الكتاب على هذا الفعل هو عبادتهم لأصحاب هذه القبور، وهو ما أوجب التحريم في شريعتنا مضافًا إليه التشبه بهم.
وقيل: علة النهي عند المالكية، والشافعية، وقول عند الحنفية وقول عند الحنابلة هو الخوف من نجاسة أرض المقبرة.
ونجاستها عند الجمهور بسبب تحلل أجساد الأموات.
ونجاستها عند بعض الحنفية بسبب أن بعض الجهال يستترون بما شرف من القبور، فيبولون، ويتغوطون خلفها.
وبناءً على هذه العلة، فمتى تحقق، أو ظن طهارة أرض المقبرة صحت الصلاة، إما مطلقًا كقول المالكية، أو مع الكراهة عند الحنفية والشافعية؛ لأنها مظنة النجاسة.
ولهذا اشترط الشافعية، وهو قول عند المالكية للتحريم أن تكون المقبرة قديمة، وقد نبشت، وصلى على الأرض بلا حائل من فراش ونحوه.
وقيل: العلة تعبدية، وعليه أكثر الحنابلة، قال المرداوي: وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب (١).
•والراجح
أن العلة ليس الخوف من نجاسة الأرض، بل العلة هو الخوف من تحول القبور إلى أوثان تعبد من دون الله، فإن أصل الشرك وعبادة الأوثان كانت من تعظيم القبور، ولهذا لم تفرق الأحاديث بين القبور القديمة والجديدة، وبين المنبوشة وغيرها، وقد لعن الله اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس من أجل النجاسة؛ لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم.
قال ابن تيمية ﵀: «والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك» (٢).
وقال أيضًا نقلًا من إغاثة اللهفان: «وهذه العلة هي التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت كثيرًا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك .... ولهذا تجد أهل الشرك كثيرًا يتضرعون عندها،
стр. 2802
ويخشعون، ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السَّحَر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته … » (١).
فإذا عرفنا أقوال فقهائنا، وكيف بُنِيَ الخلاف، واختلافهم في علة النهي عن الصلاة في المقبرة، نأتي إلى ذكر أدلة العلماء، ومناقشتها، أسأل الله الكريم أن يسهل عَلَيَّ وعليكم حسن العرض والتوفيق في الفهم والعمل.
• دليل من قال: لا تصح الصلاة في المقبرة:
الدليل الأول:
(ح-٩٥٠) ما رواه مسلم من طريق زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث النجراني، قال:
حدثني جندب، قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ، وهو يقول: .... ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك (٢).
قال ابن رجب: «وهذا يعم كل القبور» (٣).
الدليل الثاني:
(ح-٩٥١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
أن عائشة، وعبد الله بن عباس، ﵃ قالا: لمَّا نزل برسول الله ﷺ ، طَفِقَ يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا (٤).
стр. 2803
وفي الصحيحين نحوه عن أبي هريرة ﵁ (١).
الدليل الثالث:
(ح-٩٥٢) ما رواه مسلم من طريق ابن جابر (عبد الرحمن بن يزيد بن جابر)، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة،
عن أبي مرثد الغنوي، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها (٢).
• وأجيب عن الاستدلال بهذه الأحاديث بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن النهي للكراهة؛ لحديث جابر في الصحيحين: جعلت لي الأرض مسجدًا، وطهورًا.
• ورد هذا الجواب:
بأن النبي ﷺ لعن من فعل ذلك، وهو يدل دلالة واضحة على التحريم، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب، وقد نهى النبي ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وقال أيضًا: لا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك. وقد قال : ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقال ﷺ : وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.
أخرجه الشيخان من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (٣).
وسوف أناقش حديث جابر في أدلة القائلين بالكراهة إن شاء الله تعالى، فانظره هناك دفعًا للتكرار.
الجواب الثاني:
قالوا: لا يلزم من تحريم بناء المساجد على القبور تحريم الصلاة فيها؛ لأن
стр. 2804
النهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم.
ورد هذا:
بأن النهي عن إقامة المساجد على قبور الأنبياء والصالحين نهي عن الصلاة بذلك المكان بدلالة الالتزام، كما أن النهي عن الصلاة في مكان، نهي عن إقامة المسجد في ذلك المكان، فالمساجد لا تراد إلا للصلاة.
قال ابن تيمية: «كل موضع قُصِدَتْ الصلاة فيه فقد اتُّخِذَ مسجدًا، بل كل موضع يُصَلَّى فيه فإنه يسمى مسجدًا، وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (١).
وقد يطلق لفظ المساجد ويراد به السجود، والدلالة واحدة على المنع من الصلاة، فإن النهي عن السجود نهي عن الصلاة بدلالة التضمن، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
قال ابن تيمية: «هذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين» (٢).
الجواب الثالث:
بأن اللعن في هذه الأحاديث محمولة على السجود للقبر.
(ح-٩٥٣) لما رواه الإمام أحمد قد روى عن عتاب بن زياد، وعن علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني بسر بن عبيد الله الخولاني، قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت واثلة بن الأسقع يقول:
سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا عليها.
[المحفوظ: (ولا تصلوا إليها) وليس في إسناده أبو إدريس الخولاني] (٣).
• ويجاب عن ذلك:
بأن لفظ: (ولا تصلوا عليها) قد اختلف فيها على ابن المبارك، والمحفوظ عن ابن المبارك وغيره: (ولا تصلوا إليها)، كما سبق بيان ذلك.
الدليل الرابع:
(ح-٩٥٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، وعبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : اجعلوا في بيوتكم من
стр. 2807
صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا (١).
وجه الاستدلال:
ترجم البخاري لهذا الحديث له في صحيحه، فقال: باب كراهية الصلاة في المقابر، فحمل البخاري النهى من جعل البيوت كالمقابر التي لا تجوز الصلاة فيها، ولهذا شبه النبي ﷺ البيت الذي لا يصلى فيه بالمقابر التي لا يصلى فيها دلالة على أن المقابر ليست بموضع للصلاة.
• وأجيب:
بأن الحديث قال: لا تجعلوها قبورًا؛ ولم يقل: مقابر، فالقبر هو الحفرة التي يدفن بها الميت، والمقابر: اسم للمكان المشتمل على القبور، والقبر ليس محلًّا للصلاة، فإن العبد إذا مات، وصار في قبره لم يُصَلِّ، فالمعنى صلوا في بيوتكم، ولا تكونوا كالأموات في قبورهم؛ فإنهم لا يصلون، وليس في الحديث تعرض لمنع الصلاة في المقابر.
• ورد هذا:
بأن القبر موضع لا يتأتى الصلاة فيه، فلا يحمل كلام الشارع عليه.
بدليل أن قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
ولا يتصور اتخاذ القبر نفسه مسجدًا، فأطلق القبر، وأراد به المكان الذي حول القبر، وهو المقبرة، واللغة لا تمنع من إطلاق القبور، وإرادة المقابر، فإن القبور جزء من المقبرة، ولا تكون مقبرة بمجرد إعدادها للدفن حتى يدفن فيها، وإطلاق بعض الشيء على كله له أصل في اللغة، كإطلاق الرقبة على العبد.
(ح-٩٥٥) وروى مسلم في صحيحه من طريق سهيل، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة (٢).
فشبه البيوت التي لا يقرأ فيها القرآن بالمقابر، وإذا كانت المقبرة ليست محلًّا
стр. 2808
لقراءة القرآن، فهي ليست موضعًا للصلاة.
الدليل الخامس:
(ح-٩٥٦) روى أحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه،
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : كل الأرض مسجد، وطهور إلا المقبرة والحمام (١).
[اختلف في وصله وإرساله على اضطراب فيه] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الحديث استثنى المقبرة والحمام من حكم الأرض التي تجوز الصلاة فيها.
وفي الأحاديث الصحيحة غنية.
الدليل السادس:
(ح-٩٥٧) ما رواه الترمذي من طريق يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع،
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله (٣).
[ضعيف جدًّا] (٤).
стр. 2809
هذه أهم الأدلة التي يستدل بها أصحاب هذا القول، ولهم أدلة أخرى يشاركهم فيها بعض الأقوال الأخرى آثرت ذكرها في أدلة أصحابها منعًا من التكرار.
• دليل من قال تصح الصلاة في المقبرة:
الدليل الأول:
(ح-٩٥٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد هو ابن صهيب الفقير، قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي … وذكر منهن: … وجُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليُصَلِّ … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (جعلت لي الأرض مسجدًا … ) فعمومه يشمل المقابر، وما ورد بخلافه فهو منسوخ؛ لأن هذا الحديث من فضائل النبي ﷺ وخصائصه، وجائز على فضائله الزيادة دون النسخ والتبديل والنقص، والتخصيص.
قال ابن عبد البر: «قوله ﷺ جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وتلك فضيلة خُصَّ بها رسول الله ﷺ ولا يجوز على فضائله النسخ ولا الخصوص ولا الاستثناء .... وبهذا يستبين عند تعارض الآثار في ذلك، أن الناسخ منها قوله ﷺ جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وقوله لأبي ذر: حيثما أدركتك الصلاة فَصَلِّ، فقد جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٢).
وقال ابن حجر: «الحديث سيق في مقام الامتنان، فلا ينبغي تخصيصه، ولا يرد عليه أن الصلاة في الأرض المتنجسة لا تصح؛ لأن التنجيس وصف طارئ، والاعتبار بما قيل قبل ذلك» (٣).
стр. 2810
• ويجاب عنه من وجوه:
الوجه الأول:
أن حديث النهي خاص، وهذا حديث عام، والخاص مقدم على العام، كما هو مقرر في أصول الفقه.
الوجه الثاني:
القول بأن مقام الامتنان لا يسوغ تخصيصه، إن سُلِم فالجواب عنه: أن محل الامتنان هو مخالفة من قبلنا في حصر الصلاة في مكان معين، لا جواز الصلاة في كل مكان، ويكفي في الامتنان حصوله على الغالب والأكثر، فالمقابر ليست بشيء إذا قيست بالمباح من الأرض، والصور النادرة لا يقصدها المتكلم في العموم أصلًا حتى يقال: لا تخرج إلا بتخصيص، فالعام لم يتناولها من الأصل في أصح قولي أهل الأصول فكان عدم شمولها غير قادح في الامتنان ..
الوجه الثالث:
أن الصلاة في الأرض المتنجسة لا يصح، وهذا تخصيص لما سيق في مقام الامتنان، فانتقض الاعتراض.
فإن قيل: التنجيس وصف طارئ، والاعتبار بما قيل قبل ذلك.
فيقال: كذلك وجود القبر وصف طارئ على الأرض.
فإذا وجد القبر في مكان فإنه يمنعُ بناءَ المسجدِ في ذلك المكان، وهذا بالإجماع، قال ابن تيمية: «اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر … » (١).
وقال الشاطبي في الموافقات: «ونهى -يعني النبي ﷺ - عن بناء المساجد على القبور، وعن الصلاة إليها» (٢).
стр. 2811
وإذا وجد جزء من الأرض لا يصلح لبناء مسجد فيه، فإنما ذلك لأنه لا يصلح للصلاة فيه، فانتقض الاعتراض، وصح تخصيص أحاديث الامتنان.
الدليل الثاني:
(ح-٩٥٩) روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ في قصة بناء مسجد رسول الله ﷺ ، وفيه: ثم أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤوا، فقال: يا بني النجار! ثامنوني حائطكم هذا، فقالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال: فكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وبالنخل فقطّع .... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ جعل مسجده على مقبرة، فكان دليلًا على جواز الصلاة فيها.
• ويناقش:
موضع المسجد ليس مقبرة، وإنما كان موضعًا فيه نخل، وخرب، وبعض القبور للمشركين، وهذه القبور لا حرمة لها، فلما أمر بالقبور فنبشت، وسويت، خرج الموضع عن أن يكون مقبرة.
نعم فيه رد على تعليل الشافعية بأن النهي عن الصلاة في المقبرة لعلة النجاسة؛ لأنه لو كان ذلك التراب نجسًا لوجب أن ينقل من المسجد حتى يتيقن زوال النجاسة، لا سيما إذا اختلط الطاهر بالنجس، فلما لم يفعل ذلك، ولم يؤمر باجتناب ذلك التراب، ولا بإزالة ما يصيب الأبدان والثياب منه، دل على أن العلة ليست النجاسة.
الدليل الثالث:
أن المقبرة موضع طاهر، فصحت الصلاة فيها كسائر الأماكن.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
قياس المقبرة على سائر الأماكن الطاهرة قياس في مقابل النص، فيكون فاسد
стр. 2812
الاعتبار؛ لأن سائر الأماكن الطاهرة لم يرد فيها نهي بخلاف المقبرة.
الوجه الثاني:
أن العلة في النهي عن الصلاة في المقبرة ليس لمظنة النجاسة حتى يعارض النهي بطهارة الأرض، بل العلة مظنة اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله.
الدليل الرابع:
(ح-٩٦٠) ما رواه البخاري حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة: أن رجلًا أسود، أو امرأة سوداء كان يقم المسجد، فمات، فسأل النبي ﷺ عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني به، دلوني على قبره -أو قال قبرها- فأتى قبرها فصلى عليها (١).
ورواه مسلم حدثني أبو الربيع الزهراني، وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، واللفظ لأبي كامل، قالا: حدثنا حماد بن زيد به، بنحوه، وزاد:
إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم (٢).
وجه الاستدلال:
فإذا جازت الصلاة على القبر، جاز غيرها من الصلوات قياسًا عليها.
• وأجيب:
بأن صلاة الجنازة شرعت دعاء للميت، فهي صدقة من الحي للميت، ومقيدة بشرط أن يكون الرجل لم يدرك الصلاة عليه، بخلاف الصلوات الخمس ذات الركوع والسجود فهي للمصلي نفسه، وليس للميت منها شيء، وقد يفتتن بها الجهلة إذا رأوا الناس يصلون في المقابر، فيتجهون للميت بحاجاتهم مما يوقعهم في الشرك الأكبر.
الدليل الخامس:
بنى المالكية حكمهم على القول بصحة الصلاة في المقابر بناء على ترجيح
стр. 2813
الأصل على الظاهر عند التعارض، فالأصل طهارة المقبرة، والظاهر نجاستها بأجزاء الميت، فقدم الأصل على الظاهر لقوته.
وسبق الجواب على أن العلة في النهي ليست النجاسة، ولو سلم فالنجاسة في باطن الأرض، فلا أثر لها، ولا تأثير.
• دليل من ذهب إلى كراهة الصلاة في المقبرة:
الدليل الأول:
استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول القائلين بالتحريم إلا أنهم حملوها على الكراهة، والصارف عندهم عن التحريم أحد أمرين:
الأول: حديث جابر: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. متفق عليه (١).
فالحديث قرينة على أن النهي عن الصلاة في المقابر لا يراد منه التحريم بل الكراهة.
الأمر الثاني:
أن علة النهي عن الصلاة في المقابر، إما لكون المقابر مظنة النجاسة، كما هو توجه الشافعية، فلما كانت النجاسة غير متحققة حمل النهي في الأحاديث على الكراهة؛ ولأن الأصل طهارة الأرض حتى نتيقن النجاسة.
وإما لكون العلة: النهي عن التشبه بأهل الكتاب، كما هو توجه الحنفية، والأصل في التشبه الكراهة عند جمهور العلماء إلا بقرينة، فقد يبلغ التشبه الشرك بالله، وقد ينزل إلى ما هو أخف من الكراهة، كالتعبير بخلاف الأولى، وذلك مثل الصلاة في النعال، وترك تغيير الشيب، ونحو ذلك، والكراهة هو الحكم المتيقن، ولا ينتقل عنه إلا بدليل، وأما حديث: من تشبه بقوم فهو منهم فقد رجح أبو حاتم الرازي ودحيم إرساله، وسبق بحثه (٢).
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
أن القاعدة المقررة في الأصول: أن النهي يقتضي التحريم؛ لأن صيغة النهي
стр. 2814
المجردة من القرائن محمولة على التحريم.
الجواب الثاني:
من يتأمل نصوص النهي عن الصلاة في المقابر، لا يرى أن العلة في النهي هي مخافة النجاسة، فالنهي عن الصلاة عند قبور الأنبياء ليس من أجل مظنة النجاسة، ومع ذلك جاء الوعيد الشديد لمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد.
والنهي عن الصلاة إلى القبر ليست العلة مظنة النجاسة؛ لأن النجاسة إذا كانت أمام المصلي لا تضره، ما لم يباشرها ببدنه، أو ثيابه، فهو كما لو صلى، وفي طرف مصلاه نجاسة لا يباشرها، فصلاته صحيحة بلا كراهة، كما مر معنا في بحث سابق.
ولأن الأموات إذا تنجسوا بالتحلل والتعفن، فإن ذلك في باطن الأرض، فليس على ظاهر الأرض من أجساد الأموات شيء، فيبقى ظاهر الأرض على الطهارة، فهذا بمنزلة الأرض المتنجسة إذا فرش عليها تراب، أو حصير صحت الصلاة عليها، لهذا يترجح للباحث أن العلة هي سد ذرائع الشرك، وحماية جناب التوحيد.
(ح-٩٦١) وقد روى أحمد، حدثنا سفيان، عن حمزة بن المغيرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١).
[حسن إن كان سهيل حفظ فيه زيادة (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) وحديث أبي هريرة في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة دون زيادة سهيل] (٢).
وجه الاستدلال:
أن دعاء النبي ﷺ في الجملتين يبين أن إحداهما سبب في الأخرى، فكون النبي ﷺ لعن قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، هو ما جعله يدعو ربه بأن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، وفي هذا إشارة للعلة التي جعلته ينهى عن اتخاذ القبور مساجد.
• دليل من قال: تحرم وتصح:
أما الدليل على تحريم الصلاة في المقابر:
فمنها ما رواه الشيخان من حديث عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
والنبي ﷺ لا يلعن إلا على فعل محرم، بل وشديد الحرمة؛ لكونه من كبائر الذنوب.
وقد سقت هذه الأحاديث بأسانيدها في أدلة القول الأول، فانظرها.
وأما الدليل على صحة الصلاة، فمنها:
الدليل الأول:
الأصل عدم بطلان العبادة إلا بدليل صحيح صريح، ولا دليل على بطلان العبادة.
الدليل الثاني:
النهي عن الصلاة في المقابر من باب سد الذرائع، فالصلاة لا خلل فيها، من حيث شروطها وواجباتها، وأركانها، وإنما النهي عن الصلاة جاء من أجل ألا يكون ذلك ذريعة إلى مفسدة أخرى، لهذا كان الفعل محرمًا، ولم تبطل الصلاة؛ لسلامتها من المفسد، ولطهارة مكانها، فلا تلازم بين التحريم، والصحة.
стр. 2817
• ورد هذا:
بأن الصلاة في المقابر منهي عنها، والنهي يقتضي الفساد في أصح أقوال أهل العلم.
ولحديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. رواه مسلم (١).
ورواه الشيخان بلفظ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢).
والصلاة في المقبرة ليست من أمر الله، فهي مردودة: أي غير مقبولة.
• وأجيب على هذا الرد:
بأن الصلاة من أمر الله ورسوله، فليست ردًّا، وكونها في المكان المنهي عنه هو الذي ليس من أمر الله ورسوله، وقد علم أن الخلاف في المنهي إذا كان له جهتان:
إحداهما مأمور به منها: ككونه صلاة.
والأخرى منهي عنه منها: ككونه في موضع نهي، أو وقت نهي، أو أرض مغصوبة، أو بحرير، أو ذهب، ونحو ذلك.
فالجمهور يقولون: إذا انفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد، وإن لم تَنْفَكَّ عنها اقتضاه، ولكنهم عند التطبيق يختلفون:
فيقول أحدهم: الجهة هنا منفكة. ويقول الآخر: ليست منفكة كالعكس.
فيقول الحنبلي مثلًا: الصلاة في الأرض المغصوبة لا يمكن أن تنفك فيها جهة الأمر عن جهة النهي؛ لكون حركة أركان الصلاة كالركوع، والسجود، والقيام، كلها يشغل المصلي به حيزًا من الفراغ ليس مملوكًا له، فنفس شغله له ببدنه في أثناء الصلاة حرام، فلا يمكن أن يكون قربة بحال.
ويقول المعترض كالمالكي والشافعي: الجهة منفكة هنا؛ لأن هذا الفعل من حيث كونه صلاة قربة، ومن حيث كونه غصبًا حرام، فله صلاته، وعليه غصبه كالصلاة بالحرير (٣).
стр. 2818
الدليل الثالث:
(ث-٢٣٦) ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع في مسنديهما، كما في المطالب العالية، قالا: حدثنا هشيم، أخبرنا حميد،
عن أنس ﵁ قال: كنت أصلي إلى قبر، فرآني عمر ﵁، فجعل يقول: القبر، القبر، فجعلت لا أفهم ما يريد، فرفعت رأسي إلى السماء، فقال: القبر أمامك.
قالا: وحدثنا هشيم، أخبرنا منصور، عن الحسن، عن أنس، عن عمر ﵁، بمثل ذلك (١).
[صحيح] (٢).
стр. 2819
وجه الاستدلال:
أما دلالة الأثر على التحريم:
فهذا ظاهر من كون مستقرًّا عند الصحابة ﵃ أجمعين- من تجنب الصلاة إلى القبر، وفعل أنس لا يدل على الجواز؛ لأنه قد جاء مصرحًا به في رواية إسماعيل بن جعفر بأنه لم يشعر به، فلما نبَّهه عمر تنبَّه.
وأما دلالته على الصحة:
فلأن أنسًا ﵁ لم يُعِدْ الصلاة، ولم يأمره عمر رضي الله بالإعادة.
• ويناقش:
قد يقال: لم يُعِدْ أنس ﵁ الصلاة، ولم يأمره عمر ﵁ بالإعادة؛ لأنه لم يتعمد الصلاة إلى القبر؛ لجهله بمكان القبر، فالجاهل بمكان القبر كالجاهل بالحكم، لا يؤمر بالإعادة؛ لأن فساد الصلاة كان بسبب ارتكاب المحرم في الصلاة، ومع الجهل ينتفي التحريم، فينتفي الفساد، كما قال الحنابلة ذلك في الصلاة في الثوب المحرم ناسيًا أو جاهلًا.
• ويرد على هذا:
بأن الفساد حكم وضعي، فإذا كان هذا الفعل يفسد العبادة أفسدها مطلقًا، من المكلف وغيره، والقاصد وغير القاصد، وإنما الحكم التكليفي هو في ترتب الإثم على الفعل، والله أعلم، وكما قلت سابقًا فالجمهور يرون أن جهة النهي منفكة عن جهة الأمر، فلا تقتضي فساد المأمور حتى مع العلم، والله أعلم.
• دليل من قال: إذا نبشت المقبرة فصلى على الأرض بلا حائل فسدت:
إذا نبشت المقبرة صار التراب الذي نزل عليه الدم، والقيح، والصديد من الموتى ظاهرًا على وجه الأرض، فإذا صلى على الأرض بلا حائل، صلى على عين النجاسة، فبطلت صلاته.
• ويناقش:
لا يلزم من نبش القبور الحكم بأن النجاسة قد عمت كامل التراب، فنجاسة بعض المقبرة لا يعني نجاستها كلها.
стр. 2820
وقد تكون النجاسة استحالت إلى تراب، فتأخذ حكم التراب.
ولأن النجاسة عين خبيثة، لها أثر على العين الطاهرة من عين، أو لون، أو ريح، لا يخفى أمرها على المصلي، فإذا لم يجد لها أثرًا من هذه الثلاثة حكم بطهارتها.
وإذا تعارض الأصل والظاهر قد يترجح الأصل، وهو الحكم بالطهارة على الظاهر، وهو الحكم بالنجاسة خاصة إذا خفي أمر النجاسة، فما لم يتيقن نجاسة المحل فالحكم للطهارة، ولو نبشت القبور.
• دليل من قال: يعيد الصلاة إن كان عالمًا بالنهي:
الشرائع لا تلزم إلا بالعلم. قال ابن مفلح في الفروع نقلًا عن شيخه ابن تيمية: «إن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، فكل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لم يكلف الإعادة، ومَثَّل له ابن تيمية بمن ترك التيمم لعدم الماء؛ لظنه عدم الصحة به، أو أكل حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود؛ لظنه ذلك، أو لم تُصَلِّ مستحاضة ونحوها؛ لظنها بأنه حيض، قال: والأصح لا قضاء، ولا إثم؛ للعفو عن الخطأ والنسيان، قال ابن مفلح: ومعناه: ولم يقصر، وإلا أثم» (١).
стр. 2821
• الراجح:
أن القول بالتحريم ظاهر لمقتضى الأدلة، بل هو كبيرة من كبائر الذنوب، والقول بإعادة الصلاة لم يظهر لي، فلا يكفي التحريم لبطلان الصلاة، إلا أن يكون ذلك من باب السياسة الشرعية لردع الناس عن الصلاة، فهذا باب آخر، والله أعلم.
* * *
стр. 2822
الفرع الرابع الصلاة في الحمام
المدخل إلى المسألة:
• لا يثبت في النهي عن الصلاة بالحمام حديث.
• الأصل صحة الصلاة، والكراهة والتحريم حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي.
• الأصل طهارة الحمام، والاستحمام بالماء فيه لا يقتضي تنجيسه.
• الحمام مكان طاهر، والماء المستعمل فيه ماء طهور، وملاقاة الطهور للطاهر لا تخرجه عن حكمه.
تعريف الحمام
الحمَّام: مُشَدَّد، واحد الحمامات، والمستحم في الأصل: الموضع الذي يُسْتَحَمُّ فيه بالحميم، وهو في الأصل: الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام، وقيل: إن الحميم من الأضداد، يكون بالماء الحار، وبالماء البارد، وإطلاقه على الماء البارد جاء في قول الشاعر:
وساغ لي الشراب وكنت قبلًا أكاد أغص بالماء الحميم (١).
وفيه: (لا يبولن أحدكم في مستحمه) (٢).
[م-٣٨٢] واختلف العلماء في صحة الصلاة في الحمام:
فقيل: تكره مطلقًا، وهو أحد قولي الحنفية، واختاره القاضي عبد الوهاب من المالكية، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
стр. 2823
وهذا القول مبني على أن علة النهي عن الصلاة في الحمام إما تعبدية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.
أو لكون الحمام مأوى الشياطين، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، وأصح القولين عند الشافعية (١).
قال النووي: «والأصح أن سبب النهي كونه مأوى الشياطين، فتركه كراهة تنزيه، وتصح الصلاة» (٢).
وقيل: تكره الصلاة إذا لم يتيقن طهارته، فإن تيقن طهارة موضع منه، فصلى فيه لم يكره، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، نص عليه في المدونة (٣).
стр. 2824
وهذا القول مبني على أن النهي معلل بالخوف من النجاسة.
كما ينبني على الخلاف في العلة: الخلاف في الصلاة في أسطح هذه المواضع، فمن قال: إنها تعبدية، كالحنابلة منع من الصلاة في أسطحها، ومن قال: إن العلة النجاسة، صحح الصلاة لطهارتها (١).
وقيل: تحرم الصلاة في الحمام، ولا تصح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال أبو ثور، واختاره ابن حزم (٢).
قال في الفروع: «ولا تصح في المقبرة، والحمام … » (٣).
وقال الزركشي في شرح الخرقي: «المشهور من المذهب أن الصلاة في هذه المواضع محرمة، فلا تجزئه» (٤).
وعده المرداوي من المفردات (٥).
وقيل: تحرم، وتصح، وهو رواية عن أحمد (٦).
وقيل: إن علم النهي لم تصح، وإلا صحت، وهو قول عند الحنابلة (٧).
стр. 2825
ولا ينبغي أن يكون هذا قولًا مستقلًّا عند من يعذر بالجهل.
فخلص لنا من هذا الخلاف الأقوال التالية:
- مكروه مطلقًا.
- إن علم طهارته لم يكره، وإلا كره.
- تحرم، ولا تصح الصلاة فيه، وهذا أشدها.
- تحرم الصلاة مع الصحة.
فهذه أربعة أقوال في المسألة.
• دليل من قال: تحرم الصلاة في الحمام، ولا تصح:
الدليل الأول:
(ح-٩٦٢) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه،
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : كل الأرض مسجد وطهور، إلا المقبرة والحمام (١).
[اختلف في وصله وإرساله على اضطراب فيه] (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٩٦٣) ما رواه الترمذي من طريق يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود ابن الحصين، عن نافع،
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله (٣).
[ضعيف جدًّا].
стр. 2826
الدليل الثالث:
(ث-٢٣٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي ظبيان،
عن ابن عباس قال: لا تصَلِّيَنَّ إلى حُشٍّ، ولا في الحمام، ولا في المقبرة (١).
[رجاله ثقات إلا أن عبد الرزاق اضطرب فيه] (٢).
الدليل الرابع:
صح عن بعض الصحابة النهي عن دخول الحمام، ويلزم من عدم الدخول عدم الصلاة.
стр. 2827
(ث-٢٣٨) من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين،
عن ابن عمر قال: لا تدخل الحمام، فإنه مما أحدثوا من النعيم (١).
[صحيح].
فكان الحامل على النهي هو ترك الترفه، وليس لأمر يتعلق بالصلاة.
(ث-٢٣٩) ومنها ما رواه مسدد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الرحمن، قال:
سألت محمد بن سيرين عن دخول الحمام، فقال: كان عمر بن الخطاب يكرهه (٢).
[لم يسمع ابن سيرين من عمر] (٣).
(ث-٢٤٠) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، قال:
قال علي: بئس البيت الحمام (٤).
[منقطع] (٥).
стр. 2828
فمن قال بالتحريم حمل النهي في هذه الأحاديث والآثار على ظاهرها، وهو التحريم. ورأى أن النهي عن العبادة يقتضي فسادها، فأبطل العبادة.
وذهب إلى أن العلة تعبدية، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
• ونوقش:
بأن الأحاديث المرفوعة لم يصح منها شيء.
قال الموصلي: «لم يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله ﷺ » (١).
وقال ابن القيم: «ولم يدخل ﷺ حمامًا قط، ولعله ما رآه بعينه، ولم يصح في الحمام حديث» (٢).
وقال عبد الحق في أحكامه: «وأما ما خرجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة، فلا يصح منه شيء؛ لضعف الأسانيد» (٣).
وأما القول بأن العلة تعبدية فهو بعيد.
وأما نهي الصحابة عن دخول الحمام، فقد أبان ابن عمر عن الحكمة، وهو الأثر الوحيد الصحيح الوارد في الباب، بأن الحامل على النهي ترك الترفه، فلا علاقة له بالصلاة، ومسألة استعمال الحمام مسألة أخرى ناقشتها في كتابي موسوعة الطهارة، وبينت أن كلام الصحابة ﵃ إنما هو عن اتخاذ الحمام في بلاد الحجاز، وهي بلاد حارة، لا يضطر فيها الإنسان إلى اتخاذ الحمام، ولذلك لم تعرف الحمامات في عهد النبوة، ولم تعرف كذلك في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃.
• دليل من قال: يكره الصلاة بالحمام:
هؤلاء استدلوا بأدلة القول السابق، وحملوا الأحاديث الواردة على الكراهة،
стр. 2829
إلا أن منهم من أطلق الكراهة، ومنهم من قيد الكراهة إذا لم يتيقن طهارة المكان.
فمن قال بالكراهة مطلقًا:
رأى أن العلة في النهي كون الحمام مأوى الشياطين.
(ح-٩٦٤) لما رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم،
عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: إن إبليس لما أنزل إلى الأرض، قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض، وجعلتني رجيمًا، أو كما ذكر، فاجعل لي بيتًا، قال: الحمام .... وذكر الحديث بطوله (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 2830
ورأى بعض الفقهاء أن علة الكراهة هي الخوف من النجاسة؛ لأن مياه هذه الحمامات قد يغتسل فيه من لا يتحفظ عن النجاسات، وقد يبول فيها، وقد يكون على بدنه نجاسة، أو مرض، ثم الأواني المستعملة قد تكون نجسة، وقد يكون ما يغسل فيها من الثياب نجسًا.
وأصحاب هذا القول اختلفوا:
فقال الشافعية: هذه العلة تقتضي الكراهة مطلقًا، ولو تيقن طهارة موضعه، كما لو صلى على حائل، فإن تيقن النجاسة بطلت الصلاة، وإن شك في نجاسته فقولان، أظهرهما الصحة مع الكراهة، كتفصيلهم في الصلاة في المقبرة.
وعليه فالشافعية يذهبون إلى الكراهة مطلقًا، حتى مع تيقن الطهارة، سواء أقالوا: العلة في المكان كونه مأوى الشياطين، أم قالوا: العلة في النهي الخوف من النجاسة.
وقال المالكية، والحنفية في أحد القولين: إن تيقن طهارته فلا كراهة، وإن لم يتيقن الطهارة كرهت للنهي.
وقول المالكية والحنفية أقرب من قول الشافعية، هذا لو صح النهي، وكانت العلة هي الخوف من النجاسة، لأن الحكم ينتفي بانتفاء العلة، ويدور معها وجودًا وعدمًا.
• ويناقش:
القول بأن العلة هي مأوى الشياطين هذا مبني على حديث روي في الباب، وهو ضعيف جدًّا، وإنما الوارد ثبوت هذه العلة في الحشوش، ولو صح أن الحمام مأوى الشياطين لاقتضى ذلك تحريم الصلاة؛ لأن مأوى الخبائث لا ينبغي أن يكون موضعًا للعبادة.
وأما التعليل بالخوف من النجاسة، فهذا أيضًا لا يصح؛ لأن الأصل في المسلمين أنهم لا يبولون في الماء العام، وهم يحتاجون إلى استعماله، والأصل طهارة أبدانهم، والماء الطهور إذا لاقى بدنًا طاهرًا لم يخرجه عن حكمه، ثم هب أن الماء صار طاهرًا بالاستعمال على القول بوجود هذا القسم، فلا يقتضي ذلك
стр. 2831
بطلان الصلاة، والقول بأنه قد يتنجس بعيد جدًّا، والأصل أن النجاسة ليست خفية، فإذا لم يوجد لها أثر من طعم، أو لون، أو ريح، فالماء باقٍ على طهوريته، وهذا في حكم الماء، وأما الأرض فلا علاقة لها بكل ذلك، فهو سوف يصلي على أرض جافة، فلا سبيل لكراهة صلاته فضلًا عن تحريمها.
• دليل من قال: بالتحريم مع الصحة:
هؤلاء حملوا النهي في حديث أبي سعيد وابن عمر على ظاهره، وذهب إلى صحة الصلاة؛ لأنه لا تلازم بين التحريم والبطلان، والله أعلم.
• الراجح:
الأصل أن الصلاة في الحمام صحيحة بلا كراهة، إلا أن يكون المصلي في الحمام يتعرض لرؤية عورات الناس ممن يتساهل في حفظ عورته فهذا لا يجوز له أن يصلي في المكان، لا من أجل الصلاة، ولكن صيانة لنظره عن النظر إلى الحرام، فهو منهي عن الدخول إلى الأماكن التي يعصى الله فيها إلا إذا كان قادرًا على القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإذا لم يمتثل الناس اعتزلهم، وإذا كان الناس في الأزمان المتقدمة يغلب عليهم الحياء، فإنهم في هذا العصر انقلبت فِطَرُ كثيرٍ منهم، وصاروا يمشون عراة على شواطئ البحار من غير نكير، لا تعرف الرجل منهم من المرأة، ولم يقتصر الأمر على العورة المخففة، بل قد يصل ذلك إلى العورة المغلظة، فيجب قطع الباب سَدًّا للذريعة، والله أعلم.
* * *
стр. 2832
الفرع الخامس الصلاة إلى القبر أو إلى الحش
المدخل إلى المسألة:
• صح النهي عن الصلاة إلى القبر، والأصل في النهي التحريم.
• النهي إذا كان مختصًّا بالعبادة، فالأصل أن مخالفته توجب البطلان إلا لدليل.
• الضابط في المختص: أن يقوم الدليل الخاص على النهي عنه في الصلاة، ولو كان منهيًّا عنه في غيرها.
• كراهة الصلاة إلى الحُشِّ حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، والأصل الصحة، وعدم الكراهة.
• وجود النجاسة في قبلة المصلي لا تأثير لها على صلاته إذا كانت بقعته طاهرة، ولم يباشرها ببدنه، أو ثوبه.
• إذا كان للحش رائحة تؤثر على خشوع المصلي كرهت الصلاة، ولو لم يكن الحش في قبلته.
• صح عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ القرآن، ورأسه في حجر عائشة، وهي حائض، وإذا كان القرب من النجاسة لا يمنع من قراءة القرآن، لم يمنع من سائر الأذكار، ومنه الصلاة.
[م-٣٨٣] إذا وجد حائل بين المقبرة والحش صحت الصلاة بلا كراهة، وهذا بالاتفاق، ولا يكفي حائط المسجد (١).
واختلفوا إذا لم يكن بينهما حائل، وكان المصلي قريبًا منهما عرفًا بحيث يعد مصليًا إليهما:
فقيل: تكره الصلاة إلى المقبرة والحش.
стр. 2833
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا بأس بالصلاة إلى المقبرة والحش، وهو نص المدونة، والمشهور من مذهب المالكية (٢).
جاء في اختصار المدونة: «ومن صلى وبين يديه جدار مرحاض، أو قبر فلا بأس به، إن كان مكانه طاهرًا» (٣).
وقيل: لا تصح الصلاة إلى القبر والحش، وهو رواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية (٤).
وقيل: لا تصح إلى القبر، وتصح إلى الحش، وهو وجه في مذهب الحنابلة، اختاره المجد، وابن قدامة، وقال في الفروع: وهو أظهر (٥).
• دليل من قال: تحرم ولا تصح الصلاة إلى القبور والحشوش:
الدليل الأول:
(ح-٩٦٥) ما رواه مسلم من طريق ابن جابر (عبد الرحمن بن يزيد بن جابر)، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة،
عن أبي مرثد الغنوي، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تجلسوا على القبور،
стр. 2834
ولا تصلوا إليها (١).
وهذا حديث صحيح بالنهي عن الصلاة إلى القبور، والأصل في النهي التحريم، وهو مختص بالصلاة، فيقتضي فسادها إذا خالف النهي، ويقاس الحش على القبر، فكما لا يجوز الصلاة إلى القبر، لا تجوز الصلاة إلى الحش، بجامع مظنة النجاسة في كلا الموضعين.
• ويناقش:
بأن النهي عن الصلاة إلى القبر ليس لمظنة النجاسة، وإنما من أجل ألا يتخذ وثنًا يعبد من دون الله، كما يفعله بعض الجهلة من المسلمين في قبور بعض الصالحين، فيطوفون به كما يطوفون بالكعبة، ويسألونه قضاء حاجاتهم، ولا يوجد هذا المعنى في الحش.
الدليل الثاني:
(ث-٢٤١) ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع في مسنديهما، كما في المطالب العالية، قالا: حدثنا هشيم، أخبرنا حميد،
عن أنس ﵁ قال: كنت أصلي إلى قبر فرآني عمر ﵁، فجعل يقول: القبر، القبر، فجعلت لا أفهم ما يريد، فرفعت رأسي إلى السماء، فقال: القبر أمامك.
قالا: وحدثنا هشيم، أخبرنا منصور، عن الحسن، عن أنس، عن عمر ﵁، بمثل ذلك (٢).
[صحيح] (٣).
الدليل الثالث:
(ح-٩٦٦) ما رواه الشيخان من طريق شعبة، عن محمد بن زياد،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إن عفريتًا من الجن تفلت علي البارحة - أو
стр. 2835
كلمة نحوها - ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا، وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] … (١).
وجه الاستدلال:
أفاد الحديث أن مرور الشيطان يقطع الصلاة، فالصلاة إلى مكانه، وهو الحش مظنة مروره، فلا تصح الصلاة إليه، ولذلك قال الرسول ﷺ الكلب الأسود يقطع الصلاة، وعلل ذلك بأن الكلب الأسود شيطان (٢).
(ح-٩٦٧) فقد روى مسلم من طريق حميد بن هلال، عن عبد الله ابن الصامت،
عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان (٣).
• ويناقش من أكثر من وجه:
الأول: كون الكلب الأسود شيطانًا، أهو على ظاهره، بمعنى أن الكلب الأسود ليس من جنس الكلاب، وإنما هو من جنس الشياطين، أم يقصد أن الكلب الأسود فيه شيطنة، وأذية أكثر من غيره، فكما أطلق على مردة الإنس شياطين الإنس في كتاب الله، فهذا من مردة الكلاب؟
وإذا كان هذا الراجح في تأويل الحديث لم يصح الاستدلال به على أن الشيطان يقطع مروره الصلاة؛ لأن الذي يقطع بالنص: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، وليس منها الشيطان.
стр. 2836
الثاني: لو سلم أن الشيطان مقيس على الكلب الأسود، فنحن لا نكلف ما لا طاقة لنا بعلمه، ولا معرفة لنا بمروره.
الثالث: مظنة مرور الشيء ليس بمنزلة مروره، فلو صلى الإنسان في الحرم النبوي بلا سترة، فهو مظنة مرور من يقطع عليه صلاته، وإذا لم يعلم أنه قد مر بين يديه أحد لم يحكم بقطع صلاته بالمظنة، وليس لنا إلا الظاهر، وما خفي لا نكلف حكمه، وهذا على فرض تفسير (ليقطع علي صلاتي) في الحديث أنه يريد بذلك مروره بين يدي المصلي، وليس بظاهر، وإنما المعنى: أراد ما هو أشد من ذلك:
(ح-٩٦٨) فقد روى مسلم من طريق معاوية بن صالح، يقول حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني،
عن أبي الدرداء، قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك وفيه: … إن عدو الله إبليس، جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي … الحديث (١).
فقوله: (جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي) صريح بأنه إنما صدق عليه أنه أراد قطع الصلاة؛ لشدة أذاه، وليس لمجرد مروره. والله أعلم.
الدليل الرابع:
(ح-٩٦٩) ما رواه الترمذي من طريق يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع،
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله (٢).
[ضعيف جدًّا].
• دليل من قال: يكره الصلاة إلى الحش:
الدليل الأول:
(ح-٩٧٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد هو ابن صهيب الفقير، قال:
стр. 2837
أخبرنا جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي … وذكر منهن: … وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليُصَلِّ … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (جعلت لي الأرض مسجدًا … ) فعمومه يشمل جميع الأرض، ومن ذلك الصلاة إلى المقبرة والحش.
• ويناقش:
بأنه ورد النهي عن الصلاة إلى القبر، والخاص مقدم على العام، وقد أجبت عن دعوى أن حديث جابر لا يقبل التخصيص؛ لكونه من فضائل النبي ﷺ وخصائصه التي لا تقبل التخصيص، أو النسخ، أو النقص عند الكلام على حكم الصلاة في المقبرة، فانظره هناك دفعًا للتكرار.
الدليل الثاني:
أن جهة القبلة يجب تعظيمها، ولذلك نهي عن استقبالها ببول أو غائط كما في حديث أبي أيوب ﵁ في الصحيحين، لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا. لهذا يكره أن يكون في قبلة المسلم قبر، أو حش.
• ويناقش:
بأن النهي عن الصلاة إلى القبر قد حفظ فيه النهي عن المعصوم ﷺ ، وليس النهي عنه من أجل تكريم القبلة، فإن المقبور تحت الأرض مغيب في الأجداث داخل اللحود، ليس على ظهر الأرض منه شيء، وإنما العلة حماية جناب التوحيد من الغلو في القبور.
وأما الحش، فلم يثبت فيه حديث صحيح يوجب كراهية الصلاة إليه، والكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، والأصل عدم الكراهة.
الدليل الثالث:
أن الحشوش لها رائحة كريهة تؤثر على خشوع المصلي، لهذا كرهت الصلاة إليها.
стр. 2838
• ويناقش:
هذا التعليل مسلم إذا وجد المصلي مثل ذلك، ولا يقيد الحكم بالصلاة إلى الحشوش، بل يكره ولو كانت الحشوش خلف المصلي، أو عن يمينه، أو عن شماله، إذا أثرت الرائحة على خشوعه.
• دليل من فرق بين الصلاة إلى المقبرة والصلاة إلى الحش:
صح النهي عن الصلاة إلى المقبرة كما في حديث أبي مرثد الغنوي، وأثر أنس في نهي عمر ﵁ له عن الصلاة إلى القبر.
ولم يصح النهي عن الصلاة إلى الحش، فاقتضى التفريق بينهما في الحكم.
• دليل من قال: تصح الصلاة إليهما مع التحريم:
هذا القول يرى أنه لا تلازم بين التحريم والبطلان، فالدليل يقتضي التحريم، ولا يلزم منه البطلان، حتى يقوم دليل على بطلان العبادة، ولا دليل على البطلان، خاصة أن العلة ليست لمعنى عائد إلى الصلاة، فالعلة إما تعبدية، أو العلة الصلاة إلى النجاسة، وهذه لا تقتضي البطلان.
• الراجح:
القول بالتفريق بين الصلاة إلى القبر والصلاة إلى الحش، فتحرم الصلاة إلى القبر، ولا تحرم الصلاة إلى الحش.
ويبقى النظر، هل هذا التحريم يؤدي إلى بطلان الصلاة، أم أن التحريم من باب سد الذرائع، فلم يتطرق الخلل إلى أركان الصلاة وشروطها؟ الله أعلم.
* * *
стр. 2839
الفرع السادس الصلاة في المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق
المدخل إلى المسألة:
• الأصل طهارة المكان حتى نتيقن، أو يغلب على الظن نجاسته، والشك لا يقتضي التنجيس.
• إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما، وليس ثَمَّةَ قاعدةٌ مطردة.
• لا يصح حديث في النهي عن الصلاة في المجزرة، والمزبلة، وقارعة الطريق.
• الكراهة حكم شرعي، لا يقوم إلا على دليل شرعي.
• إذا فُرِشَ على الأرض النجسة فراشٌ يحول بين المصلي وبين مباشرة النجاسة في بدنه، وثيابه، فصلاته صحيحة بلا كراهة.
[م-٤٨٣] المجزرة: بفتح الميم والزاي جمعها مجازر: وهو المكان الذي تنحر فيه الإبل، وتذبح فيه البقر والشاء.
والمزبلة: بفتح الميم والباء وحكى الجوهري فيها ضم الباء، والفتح أجود: موضع إلقاء الزبل.
قارعة الطريق: الموضع الذي يقرعه المارون بأرجلهم، سواء أكان في وسطه أم كان في جانبه.
وقد اختلف العلماء في الصلاة في هذه الأماكن الثلاثة:
فقيل: تكره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية، واختيار القاضي عبد الوهاب من المالكية (١).
стр. 2840
وقيل: تحرم، ولا تصح مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ومقتضى قول ابن حبيب من المالكية حيث أوجب الإعادة على من صلى فيها مطلقًا في الوقت وغيره (١).
وقال المالكية: إن تيقن طهارتها فلا كراهة، وإن لم يتيقن كرهت الصلاة، وصحت، وتستحب الإعادة ما دام في الوقت على المشهور، وإن تحققت النجاسة أعاد العامد والجاهل أبدًا، والناسي في الوقت (٢).
بناءً على أن الطهارة من النجاسة شرط بقيد القدرة، والتذكر.
جاء في التوضيح لخليل: «إن تيقن بالنجاسة أو الطهارة فواضح، فإن لم يتيقن، فالمشهور أنه يعيد في الوقت بناء على الأصل (أي الحكم بطهارتها). وقال ابن حبيب: «أبدًا بناءً على الغالب (أي الحكم بنجاستها). وهذا إذا صلى في الطريق اختيارًا، وأما إذا صلى فيها لضيق المسجد، فإنه يجوز، نص على ذلك