح، ولم ينقل أنهم قضوا. فَقَصْر الحكم على هذه النصوص فقط نزعة ظاهرية، وتَحَكُّمٌ يأباه العقل والنقل، وتوهم أنهم ربما أمروا بالقضاء، ولم ينقل بعيد جدًّا؛ إذ لو أمروا لنقل إلينا؛ لأن الشريعة محفوظة بحفظ الشارع لها (١). ولأن التكليف بحسب الوسع، وليس في وسع المكلف الامتثال قبل العلم، فلو ثبت حكم الخطاب في حقه كان في ذلك من الحرج ما لا يخفى. الدليل الثالث: حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي أمر بنيه إذا مات أن يحرَّق في النار، ثم يطحن، ثم يذرى في الريح، وفيه قال: فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فُعِلَ به ذلك، فأمر الله به الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلتْ، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له (٢). قال ابن تيمية: «هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو

стр. 2675

شك، وأنه لا يبعثه، وكُلٌّ من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يَرُدُّهُ عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله، وبرسوله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من الرجل، فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق .. » (١). وقال ابن عبد البر: «هذا رجل جهل بعض صفات الله ، وهي القدرة … ولم يكن بجهله بعض صفات الله كافرًا، قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق، لا مَنْ جَهِلَهُ، وهذا قول بعض المتقدمين من العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين … » (٢). الدليل الرابع: (ح-٩١٤) ما رواه ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ : يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة، لا إله إلا الله، فنحن نقولها، فقال له صلة: ما تغني عنهم: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثًا. [صحيح]. • وجه التفريق بين من أسلم في دار الحرب، ومن أسلم في دار الإسلام: أن الخطاب شائع في دار الإسلام، فيقوم شيوع الخطاب مقام العلم به؛ لأنه

стр. 2676

ليس في وسع المبلغ أن يبلغ كل واحد، إنما الذي في وسعه، أن يجعل الخطاب شائعاً، ولأنه ما دام في دار الإسلام يسمع الأذان والإقامة، ويرى حضور الناس الجماعات في كل وقت، فإنما اشتبه عليه ما لا يشتبه، ولأنه في دار الإسلام يجد من يسأل عنه، فترك السؤال منه تقصير، بخلاف دار الحرب (١). • الراجح: أن الجهل عذر مطلقًا في المأمورات والمنهيات، والتفريط في طلب العلم موجب للإثم، ولكن التفريط لا يجعل منه مكلفًا، والحكم بقضاء الصلاة إذا فرط إن كان موجبه العقوبة على تفريطه، فالعبادات لا يتقرب بها العبد إلى ربه من باب العقوبات، وإن كان باعتباره مكلفًا فالشرائع لا تلزم قبل العلم، وإلا لأنيط التكليف بإمكان العلم، وليس بالعلم، والله أعلم. قال أحد الإخوة في النظم: والشيء لا يلزم قبل العلم به دليله فعل المسيئ فانتبه * * *

стр. 2677

الفرع الثالث إذا صلى وهو محدث حياءً أو كسلًا المدخل إلى المسألة: • التكفير لا يكون إلا بنص أو إجماع، والأصل عدم التكفير. • ارتكاب المحرم المجمع على تحريمه لا يكفر صاحبه، ما لم يكن مستحلًّا، أو مستهزئًا، إلا في ترك الصلاة على الصحيح. • الكفر يكون بالاعتقاد فقط، وبالقول فقط، وبالعمل كترك الصلاة، وإهانة المصحف. [م-٣٥٨] إذا صلى، وهو محدث حياءً أو كسلًا، أو اعتبر الفعل خفيفًا هينًا من غير استهزاء، ولا سخرية، ولا استحلال، فهو محرم بالإجماع، وعده بعض الفقهاء من الكبائر. قال في مغني المحتاج: «ويحرم بالحدث حيث لا عذر: الصلاة بأنواعها بالإجماع» (١). قال ابن تيمية: «ولا يستريب أحد فيمن صلى محدثًا .... أنه كبيرة» (٢). [م-٣٥٩] واختلفوا في كفره. فقيل: لا يكفر، وهو مذهب الجمهور، والمعتمد في مذهب الحنفية (٣).

стр. 2678

قال النووي: «إذا تعمد الصلاة محدثًا كان آثمًا فاسقًا، ولا يكفر بذلك إن لم يستحله، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور» (١). وقال ابن تيمية: «ذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أن من صلى بلا وضوء فيما تشترط له الطهارة بالإجماع، كالصلوات الخمس أنه يكفر بذلك … ولكن تكفير هذا ليس منقولًا عن أبي حنيفة نفسه، ولا عن صاحبيه، وإنما هو عن أتباعه. وجمهور العلماء على أنه يعزر، ولا يكفر، إلا إذا استحل ذلك، واستهزأ بالصلاة» (٢). فقيل: يكفر، وهو قول في مذهب الحنفية (٣). والخلاف في هذه المسألة راجع إلى اختلافهم، أتكون صلاته بالحدث مع علمه ببطلانها، يعد من التلاعب والاستهزاء بهذه الشعيرة، أم لا؟ فمن قال: يكفر، قال: إن هذه من التلاعب، والاستهزاء بأعظم العبادات في الإسلام، وهي الصلاة. ومن قال: لا يكفر، قال: لا يلزم من فعله أن يكون الباعث عليه التلاعب، فقد يكون صلى حياء، أو صلى لاعتقاده أن الأمر خفيف، ومثل هذا لا يعد كفرًا، وإن اعتبر إثمًا عظيمًا. واستدل بعض الفقهاء على عدم كفره بأن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد، وهذا اعتقاده صحيح. وهذا الاستدلال فيه نظر، فقد يكفر الرجل بالعمل. قال ابن الملقن: «دليل الجمهور أن الكفر بالاعتقاد وهذا المصلي اعتقاده صحيح، وأبدى بعضهم في هذا الاستدلال نظرًا؛ للاتفاق على تكفير من استهان

стр. 2679

بالمصحف استهانة مخصوصة في الصورة المخصوصة» (١). • الراجح: أن من صلى محدثًا لا يكفر إلا أن يكون الباعث عليه الاستهزاء، أو الاستحلال، ولا يعني ذلك أن الكفر محصور بالاعتقاد، فالكفر قد يكون بالاعتقاد فقط، وقد يكون بالشك، وقد يكون بالترك، وقد يكون بالفعل، ويشترط لكل ذلك أن يقوم الدليل الصحيح الصريح على كفر من فعل ذلك، وهذا يقال على سبيل الإطلاق، وأما كفر المعين فينظر قبل الكفر بتوفر الشروط وانتفاء الموانع من تأويل، أو جهل، أو خطأ، أو إكراه، والناس اليوم في هذه المسائل بين إفراط وتفريط، والموفق من لزم اعتقاد أهل السنة والجماعة، وقد أوضح علماء السلف أحكام هذه المسائل في كتب الاعتقاد، وذكر الفقهاء فروع هذه المسائل في أحكام المرتد، فعلى طالب العلم أن يلزم غرز القوم، فهو مزلق من المزالق يحتاج إلى بصيرة وتوفيق من الله للعبد، والخطأ في العفو أهون من الخطأ في العقوبة، واليوم كثير من الأحداث يخوضون فيه بلا علم ولا ورع، ويحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم، والله أعلم. * * *

стр. 2680

الفرع الرابع إذا صلى وهو محدث ناسيًا المدخل إلى المسألة: • النسيان يرفع الإثم، ولا ينافي وجوب القضاء. • المأمورات الواجبة لا تسقط بالنسيان بخلاف المحظورات. • كل مأمور واجب قال الفقهاء يسقط بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، كالتسمية في الوضوء، وترتيب الفوائت، ونحوها. [م-٣٦٠] إذا صلى الرجل ناسيًا حدثه، لم يأثم، ولم تصح صلاته، ووجبت عليه الإعادة، وهذه المسائل متفق عليها بين الفقهاء. والدليل على رفع الإثم بالنسيان وبطلان الصلاة: قول الله ﵎ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال الله تعالى قد فعلت. وقول الله ﵎ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. وقال النووي: أجمع المسلمون على تحريم الصلاة على المحدث، وأجمعوا على أنها لا تصح منه سواء أكان عالمًا بحدثه أم جاهلًا أم ناسيًا، لكنه إن صلى جاهلًا أو ناسيًا فلا إثم عليه» (١). وقال أيضًا: أجمعت الأمة على أن من صلى محدثًا مع إمكان الوضوء فصلاته باطلة، وتجب إعادتها بالإجماع، سواء أتعمد ذلك أم نسيه أم جهله (٢). وقال ابن عبد البر: «ما عمله المرء من صلاته وهو على غير طهارة لا يعتد به

стр. 2681

إذ لا صلاة إلا بطهور» (١). وقال القرافي: «الإجماع انعقد على أن المحدث لا تصح منه الصلاة … » (٢). ومستند الإجماع: (ح-٩١٥) ما رواه الشيخان من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (١). (ح-٩١٦) فقد روى مسلم ﵀ من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول وكنت على البصرة (٣). ولأن الطهارة من باب فعل المأمور التي لا تبرأ الذمة إلا بفعلها، بخلاف اجتناب النجاسة فإنها من باب اجتناب المحظور الذي يسقط بالنسيان (٤). * * *

стр. 2682

المبحث السادس في وجوب الصلاة مع العجز عن الطهارة الفرع الأول في صلاة من فقد الماء والصعيد المدخل إلى المسألة: • كل الواجبات والشروط والأركان تسقط بالعجز. • كل من أُمِر بالصلاة، فامتثل الأمر الشرعي، لا يطالب بالإعادة. • المقاصد مقدمة على الوسائل. • الطهارة وسيلة للصلاة، والصلاة هي الغاية، فإذا سقطت الوسيلة بالعجز عنها، لم تسقط الغاية، وهي الصلاة. • المكمل إذا عاد على الأصل بالنقض سقط اعتباره، فالطهارة مكملة للصلاة، فالعجز عنها لا يكون مسوغًا لإسقاط الصلاة. [م-٣٦١] اختلف العلماء في الرجل لا يجد ماء ولا صعيدًا، فقيل: لا يصلي على خلاف بينهم أيقضي إذا قدر أم لا يقضي؟ فقيل: يقضي صلاته إذا قدر على الطهارة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وقول في مذهب مالك، وقول في مذهب الشافعية (١).

стр. 2683

وقيل: لا يصلي، ولا يقضي، وهو رواية المدنيين عن الإمام مالك (١)، وقول بعض الظاهرية (٢)، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور (٣). وسبب الاختلاف بين هذين القولين اختلافهم في الطهارة، أهي شرط للوجوب أم شرط للأداء؟ فمن قال: إنها شرط للوجوب لم يوجب القضاء؛ لأن الشيء إذا لم يَجِبْ لم يُقْضَ. ومن قال: إنها شرط للأداء أوجب القضاء لأن الوجوب قد توجه وما وجب يصح قضاؤه. وقيل: إذا فقد الطهورين صلى، على خلاف بينهم في وجوب الإعادة. فقيل: يصلي، ويعيد إذا قدر على الماء، أو على الصعيد. وهو اختيار ابن القاسم، والمشهور في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٤).

стр. 2684

وقيل: يصلي حسب حاله، ولا قضاء عليه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وقول أشهب من المالكية (١). والخلاف في وجوب الإعادة، راجع لاختلافهم في العذر النادر، أيسقط القضاء، أو يوجب الإعادة، استدراكًا للمصلحة؟ • دليل من قال: لا يصلي: الدليل الأول: أن الله قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ﴾ وقال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. (ح-٩١٧) وروى مسلم في صحيحه من طريق سماك بن حرب، عن مصعب ابن سعد، عن ابن عمر، وفيه: قال عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول (٢). والصلاة إذا لم تقبل لم تجب، فمن صلى بغير وضوء ولا تيمم، فقد صلى بغير طهور، فلا يكون ذلك صلاة، والعلماء متفقون على أن الطهارة من الحدث شرط، فإن كانت شرطًا للوجوب، فهو لا يصلي، ولا يعيد، كالحائض لا تجب عليها الصلاة لفقدها الطهارة، وإن كانت الطهارة شرطًا للأداء، فهو لا يصلي، ويقضي إذا قدر. وعلى كلا التوجيهين لا تجب الصلاة إلا بطهور من ماء، أو تيمم. • ويُجاب عن هذا: بأن قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) أي مع القدرة على الطهور، كما

стр. 2685

في قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) أي مع القدرة على الوضوء؛ لأنه لا خلاف أنه لو عدم الماء، وصلى بالتيمم صحت صلاته (١). ومثله حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٢)، ولو عجز عن الفاتحة لم تسقط عنه الصلاة مع قيام النفي بصحة الصلاة من دونها. والشروط تسقط بالعجز ولا تُسقِط الصلاة، ولا يصح القياس على الحائض؛ لأن الحائض مكلفة بترك الصلاة، لا سبيل لها إلى فعلها، ولو وجدت الطهور، ولو كان سقوط الصلاة عن الحائض لعجزها عن الطهارة لسقطت الصلاة عن صاحب الحدث الدائم، فهو مأمور بأن يصلي مع استمرار حدثه، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٩١٨) استدلوا بما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء -أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء ..... وفيه: فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا ..... الحديث، والحديث رواه مسلم (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نام حتى أصبح على غير ماء، وأنه لم يُصَلِّ هو ولا من كان معه حتى أنزل الله آية التيمم، فإذا كان الطهور هو الماء وحده قبل نزول آية التيمم، وحين فقد الماء لم يُصَلِّ رسول الله ﷺ ، ولا من كان معه حتى أنزل الله آية التيمم، فكذلك يكون الحال فيمن فقد القدرة على التيمم، لا يصلي حتى يتمكن من الفعل. • وأجيب عن ذلك: الجواب الأول: أن قوله: (حتى أصبح على غير ماء) أي دخل عليهم وقت الصبح، وليس معهم

стр. 2686

ماء، فنزلت آية التيمم، كل ما هناك أن آية التيمم نزلت قبل صلاتهم الصبح، وليس في الحديث ما يدل على أنهم أَخَّرُوا الصلاة عن وقتها المعتاد من أجل فقد الماء فضلًا أن يؤخذ من الحديث أنهم تعمدوا ترك الصلاة حتى خرج وقتها لفقد الماء. قال ابن رجب: «زعم بعضهم أن رواية القاسم، عن عائشة: أن النبي ﷺ نام حتى أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يُصَلِّ هو، ولا من معه. وهذا في غاية الضعف، وقد قررنا فيما تقدم أن آية سورة النساء التي فيها ذكر آية التيمم كان نزولها سابقًا لهذه القصة، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لظنهم أن من فوت الماء لطلب مال لا رخصة له في التيمم، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة لجواز التيمم في مثل ذلك، والظاهر أن الجميع صلوا بالتيمم، ولكن حصل لهم شك في ذلك، فزال ذلك عنهم بنزول آية المائدة، والله أعلم» (١). • دليل من قال: يصلي ولا يعيد: الدليل الأول: (ح-٩١٩) استدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم … الحديث، والحديث رواه مسلم (٢). وقد استدل البخاري بهذا الحديث الذي رواه هشام عن أبيه، على أن من لم يجد ماءً ولا ترابًا، أنه يصلي على حسب حاله، فإنهم صلوا بغير وضوء، ولم يكن شرع التيمم قبل ذلك، وشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، فإذا كان من فقد الماء قبل نزول التيمم صلى على حسب حاله، فكذلك من فقد الماء والصعيد صلى على حسب حاله، ولم يؤمر بالإعادة. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 2687

(ح-٩٢٠) وروى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (١). الدليل الثالث: أن الطهارة شرط، فإذا عجز عنها سقطت عنه، كاستقبال القبلة، وستر العورة، ونحوها. والشروط أخف من الأركان، لأن الأركان هي جزء من الماهية، فالصلاة تتكون من مجموع أركانها، فإذا عجز عن القيام صلى قاعدًا، وإذا عجز عن الركوع والسجود صلى إيماء، فإذا كان العجز عن الركن لا يسقط الصلاة، فالعجز عن الشرط من باب أولى. فالطهارة وسيلة للصلاة، والصلاة هي الغاية، فإذا سقطت الوسيلة بالعجز عنها لم تسقط الغاية، وهي الصلاة. • دليل من قال: يصلي ويعيد: هذان حكمان: الصلاة، ووجوب الإعادة، وكل واحد عليه دليل: أما الدليل على وجوب الصلاة عليهم في الحال، فاستدلوا بما سبق من حديث عائشة، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فإن هؤلاء الصحابة صلوا على حسب حالهم حين عدموا المطهر معتقدين وجوب ذلك، وأخبروا النبي ﷺ ، ولم ينكر عليهم، ولا قال: ليست الصلاة واجبة في هذا الحال، ولو كانت غير واجبة لبين ذلك لهم، كما قال لعمار ﵁: إنما كان يكفيك كذا وكذا .... وأما الدليل على وجوب الإعادة فاحتجوا بما رواه مسلم من حديث ابن عمر المتقدم ذكره: لا يقبل الله صلاة بغير طهور. ولأنه عذر نادر غير متصل، فلم تسقط الإعادة، كمن صلى محدثًا ناسيًا أو جاهلًا حدثه (٢). • ويُجاب عن هذا الدليل: أما استدلالكم على وجوب الصلاة عليه في الحال، فهو دليل صحيح، غير مدفوع.

стр. 2688

والاعتراض إنما هو على وجوب الإعادة، فإذا كانت صلاته لم تسقط عنه الإعادة، ولم تبرأ ذمته بهذا الفعل، فما المصلحة من فعل صلاةٍ لايعتد بها؟ فأوجبتم عليه الفرض مرتين، وإنما أوجب الله عليه الفرض مرة واحدة. وأما استدلالكم على وجوب الإعادة بحديث لا يقبل الله صلاة بغير طهور، فهل قلتم: إن الصلاة غير المقبولة لاغية، وليست صحيحة، ولا يطلب من المكلف فِعْلُ عبادة لا يقبلها الله، ولكن الجواب عن الحديث ما تقدم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور: أي مع القدرة عليه، مثله مثل حديث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، أي مع القدرة عليه، فإن عجز تيمم، فإن عجز صلى على حسب حاله. والله أعلم. • الراجح من الخلاف: القول بأنه يصلي ولا يعيد هو أقوى الأدلة وأسلمها من المعارضة، والله أعلم. * * *

стр. 2689

الفرع الثاني في وجوب الطهارة للصلاة من الحدث الدائم المدخل إلى المسألة: • لا تسقط الصلاة بالعجز عن الطهارة؛ لأن الصلاة مقصد، ورعايتها أولى من تحصيل مصلحة الطهارة من الحدث، أو دفع مفسدة الخبث. • كل وضوء لا يرفع الحدث فليس بواجب كطهارة من به حدث دائم، والغسلة الثانية والثالثة، وتجديد الوضوء إلا تغسيل الميت. • كل خارج لا ينقض الحدث، وهو في الصلاة، لا ينقض، وهو خارجها. • تجدد الصلاة، أو خروج الوقت ليس حدثًا يوجب الوضوء على الصحيح. • لا فرق بين ما يخرج من صاحب الحدث الدائم قبل الوضوء، وما يخرج منه في أثناء الوضوء، وما يخرج منه بعد الوضوء. • لا يصح حديث مرفوع في أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة. • إذا خفف عن الحائض قضاء الصلاة، وهي الغاية تخفيفًا عليها بسبب التكرار، كان صاحب الحدث أولى بالتخفيف في سقوط الطهارة، وهي من توابع الصلاة. [م-٢٦٣] اختلف العلماء في وجوب الوضوء من الحدث الدائم كدم الاستحاضة، ومن به سلس بول أو ريح. فقيل: يجب الوضوء لوقت كل صلاة، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة (١).

стр. 2690

وقيل: يجب الوضوء لكل فريضة، مؤداة أو مقضية، وأما النوافل فتصلي بطهارتها ما شاءت، وهو مذهب الشافعية (١). وقيل: يستحب الوضوء، ولا يجب. وهو مذهب المالكية (٢). وقيل: الوضوء واجب لكل صلاة، فرضًا كانت أم نفلًا، خرج الوقت أم لم يخرج، وهذا اختيار ابن حزم (٣). فصارت الأقوال في الجملة ترجع إلى قولين: أحدهما: وجوب الوضوء على من به حدث دائم، وهو قول الجمهور على خلاف بينهم: أيكون وجوب الوضوء لوقت كل صلاة، أم يجب الوضوء لكل فريضة دون النافلة، أم يجب لكل صلاة مطلقًا؟ والثاني: أن الوضوء مستحب، وليس بواجب، وهو قول المالكية. والذي جعل المالكية يخالفون الجمهور، أمور منها: الأول: أن الأحاديث الواردة المرفوعة في أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة أحاديث ضعيفة.

стр. 2691

فحديث حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة ضعيف. وحديث شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، ضعيف جدًّا. وحديث جابر ضعيف، وكذا حديث سودة بنت زمعة. وقد خرجت كل هذه الأحاديث في كتابي موسوعة الطهارة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا طلبًا للاختصار (١). قال ابن رجب الحنبلي: «أحاديث الوضوء لكل صلاة قد رويت من وجوه متعددة، وهي مضطربة، ومعللة» (٢). الثاني: أن ما جاء في حديث عائشة من الوضوء لكل صلاة في صحيح البخاري ليس مرفوعًا، بل المحفوظ أنه موقوف على عروة، وعلى التسليم بأنه مرفوع، فرفعه شاذ. (ح-٩٢١) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٣). [زيادة قال هشام: قال أبي .. الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (٤).

стр. 2692

خاصة أن هشامًا لا يروي الحديث إلا عن أبيه، ولا يشاركه شيخ آخر، فلماذا إذن قال: قال هشام: قال أبي؟ ولو أن هشامًا يروي الحديث عن أكثر من شيخ لأمكن أن يقال: إن هشامًا أراد أن يَفْصِلَ زيادة أبيه، عن لفظ مشايخه الآخرين، فلما لم يكن له شيخ إلا أبوه، علمنا أن هشامًا أضاف إلى أبيه هذا الكلام. ومما يرجح كونها موقوفة أيضًا أن الإمام مالكًا ﵀ روى الحديث عن هشام، فذكر المرفوع، ولم يذكر الزيادة، وروى الزيادة عن هشام موقوفًا على عروة دون ذكر المرفوع، ففصل المرفوع عن الموقوف، وكفى بهذا قرينة على أن الكلام موقوف على عروة. كما روى الحديث ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن هشام عن عروة، قال: المستحاضة تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، موقوفًا عليه (١). كما رواه ابن أبي شيبة، عن حفص، عن هشام به قرنه بأبي معاوية موقوفًا على عروة (٢). الثالث: أن صاحب الحدث الدائم لو تطهر فلن يرتفع حدثه، لأن خروج الحدث معه مستمر، فإذا كان خروج الحدث في أثناء الوضوء، وبعده قبل الصلاة، وفي أثناء الصلاة لا يوجب الطهارة، فكيف يقال: يوجب الطهارة عند تجدد الصلاة أو خروج الوقت؟ لهذا جعل المالكية الوضوء منه على الاستحباب. الرابع: أن التكرار غير المعتاد علة في إسقاط العبادة، وقد علل به بعض

стр. 2693

الفقهاء لبعض الأحكام، فالحنفية يرون أن المغمى عليه إذا أغمي عليه أكثر من خمس صلوات سقط القضاء، وأسقط المالكية وجوب ترتيب الفوائت إذا زاد ذلك عن خمس صلوات، وبنى الفقهاء قاعدة فقهية متفق عليها في الجملة أن المشقة تجلب التيسير. وإذا كانت الصلاة، وهي الغاية يسقط قضاؤها عن الحائض، ولا يعلم علة لسقوط القضاء غير مشقة القضاء بتكرار الحيض، وتكرار الصلاة، وإلا فأهلية التكليف موجودة، بدليل أن الحائض تقضي الصوم؛ لعدم تكراره في العام إلا مرة واحدة، فكون الطهارة تسقط عن صاحب الحدث الدائم من باب أولى؛ لأن الطهارة بالنسبة للصلاة من التوابع، ولأن الحيض دم طبيعة، والحدث الدائم علة ومرض، فهو أولى بالرخصة، ولأن الحيض يأتي في الشهر أيامًا معلومة، وغالب الشهر تكون المرأة طاهرًا من الحيض، ومع ذلك سقط عنها قضاء الصلاة، بخلاف الحدث الدائم فإنه مطبق على صاحبه، لا يكاد ينقطع عنه حتى يعافيه الله، وربما مكث على هذه الحالة سنوات كثيرة، فكان القياس أن تسقط الطهارة عن صاحب الحدث الدائم كالحائض بل هو أولى، ولولا وجوب الصلاة على المستحاضة لقيل بسقوط الصلاة عنه. وقد بحثت هذه المسألة بتوسع في أكثر من موضع من كتابي موسوعة أحكام الطهارة، وذكرت أدلة هذه الأقوال، فارجع إليه غير مأمور إن شئت أن تقف على أدلة كل مذهب (١). وَاعْلَمْ أن الإحالة إلى كتابي الطهارة ليست رغبة لي وكذلك عند كثير من أبنائي وإخوتي طلبة العلم، ولكن الذي يحملني على الإحالة أن المشروع كله واحد، فتكراره مع أنه يرهق في زيادة حجم الكتاب، ونفقات الطباعة، فهو من التكرار الذي لا أرغبه، وكل مسألة أعدتها فالغالب أنني أعدتها لوجود ما يستدعي ذلك من زيادة أو مراجعة، وقد عرضت جميع كتبي في الشبكة الإلكترونية مجانًا لتسهيل مراجعتها

стр. 2694

لمن لم يكن عنده الكتب السابقة، فأرجو من طلبة العلم تفهم كثرة الإحالات على كتابي أحكام الطهارة طلبًا لاختصار الكتاب، والله أعلم. • الراجح: أرى أن ما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ هو القول المتعين، ويتفق مع قواعد الشرع، ولا ينهض عندي القول بتحسين الأحاديث الضعيفة بالشواهد؛ لأن اللفظ في حديث عائشة بالأمر بالوضوء لكل صلاة موقوف على عروة، ورفعه شاذ، والشاذ لا يصلح للاعتبار، وما عداه لا يكفي للتحسين بمثل هذه المسألة التي يحتاج إليها، وقد وقعت في عهد النبي ﷺ ، وتكرر وقوعها مرات، فلو كان الأمر بها محفوظًا لجاءت الأحاديث الصحيحة التي تبين وجوب الوضوء بصورة تقوم بمثلها الحجة. والله أعلم. * * *

стр. 2695

الفصل الثاني في الطهارة من الخبث المبحث الأول في اشتراط طهارة بدن المصلي المدخل إلى المسألة: • ثبت الأمر بغسل النجاسات، وهو لا يجب لغير الصلوات. • العذاب في القبر في عدم الاستتار من البول دليل على أن ذلك من الكبائر. • إذا أمر المصلي بِدِلْكِ الأذى من نعليه كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، فطهارة بدنه من باب أولى. • بدن المصلي محل للتطهير في الصلاة، بصرف النظر أهذا الفعل ملحق بالشروط أم بالواجبات. [م-٣٦٣] لا يختلف الفقهاء بأن المصلي مأمور شرعًا بطهارة بدنه من النجاسة إذا أراد أن يصلي (١)، سواء أقلنا: هذه الطهارة شرط لصحة الصلاة، كما هو قول الجمهور، أم قلنا: هي واجبة مع القدرة والتذكر، كما هو المشهور من مذهب المالكية، أم ألحقنا الطهارة بالسنن، كما هو قول لبعض المالكية. وسبق بحث اختلاف الفقهاء في اشتراط الطهارة، وليس الغرض من هذا المبحث إعادة البحث في حكم الطهارة من الخبث للصلاة، وإنما البحث هنا في

стр. 2696

ذكر الأدلة الخاصة على طهارة البدن، وبيان أن البدن محل للتطهير في الصلاة، بصرف النظر، هل هذا الفعل ملحق بالشروط أو بالواجبات، أو بالسنن. (ح-٩٢٢) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد ابن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة، سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء (١). (ح-٩٢٣) وروى البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: مرَّ النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (٢). (ح-٩٢٤) وروى البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٣). ثبت الأمر بغسل النجاسات، وهو لا يجب لغير الصلوات. وإذا طلب من المصلي طهارة ما يلبسه كما في حديث أبي سعيد الخدري في

стр. 2697

خلع النبي ﷺ نعليه في الصلاة لوجود الأذى بهما فطهارة بدنه من باب أولى، قال ابن الهمام: «وإذا وجب التطهير بما ذكرنا في الثوب، وجب في البدن والمكان؛ فإن الاستعمال في حالة الصلاة يشمل الكل» (١). وسيأتينا إن شاء الله تعالى طهارة ثياب المصلي ومكانه في مباحث مستقلة. * * *

стр. 2698

المبحث الثاني في اشتراط طهارة ثوب المصلي المدخل إلى المسألة: • الأصل عدم الشرطية إلا بدليل. • القول بالشرطية قدر زائد على القول بالوجوب. • كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة، لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا يثبت لمجرد الأمر به. • طهارة السترة من واجبات الصلاة على الصحيح، وترك الواجب لا يبطل الصلاة، إما مطلقًا على أحد القولين، أو بشرط ألا يتعمده على القول الآخر. • نجاسة السترة ملحق بالمحظورات على الصحيح، وارتكاب المحظور ناسيًا لا يبطل الصلاة، بخلاف المأمورات. [م-٣٦٤] اتفق الفقهاء على أن طهارة الثوب من الخبث مأمور بها شرعًا، واختلفوا هل ذلك شرط، أو واجب، أو مندوب؟ فقيل: الطهارة شرط على خلاف بينهم: فقيل: شرط مطلقًا حتى مع العجز، فإن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا؟ فقيل: يصلي عاريًا، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، وبه قال أبو الفرج من المالكية (١).

стр. 2699

وقيل: يصلي بالنجس وجوبًا، ويعيد إذا قدر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (١). وقيل: شرط على القادر دون العاجز، فإن صلى بالنجس ناسيًا فإن ذلك لا يجزئه، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن وهب من المالكية، والمزني من الشافعية، إلا أن الحنفية قالوا: إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا خير بين الصلاة فيه، وتركه (٢). وقيل: شرط مع القدرة والتذكر، دون العاجز والناسي، فلو صلى بالثوب النجس ذاكرًا للنجاسة، قادرًا على إزالتها أعاد الصلاة أبدًا في الوقت وغيره. وإن

стр. 2700

صلى به عاجزًا عن إزالتها، أو ناسيًا لها صحت صلاته، ويعيدها في الوقت، وهو مذهب المدونة، وقال الحطاب: «وهو المعتمد في المذهب» (١). جاء في التاج والإكليل نقلًا عن اللخمي: «مذهب المدونة: هي واجبة مع الذكر والقدرة» (٢). وعبر اللخمي بالواجب عن الشرط (٣). وقيل: طهارة الساتر واجبة، وليست بشرط، فإن تركها ولو عامدًا أعاد في الوقت جبرًا للنقص، وهو قول في مذهب المالكية، اختاره أشهب، ورجحه ابن القصار، والمازري في التلقين (٤). وقيل: طهارة الساتر سنة، ويعيد في الوقت، واعتبره ابن رشد الجد، وعبد الحق في النكت، وابن يونس هو المشهور من مذهب مالك، وقال الدردير: حكى بعضهم الاتفاق عليه (٥).
следующие страницы →