ذكر الأدلة الخاصة على طهارة البدن، وبيان أن البدن محل للتطهير في الصلاة، بصرف النظر، هل هذا الفعل ملحق بالشروط أو بالواجبات، أو بالسنن.
(ح-٩٢٢) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد ابن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة،
سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء (١).
(ح-٩٢٣) وروى البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: مرَّ النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (٢).
(ح-٩٢٤) وروى البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٣).
ثبت الأمر بغسل النجاسات، وهو لا يجب لغير الصلوات.
وإذا طلب من المصلي طهارة ما يلبسه كما في حديث أبي سعيد الخدري في
стр. 2697
خلع النبي ﷺ نعليه في الصلاة لوجود الأذى بهما فطهارة بدنه من باب أولى، قال ابن الهمام: «وإذا وجب التطهير بما ذكرنا في الثوب، وجب في البدن والمكان؛ فإن الاستعمال في حالة الصلاة يشمل الكل» (١).
وسيأتينا إن شاء الله تعالى طهارة ثياب المصلي ومكانه في مباحث مستقلة.
* * *
стр. 2698
المبحث الثاني في اشتراط طهارة ثوب المصلي
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم الشرطية إلا بدليل.
• القول بالشرطية قدر زائد على القول بالوجوب.
• كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة، لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا يثبت لمجرد الأمر به.
• طهارة السترة من واجبات الصلاة على الصحيح، وترك الواجب لا يبطل الصلاة، إما مطلقًا على أحد القولين، أو بشرط ألا يتعمده على القول الآخر.
• نجاسة السترة ملحق بالمحظورات على الصحيح، وارتكاب المحظور ناسيًا لا يبطل الصلاة، بخلاف المأمورات.
[م-٣٦٤] اتفق الفقهاء على أن طهارة الثوب من الخبث مأمور بها شرعًا، واختلفوا هل ذلك شرط، أو واجب، أو مندوب؟
فقيل: الطهارة شرط على خلاف بينهم:
فقيل: شرط مطلقًا حتى مع العجز، فإن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا؟
فقيل: يصلي عاريًا، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، وبه قال أبو الفرج من المالكية (١).
стр. 2699
وقيل: يصلي بالنجس وجوبًا، ويعيد إذا قدر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (١).
وقيل: شرط على القادر دون العاجز، فإن صلى بالنجس ناسيًا فإن ذلك لا يجزئه، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن وهب من المالكية، والمزني من الشافعية، إلا أن الحنفية قالوا: إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا خير بين الصلاة فيه، وتركه (٢).
وقيل: شرط مع القدرة والتذكر، دون العاجز والناسي، فلو صلى بالثوب النجس ذاكرًا للنجاسة، قادرًا على إزالتها أعاد الصلاة أبدًا في الوقت وغيره. وإن
стр. 2700
صلى به عاجزًا عن إزالتها، أو ناسيًا لها صحت صلاته، ويعيدها في الوقت، وهو مذهب المدونة، وقال الحطاب: «وهو المعتمد في المذهب» (١).
جاء في التاج والإكليل نقلًا عن اللخمي: «مذهب المدونة: هي واجبة مع الذكر والقدرة» (٢).
وعبر اللخمي بالواجب عن الشرط (٣).
وقيل: طهارة الساتر واجبة، وليست بشرط، فإن تركها ولو عامدًا أعاد في الوقت جبرًا للنقص، وهو قول في مذهب المالكية، اختاره أشهب، ورجحه ابن القصار، والمازري في التلقين (٤).
وقيل: طهارة الساتر سنة، ويعيد في الوقت، واعتبره ابن رشد الجد، وعبد الحق في النكت، وابن يونس هو المشهور من مذهب مالك، وقال الدردير: حكى بعضهم الاتفاق عليه (٥).
стр. 2701
جاء في البيان والتحصيل: «والمشهور في المذهب قول ابن القاسم وروايته عن مالك: أن رفع النجاسات من الثياب والأبدان سنة لا فريضة، فمن صلى بثوب نجس على مذهبهم ناسيًا، أو جاهلًا بنجاسته، أو مضطرًّا إلى الصلاة فيه، أعاد في الوقت» (١).
هذا ملخص أقوال سادتنا الفقهاء، عليهم رحمة الله.
وأقوال الفقهاء تضمنت مسألتين:
الأولى: حكم طهارة الثوب في الصلاة، والأقوال فيها كالتالي:
قيل: شرط على خلاف بينهم: فقيل: شرط مطلقًا حتى مع العجز، وقيل: شرط على القادر فقط، وقيل: شرط مع القدرة والتذكر.
وقيل: واجب، فإن صلى بثوب نجس عامدًا صحت، ويعيد الصلاة في الوقت.
وقيل: سنة، ويعيد ندبًا في الوقت.
وقد ذكرت أدلة هذه المسألة في شرط ستر العورة، عند الكلام على شروط الساتر، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد وحده، وهو المستعان.
الثانية: إذا لم يجد المصلي إلا ثوبًا نجسًا، فهل يصلي عاريًا أم يصلي بالثوب النجس للضرورة، وإذا صلى فهل يعيد الصلاة إذا قدر على ثوب طاهر، أم لا.
وهذه المسألة سوف أفرد لها بحثًا مستقلًا في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 2702
الفرع الأول إذا لم يجد المصلي إلا ثوبًا نجسًا
المدخل إلى المسألة:
• الصلاة مع ستر العورة بالثوب النجس آكد من الصلاة عاريًا للعجز عن إزالة النجاسة؛ لأن ستر العورة واجب للصلاة وغيرها.
• إذا صلى المصلي امتثالًا للشرع لم تجب عليه الإعادة.
• الواجبات تسقط بالعجز، وما سقط لا يوجب الإعادة.
• إذا لم تجب الإعادة على المستحاضة مع صلاتها بالنجاسة على القول بنجاسة الدم، لم تجب الإعادة على من صلى بالنجاسة عاجزًا عن إزالتها.
• القول بوجوب الصلاة مع وجوب الإعادة قول متناقض، فإن كانت الصلاة بالثوب النجس صحيحة فلا حاجة لإعادتها، وإن كانت باطلة فلماذا يؤمر بها؟
[م-٣٦٥] اختلف الفقهاء في الرجل لا يجد إلا ثوبًا نجسًا
فقيل: إن تنجس ربع الثوب فأكثر خير بين الصلاة به وبين تركه، وإن كانت النجاسة أقل من ربع الثوب صلى به وجوبًا، ولا إعادة عليه، وهذا مذهب الحنفية (١).
стр. 2703
وقيل: يصلي عاريًا، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، وبه قال أبو الفرج من المالكية (١).
وقيل: يصلي بالنجس على خلاف بينهم في إعادة الصلاة:
فقيل: لا إعادة عليه مطلقًا، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: تستحب الإعادة في الوقت، فإن خرج فلا إعادة، وهو ما عليه أصحاب مالك، على اختلافهم في توصيفهم الطهارة من النجاسة (٣).
стр. 2704
وقيل: يعيد مطلقًا إذا قدر على ثوب طاهر في الوقت وغيره، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية، وهو مبني على أن طهارة الثوب شرط مطلقًا حتى مع العجز (١).
وانظر: أدلة هذه الأقوال وبيان الراجح منها في المجلد الرابع من هذا الكتاب.
* * *
стр. 2705
الفرع الثاني إذا علم بنجاسة ثوبه بعد الفراغ من الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الجهل عذر يسقط به التكليف في المأمورات والمنهيات، والنسيان عذر في سقوط المنهيات دون المأمورات.
• كل مأمور أسقطه الفقهاء بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، كسقوط ترتيب الفوائت، والتسمية في الوضوء.
• المأمور به قُصِدَ تحصيلهُ، فإذا عرت منه العبادة أعيدت طلبًا لتحصيله.
• المحظور قُصِدَ تركهُ، وفعله نسيانًا أو جهلًا ملغًى كأن لم يفعل؛ لعدم القصد، وما كان ملغًى لم يوجب فعله الإعادة.
• قال الخطابي: كل شيء له أصل صحيح في التعبد، ثم طرأ عليه الفساد قبل أن يعلم صاحبه، فإن الماضي منه صحيح (١).
[م-٣٦٦] إذا رأى على ثوبه نجاسة لا يعفى عنها بعد الصلاة، فإن شك في وقت حدوثها سواء أصلى بها، أم طرأت عليه بعد الصلاة لم تجب عليه الإعادة.
لأن الأصل عدم كونها في الصلاة؛ لاحتمال حدوثها بعده، فلا تبطل الصلاة بالشك.
قال النووي: «إذا سلم من صلاته، ثم رأى عليه نجاسة يجوز أنها كانت في الصلاة، ويجوز أنها حدثت بعدها، فصلاته صحيحة، بلا خلاف» (٢).
стр. 2706
وفيه وجه للحنابلة أن صلاته باطلة، وهو قول ضعيف (١)؛ فإن الصلاة لا تبطل بمجرد الشك.
وإن جزم أنه صلى بالنجاسة سواء أجهل وجودها، أم علم بها قبل الصلاة ونسيها، ففي وجوب إعادة الصلاة خلاف بين أهل العلم.
فقيل: تجب الإعادة، وهو مذهب الحنفية، والجديد من قولي الشافعي في حق الجاهل، وأصح الطريقين للشافعية في حق الناسي، وبه قطع العراقيون، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال ابن وهب وابن حبيب من المالكية (٢).
قال النووي: «إن علم أنها -أي النجاسة- كانت في الصلاة، فإن كان لم يعلمها قبل ذلك، فقولان: الجديد الأصح بطلان صلاته.
والقديم: صحتها … وإن كان علمها، ثم نسيها فطريقان مشهوران للخراسانيين، أصحهما، وبه قطع العراقيون: تجب الإعادة قولًا واحدًا؛ لتفريطه.
والثاني: فيه قولان كالجاهل» (٣).
وقيل: صلاته صحيحة وهو مذهب المالكية، والقديم من قولي الشافعي في حق الجاهل، وأحد الطريقين للشافعية في حق الناسي، وقواه النووي واختاره
стр. 2707
الخطابي، وهو رواية عن أحمد، قال في الإنصاف: وهي الصحيحة عند أكثر المتأخرين، ورجحها ابن تيمية (١).
واستحب المالكية وربيعة والزهري الإعادة في الوقت (٢).
جاء في المدونة: «وإن رأى -يعني النجاسة- بعدما فرغ أعاد في الوقت» (٣).
وفي الشرح الكبير للدردير: «إن ذكرها -يعني النجاسة- قبلها، ثم نسيها عند الدخول فيها، واستمر حتى فرغ منها فلا تبطل، ولو تكرر الذكر والنسيان قبلها، وإنما يعيد في الوقت» (٤).
• دليل من قال: عليه إعادة الصلاة:
الدليل الأول:
دلت أحاديث كثيرة على اشتراط طهارة الثوب للصلاة، وقد سبق ذكرها،
منها: حديث أسماء المتفق عليه في غسل الثوب من دم الحيض (٥).
стр. 2708
ومنها: حديث معاوية بن أبي سفيان في سؤاله أم حبيبة هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه (١).
ومنها حديث ابن عباس في مرور النبي ﷺ بقبرين، وإخباره ﷺ عن عذابهما بسبب عدم التنزه من البول (٢).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث:
هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث يستفاد منها أن غسل النجاسة فرض واجب، وما كان فرضًا فإنه لا يسقط إلا بفعله، كما لو نسي مسح رأسه أو غير ذلك من فرائض وضوئه أو صلاته، ورفع الإثم عن الجاهل والناسي لا يعني ذلك سقوط الإعادة، ولأن هذه النصوص عامة فتبقى على عمومها من غير فرق بين العامد، والجاهل، والناسي (٣).
• ويجاب:
بأن هذه الأحاديث غاية ما فيها الدلالة على وجوب اجتناب النجاسة، والوجوب لا يستلزم الشرطية، وترك الواجب لا يفسد العبادة خاصة إذا كان الواجب من باب المنهيات، وقد تركه المصلي نسيانًا أو جهلًا.
وعلى التسليم، فهذه العمومات قد خص منها الناسي والجاهل، والخاص مقدم على العام، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القياس على طهارة الحدث، فإذا كانت طهارة الحدث وهي إحدى الطهارتين لا تسقط بالجهل والنسيان، فكذلك طهارة الخبث.
• وأجيب:
بأن هناك فرقًا بين طهارة الحدث وطهارة الخبث، فلا يصح القياس مع وجود الفارق، فمن ذلك:
أولًا: طهارة الحدث من باب فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فمن باب ترك
стр. 2709
المحظور، والفرق أن المأمورات الغرض من الأمر بها تحصيل مصلحتها، وذلك لا يكون إلا بفعلها، فإذا تركها ناسيًا، أو جاهلًا، كان مخاطبًا بتداركها، والغرض من المنهيات دفع مفاسدها بتركها، والتخلي عنها، فإذا فعلها ناسيًا كان بمنزلة من لم يفعلها؛ لأنه لم يقصد فعلها، فكأنها لم تقع حكمًا.
ثانيًا: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح خلافًا للحنفية، بخلاف طهارة الخبث فهي من باب التروك، لا تشترط لها النية، كترك الزنا والخمر ونحوها.
وقد حكى جماعة من العلماء الإجماع على أن طهارة الخبث لا تحتاج إلى نية، منهم القرطبي في تفسيره (١)، وابن بشير وابن عبد السلام من المالكية (٢)، والبغوي، وصاحب الحاوي من الشافعية (٣).
ثالثًا: طهارة الحدث تعبدية محضة غير معقولة المعنى، فبدن المحدث، وعرقه، وريقه طاهر، بخلاف طهارة الخبث فهي طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.
رابعًا: طهارة الحدث الصغرى تختص بأعضاء مخصوصة، ربما ليس لها علاقة بالحدث نفسه، فالبول، والغائط يوجب طهارة الحدث والخبث، فالموجَب في طهارة الحدث: غسل الأعضاء الأربعة الطاهرة، ولا علاقة لها بمخرج البول والغائط، بينما في طهارة الخبث تتعلق الطهارة بمخرج البول: أي بعين النجاسة أين ما وجدت.
خامسًا: طهارة الحدث لا يعفى عن يسيرها، فخروج البول، أو الغائط، أو الريح ناقض مطلقًا، وأما طهارة الخبث فهو مَعْفُوٌّ عن يسيرها على الصحيح.
• دليل من قال: لا تجب الإعادة:
الدليل الأول:
(ح-٩٢٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم
стр. 2710
خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني، فأخبرني أن بهما خبثًا، فإذا جاء أحدكم المسجد، فليقلب نعله فلينظر فيها، فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض، ثم ليُصَلِّ فيهما (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ حين أخبره جبريل في أثناء الصلاة أن في نعليه خبثًا خلعهما ﵊، وبنى على صلاته رغم أن جزءًا من صلاته كان متلبسًا بالنجاسة، فلو لم يكن الجهل بالنجاسة عذرًا لاستأنف الصلاة، وإذا صحت الصلاة مع الجهل بالنجاسة، فالنسيان عذر كالجهل.
قال الخطابي في معالم السنن: «فيه من الفقه: أن من صلى، وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها، فإن صلاته مجزية» (٣).
• وأجيب عن الحديث بجوابين أحدهما يتعلق بالمتن والآخر بالإسناد:
الجواب الأول مما يتعلق بالمتن:
قالوا: إن الحديث رواه بعض الرواة عن حماد بلفظ: (إن فيهما قذرًا) وبعضهم رواه عن حماد (إن فيهما أذىً) وبعضهم بالشك، (إن فيهما قذرًا أو أذىً) وبعضهم: (إن فيهما خبثًا).
ولم يرد في لفظ واحد: أن فيهما نجاسة، ولفظ الأذى، والقذر، والخبث يطلق على النجاسة، ويطلق على غيرها مما يستقذر، وإن لم يكن نجسًا.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢].
وأطلق لفظ (الخبيث) على ما ليس بنجس في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ
стр. 2711
قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان (١).
وفي مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا، فلا يقربنا في المسجد (٢).
وجاء في مسلم من حديث رافع بن خديج: كَسْبُ الحجام خبيث (٣).
فإذا كان هذا اللفظ يحتمل النجاسة، ويحتمل غيرها، وكانت الطهارة من النجاسة شرطًا، وانعدام الشرط يؤدي إلى انعدام المشروط، فإذا صح البناء على الصلاة، كان هذا قرينة على أن الأذى الذي كان في النعل مما يستقذر من الطاهرات.
وعلى فرض أن يكون الأذى المراد به النجاسة فإنه لا يصح الاستدلال به على صحة الصلاة بالنجاسة ناسيًا إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يتنجس جميع أسفل النعل؛ لأن النجاسة إن كانت لبعض النعل فتدخل في النجاسة المعفو عنها؛ لكونها يسيرة، فقد يكون النبي ﷺ بنى على صلاته لكون النجاسة يسيرة، وجافة ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى مسها بالأرض لتنفصل عن النعل، ولو كانت النجاسة مائعة قد تشربت النعل، وتغلغلت فيه ربما لا يكفي مجرد مسها بالأرض.
الشرط الثاني: أن تباشر النجاسة بدن المصلي، وهي هنا في سفل النعل، فهي بمنزلة الوقوف على حصير أسفله نجس، وأعلاه طاهر، والله أعلم.
ولو فرض أن النجاسة مقدارها كبير لا يعفى عنه، وأنها متصلة ببدن المصلي فربما كان هذا دليلًا لقول بعض المالكية بأن الصلاة بالنجاسة لا يبطل الصلاة
стр. 2712
مطلقًا، وأن قيد النسيان ليس بقيد لصحة البناء على ما صلى، والله أعلم.
• ويناقش:
بأن الأذى الذي على النعل لو كان طاهرًا لم ينزل جبريل من السماء بإخبار النبي ﷺ ، وأمره بخلع نعاله، فشأن الوحي عظيم، وما يتنزل إلا لأمر عظيم، وقياسه على الحصير المنفصل الذي لا يتحرك بحركته فيه نظر، والله أعلم.
وقد جاء الحديث من مسند أبي هريرة،
(ح-٩٢٦) رواه أبو داود من طريق محمد بن كثير -يعني: الصنعاني- عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمعنى حديث أبي سعيد، قال: إذا وَطِئَ الأذى بخفيه، فطهورهما التراب (١).
[ضعيف] (٢).
فقوله: (طهورهما) إشارة إلى نجاسة النعل، لأن الطاهر لا يحتاج إلى طهور.
الجواب الثاني مما يتعلق بإسناد الحديث:
أن الحديث قد أعل بعلتين:
العلة الأولى: أن الحديث معروف بحماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، وكل واحد من هؤلاء قد تكلم فيه.
قال البيهقي في السنن: «رغب الشافعي عن حديث أبي سعيد؛ لاشتهاره بحماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، وكل واحد منهم مختلف في عدالته، وكذلك لم يحتج البخاري في الصحيح بواحد منهم، ولم يخرجه مسلم في كتابه مع احتجاجه بهم في غير هذه الرواية» (٣).
وقد يكون الحمل على حماد بن سلمة نفسه، فإنه ثقة فيما يرويه عن ثابت وحميد، وله أوهام وأخطاء في روايته عن غيرهما، وقد تغير بآخرة، قال ابن
стр. 2713
أبي حاتم في الجرح والتعديل: «سئل أبي عن أبي الوليد، وحجاج بن المنهال، فقال: أبو الوليد عند الناس أكثر، كان يقال سماعه من حماد بن سلمة فيه شيء، كأنه سمع منه بآخرة، وكان حماد ساء حفظه في آخر عمره» (١). اه
• ورد هذا الإعلال بجوابين:
الجواب الأول:
سبق لنا أن حديث حماد بن سلمة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صحيح بلا خلاف إذا روى عن شيوخ يعتبر مقدمًا فيهم، كروايته عن ثابت فهو من أثبت الناس فيه باتفاق أهل الحديث، وكذا روايته عن خاله حميد الطويل، وعمار بن أبي عمار (٢).
القسم الثاني: ضعيف إذا روى عن شيوخ قد تكلم العلماء في روايته عنهم، مثل قيس بن سعد وزياد الأعلم (٣).
القسم الثالث: من لم يتكلم في روايته عنهم، فالأصل أن حديثه حسن ما لم يخالف غيره من الثقات، أو يختلف عليه فيه.
وحديثنا أرجو أن يكون من القسم المقبول (٤).
стр. 2714
وأما أبو نعامة الحنفي: قيس بن عباية، فقد وثقه ابن معين كما في الجرح والتعديل (١)، وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدًا رماه ببدعة في دينه، ولا كذب في روايته (٢).
وأما أبو نضرة: واسمه المنذر بن مالك فقد وثقه ابن معين وأبو زرعة (٣)، والنسائي (٤).
الجواب الثاني:
أن حماد بن سلمة لم يتفرد به، فقد تابعه ثلاثة رواة كما سيأتي بيانه في الجواب عن العلة الثانية.
الإعلال الثاني:
أن الحديث رواه حماد بن زيد، وهو أوثق من حماد بن سلمة مرسلًا.
فقد رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة: أن النبي ﷺ … هكذا مرسلاً.
ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٥).
• ورد هذا الإعلال:
بأن رواية حماد بن سلمة أرجح من رواية حماد بن زيد، فقد توبع حماد بن سلمة على وصله تابعه ثلاثة رواة، حجاج الباهلي، وأبو عامر الخزاز، وعمران القطان.
стр. 2715
وقد رجح أبو حاتم والدارقطني رواية حماد بن سلمة المتصلة على رواية حماد بن زيد، عن أيوب المرسلة.
ولأن أيوب قد اختلف عليه في إسناده، ولم يختلف على حماد بن سلمة، والله أعلم (١).
стр. 2716
الدليل الثاني:
استدلوا بالآيات والأحاديث التي فيها رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
(ح-٩٢٧) وروى مسلم من طريق وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، مولى خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث،
عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، قال: فألقى الله الإيمان في
стр. 2717
قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: قد فعلت … (١).
وجه الاستدلال:
فدلت الآيات والأحاديث على أن ما وقع على سبيل الخطأ والنسيان فهو عفو، والفرق بين الخطأ والنسيان، قال السعدي: «النسيان: ذهول القلب عن ما أمر به، فيتركه نسيانًا.
والخطأ: أن يقصد شيئًا يجوز له قصده، ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله، فهذان قد عفا الله عن هذه الأمة ما يقع بهما رحمةً بهم وإحسانًا، فعلى هذا من صلى في ثوب مغصوب، أو نجس، أو قد نسي نجاسة على بدنه، أو تكلم في الصلاة ناسيًا .... فإنه معفو عنه» (٢).
وما عذر فيه بالخطأ والنسيان، عذر فيه بالجهل، والله أعلم.
• وأجيب:
بأن المقصود برفع المؤاخذة: رفع الإثم عن المخطئ والناسي، وهو حكم تكليفي، وأما فساد العبادة فهذا حكم وضعي، والقضاء مترتب عليه، ولهذا يضمن المخطئ والناسي ما أتلفه، ولو كان الرفع يشمل الحكم الوضعي لسقط الضمان.
فنفي المؤاخذة لا بد أن يكون لأحد أمرين، أو كليهما، وهما: الإثم والضمان؛ والإثم مرفوع قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [الأحزاب: ٥].
والضمان غير مرفوع إجماعًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فاتضح أن المرفوع هو الإثم دون الضمان، ومن الضمان: قضاء العبادة؛ لفسادها (٣).
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد فرق بعض الفقهاء بين الجاهل والناسي،
стр. 2718
فقال: النسيان يهجم على العبد قهرًا، لا حيلة له في دفعه عنه، والجهل له حيلة في دفعه بالتعلم» (١).
• ورد هذا:
بأن الشرائع لا تلزم إلا بالعلم، فالجهل عذر في سقوط القضاء مطلقًا، وعذر في سقوط الإثم إذا لم يفرط في طلب العلم، وقد بينت هذا في مسألة سابقة من مباحث هذا الشرط، ولله الحمد.
وأما النسيان فهو يسقط القضاء في المنهيات دون المأمورات، وقد وقفت على وجه التفريق بينهما في أدلة القول السابق، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-٩٢٨) ما رواه أبو داود من طريق أم يونس بنت شداد، قالت: حدثتني حماتي أم جحدر العامرية: أنها سألت عائشة، عن دم الحيض يصيب الثوب فقالت: كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا، وقد ألقينا فوقه كساءً، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء، فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة، ثم جلس، فقال رجل: يا رسول الله! هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله ﷺ على ما يليها، فبعث بها إليَّ مصرورةً في يد الغلام، فقال: اغسلي هذه وأَجِفِّيها، ثم أرسلي بها إلي. فدعوت بقصعتي فغسلتها، ثم أجففتها، فأحرتها إليه، فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار، وهي عليه (٢).
[ضعيف] (٣).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ قد صلى بالثوب النجس، وعلم بنجاسته بعد الصلاة، ولم يعد صلاته.
стр. 2719
• الراجح:
أرى أن القول بصحة الصلاة إذا صلى بالنجاسة جاهلًا أو ناسيًا أقوى من القول بوجوب الإعادة، والله أعلم.
وأما القول بصحة الصلاة مع استحباب الإعادة فهذا يجري على قواعد المالكية، في ترك كل واجب، أو مستحب جبرًا للواجب، وطلبًا للكمال في ترك المستحب، ومراعاة للخلاف في بعض المسائل التي يكون الخلاف فيه قويًّا، وسبق لي مناقشة هذا في مسألة سابقة، والله أعلم.
قال المزني: «ولا يعدو من صلى بنجاسة من أن يكون مؤديًا فرضه، أو غير مُؤَدٍّ، وليس ذهاب الوقت بمزيل منه فرضًا لم يؤده، ولا إمكان الوقت بموجب عليه إعادة فرض قد أداه» (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 2720
الفرع الثالث إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة
المدخل إلى المسألة:
• لا يصار إلى الظن مع إمكان اليقين (١).
• أجمع العلماء أن من أيقن بالحدث، وشك في الوضوء، فعليه الوضوء، ومن شك هل صلى أو لا، فعليه الصلاة، ولم يتحرَّ، وإذا اشتبهت أخته بأجنبية حرمتا، وكذا إذا اشتبهت ميتة بمذكاة، فالعمل على اليقين ما أمكن، وهذا أصل عظيم في الفقه.
• يجوز العمل بالظن عند تعذر اليقين، أو كان لا يصل إليه إلا بمشقة كبيرة دفعًا للحرج كاشتباه الثياب الطاهرة بالنجسة إذا كثرت الثياب.
• يتأكد التحري فيما لا بدل له على غيره مما له بدل.
• ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[م-٣٦٧] إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة:
فقيل: يتحرى، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختاره الباجي من المالكية، وهو رواية في مذهب أحمد، رجحها ابن تيمية (٢).
стр. 2721
وقيل: يصلي بعدد الثياب النجسة أو المحرمة، ويزيد صلاة، وهو المشهور من مذهب أحمد (١)، وقول في مذهب المالكية (٢).
وقيل: يصلي عريانًا، وهو قول أبي ثور (٣).
وقيل: إن كَثُر عدد الثياب تحرى دفعًا للمشقة، وإن قل عددها عمل باليقين، وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة (٤).
والأصل في العمل بالتحري دليلان:
(ح-٩٢٩) أحدهما: ما رواه الشيخان من طريق من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله صلى النبي ﷺ -قال إبراهيم: لا أدري
стр. 2722
زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، وذكر فيه: … إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (١).
[أشار أحمد إلى علته بتفرد منصور، وكل من رواه داخل الصحيح وخارجه لم يذكر فيه التحري، وقد روي التحري موقوفًا على ابن مسعود، وهو المحفوظ].
والثاني: اتفاق العلماء على أن الرجل إذا كان في السفر، وأراد أن يصلي فإنه يجتهد في تعيين القبلة، ويكفيه ذلك، وهو من العمل بالظن، ولا يكلف اليقين.
وقد تكلمت على هذه المسألة في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، وذكرت أدلتها، فانظرها هناك أيها الموفق (٢).
والأصل العمل باليقين، وإنما يجوز التحري إذا تعذر الأخذ به كاجتهاد القبلة، أو كان الأخذ به فيه مشقة وحرج فيتحرى دفعًا للحرج عن الأمة؛ لأن هذا مقتضى قول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولهذا لو شك المصلي بالحدث لم يتحرَّ، وبنى على اليقين، ولو وجد ماء وشك في طهارته، فله أن يتطهر به، ولم يتحر بالاتفاق، حتى ولو وجده متغيرًا؛ لاحتمال أن يكون تغيره بطول مكثه، ولو اشتبهت الميتة بمذكاة، أو الأخت بأجنبية حرمتا.
وقال ابن قدامة: «وإن شك في عدد الطواف بنى على اليقين، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك، ولأنها عبادة، فمتى شك فيها، وهو فيها بنى على اليقين كالصلاة» (٣).
وسوف تأتينا هذه المسألة في سجود السهو، وأحرر الخلاف فيها إن شاء الله تعالى، فانظرها هناك.
* * *
стр. 2723
الفرع الرابع في محاذاة النجاسة وملاقاتها
المسألة الأولى إذا لاقى النجاسة بثوبه أو بدنه
المدخل إلى المسألة:
• النجس إذا لاقى شيئًا طاهرًا، وهما جافان لم تَتَعَدَّ النجاسة.
• كل نجاسة لا يحملها المصلي في ثوبه أو نعله، ولا يباشرها بأعضائه فلا أثر لها في صلاته، ولو مست طرف ثوبه، إذا كانت جافة.
• محاذاة النجاسة في الركوع والسجود من غير إصابتها لا تضر الصلاة.
• إذا تعلق الصبي النجس بالمصلي، وكان الصبي مستقرًّا على الأرض لا يضر ذلك صلاته، ما لم يكن محمولًا له؛ لأن الحامل للنجاسة الصبي وليس المصلي.
[م-٣٦٨] إذا حاذى المصلي النجاسة في ركوعه أو سجوده دون أن يلامسها (١).
فقال جمهور الفقهاء: صلاته صحيحة؛ لانتفاء الملاقاة؛ ولأن المؤثر مباشرة النجاسة دون محاذاتها.
ولأن الطهارة شرط في بدنه، وثوبه، وبقعته التي يباشرها بأعضائه، ولا عبرة بالمحاذاة إذا لم يباشرها (٢).
стр. 2724
وقيل: لا يصح، وهو وجه في مذهب الشافعية والحنابلة (١).
• وجه القول بعدم الصحة:
أن القدر الذي يوازي المصلي ويسامته منسوب إليه؛ لكونه مكان صلاته، فيعتبر طهارته كقميصه الفوقاني منسوبًا إليه على الاختصاص ويشترط طهارته، وإن كان لا يلاقي بدنه.
والأول أصح؛ لأنه ليس حاملًا للنجاسة، ولا ملاقيًا لها، فصار كما لو صَلَّى على بساط أحد طرفيه نجس فصلاته صحيحة، وإن عُدَّ ذلك مصلاه، ونسب إليه.
[م-٣٦٩] أما إذا لاقى النجاسة بثوبه أو ببدنه فاختلف الفقهاء على أقوال.
القول الأول: مذهب الحنفية.
الحنفية يفرقون بين ملاقاة النجاسة في بقعة المصلي، وبين حمل النجاسة، وبين ملامسة النجاسة لطرف ثوبه.
فملاقاة النجاسة في بقعة المصلي: إن لاقى النجاسة في موضع الركبتين واليدين صحت صلاته عند أبي حنيفة وصاحبيه.
وإن كانت النجاسة في موضع القدمين، فإن قام عليها، وافتتح الصلاة، لم تصح قولًا واحدًا؛ وكذا لو افتتح الصلاة على مكان طاهر، ثم تحول إلى موضع النجاسة، وأطال القيام، فسدت.
قال ابن نجيم: هذا ظاهر الرواية (٢).
• وجه التفريق بين موضع يديه وركبتيه وبين موضع القيام:
يرى الحنفية أن السجود على اليدين والركبتين غير واجب في الصلاة، فكان حكمها عندهم كأنه لم يسجد عليها بخلاف موضع القدم، فإن القيام ركن مقصود في الصلاة، فاشترطت طهارته.
стр. 2725
وإن لاقى النجاسة في موضع السجود، ففيها روايتان عن أبي حنيفة، أصحهما لا تصح، وبه قال أبو يوسف وابن الحسن (١).
• وجه القول بعدم الصحة:
أن الفرض هو السجود على الجبهة، وقدر الجبهة أكثر من قدر الدرهم فلا يكون عفوًا.
وفي رواية عن أبي حنيفة أن ملاقاة النجاسة في موضع السجود لا تضر.
• وجه القول بالصحة:
هذا القول مفرع على رواية جواز الاقتصار على أرنبة الأنف في السجود، فلا يشترط طهارة موضع الأنف؛ لأنه أقل من الدرهم فيجوز، والأول هو ظاهر الرواية.
قال ابن الهمام: «المعتبر في طهارة المكان موضع القدم رواية واحدة، وموضع السجود في أصح الروايتين عن أبي حنيفة، وهو قوله: ولا يجب طهارة موضع الركبتين واليدين؛ لأن موضعها ليس فرضًا عندهم … » (٢).
وأما مماسة النجاسة دون حمل:
فقال الحنفية: إذا صلى على مكان طاهر إلا أنه إذا سجد تقع ثيابه على أرض نجسة جافة جازت صلاته (٣).
جاء في مراقي الفلاح: «ولا يضر وقوع ثوبه على نجاسة لا تعلق به حال سجوده» (٤).
• وجه القول بالصحة:
أن ذلك من باب المماسة، وليس من باب حمل النجاسة، فلا يضر صلاته؛ لأن ثوب المصلي وبدنه وبقعته طاهرة، ولم تتأثر بالنجاسة.
وأما حمل النجاسة بثوبه أو بدنه: فإنه يبطل صلاته إذا تحرك بحركته، فلو كان
стр. 2726
طرف عمامته نجسًا فألقاه على الأرض وتعمم بالطاهر، فإن تحرك النجس بحركته فهو متصل بالنجاسة، وإلا فلا، بخلاف ما لم يتصل كبساط طرفه نجس، وموضع الوقوف والجبهة طاهر، فلا يمنع.
ونقل ابن نجيم عن القنية: «إذا صلى في الخيمة، ورفع سقفها لتمام قيامه جاز إذا كانت طاهرة، وإلا فلا» (١).
لأنها إن كانت نجسة كان حاملًا للنجاسة، والله أعلم.
• وجه اشتراط تحرك النجاسة بحركة المصلي:
أن كل نجس متصل بثياب المصلي، أو بعضو من أعضائه إذا تحرك بحركته، صار المصلي حاملًا للنجاسة، ومستعملًا لها، فأثر ذلك في صلاته.
وإذا كان لا يتحرك بحركة المصلي، ومستقل بنفسه، لم ينسب النجس إلى ثياب المصلي.
وفرعوا على هذا أنه لو جلس في حجره صبي نجس، لا يستمسك بنفسه بطلت صلاته؛ لأن حمل الصبي مضاف إليه، فصار حاملًا للنجاسة، وإن كان الصبي يستمسك بنفسه لم تبطل؛ لأن حمل النجاسة ينسب إلى الصبي، لا إلى المصلي (٢).
هذا ملخص مذهب الحنفية في ملاقاة النجاسة في الثوب والبقعة مقرونًا حكمهم بالتعليل.
• ويناقش:
الأول: القول بأن السجود يصح، ولو لم يضع يديه وركبتيه على الأرض قول
стр. 2727
ضعيف جدًّا؛ لأنه معارض لحديث ابن عباس المتفق عليه.
(ح-٩٣٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين … (١).
الثاني: على فرض أن يكون وضع اليدين والركبتين ليس بفرض في السجود، فإن هذا لا يعني جواز وضع اليدين والركبتين على موضع نجس في الصلاة، لأن وضع العضو على النجاسة بمنزلة حملها، فيفسد الصلاة، وإن كان الموضع غير فرض.
فكيف يكون طرف العمامة المتنجس الملقى على الأرض يبطل الصلاة، بينما وضع اليدين والركبتين على النجاسة لا يفسدها، هذا من غريب الفقه.
ولذلك عارض الفقيه أبو الليث من الحنفية ظاهر الرواية، وقال عنها بأنها رواية شاذة (٢).
القول الثاني: مذهب المالكية.
للمالكية تفصيل في حكم تعرض المصلي للنجاسة:
فإما أن يماس طرف الثوب للنجاسة الجافة، أو يلاقيها، أو يحملها.
فأما مماسة الثياب للنجاسة الجافة: فلا تضر صلاته إذا لم يحملها، ولم يجلس عليها.
قال القاضي عياض: «سقوط طرف ثوبه على جاف نجاسة بغير محله لغو» (٣).
стр. 2728
وقال الدسوقي في حاشيته: «قال شيخنا: المس بالشعر كالمس لطرف الثوب، فلا يضر مسه للنجاسة» (١).
وقال البرزلي نقلًا من مواهب الجليل: «ثياب المصلي إذا كانت تماس النجاسة، ولا يجلس عليها، فلا تضره» (٢).
يقصد: وكانت النجاسة جافة؛ لأنها إن كانت مائعة انتقلت إلى ثيابه فحمل النجاسة.
وأما ملاقاة النجاسة في بقعة المصلي:
فلا يجوز عند المالكية أن يلاقي المصلي النجاسة في موضع صلاته قائمًا، أو جالسًا، أو ساجدًا عليها، أما لو كانت النجاسة بين ركبتي المصلي وبين وجهه في السجود، ولم يلاقها، أو كانت بين رجليه ولم يصبها لم تضره.
قال القرافي في الذخيرة: «وأما المكان فليكن كل ما يماسه عند القيام، والسجود، والجلوس طاهرًا، وأما ما لا يلابسه فلا يضره، كما قال في الكتاب: يجوز أن يصلي على طرف حصير، بطرفه الآخر نجاسة» (٣).
وقال الدسوقي في حاشيته: «فإن جلس -يعني على النجاسة- ولو ببعض أعضائه عليها، أو سجد بطلت صلاته» (٤).
وقال الحطاب المالكي: «أشار في الكتاب إلى أن النجاسة متى كانت في موضع لا يلاقيه شيء من جسد المصلي، فلا يعيد .... وفرع البرزلي على ذلك أن من صلى إلى جنب من يتحقق نجاسة ثيابه، فإن كان يعتمد عليها بحيث يجلس عليها، أو يسجد ببعض أعضائه فلا يجوز. وأما إن لاصقه فلا يضره» (٥).
وقال الحطاب: «لو كانت النجاسة بين ركبتي المصلي ووجهه في السجود لم يضره ذلك، ونصوص المذهب كالصريحة في ذلك. قال سند: إن رآها بين رجليه،
стр. 2729
أو خلف عقبه، أو قدام أصابعه فتحول عنها فلا شيء عليه» (١).
وأما حمل النجاسة بثوبه أو بدنه:
فقال المالكية: كل نجاسة محمولة للمصلي، ولو لم تتحرك بحركته، فإنه تؤثر في صلاته في أصح القولين، فلو كانت النجاسة في طرف عمامته الملقى على الأرض، والطرف الطاهر متعمم به على رأسه، أو متحزم به، أو ماسك له بيده؛ فالعمامة كلها محمولة للمصلي في هذه الصور، سواء أتحرك طرفها الذي على الأرض بحركته أم لا، أما لو وقف على طرف حبل متنجس، أو مربوط به نجاسة، والطرف الآخر طاهر، فإن وقف على الطاهر لم تبطل صلاته، وإلا بطلت.
جاء في مواهب الجليل: «والفرق بين كون الطرف نجسًا، أو موضوعًا على نجاسة؛ لأنه في الأولى حامل للنجاسة، بخلاف الثانية» (٢).
وقيل: طرف العمامة النجس الملقى على الأرض لا تجب إزالة النجاسة عنها إذا لم تتحرك بحركته، وهو قول في مذهب المالكية (٣).
ونص المالكية على أنه لو تعلق صبي نجس الثياب، أو البدن بِمُصَلٍّ، والصبي مستقر على الأرض، فالصلاة صحيحة … لأن النجاسة محمولة لغيره، بشرط أن يكون المصلي لم يسجد على ذلك الثوب، ولم يجلس على النجاسة، فإن جلس، ولو ببعض أعضائه عليها، أو سجد بطلت (٤).
стр. 2730
ولو كانت الخيمة مضروبة على الأرض، وهي متنجسة، وصلى شخص داخلها، ولاصق سقف الخيمة رأس المصلي، فإنها تبطل صلاته؛ لأنه يعد حاملًا لها عرفًا، فهي كالعمامة، لا كالبيت (١).
هذا قول المالكية في ملاقاة النجاسة في موضع صلاته، وفي مماسة طرف الثوب للنجاسة، وفي حملها.
وأما الحكم ببطلان الصلاة عندهم فهو يرجع إلى اختلافهم في حكم الصلاة في الثوب النجس، وقد ذكرنا اختلاف أصحاب الإمام مالك في مسألة مستقلة، وهذا الاختلاف راجع لاختلافهم في الموقف من الصلاة في الثياب النجسة.
ولهذا ساق خليل المسألة في مختصره على سبيل الاستفهام، فقال.
«هل إزالة النجاسة عن ثوب مُصَلٍّ، ولو طرف عمامته، وبدنه، ومكانه، لا طرف حصيره، سنة، أو واجبة إن ذكر وقدر؟ … خلاف … » (٢).
القول الثالث: مذهب الشافعية.
ملاقاة النجاسة لثوب المصلي مبطل للصلاة مطلقًا، سواء أتحرك بحركته أم لا (٣).
стр. 2731
قال النووي في المنهاج: «ولا تصح صلاة ملاقٍ بعضُ لباسِهِ نجاسَةً، وإن لم يتحرك بحركته، ولا قابض طرف شيء على نجس إن تحرك، وكذا إن لم يتحرك في الأصح، فلو جعله تحت رجله صحت مطلقًا، ولا يضر نجس يحاذي صدره في الركوع والسجود على الصحيح» (١).
• وجه كون ملاقاة النجاسة مبطلة مطلقًا وإن لم تتحرك بحركة المصلي:
أن اجتناب النجاسة ببدنه، وثوبه، شرط لصحة الصلاة، فإذا مس ثوبه نجاسة، ولو لم تتحرك بحركته فقد باشر ثوبه النجاسة، ومباشرة المصلي للنجاسة بثوبه أو بشيء من أعضائه مبطل للصلاة؛ لأن اجتناب النجاسة في الصلاة شرع للتعظيم، وهذا ينافيه.
ولأنه إذا حمل ما هو متصل بالنجاسة كان حكمه حكم من حمل النجاسة نفسها؛ لأن ما اتصل بالشيء كان جزءًا منه، تحرك بحركته، أو لم يتحرك.
قال إمام الحرمين: «لا فرق بين نجاسة الشيء، وبين وقوعه على الشيء النجس» (٢).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة في المشهور أن المصلي إذا لاقى ثوبه نجاسة فإن كانت في موضع صلاته كما لو لاقاها في ركوعه أو سجوده بطلت صلاته، وإن لاقاها خارج موضع صلاته، وليس محلًّا لثيابه، كما لو مس ثوبه ثوبًا نجسًا أو جدارًا نجسًا لم يستند عليه، فوجهان، المشهور منهما: لا تبطل صلاته (٣).
стр. 2732
جاء في شرح منتهى الإرادات: «وتصح -يعني الصلاة- ممن مس ثوبه ثوبًا نجسًا، أو حائطًا نجسًا لم يستند إليه؛ لأنه ليس محلًّا لثوبه، ولا بدنه، فإن استند إليه فسدت صلاته؛ لأنه يصير كالبقعة له، وتصح ممن قابلها أي النجاسة راكعًا أوساجدًا، ولم يلاقها؛ لأنه ليس بموضع لصلاته، ولا محمولًا فيها، وكذا لو كانت بين رجليه ولم يصبها، فإن لاقاها بطلت صلاته» (١).
• فتعليلات الحنابلة تفيد ما يلي:
أن مس الثوب للنجاسة إن كان في بقعة صلاته، (وهي محل بدنه وثيابه) فسدت صلاته، وإن كان خارج ذلك لم تضره، واشترطوا في مس الجدار النجس ألا يستند إليه، فإن استند إليه صار في حكم بقعة الصلاة.
قال في الإنصاف: «الصحيح من المذهب أن اجتناب النجاسة في بدن المصلي، وسترته، وبقعته -وهي محل بدنه وثيابه- مما لا يعفى عنه شرط لصحة
стр. 2733
الصلاة، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم.
وقيل: طهارة محل ثيابه ليست بشرط، وهو احتمال لابن عقيل … وذكر ابن عقيل فيمن لاقاها ثوبه إذا سجد احتمالين، قال المجد: والصحيح البطلان» (١).
هذه أقوال السادة الفقهاء عليهم رحمة الله، فدعونا نتلمس مواضع الاتفاق بين المذاهب، ومواضع الخلاف:
• ملاقاة النجاسة في موضع الصلاة (جلوسه وركوعه وسجوده):
إذا لاقى النجاسة في موضع صلاته فسدت صلاته عند الجمهور.
وقال الحنفية: تفسد الصلاة إن كانت في محل قيامه بالاتفاق عند الحنفية، وفي محل السجود على الصحيح، ولا تفسد في موضع اليدين والركبتين.
• ملاقاة ثوب المصلي للنجاسة الجافة خارج بقعة المصلي: كما لو مس ثوبه ثوبًا نجسًا، أو جدارًا نجسًا.
لا تفسد الصلاة عند الجمهور، واشترط الحنابلة ألا يستند إلى الجدار النجس؛ لأنه يكون بقعة له.
وخالف الشافعية: فقالوا: ملاقاة الثوب للنجاسة مفسدة مطلقًا، سواء أتحركت بحركته أم لا.
• إذا تنجس طرف ثوبه الملقى على الأرض:
تفسد صلاته مطلقًا عند الجمهور؛ لأنه حامل للنجاسة.
وقال الحنفية: لا تبطل صلاته إلا إذا كان الطرف النجس يتحرك بحركته؛ لأنهم لا يرونه حاملًا للنجاسة بمجرد الاتصال حتى يتحرك النجس بحركة المصلي، وهو أحد القولين في مذهب المالكية.
• إذا حمل صبيًّا نجسًا لا يستمسك بنفسه:
تفسد صلاته عند الأئمة الأربعة؛ لأن الحمل مضاف إلى المصلي.
• إذا كان الصبي النجس يستمسك بنفسه:
فقال المالكية: إن علق الصبي بثيابه وكان مستقرًّا على الأرض لم تفسد صلاته.
стр. 2734
وقال الحنفية: لا تفسد، ولو جلس في حجره، إذا كان يستمسك بنفسه.
وعللوا ذلك بأن الصبي إذا كان مستقرًّا على الأرض كما هو شرط المالكية، أو يستمسك بنفسه كما هو شرط الحنفية، فإنَّ حَمْلَ النجاسة يضاف إلى الصبي، لا إلى المصلي، وقول المالكية أقرب.
وتفسد عند الشافعية لملاقاة النجاسة.
وتفسد عند الحنابلة؛ لملاقاة النجاسة في محل ثيابه.
هذا ما خرجت به من النصوص السابقة للفقهاء، وقد عرفت تعليلاتهم.
•الراجح:
أن المؤثر في ملاقاة النجاسة ما كان محمولًا للمصلي، أما مجرد مماسة النجاسة الجافة، فإن كانت لأعضاء المصلي فهي معتبرة، وينهى عنها، ويجتمع فيه محذوران: ملامسة النجاسة لأعضاء المصلي، ونجاسة بقعته، وسوف تأتينا الأدلة على وجوب طهارة البقعة.
وإن كانت المماسة لثوبه فلا يضره ذلك إذا لم يباشرها بأعضائه.
أما ما كان محمولًا له فإنه مأمور بالتخلي عنه، سواء أقلنا إن ذلك شرط، أم قلنا: إنه واجب.
(ح-٩٣١) لحديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليُصَلِّ فيهما (١).
[صحيح].
وجه الاستدلال:
أن النعل لما كان بمنزلة المحمول للمصلي خلعهما ﵊ مع أن النجاسة كانت في أسفل النعل، لم تمس ثوبه، ولا بدنه؛ لكنها كانت محمولة له، فكانت بمنزلة العمامة يتعمم المصلي بطرفها الطاهر، ويكون طرفها الآخر
стр. 2735
ملقى على الأرض وقد اتصلت بالنجاسة، فيؤثر ذلك على صلاته؛ لأنه حامل لها، وتتحرك بحركته.
وقد نص الحنفية والمالكية على أنه لو خلع نعليه، وافترشهما صحت صلاته، ولو كان أسفل النعل نجسًا؛ لانفصالهما عنه.
جاء في البحر الرائق: «ولو قام على النجاسة، وفي رجليه نعلان، أو جوربان لم تجز صلاته؛ لأنه قام على مكان نجس، ولو افترش نعليه، وقام عليهما، جازت الصلاة بمنزلة ما لو بسط الثوب الطاهر على الأرض النجسة، وصلى عليه جاز» (١).
وعلل في المحيط البرهاني الفرق بين اللبس والافتراش:
لأنه لو لبس النعلين على أرض نجسة كانت النعل تابعًا له، فكان الوقوف على الأرض النجسة منسوبًا إليه، بخلاف ما لو افترشهما (٢).
قال قاضي خان: «ولو كانت الأرض نجسة، فخلع نعليه، وقام على نعليه جاز، أما إذا كان النعل ظاهره وباطنه طاهرًا، فظاهر، وإن كان مما يلي الأرض منه نجسًا فكذلك، وهو بمنزلة ثوب ذي طاقين، أسفله نجس، وقام على الطاهر» (٣).
وقال الإبياني المالكي كما في التاج والإكليل: «من نزع نعله لنجاسة أسفله، ووقف عليه جاز كظهر حصير. ومن نوازل البرزلي: … إن جلس عليها فهي كمسألة الحصير، فإن حركها فكأنه حملها» (٤).
واشتراط عدم تحريك النعل عند خلعهما؛ لأنه إذا حركهما فقد حمل النجاسة فيه تكلف، فإن التحريك بنية التخلص لا يضر، ولأنه وقت يسير، فلا يؤثر، وقد خلع النبي نعليه كما في حديث أبي سعيد، ومضى في صلاته.