قال النووي في المنهاج: «ولا تصح صلاة ملاقٍ بعضُ لباسِهِ نجاسَةً، وإن لم يتحرك بحركته، ولا قابض طرف شيء على نجس إن تحرك، وكذا إن لم يتحرك في الأصح، فلو جعله تحت رجله صحت مطلقًا، ولا يضر نجس يحاذي صدره في الركوع والسجود على الصحيح» (١).
• وجه كون ملاقاة النجاسة مبطلة مطلقًا وإن لم تتحرك بحركة المصلي:
أن اجتناب النجاسة ببدنه، وثوبه، شرط لصحة الصلاة، فإذا مس ثوبه نجاسة، ولو لم تتحرك بحركته فقد باشر ثوبه النجاسة، ومباشرة المصلي للنجاسة بثوبه أو بشيء من أعضائه مبطل للصلاة؛ لأن اجتناب النجاسة في الصلاة شرع للتعظيم، وهذا ينافيه.
ولأنه إذا حمل ما هو متصل بالنجاسة كان حكمه حكم من حمل النجاسة نفسها؛ لأن ما اتصل بالشيء كان جزءًا منه، تحرك بحركته، أو لم يتحرك.
قال إمام الحرمين: «لا فرق بين نجاسة الشيء، وبين وقوعه على الشيء النجس» (٢).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة في المشهور أن المصلي إذا لاقى ثوبه نجاسة فإن كانت في موضع صلاته كما لو لاقاها في ركوعه أو سجوده بطلت صلاته، وإن لاقاها خارج موضع صلاته، وليس محلًّا لثيابه، كما لو مس ثوبه ثوبًا نجسًا أو جدارًا نجسًا لم يستند عليه، فوجهان، المشهور منهما: لا تبطل صلاته (٣).
стр. 2732
جاء في شرح منتهى الإرادات: «وتصح -يعني الصلاة- ممن مس ثوبه ثوبًا نجسًا، أو حائطًا نجسًا لم يستند إليه؛ لأنه ليس محلًّا لثوبه، ولا بدنه، فإن استند إليه فسدت صلاته؛ لأنه يصير كالبقعة له، وتصح ممن قابلها أي النجاسة راكعًا أوساجدًا، ولم يلاقها؛ لأنه ليس بموضع لصلاته، ولا محمولًا فيها، وكذا لو كانت بين رجليه ولم يصبها، فإن لاقاها بطلت صلاته» (١).
• فتعليلات الحنابلة تفيد ما يلي:
أن مس الثوب للنجاسة إن كان في بقعة صلاته، (وهي محل بدنه وثيابه) فسدت صلاته، وإن كان خارج ذلك لم تضره، واشترطوا في مس الجدار النجس ألا يستند إليه، فإن استند إليه صار في حكم بقعة الصلاة.
قال في الإنصاف: «الصحيح من المذهب أن اجتناب النجاسة في بدن المصلي، وسترته، وبقعته -وهي محل بدنه وثيابه- مما لا يعفى عنه شرط لصحة
стр. 2733
الصلاة، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم.
وقيل: طهارة محل ثيابه ليست بشرط، وهو احتمال لابن عقيل … وذكر ابن عقيل فيمن لاقاها ثوبه إذا سجد احتمالين، قال المجد: والصحيح البطلان» (١).
هذه أقوال السادة الفقهاء عليهم رحمة الله، فدعونا نتلمس مواضع الاتفاق بين المذاهب، ومواضع الخلاف:
• ملاقاة النجاسة في موضع الصلاة (جلوسه وركوعه وسجوده):
إذا لاقى النجاسة في موضع صلاته فسدت صلاته عند الجمهور.
وقال الحنفية: تفسد الصلاة إن كانت في محل قيامه بالاتفاق عند الحنفية، وفي محل السجود على الصحيح، ولا تفسد في موضع اليدين والركبتين.
• ملاقاة ثوب المصلي للنجاسة الجافة خارج بقعة المصلي: كما لو مس ثوبه ثوبًا نجسًا، أو جدارًا نجسًا.
لا تفسد الصلاة عند الجمهور، واشترط الحنابلة ألا يستند إلى الجدار النجس؛ لأنه يكون بقعة له.
وخالف الشافعية: فقالوا: ملاقاة الثوب للنجاسة مفسدة مطلقًا، سواء أتحركت بحركته أم لا.
• إذا تنجس طرف ثوبه الملقى على الأرض:
تفسد صلاته مطلقًا عند الجمهور؛ لأنه حامل للنجاسة.
وقال الحنفية: لا تبطل صلاته إلا إذا كان الطرف النجس يتحرك بحركته؛ لأنهم لا يرونه حاملًا للنجاسة بمجرد الاتصال حتى يتحرك النجس بحركة المصلي، وهو أحد القولين في مذهب المالكية.
• إذا حمل صبيًّا نجسًا لا يستمسك بنفسه:
تفسد صلاته عند الأئمة الأربعة؛ لأن الحمل مضاف إلى المصلي.
• إذا كان الصبي النجس يستمسك بنفسه:
فقال المالكية: إن علق الصبي بثيابه وكان مستقرًّا على الأرض لم تفسد صلاته.
стр. 2734
وقال الحنفية: لا تفسد، ولو جلس في حجره، إذا كان يستمسك بنفسه.
وعللوا ذلك بأن الصبي إذا كان مستقرًّا على الأرض كما هو شرط المالكية، أو يستمسك بنفسه كما هو شرط الحنفية، فإنَّ حَمْلَ النجاسة يضاف إلى الصبي، لا إلى المصلي، وقول المالكية أقرب.
وتفسد عند الشافعية لملاقاة النجاسة.
وتفسد عند الحنابلة؛ لملاقاة النجاسة في محل ثيابه.
هذا ما خرجت به من النصوص السابقة للفقهاء، وقد عرفت تعليلاتهم.
•الراجح:
أن المؤثر في ملاقاة النجاسة ما كان محمولًا للمصلي، أما مجرد مماسة النجاسة الجافة، فإن كانت لأعضاء المصلي فهي معتبرة، وينهى عنها، ويجتمع فيه محذوران: ملامسة النجاسة لأعضاء المصلي، ونجاسة بقعته، وسوف تأتينا الأدلة على وجوب طهارة البقعة.
وإن كانت المماسة لثوبه فلا يضره ذلك إذا لم يباشرها بأعضائه.
أما ما كان محمولًا له فإنه مأمور بالتخلي عنه، سواء أقلنا إن ذلك شرط، أم قلنا: إنه واجب.
(ح-٩٣١) لحديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليُصَلِّ فيهما (١).
[صحيح].
وجه الاستدلال:
أن النعل لما كان بمنزلة المحمول للمصلي خلعهما ﵊ مع أن النجاسة كانت في أسفل النعل، لم تمس ثوبه، ولا بدنه؛ لكنها كانت محمولة له، فكانت بمنزلة العمامة يتعمم المصلي بطرفها الطاهر، ويكون طرفها الآخر
стр. 2735
ملقى على الأرض وقد اتصلت بالنجاسة، فيؤثر ذلك على صلاته؛ لأنه حامل لها، وتتحرك بحركته.
وقد نص الحنفية والمالكية على أنه لو خلع نعليه، وافترشهما صحت صلاته، ولو كان أسفل النعل نجسًا؛ لانفصالهما عنه.
جاء في البحر الرائق: «ولو قام على النجاسة، وفي رجليه نعلان، أو جوربان لم تجز صلاته؛ لأنه قام على مكان نجس، ولو افترش نعليه، وقام عليهما، جازت الصلاة بمنزلة ما لو بسط الثوب الطاهر على الأرض النجسة، وصلى عليه جاز» (١).
وعلل في المحيط البرهاني الفرق بين اللبس والافتراش:
لأنه لو لبس النعلين على أرض نجسة كانت النعل تابعًا له، فكان الوقوف على الأرض النجسة منسوبًا إليه، بخلاف ما لو افترشهما (٢).
قال قاضي خان: «ولو كانت الأرض نجسة، فخلع نعليه، وقام على نعليه جاز، أما إذا كان النعل ظاهره وباطنه طاهرًا، فظاهر، وإن كان مما يلي الأرض منه نجسًا فكذلك، وهو بمنزلة ثوب ذي طاقين، أسفله نجس، وقام على الطاهر» (٣).
وقال الإبياني المالكي كما في التاج والإكليل: «من نزع نعله لنجاسة أسفله، ووقف عليه جاز كظهر حصير. ومن نوازل البرزلي: … إن جلس عليها فهي كمسألة الحصير، فإن حركها فكأنه حملها» (٤).
واشتراط عدم تحريك النعل عند خلعهما؛ لأنه إذا حركهما فقد حمل النجاسة فيه تكلف، فإن التحريك بنية التخلص لا يضر، ولأنه وقت يسير، فلا يؤثر، وقد خلع النبي نعليه كما في حديث أبي سعيد، ومضى في صلاته.
стр. 2736
وقد ذكر المسألة خليل في التوضيح، ولم يذكر شرط التحريك (١).
وخالف ابن حبيب من أصحاب المالكية، فقال: «لو كانت نعلاه بين رجليه، فإن كانت النجاسة في أعلاه أعاد، وإن كانت في أسفله لم يعد» (٢).
ولعل ابن حبيب نظر إلى اشتراط طهارة بقعة المصلي، ولو لم يباشرها بدنه.
وإذا طلب من المصلي التخلي عن النعل؛ لنجاسة أسفله، مع أن أسفله لا يباشر أعضاء المصلي، فكونه يطلب منه طهارة موضع سجوده، وجلوسه مما تمس أعضاء المصلي من باب أولى، والله أعلم.
* * *
стр. 2737
المسألة الثانية إذا سقطت عليه نجاسة فزالت أو أزالها سريعًا
المدخل إلى المسألة:
• اليسير قدرًا أو زمنًا معفو عنه في الشريعة، إلا ما ورد فيه نص بعدم العفو.
• من وقعت عليه نجاسة، أو علم بها، فأزالها في الحال، بنى على صلاته، كما خلع النبي ﷺ نعليه حين علم أن فيهما أذًى، ولم يستأنف.
• لا تأثير للنجاسة قبل العلم بها، وإلا لما بنى رسول الله ﷺ على صلاته بعد أن خلع نعليه.
• إذا ترك النجاسة بعد العلم بها، فهل تبطل صلاته؟ إن قلنا: الطهارة من النجاسة شرط بطلت، وإلا لم تبطل، وهي مسألة خلافية.
• القول بالشرطية قدر زائد عن الوجوب، لا يثبت إلا بدليل.
[م-٣٧٠] إذا سقطت عليه نجاسة جافة، فأزالها، أو زالت عنه سريعًا، ولم يتنجس ثوبه بها، فصلاته صحيحة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية، وهو خلاف المشهور من المذهب (١).
واشترط الشافعية ألا ينحي النجاسة بيده، أو كمه، فإن فعل بطلت صلاته؛ لأنه يكون حاملًا للنجاسة قصدًا، وذلك مبطل (٢).
وذكر بعض المالكية شروطًا للبناء، منها:
ألا تستقر عليه إن كانت يابسة، ولا يعلق منها شيء إن كانت رطبة، ولا يجد لو
стр. 2738
قطع صلاته ثوبًا طاهرًا، أو ماء مطلقًا يطهر به ثوبه، أو ضاق عليه وقت الصلاة بحيث لو قطعها لا يدرك من الوقت ما يسع ركعة، أو كانت النجاسة مما يعفى عنها (١).
قال ابن قدامة «وإذا سقطت عليه نجاسة، ثم زالت عنه، أو أزالها في الحال، لم تبطل صلاته؛ لأن النبي ﷺ لما علم بالنجاسة في نعليه خلعهما، وأتم صلاته، ولأن النجاسة يعفى عن يسيرها، فعفي عن يسير زمنها، ككشف العورة» (٢).
ولأن النجاسة اليابسة إذا زالت، أو أزيلت فورًا، فإن الثوب لا يتصف بالتنجيس، ولم يحصل ما يخرم نظام الصلاة، بخلاف ما لو استقرت عليه النجاسة، فإنه يصدق عليه أنه حامل للنجاسة.
وقياسًا على كشف العورة في الصلاة زمنًا يسيرًا فإنه معفو عنه، وصلاته صحيحة في الأصح.
وقيل: يبتدئ صلاته، وبه قال ابن القاسم وسحنون من المالكية، قال جماعة من المالكية: وهو المشهور من المذهب، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
جاء في الجامع لمسائل المدونة لابن يونس: «قال سحنون فيمن ألقي عليه ثوب نجس، وهو في الصلاة، فسقط عنه مكانه، ولم يثبت: أرى أن يبتدئ الصلاة» (٤).
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ: «ومن ألقي عليه في صلاته ثوب نجس، فسقط عنه مكانه، قال سحنون: أرى أن يبتدئ صلاته، وهذا مبني على رواية ابن القاسم. وأما على رواية أبي الفرج فإنه يتمادى في صلاته» (٥).
стр. 2739
وقال خليل: «وسقوطها في صلاة مبطل، كذكرها فيها، لا قبلها» (١).
فنص خليل أن سقوط النجاسة، وتذكرها في الصلاة يبطلها، لا إن تذكر النجاسة قبل الصلاة، ثم نسي، فلم يتذكر حتى فرغ من صلاته، فلا تبطل صلاته.
• وجه القول بفساد الصلاة:
انتقاض الصلاة بسقوط النجاسة على المصلي قياسًا على الحدث في الصلاة.
وقياسًا على قول من يرى بطلان الصلاة بمجرد انكشاف العورة، ولو كان الانكشاف يسيرًا، لأن هذا ستر جديد.
ولأن المفسد لا فرق بين يسيره وكثيره من ناحية الزمن.
والأول أصح؛ والقياس على الحدث لا يصح؛ لأن الحدث إذا عاد إلى البدن لا يمكن رفعه إلا بطهارة جديدة، وأما سقوط الخبث الجاف على المصلي يمكن رفعه مباشرة بعد سقوطه، فلا حاجة لانتقاض الصلاة، وبدن المصلي، وثوبه، وبقعته ما زالت طاهرة.
* * *
стр. 2740
المسألة الثالثة في إمساك المصلي حبلًا مربوطًا به نجاسة
المدخل إلى المسألة:
• كل نجس لا يباشر أعضاء المصلي وثيابه في بقعته، فلا عبرة بالاتصال به.
• إمساك الحبل بيد المصلي، أو شده في وسطه استيثاق للإمساك، وليس لُبْسًا للحبل.
• كل نجاسة مستقرة على الأرض، لا تقع في بقعة المصلي، ولا تباشرها ثيابه فهي ليست محمولة له، بل على الأرض، ولا ملبوسة له، وهي منفصلة عنه.
• كل نجاسة ليست محمولة، ولا ملبوسة، ولا يباشرها المصلي في بقعته فلا أثر لها.
• لو عُدَّ إمساك الحبل الطاهر المتصل بالنجاسة حملًا للحبل لم يُعَدَّ حملًا للنجاسة المتصلة بطرف ذلك الحبل مع بُعْد النجاسة عن بدن المصلي، وثوبه وبقعته، واستقرارها على الأرض، سواء أتحركت بحركته أم لم تتحرك.
[م-٣٧١] إذا وضع المصلي في وسطه، أو في يده حبلًا مشدودًا إلى شيء نجس.
فقيل: تصح صلاته مطلقًا، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعية (١).
• وجه القول بالصحة:
بأن النجس ليس محمولًا للمصلي، والحبل ليس ملبوسًا له، حتى وإن شده على يده، أو وسطه، فهو استيثاق للإمساك، وليس بلُبس، فلا وجه لبطلان صلاته.
وقال المالكية: إن كان الحبل متصلًا بدابة حاملة للنجاسة صحت، لا إن كان متصلًا بسفينة فيها نجاسة (٢).
стр. 2741
قال في ضوء الشموع: «ولعله يقيد بسفينة صغيرة يمكنه تحريكًا، وإن لم تتحرك بالفعل. ونقله الدسوقي، وقال: فيه تأمل» (١).
• وجه التفريق بين الدابة والسفينة:
أن الحمل ينسب للدابة لحياتها، بخلاف السفينة، ولهذا مر معنا أن الصبي النجس إذا تعلق بثوب المصلي، وكان مستقرًّا على الأرض أن ذلك لا يؤثر في صحة الصلاة؛ لأن حمل النجاسة يضاف للصبي، لا للمصلي.
• ويناقش:
بأن فساد الصلاة حكم وضعي، فلا فرق فيه بين السفينة والدابة؛ فالسفينة عين طاهرة، وكذا الدواب كلها عند المالكية طاهرة في الحياة، فالنجس إنما هو في حملهما، وما في السفينة ليس محمولًا للمصلي، ولا يقال لغة ولا عرفًا إذا ربط حبلًا في وسطه واتصل بالسفينة يقال: حمل السفينة، ولهذا حاول بعض المالكية أن يقيد ذلك بالسفينة الصغيرة التي تتحرك بحركة المصلي، وإن كان مخالفًا لإطلاقهم. والله أعلم.
وقيل: تبطل إن تحرك بحركته، وكذا إن لم يتحرك في الأصح وهو مذهب الشافعية (٢).
قال الرملي: «ولا تصح صلاة نحو قابضٍ طرفَ شيء، كحبل طرفه الآخر نجس، أو موضوع على نجس، إن تحرك ذلك بحركته، وكذا إن لم يتحرك بها؛ لحمله ما هو متصل بها» (٣).
• تعليل القول بالبطلان:
أما علة البطلان إن كان يتحرك بحركته: فلأنه إذا كان ينجر معه إذا مشى، فهو مستتبع له، أشبه ما لو حمله، من غير فرق بين حيوان يتحرك باختياره، وبين سفينة صغيرة فيها نجاسة تنجر بمشيه.
стр. 2742
وأما علة البطلان إن كان النجس لا يتحرك بحركته: فلحمله ما هو متصل بالنجاسة، فكأنه حامل لها، فأشبه ما لو ألقى عليها طرف ثوبه، أو كمه.
وقيل: إن كان النجس لا يتحرك بحركة المصلي، لم تبطل صلاته، وإلا بطلت، وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وأحد الأوجه في مذهب الشافعية (١).
• وجه التفريق بين المتحرك بحركته وغيره:
إذا تحركت النجاسة بحركة المصلي صارت مستتبعة له، أشبه ما لو حملها بخلاف الكبيرة، فإنها مستقلة بنفسها، فحمل النجاسة يضاف إليها، لا إلى المصلي.
وقيل: إن كان النجس لا يتحرك بحركة المصلي، فإن كان طرف الحبل متصلًا بموضع نجس، بطلت، كما لو ربط الحبل بميتة كبيرة، وإن كان طرف الحبل متصلًا بموضع طاهر، وهذا الطاهر متصل بنجس صحت صلاته، كما لو اتصل الحبل بموضع طاهر بسفينة كبيرة مشحونة بسماد نجس. وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
قال النووي: «إن شده إلى كلب صغير أو ميت لم تصح صلاته، وإن شده إلى كلب كبير لم تصح أيضًا على الأصح، وإن شده إلى سفينة صغيرة لم تصح، وإن
стр. 2743
شده إلى كبيرة صحت صلاته على الأصح … » (١).
• تعليل هذا التفصيل:
إن اتصل الحبل بموضع نجس بطلت الصلاة؛ لكونه حاملًا لمتصل بنجس، فأشبه ما لو ألقى عليها طرف ثوبه، أو كمه.
وإن اتصل الحبل بموضع طاهر من السفينة صحت صلاته؛ لأن السفينة ليست محمولة للمصلي، والحبل ليس متصلًا بالنجاسة، وليس جزءًا من السفينة، والسفينة ليس مستتبعة للمصلي، فلم تكن تنجر بمشيه، فلا وجه لبطلان الصلاة، كما لو كان الحبل مربوطًا بباب بيت، وفي البيت حش، فالحبل والباب طاهران.
• الراجح:
أن الصلاة صحيحة مطلقًا إذا كان طرف الحبل المتصل بثياب المصلي طاهرًا ولا حكم لطرفه الآخر من أي وجه، سواء أكان متصلًا بنجاسة صغيرة أم كبيرة، فالمصلي إذا سلمت ثيابه، وبقعته، ولم يكن حاملًا للنجاسة، فلا وجه لبطلان صلاته، ولا فرق بين حبل طاهر يكون تحت قدم المصلي، وطرفه الآخر نجس فيصح في قول عامة أهل العلم؛ لأنه بمثابة حصير طاهر طرفه البعيد نجس، وبين حبل يكون طرفه في يد المصلي، وطرفه الآخر على نجاسة، أيًّا كانت النجاسة، واليد والقدم لا فرق بينهما بالنسبة لأعضاء المصلي، ومسك الحبل الطاهر في يد المصلي ليس لبسًا لا عرفًا، ولا شرعًا، ولا يعتبر حاملًا للنجاسة بمجرد أن يكون طرف الحبل البعيد متصلًا بها، والله أعلم.
* * *
стр. 2744
المسألة الرابعة لو صلى وهو حامل قارورة فيها بول
المدخل إلى المسألة
• النجاسة في الباطن إن كان معدنًا للنجاسة بالخلقة، فلا حكم لها.
• القارورة ليست معدنًا للنجاسة.
• الحكم بطهارة الباطن في معدنه؛ أهو راجع لاستحالة تطهيره، فلا يقاس عليه ما يمكن تطهيره؛ أم هو معقول المعنى، فيعدى الحكم إلى كل ما كان مثله، كالقارورة، ونحوها؟
أو بمعنى آخر:
• باطن الآدمي والحيوان أهو طاهر حقيقة، أم هو نجس مَعْفُوٌّ عنه؟
• طهارة اللبن الخارج من بين فرث ودم؛ أهو راجع لاعتبار أن المخالطة للنجاسة كانت في الباطن، أم لاستحالته إلى عين طاهرة؟ الظاهر الثاني.
• حمل الصبي والحيوان الطاهر يجوز في الصلاة؛ لأن ما في جوفه من النجاسات لا حكم له، ما لم يتنجس ظاهره.
[م-٣٧٢] إذا صلى الرجل، وفي ثيابه قارورة فيها نجاسة، ولو كانت مغلقة، فصلاته باطلة، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: صلاته صحيحة؛ وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢).
стр. 2745
وقيل: إن كان رأس القارورة أقل من الدرهم جازت صلاته، وهو قول في مذهب الحنفية (١).
وقال المالكية: لو أكل أو شرب نجسًا وجب عليه أن يتقيأه إن أمكن، وإلا وجب عليه الإعادة أبدًا مدة ما يرى بقاء النجاسة في بطنه، فإن عجز عن التقيؤ سقط عنه لعجزه عن إزالة النجاسة (٢).
قال الدسوقي في حاشيته: «ولا فرق في هذا التفصيل بين أن يكون تعاطى النجاسة عمدًا، أو سهوًا، أو غلبةً، أو لضرورة، أو لظنه أنها غير نجاسة» (٣).
فهذا من المالكية ذهاب إلى القول بقابلية الباطن للنجاسة بالتنجيس، وإنما عفي عن طاهر استحال إلى نجس في الباطن؛ إما لأنه مأذون له بأكل الطيب؛ لضرورة بقائه، والاستحالة إذا تمت داخل البطن معفو عنها حتى تنفصل، أو للعجز عن تطهير الداخل، بخلاف أكل النجس ابتداء.
والقول بإمكان تنجيس الباطن بتناول النجس أحد القولين للشافعية (٤).
فإذا كان الباطن نجسًا معفوًّا عنه رجعنا إلى السؤال: أعفي عن النجاسة لتعذر تطهير الباطن، فيكون الحكم مقصورًا على ما استتر بالخلقة، أم عفي عنها لكون الباطن لها وعاءً يحفظها من الخروج، فلا تلوث الظاهر، فيقاس عليها القارورة؟
• حجة القائلين ببطلان الصلاة إذا حمل معه قارورة نجسة:
أن القارورة نجسة لوجود البول فيها، فحملها حمل للنجاسة.
• دليل من قال: بصحة الصلاة مع حمل القارورة:
الدليل الأول:
القياس على حمل الحيوان في الصلاة، وإن كان يحمل العذرة في جوفه.
стр. 2746
(ح-٩٣٢) فقد روى مالك من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي،
عن أبي قتادة الأنصاري، أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (١).
لا يختلف العلماء في طهارة بدن الإنسان، وإن كان يحمل العذرة، واختلفوا في تعليل الحكم، أهو ذهاب للحكم بطهارتها قبل انفصالها.
قال ابن سريج: «الشريعة تقضي أنه ليس في باطن الإنسان نجاسة» (٢).
أم هو حكم بنجاسة العذرة في الباطن، ولكن عفي عنها.
قال ابن حجر: «ليس في هذا الحديث ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفو عنه» (٣).
فقوله: (معفو عنه) إشارة إلى نجاسته، إلا أنه عفي عنه.
وقول ابن سريج ضعيف؛ لأنه إن كان يقصد بنفي وجود النجاسة نفي حكمها فهو مُسَلَّمٌ، فلا تأثير للنجاسة، وهي في الباطن، وإن كان يقصد بالنفي نفيًا لوجودها فهو مخالف للمحسوس.
• ونوقش هذا:
لا يصح القياس على باطن الحيوان؛ لأن نجاسة الحيوان في معدنها، فجرت مجرى النجاسة في جوف المصلي، ونجاسة القارورة مستودعة فجرت مجرى النجاسة الظاهرة.
الدليل الثاني:
أن القارورة عزلت النجاسة، فلا يباشرها بدن المصلي، ولا ثيابه، ولا بقعته، فصار وجودها في جيب الثوب نجاسة مجاورة، وليس ملاصقة أو مماسة، فلا أثر
стр. 2747
لها، فظاهر القارورة الطاهر ملامس لثوب المصلي، وما يلامس النجاسة من باطن القارورة لا يلامس ثياب المصلي، فصار كما لو كان بين المصلي وبين النجاسة حبل طرفه مربوط بالنجس، وطرفه الآخر محمول للمصلي، وكما لو مس ثوبَ المصلي ثوبُ رجلٍ متنجس بجواره، والنجاسة جافة لا يخشى أن تنتقل إلى ثيابه، وكما لو افترش زجاجًا على أرض نجسة، يرى منها عين النجاسة، فصلاته صحيحة؛ لعزل النجاسة.
• ويناقش:
بأن الصلاة على الأرض النجسة إذا افترشها بالزجاج لا تكون النجاسة محمولة للمصلي، بخلاف القارورة في داخلها نجاسة، فهو حمل لعين نجسة.
• الراجح من الخلاف:
الفقهاء عندما قالوا: لا يصح حمل النجاسة، أهم علقوا الحكم على مسمى الحمل من أجله، أم من أجل أن الحمل وسيلة لمباشرة النجاسة، إما في بدنه، أو ثوبه، أو بقعته؟
الظاهر الثاني، فإذا وجد حمل لهذه النجاسة لا تصل معه النجاسة إلى ثيابه، أو بدنه، أو بقعته كما لو حمل النجاسة في قارورة، فهل يكون للحمل تأثير على الصلاة مع أن نجاستها عن مجاورة، وليست عن مباشرة؟
ولو كان الحكم ببطلان الصلاة من أجل قرب المصلي من النجاسة ما صحت الصلاة مع وجود النجاسة بين رجليه وهو لا يباشرها، أو كانت في طرف حصيره، والله أعلم.
لهذا أجد من الصعوبة الحكم ببطلان صلاته، وإن كان الاحتياط أن يدع ذلك ما لم يكن مضطرًّا.
* * *
стр. 2748
الفرع الخامس الصلاة في ثياب الكفار ممن لا يتوقى النجاسة
المسألة الأولى الصلاة فيما نسجوه ولم يستعملوه
المدخل إلى المسألة:
• الأصل في الثياب الحل والطهارة.
• كل ثوب لم يغلب على الظن نجاسته -ولا عبرة بظن الموسوس- لا يجب غسله.
• الشك في طهارة الثياب لا يوجب غسلها.
• لا فرق بين ثياب أهل الذمة وغيرهم من الكفار؛ لأن نجاسة الكفار معنوية، والاعتقاد لا أثر له في نجاسة الثياب.
• إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما، والأصل هنا أقوى.
[م-٣٧٣] تجوز الصلاة في الثياب التي نسجها الكفار مما لم يلبسوه، في قول جمهور العلماء، وحكي إجماعًا، ما لم يكن مختصًّا بهم (١).
قال الدسوقي: «ما لم تتحقق نجاسته أو تظن» (٢).
ولا حاجة لهذا الشرط؛ لأنه هذا يشمل حتى ما نسجه المسلم إذا تحققت نجاسته أو ظُنَّت، وجب غسله.
وقيل: لا يصلي فيما نسجه الكفار مطلقًا حتى يغسل، وهو إحدى الروايتين
стр. 2749
عن الإمام أحمد (١).
وقيل: لا يصلي فيما نسجه مجوسي، أو مشرك حتى يغسل، بخلاف ما نسجه أهل الذمة، وهو المنصوص عن أحمد (٢).
قال ابن رجب في شرح البخاري: «قال ابن أبي موسى: اختلف قول أحمد في الثوب الذي ينسجه يهودي أو نصراني، هل يصلي فيه مسلم قبل أن يغسله أم لا؟ على روايتين، فأما الثوب الذي ينسجه مجوسي فلا يُصَلِّى فيه حتى يغسل قولًا واحدًا» (٣).
وهذا التفريق بين الكتابي وغيره في الثياب ليس مرده اختلاف المعتقد؛ لأن التفريق بين الكتابي وغيره إنما ورد في التذكية، وإباحة الكتابية للمسلم، بالاتفاق، وفي قبول الجزية على خلاف، وهذا ليس منها.
ولعل مبنى هذا التفريق: إما لأن غير أهل الذمة لا يتقون النجاسات، فيكون هذا الحكم خاصًّا في قوم علم منهم ذلك.
أو أن هذا الغسل جرى على سبيل الاحتياط، ولو صلى بها لم يؤمر بالإعادة.
ولهذا قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر غلام الخلال، من أعيان الحنابلة: إن صلى فيما نسجه وثني، أو مجوسي من غير غسل، فلا يتبين لي الإعادة؛ لأن الأصل طهارته (٤).
فصار الخلاف في الثياب التي نسجها الكفار، ولم يستعملوه ترجع إلى ثلاثة أقوال:
- يصلي فيها مطلقًا.
- لا يصلي فيها مطلقًا.
- التفريق بين الكتابي وغيره.
стр. 2750
• دليل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
الأصل الطهارة حتى تعلم النجاسة.
جاء في جامع العلوم والحكم، عن الإمام أحمد، أنه سئل عن يهود يصبغون بالبول؟ فقال: المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ولا تبحث عنه، وقال: إذا علمت أنه لا محالة يصبغ بشيء من البول، وصح عندك، فلا تُصَلِّ فيه حتى تغسله (١).
وقال حنبل: «كان أبو عبد الله يعني أحمد يصبغ له يهودي جبة، فيلبسها، ولا يحدث فيها حدثًا من غسل، ولا غيره، فقلت له: فقال: ولم تسأل عما لا تعلم؟ لم يزل الناس منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٩٣٣) ما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن أبي الضحى مسلم هو ابن صبيح، عن مسروق، قال:
حدثني المغيرة بن شعبة، قال: انطلق رسول الله ﷺ لحاجته، ثم أقبل، فلقيته بماء، فتوضأ وعليه جبة شأمية .... الحديث (٣).
وقد ينازع منازع أنه ﵊ قد غسلها قبل لبسها.
الدليل الثالث:
الإجماع على جواز الصلاة فيه.
قال ابن قدامة: «ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة الصلاة في الثوب الذي ينسجه الكفار، فإن النبي ﷺ ، وأصحابه إنما كان لباسهم من نسج الكفار .. » (٤).
• وتعقب:
بأن الخلاف محفوظ، كيف، وهو رواية عن الإمام أحمد؟ نقل ذلك ابن هانئ.
стр. 2751
وقد أشار ابن بطال إلى أن القول بالإباحة هو قول جمهور العلماء، إشارة إلى وجود خلاف في المسألة.
قال ابن بطال: «اختلف العلماء في الصلاة في ثياب الكفار، فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالصلاة فيما نسجوه» (١).
وقال ابن رجب: «من أصحابنا من قال: لا نعلم في هذا خلافًا، ومنهم من نفى الخلاف فيه في المذهب، ومن الأصحاب من حكى فيه خلافًا عن أحمد، ثم نقل رواية أبي داود عن أحمد، ورواية ابن هانئ، وقول ابن أبي موسى» (٢).
الدليل الرابع:
عمل المسلمين، وهو ما احتج به مالك ﵀.
قال مالك كما في المدونة: «لا يصلي في ثياب أهل الذمة التي يلبسونها، قال: وأما ما نسجوا، فلا بأس به، قال: مضى الصالحون على هذا» (٣).
وقال مالك أيضًا، وقد سئل عن ثياب الكفار التي نسجوها: «ما أدركت أحدًا يتحرز من الصلاة في مثل هذا» (٤).
الدليل الخامس:
(ث-٢٣٤) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، أن عمر أراد أن ينهى عن حلل الحبرة؛ لأنها تصبغ بالبول، فقال له أُبَيٌّ: ليس ذلك لك قد لبسهن النبي ﷺ ، ولبسناهن في عهده (٥).
[منقطع] (٦).
стр. 2752
وكونها تصبغ بالبول، فإما أن يكون من أبوال ما يؤكل لحمه، والصحيح طهارتها، وإما أن يكون مستهلكًا، بحيث لا يبقى لها أثر من عين، أو لون، أو رائحة، وإما أن يكون مستتبعًا بالماء قبل استكمال صنعها.
وأما لبس الحبرة فهو ثابت في الصحيحين عن النبي ﷺ .
(ح-٩٣٤) فقد روى البخاري من طريق هشام، عن قتادة،
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أحب الثياب إلى النبي ﷺ أن يلبسها الحبرة. ورواه مسلم (١).
• وجه قول من قال: لا تلبس حتى تغسل:
هذا القول مبني على تغليب الظاهر على الأصل، وهو أن الظاهر من حال الكافر أنهم لا يتقون النجاسة.
• ويناقش:
بأن الظاهر ليس له عموم كما هو العمل بالأصل، فالعمل بالأصل من أدلة
стр. 2753
الشرع، والعمل بالظاهر هو الاستناد إلى واقع الحال، وهو متغير من قوم إلى آخرين، ومن زمان إلى آخر، فقد يصدق في زمن أن الكفار في مكان أو زمان معين لا يتقون النجاسات، وقد يختلف الحال في مكان آخر فيكونون أكثر حرصًا من بعض المسلمين على طهارة أبدانهم وثيابهم طلبًا للصحة، والسلامة من الأمراض، لهذا كان الراجح هو القول بطهارة ما نسجوه، عملًا بالأصل، وهو أن الأصل الطهارة، والله أعلم.
* * *
стр. 2754
المسألة الثانية الصلاة في ثياب الكفار مما استعملوه
المدخل إلى المسألة:
• أذن الشارع في نكاح نساء أهل الكتاب، وأباح لنا طعامهم، وأدخلهم المسجد، فدل على أن أعيانهم طاهرة.
• الأصل في ثياب الكفار الطهارة، والظاهر أنهم لا يتوقون النجاسة.
• إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما، وليس لهذا قاعدة مطردة.
• أكل النبي ﷺ والصحابة طعام الكفار في آنيتهم، واغتسلوا، وتوضؤوا منها، وإذا لم تنجس آنيتهم باستعمالها، لم تنجس ثيابهم بالاستعمال من باب أولى.
[م-٣٧٤] اختلف الفقهاء في حكم الصلاة في ثياب الكفار مما لبسوه، ولم تعلم نجاسته:
فقيل: لا بأس بلبس ثياب أهل الذمة والصلاة فيها إلا الإزار والسراويل فإنه يكره الصلاة في ذلك حتى يغسل، وهو مذهب الحنفية، وعن أحمد رواية اختارها القاضي أبو يعلى: لا يصلي فيما ولي عوراتهم (١).
وقيل: لا تصح الصلاة في ثياب الكفار قبل غسلها، لا فرق بين الذمي وغيره، ولا بين ما تلحقه النجاسة في العادة كالذيل وبين غيره كالعمامة، وهو المشهور من مذهب المالكية، ورواية عن أحمد (٢).
стр. 2755
وقيل: تكره الصلاة في ثيابهم مطلقًا، سواء فيه أهل الكتاب وغيرهم، والمتدين باستعمال النجاسة وغيره، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١).
قال النووي: «يكره استعمال أواني الكفار وثيابهم، سواء فيه أهل الكتاب وغيرهم، والمتدين باستعمال النجاسة وغيره … » (٢).
وقيل: تباح الصلاة في ثيابهم إلا إن كان من قوم يتدينون بالنجاسة، فلا تصح الصلاة فيما لبسوه، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة (٣).
وقيل: يباح استعمالها حتى يعلم نجاستها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: المنع في الكل ممن تحرم ذبيحته من المشركين كالمجوس والوثنيين، ونحوهم، بخلاف أهل الكتاب وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
فخلص لنا من هذا الخلاف:
- الإباحة مطلقًا.
- المنع مطلقًا حتى تغسل، وهذان قولان متقابلان.
- الكراهة مطلقًا.
стр. 2756
وأما ما ورد مقيدًا:
فقيل: المنع من استعمال ثياب الكفار ممن يتدين باستعمال النجاسة.
وقيل: كراهة ما يلي عوراتهم من الثياب دون غيرها، وقيل: المنع فيها.
وقيل: المنع في الكل ممن تحرم ذبيحته دون غيرهم.
هذه سبعة أقوال، جملة ما قيل في المسألة، والله أعلم.
• دليل من قال: يباح استعمال ثياب الكفار مطلقًا:
الدليل الأول:
الأصل في ثياب المشركين الطهارة والحل، ولو كانت محرمة لقام الدليل على المنع، ولا يحكم بنجاستها بمجرد الشك.
الدليل الثاني:
(ح-٩٣٥) ما رواه مسلم من طريق حميد بن هلال،
عن عبد الله بن مغفل قال: أصبتُ جرابًا من شحم يوم خيبر قال: فالتزمته. فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا. قال: فالتفتُّ فإذا رسول الله ﷺ متبسمًا. ورواه البخاري، وهذا لفظ لمسلم (١).
فالجراب من آنيتهم، ولو كان غسل الإناء واجبًا لنجاسته لتنجس الظرف وما فيه، وإذا حكم بطهارة آنيتهم حكم بطهارة ثيابهم بجامع الاستعمال فيهما.
الدليل الثالث:
(ح-٩٣٦) ما أخرجه البخاري بسنده من حديث أبي هريرة، في قصة وضع اليهود السم للرسول ﷺ ، وفيه: قال رسول الله ﷺ : هل أنتم صادقِيَّ عن شيء إن سألتكم؟ قالوا: نعم. قال: هل وضعتم في هذه الشاة سمًّا؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٩٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن برد، عن عطاء،
стр. 2757
عن جابر، قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم، فنستمتع بها، فلا يعاب علينا (١).
[إسناده حسن والحديث صحيح لغيره] (٢).
الدليل الخامس:
(ح-٩٣٨) ما أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وقد جاء فيه: أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأن أحد الصحابة كان مجنبًا فاغتسل من ذلك الماء. والحديث في صحيح مسلم دون قصة اغتسال الجنب (٣).
وجه الاستدلال:
أكل النبي ﷺ والصحابة طعام الكفار في آنيتهم، واغتسلوا منها، وتوضؤوا وإذا لم تنجس آنيتهم باستعمالها لم تنجس ثيابهم بالاستعمال من باب أولى؛ لأن استعمال الثياب أخف من استعمال الآنية.
الدليل السادس:
(ث-٢٣٥) ما رواه الشافعي في الأم، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه،
أن عمر بن الخطاب توضأ من ماء نصرانية في جرة نصرانية (٤).
[رجاله ثقات إلا أن ابن عيينة لم يسمعه من زيد بن أسلم] (٥).
• وأجيب على هذه الأدلة:
أجاب ابن العربي على ما ورد عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصيبون
стр. 2758
من آنية المشركين وأسقيتهم، فلا يعيب ذلك عليهم، قال: «إن صح فمحمول على أنهم كانوا يستعملون ذلك بشرطه، وهو الغسل، أو يكون محمولًا على استعمال الأواني التي لا يطبخ فيها». اه (١).
والقول بأن الصحابة لم يكن يستعملونها إلا بعد غسلها، فهذا أيضًا من قبيل الدعوى، ومن الأدلة ما هو مقطوع بأنهم استعملوها قبل غسلها، كما في مشاركتهم طعامهم.
• دليل من قال: تصح الصلاة في ثياب الكفار مع الكراهة:
(ح-٩٣٩) استدلوا بما رواه البخاري في صحيحه من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس،
عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم فما يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير معلم، فأدركت ذكاته فكل. ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال من الحديث:
قالوا: نهى عن استعمالها مع وجود غيرها، وهذا مطلق، سواء أَتَيَقَّنَّا طهارتها، أم لا، والأصل في النهي أنه للتحريم، لكن لما قال : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم ومياههم، وفي أوانيهم، وأكل النبي ﷺ طعام أهل الكتاب، في أحاديث صحيحة دل ذلك على أن النهي للكراهة، والله أعلم.
• دليل من منع استعمال ثياب الكفار قبل غسلها:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [المائدة: ٢٨].
стр. 2759
وجه الاستدلال:
نصت الآية على نجاسة المشرك، وإذا ورد لفظ (نجس) في الشرع حمل ذلك على الحقيقة الشرعية، وهي النجاسة العينية، وإذا كانت أعيانهم نجسة تعدى ذلك إلى جميع ما استعملوه.
• وأجيب:
بأن الحكم معلق على وصف، وهو الشرك، والشرك نجاسة معنوية، كما أن الإيمان طهارة معنوية في قوله: (إن المؤمن لا ينجس) (١)، وإن كان تلحقه النجاسة الحسية كغيره.
وحمل المعنى على الحقيقة الشرعية هو الأصل، لكن إذا وردت قرينة تمنع من إرادة الحقيقة الشرعية لم يحمل عليها، فلما أذن في نكاح نساء أهل الكتاب، وأباح لنا طعامهم، واستعمل آنيتهم، وأدخلهم المسجد، علم أن الحقيقة الشرعية غير مرادة، فحملنا الآية على النجاسة المعنوية، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٩٤٠) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة، قال: لقيني رسول الله ﷺ ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت، وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هر؟ فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (٢).
مفهومه: أن المشرك نجس.
قلت: لا حاجة إلى الاستدلال بالمفهوم، وعندنا منطوق الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقد أجبت عن الآية، وما كان جوابًا عن الآية كان جوابًا عن مفهوم حديث أبي هريرة ﵁.
الدليل الثالث:
استدلوا بحديث أبي ثعلبة المتقدم، على وجوب غسل ما استعملوه، حيث نهاهم
стр. 2760
النبي ﷺ عن استخدام آنيتهم مع وجود غيرها، فإن اضطروا إلى استعمالها لعدم وجود غيرها فلم يأذن باستعمالها إلا بعد أن أمرهم بغسلها، والأصل في الأمر الوجوب.
ولو كان النهي عنها للكراهة لم يعلق استخدامها على الضرورة، فقد كان بالإمكان الإرشاد إلى غسلها ابتداء، ولو وجد غيرها.
• وأجابوا عن ذلك بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن الغسل هو من باب الاحتياط والاستحباب، ولو كان النهي للتحريم لم يلبس النبي ﷺ الجبة الشامية، والحبرة، وهي من صنعهم، وقد خرجتها في المسألة السابقة، ولم يأكل النبي ﷺ وصحابته طعامهم، ولم يَأْتِ الكتاب بحل طعامهم، ونكاح نسائهم، فلا معنى لنهيه عن استعمال آنيتهم إلا للتنفير من استخدام ما استخدمه الكافر وقارف فيها النجاسات، ولما كان تنجس الآنية غير متيقن لم يمتنع النبي ﷺ من الأكل في آنيتهم، وتعين حمل النهي عنها على الكراهة جمعًا بين النصوص، والله أعلم.
الجواب الثاني:
أن حديث أبي ثعلبة الخشني قيل في قوم كانوا يأكلون في آنيتهِمِ الميتَةَ والخنزيرَ، ويشربون فيها الخمر، ولذا أمر بغسلها، إن لم يوجد غيرها، أما من يعلم أنهم لا يأكلون فيها الميتة، ولا يشربون فيها الخمر، فآنيتهم كآنية المسلمين،
(ح-٩٤١) ويدل على هذا ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،
أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إني بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بُدًّا، فإذا لم تجدوا منها بُدًّا فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبه قال: واشربوا (١).
стр. 2761
• ورد هذا الجواب:
بأن أبا قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، وقد اختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة (١).
ولو كان النهي عن استعمالها من أجل تنجسها فقط كان بالإمكان الأمر بغسلها ابتداءً، ولم يشترط للغسل عدم وجود غيرها.
الدليل الرابع:
أن الغالب على آنية الكفار وثيابهم النجاسة؛ لأنهم يطبخون فيها لحوم الخنزير ويأكلون فيها الميتة، وإذا تعارض الأصل (وهو كونها طاهرة) مع الغالب، وهو استعمال النجاسة فيها، قدم الغالب على الأصل، فكل ما غلب على ظننا نجاسته حكمنا بنجاسته.
• ويناقش:
القول بأن الغالب على آنية الكفار النجاسة دعوى في محل النزاع، فكيف يكون الغالب عليهم استعمالها للنجاسة، ثم تأتي أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ وصحابته باستعمالها؟ ولو سلم بأنه هو الغالب، فإذا ترك النبي ﷺ هذا الغالب لم يكن معتبرًا، فلا حاجة لتحكيم الغالب، وهو متروك.
ونجاسة الآنية والثياب ليست أمرًا خفيًّا، فالنجاسة معقولة المعنى، لها وجود محسوس في المتنجس، من عين، أو لون أو رائحة، فإذا لم يكن للنجاسة أثر من ذلك حكمنا بطهارتها على الأصل، وإذا قوي الأصل قدم على الظاهر.
وسوف يأتينا إن شاء الله مناقشة تقديم الغالب على الأصل في قول لاحق.
• دليل من خص المنع أو الكراهة بالملابس التي تلي عوراتهم دون غيرها:
أن المعروف من الكفار إلى يومنا هذا أنهم لا يستنجون من البول، ولا يتحرزون منه، فما يلي عوراتهم من اللباس كالسراويل ونحوها لا يسلم من النجاسة، بخلاف الثياب البعيدة عن عوراتهم، فهي على أصل الطهارة فلا تكره الصلاة فيها.
стр. 2762
• ونوقش هذا:
بأن هذا السبب كان قائمًا وقت التشريع، ولم يكن حادثًا في عصرنا، ولم يَأْتِ تفريق في ثيابهم بين ما يلي عوراتهم، وبين غيرها، ولا بين ما نسجوه وبين ما لبسوه، ولو كان هناك فرق لجاء النص بهذا، وما كان ربك نسيًّا، فيبقى الحكم في ثيابهم على أصل الطهارة.
• ورد هذا النقاش:
لا نسلم أنه لم يَأْتِ أمر بغسلها، فقد جاء الأمر بغسل الأواني إذا لم نجد غيرها، والثياب مقيسة عليها.
• ورد على هذا الرد:
بأن الأمر بغسلها قد حمل على الاستحباب جمعًا بين النصوص، لأنه لا سبيل إلى الترجيح بين النصوص المتعارضة إذا أمكن الجمع بلا تكلف.
الدليل الثاني:
غسل ثياب الكفار قبل استعمالها مبني على تعارض الأصل والظاهر، فالإباحة ترجيح للأصل، وهو الطهارة، والكراهة ترجيح للظاهر؛ لعدم توقيهم النجاسة، فإذا قوي الظاهر قدم على الأصل، خاصة في حق ما يلي عوراتهم من الثياب.
• ونوقش هذا:
القول بنجاستها من باب تقديم الظاهر على الأصل، هذا السبيل يكون طريقًا للفقيه إذا لم يجد في المسألة نصوصًا يتحاكم إليها، ويتعارض الأصل الشرعي بالظاهر المشاهد من حال القوم وعملهم، فهل يقدم الأصل الشرعي القاضي بأن الأصل في الأشياء الطهارة، ويحكم بطهارتها، أم يقدم الظاهر المشاهد والمحسوس من كونهم لا يتقون النجاسات، فيحكم بنجاستها.
والقاعدة في تعارض الأصل والظاهر هو تقديم الأقوى منهما وليس هناك قاعدة مطردة (١).
стр. 2763
وكل ذلك مفروض في مسألة ليس فيها نصوص شرعية، فإذا تعارض الأصل والظاهر، اجتهد الفقيه في تلمس أيهما أقوى فيقدم.
أما إذا كانت المسألة فيها نصوص صريحة كمسألتنا هذه، وهي جارية على العمل بالأصل الشرعي؛ فلا حاجة إلى افتراض تعارض بين الأصل والظاهر، بل النصوص تقضي بإلغاء الظاهر (١)، والله أعلم.
стр. 2764
• دليل من قال: تباح ثياب من تحل ذبيحتهم دون غيرهم:
أخذ هؤلاء الفقهاء من طهارة ذبيحة الكتابي دليلًا على طهارة بدنه، ومن نجاسة ذبيحة المجوسي والوثني دليلًا على نجاسة بدنه.
فمن كان طاهر البدن كانت ثيابه طاهرة، ومن كان بدنه نجسًا فثيابه نجسة.
• ويناقش:
بأن أهلية التذكية ليس لطهارة هذا، ولا لنجاسة ذاك، فالكتابي مشرك، وأي شرك أعظم من أن يدعي أن لله ولدًا، قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١].
فأهلية التذكية ليست راجعة للطهارة والنجاسة العينية، بل تخفيف من الله، ورحمة لعباده المؤمنين، وتوسيع عليهم؛ لعلمه أن الروم أكثر أهل الأرض، ولو حرمت ذبائحهم لكان في ذلك حرج ومشقة لا تخفى، وهذه الشريعة من لدن حكيم خبير.
(ح-٩٤٢) وقد روى البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد،
أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قِبَلَ نجد فجاءت برجلٍ من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد.
стр. 2765
الحديث قطعة من حديث طويل. ورواه مسلم أيضًا (١).
ولو كان الكافر نجسَ العينِ لما ربط ثمامة في المسجد، وهو مشرك، آنذاك فدل على طهارة بدن المشرك، وطهارة بدنه تعني طهارة ثيابه، والله أعلم.
• الراجح:
أرى أن القول بكراهة استعمال ثيابهم هو القول الوسط، وما يلي عوراتهم أشد كراهة من غيرها، ولولا حديث أبي ثعلبة الخشني لقلت بالإباحة، والله أعلم.
* * *
стр. 2766
الفرع السادس الصلاة في الثوب المحرم
الثوب المحرم: تارة يكون التحريم لحق الله، كما لو صلى في حرير، وهو رجل، أولبس ما يختص بالكفار، أو لبس الرجل ما يختص بالنساء، أو العكس، وكما لو صلى بثوب مسبل على القول بتحريمه.
وتارة يكون التحريم لحق الآدمي، كما لو صلى بثوب مغصوب، أو مسروق، وهو يعلم.
وبعض العلماء يذهب إلى تقسيم المحرم إلى ثلاثة أقسام:
محرم لذاته كالحرير. ومحرم لوصفه: كصلاة الرجل في ثوب فيه صور، ومحرم لكسبه، كالمغصوب، والمسروق، والتقسيم الأول ينتظم فيه كل الثلاثة.
لهذا سوف أمشي على التقسيم الأول إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 2767
المسألة الأولى في الصلاة بالثوب الحرير
المدخل إلى المسألة:
• كل صلاة استجمعت شروطها وأركانها فالأصل صحتها إلا بدليل.
• النهي عن الشيء لمعنى في غيره، لا يقتضي فساده.
• لا تلازم بين التحريم والصحة، فالأول حكم تكليفي، والآخر وضعي، ولكل منهما شروطه.
• المريض الذي يستضر بالصوم يحرم عليه، فإن صام صح صومه على الصحيح، وحكي إجماعًا، فاجتمع النهي والصحة على شيء واحد، ولم يقتضِ النهي الفساد (١).
• المصلي في الثوب الحرير ليس بمنزلة العريان.
• أجمع السلف على كون الظَلَمَة لا يؤمرون عند التوبة بقضاء الصلاة المؤداة في الدور المغصوبة، مع كثرة وقوعها، ولو كانت صلاتهم باطلة لَأُمِرُوا بقضائها.
• إذا أبيح الحرير لحاجة التداوي أبيح لحاجة ستر العورة من باب أولى، فالتداوي ليس بواجب، بخلاف ستر العورة.
• العلة في تحريم الحرير على الرجال، كالعلة في تحريم الذهب كونهما من الزينة الناعمة التي لا تليق بالرجال، ولهذا أبيحا للنساء مطلقًا، واغتفر اليسير منه للرجال، فكان تحريمه من تحريم الوسائل، لا من تحريم المقاصد، فإذا لم يجد غيره أبيح له لبسه.
• المحرم لغيره تبيحه الحاجة.
• إباحة الساتر شرط للصلاة، فإذا عجز عن الساتر المباح سقط كسائر الواجبات.
[م-٣٧٥] يحرم لبس الحرير الخالص على الرجال في الصلاة وغيرها إذا لم يكن محتاجًا إلى لبسه.
стр. 2768
قال في مواهب الجليل نقلًا عن ابن رشد: «أجمع أهل العلم على أن لباس الحرير المصمت الخالص محرم على الرجال» (١).
وحكى الإجماع النووي وغيره (٢).
فإن صلى فيه، مع وجود ثوب مباح، فاختلف الفقهاء في صحة صلاته:
فقيل: تصح مع الإثم، ولا إعادة عليه، وهو مذهب الجمهور، واختاره ابن وهب، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم من المالكية، وهو رواية عن أحمد (٣).
قال ابن رجب: «أكثر أهل العلم على أن الصلاة فيه تجزئ، وتبرأ بها الذمة، ولا يلزم إعادتها، وعن أحمد في ذلك روايتان» (٤).
وقال الحنابلة في المشهور: لا تصح، ويعيدها مطلقًا، قال المرداوي: وهو من المفردات، وبه قال أهل الظاهر (٥).
وقيل: تصح ويعيد الصلاة في الوقت، وهو قول سحنون وابن القاسم، وهو المشهور من مذهب المالكية (٦).
وقيل: إن كان صلى بثوب حرير، وعليه ثوب يواريه صحت، ولا إعادة عليه، وبه قال أشهب وابن حبيب.
وإن صلى بالحرير وحده، مع وجود غيره، أعاد أبدًا، وبه قال ابن حبيب.
стр. 2769
وقال أشهب: «يعيد في الوقت» (١).
وقيل: تصح مع الكراهة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: لا تبطل صلاته إلا أن يلي القدر المحرم عورته، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
• منشأ الاختلاف:
اختلافهم في النهي عن لبس الحرير، أيقتضي لبسه في الصلاة فسادها أم لا؟
فالجمهور: لا يقتضي فساد الصلاة؛ لأن النهي غير مختص بالعبادة، خلافًا للحنابلة.
أما إذا لم يجد المصلي ما يستر عورته إلا ثوب حرير صلى به وجوبًا، ولا يصلي عريانًا، ولا يلزمه إعادة الصلاة إذا قدر على المباح.
وبه قال جمهور الفقهاء، وهو المشهور من مذهب أحمد، وقول في مذهب الإمام مالك (٤).
وقال الحنابلة في رواية: يصلي، ويعيد الصلاة (٥).
واستحب المالكية الإعادة في الوقت (٦).
стр. 2770
وقال ابن القاسم في أحد قوليه: «يصلي عريانًا، ولا يصلي بالحرير، قاله في سماع أصبغ عنه، وهو وجه عند الشافعية» (١).
ويتخرج من قول ابن القاسم في المدونة: «من تقديم الحرير على الثوب النجس أنه يصلي بالحرير، ولا يصلي عريانًا، فيكون لابن القاسم قولان في المسألة» (٢).
وقد سبق أن ذكرت أدلة هاتين المسألتين مفرقتين في مسألة شروط ما يستر به عورته، فانظره هناك، فلله الحمد على توفيقه.
* * *