الثاني: لو سلم أن الشيطان مقيس على الكلب الأسود، فنحن لا نكلف ما لا طاقة لنا بعلمه، ولا معرفة لنا بمروره.
الثالث: مظنة مرور الشيء ليس بمنزلة مروره، فلو صلى الإنسان في الحرم النبوي بلا سترة، فهو مظنة مرور من يقطع عليه صلاته، وإذا لم يعلم أنه قد مر بين يديه أحد لم يحكم بقطع صلاته بالمظنة، وليس لنا إلا الظاهر، وما خفي لا نكلف حكمه، وهذا على فرض تفسير (ليقطع علي صلاتي) في الحديث أنه يريد بذلك مروره بين يدي المصلي، وليس بظاهر، وإنما المعنى: أراد ما هو أشد من ذلك:
(ح-٩٦٨) فقد روى مسلم من طريق معاوية بن صالح، يقول حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني،
عن أبي الدرداء، قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك وفيه: … إن عدو الله إبليس، جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي … الحديث (١).
فقوله: (جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي) صريح بأنه إنما صدق عليه أنه أراد قطع الصلاة؛ لشدة أذاه، وليس لمجرد مروره. والله أعلم.
الدليل الرابع:
(ح-٩٦٩) ما رواه الترمذي من طريق يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع،
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله (٢).
[ضعيف جدًّا].
• دليل من قال: يكره الصلاة إلى الحش:
الدليل الأول:
(ح-٩٧٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد هو ابن صهيب الفقير، قال:
стр. 2837
أخبرنا جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي … وذكر منهن: … وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليُصَلِّ … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (جعلت لي الأرض مسجدًا … ) فعمومه يشمل جميع الأرض، ومن ذلك الصلاة إلى المقبرة والحش.
• ويناقش:
بأنه ورد النهي عن الصلاة إلى القبر، والخاص مقدم على العام، وقد أجبت عن دعوى أن حديث جابر لا يقبل التخصيص؛ لكونه من فضائل النبي ﷺ وخصائصه التي لا تقبل التخصيص، أو النسخ، أو النقص عند الكلام على حكم الصلاة في المقبرة، فانظره هناك دفعًا للتكرار.
الدليل الثاني:
أن جهة القبلة يجب تعظيمها، ولذلك نهي عن استقبالها ببول أو غائط كما في حديث أبي أيوب ﵁ في الصحيحين، لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا. لهذا يكره أن يكون في قبلة المسلم قبر، أو حش.
• ويناقش:
بأن النهي عن الصلاة إلى القبر قد حفظ فيه النهي عن المعصوم ﷺ ، وليس النهي عنه من أجل تكريم القبلة، فإن المقبور تحت الأرض مغيب في الأجداث داخل اللحود، ليس على ظهر الأرض منه شيء، وإنما العلة حماية جناب التوحيد من الغلو في القبور.
وأما الحش، فلم يثبت فيه حديث صحيح يوجب كراهية الصلاة إليه، والكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، والأصل عدم الكراهة.
الدليل الثالث:
أن الحشوش لها رائحة كريهة تؤثر على خشوع المصلي، لهذا كرهت الصلاة إليها.
стр. 2838
• ويناقش:
هذا التعليل مسلم إذا وجد المصلي مثل ذلك، ولا يقيد الحكم بالصلاة إلى الحشوش، بل يكره ولو كانت الحشوش خلف المصلي، أو عن يمينه، أو عن شماله، إذا أثرت الرائحة على خشوعه.
• دليل من فرق بين الصلاة إلى المقبرة والصلاة إلى الحش:
صح النهي عن الصلاة إلى المقبرة كما في حديث أبي مرثد الغنوي، وأثر أنس في نهي عمر ﵁ له عن الصلاة إلى القبر.
ولم يصح النهي عن الصلاة إلى الحش، فاقتضى التفريق بينهما في الحكم.
• دليل من قال: تصح الصلاة إليهما مع التحريم:
هذا القول يرى أنه لا تلازم بين التحريم والبطلان، فالدليل يقتضي التحريم، ولا يلزم منه البطلان، حتى يقوم دليل على بطلان العبادة، ولا دليل على البطلان، خاصة أن العلة ليست لمعنى عائد إلى الصلاة، فالعلة إما تعبدية، أو العلة الصلاة إلى النجاسة، وهذه لا تقتضي البطلان.
• الراجح:
القول بالتفريق بين الصلاة إلى القبر والصلاة إلى الحش، فتحرم الصلاة إلى القبر، ولا تحرم الصلاة إلى الحش.
ويبقى النظر، هل هذا التحريم يؤدي إلى بطلان الصلاة، أم أن التحريم من باب سد الذرائع، فلم يتطرق الخلل إلى أركان الصلاة وشروطها؟ الله أعلم.
* * *
стр. 2839
الفرع السادس الصلاة في المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق
المدخل إلى المسألة:
• الأصل طهارة المكان حتى نتيقن، أو يغلب على الظن نجاسته، والشك لا يقتضي التنجيس.
• إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما، وليس ثَمَّةَ قاعدةٌ مطردة.
• لا يصح حديث في النهي عن الصلاة في المجزرة، والمزبلة، وقارعة الطريق.
• الكراهة حكم شرعي، لا يقوم إلا على دليل شرعي.
• إذا فُرِشَ على الأرض النجسة فراشٌ يحول بين المصلي وبين مباشرة النجاسة في بدنه، وثيابه، فصلاته صحيحة بلا كراهة.
[م-٤٨٣] المجزرة: بفتح الميم والزاي جمعها مجازر: وهو المكان الذي تنحر فيه الإبل، وتذبح فيه البقر والشاء.
والمزبلة: بفتح الميم والباء وحكى الجوهري فيها ضم الباء، والفتح أجود: موضع إلقاء الزبل.
قارعة الطريق: الموضع الذي يقرعه المارون بأرجلهم، سواء أكان في وسطه أم كان في جانبه.
وقد اختلف العلماء في الصلاة في هذه الأماكن الثلاثة:
فقيل: تكره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية، واختيار القاضي عبد الوهاب من المالكية (١).
стр. 2840
وقيل: تحرم، ولا تصح مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ومقتضى قول ابن حبيب من المالكية حيث أوجب الإعادة على من صلى فيها مطلقًا في الوقت وغيره (١).
وقال المالكية: إن تيقن طهارتها فلا كراهة، وإن لم يتيقن كرهت الصلاة، وصحت، وتستحب الإعادة ما دام في الوقت على المشهور، وإن تحققت النجاسة أعاد العامد والجاهل أبدًا، والناسي في الوقت (٢).
بناءً على أن الطهارة من النجاسة شرط بقيد القدرة، والتذكر.
جاء في التوضيح لخليل: «إن تيقن بالنجاسة أو الطهارة فواضح، فإن لم يتيقن، فالمشهور أنه يعيد في الوقت بناء على الأصل (أي الحكم بطهارتها). وقال ابن حبيب: «أبدًا بناءً على الغالب (أي الحكم بنجاستها). وهذا إذا صلى في الطريق اختيارًا، وأما إذا صلى فيها لضيق المسجد، فإنه يجوز، نص على ذلك
стр. 2841
في المدونة، وغيرها» (١).
جاء في الشامل في فقه الإمام مالك: «وتجوز الصلاة في المزبلة، والمجزرة، ومحجة الطريق مع أمن النجاسة لا مع تيقنها، وإن صلى شَاكًّا أعاد بوقت على المشهور. وقال ابن حبيب: أبدًا. وقيل: لا إعادة» (٢).
فصارت الأقوال ترجع إلى ثلاثة أقوال:
- الكراهة مطلقًا.
- والتحريم مع البطلان مطلقًا.
- والكراهة إذا لم يتيقن طهارتها، فإن تيقن طهارتها لم تكره.
• واختلفوا في العلة:
فقال أكثر الحنابلة: علة النهي في الجميع تعبدية، ولهذا لم يفرق الحنابلة بين البقعة الطاهرة والنجسة، ولا بين المزبلة الطاهرة والنجسة، ولا بين الصلاة على أرضها والصلاة على أسطحها، وسواء أكان في قارعة الطريق سالك أم لا (٣).
قال الزركشي في شرح الخرقي: «والنهي عن الصلاة في هذه المواضع تعبدي عند الأكثرين.
وقيل: بل معلل بكون هذه الأماكن مظنة النجاسة؛ لعدم صيانتها عن ذلك غالبًا.
فعلى الأول: لا تصح الصلاة في أسطحة هذه المواضع؛ إذ الهواء يتبع القرار بدليل تبعه له في مطلق البيع، وتصح على الثاني» (٤).
واتفق الجمهور على أن علة الكراهة في المجزرة، والمزبلة، مظنة النجاسة، وهو قول عند بعض الحنابلة (٥).
стр. 2842
وفي قول لبعض الحنفية: أن علة الكراهة في المجزرة خوف لحوق الضرر به من نفور الذبائح (١).
• واختلفوا في معنى النهي في قارعة الطريق على قولين:
أحدهما: أن معنى النهي يرجع إلى وجود الأبوال والأرواث، فتكون العلة فيها مظنة النجاسة كغيرها، وهذا مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وعلى هذا لا فرق بين الطريق الواسع والضيق (٢).
وقيل: معنى النهي يرجع إلى مضايقة العامة في حقهم في المرور، وانشغال المصلي باختلاف المارة عليه، وهذا أحد القولين في مذهب الحنفية، وأحد القولين عند الشافعية (٣).
قال الحنفية: فعلى هذا لو كان الطريق واسعًا لم يكره (٤).
وقال المالكية والحنابلة: إذا كثر الجمع، واتصلت الصفوف صحت الصلاة في الطريق للحاجة، وتصح الصلاة على ما علا عن جادة المسافرين والدواب يمنة
стр. 2843
أو يسرة؛ لأنه ليس بمحجة (١).
فإذا عرفت العلة التي قام عليها الحكم.
فمن قال: إن العلة تعبدية قال بالتحريم مطلقًا، واستدل على التحريم بحديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله.
وسبق تخريجه، وهو حديث ضعيف أيضًا (٢).
ورأى أن الأصل في النهي التحريم، وأن النهي يقتضي الفساد.
ومن قال: إن العلة مظنة النجاسة، فاختلفوا:
فمنهم من قال: تجعل مظنة الشيء بمنزلة حقيقته، كما أقيم النوم مقام الحدث، مع أنه ليس حدثًا، وإنما هو مظنته، فكذلك هذه الأماكن تجعل في حكم الأرض النجسة لغلبة النجاسة.
ولأن الغالب على هذه الأماكن غلبة النجاسة، فيقدم الغالب على الأصل.
ومن قال: بالكراهة، رأى أنه قد تعارض الأصل والغالب، فالأصل يقتضي طهارة المكان، والغالب يقتضي تنجيسها، فيقدم الأصل، وهو الحكم بالطهارة، وكرهت الصلاة من أجل مظنة النجاسة، ومظنة الشيء لا تقتضي التنجيس عملًا بالأصل.
فإن وجد مكانًا يتيقن أنه طاهر، أو فرش فراشًا على الأرض، فقال المالكية: لا كراهة؛ لتيقن طهارة المكان، ولأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
وقال الشافعية: تبقى الصلاة مكروهة؛ لمحاذاة النجاسة؛ ولانشغال القلب بها، والله أعلم.
• الراجح:
أنه إذا تيقن الطهارة، أو النجاسة عمل به، وإذا شك، فالأصل الطهارة خاصة أن الحديث الوارد في الباب ضعيف، لا تقوم به حجة، وإذا صلى في سطح المجزرة
стр. 2844
والمزبلة، والحمام، فلا كراهة؛ لأن كراهة أسطحها قام على أساس أن العلة في النهي تعبدية، وأن كل ما يطلق عليه مجزرة، أو حمام، ويدخل في البيع؛ فإن النهي يشمله، وهذا القول ضعيف جدًّا، والله أعلم.
* * *
стр. 2845
الفرع السابع الصلاة في معاطن الإبل
المسألة الأولى في تعريف معاطن الإبل
المدخل إلى المسألة:
• النهي عن الصلاة بالمعاطن معلل على الأرجح.
• إذا كان النهي عن الصلاة بالمعاطن معللًا، فلا فرق في النهي من حيث المعنى بين معاطنها، عند ورودها، وبين أماكن إقامتها الدائمة، من مأوىً ومراحٍ ونحوِها.
• إذا نهي عن الصلاة عن المعاطن وهي تقيم فيها ساعة أو ساعتين، فالمواضع التي تبيت بها، وتأوي إليها أولى بهذا الحكم، وهو من القياس الجلي.
• ذكر المعاطن في بعض الأحاديث من باب ذكر فرد من أفراد العام بحكم يوافق العام، فلا يقتضي تخصيصًا، فيدخل فيه مباركها ومرابدها ومناخها.
• كل مكان تنفرد الإبل فيه، أو تغلب عليه في إقامة متكررة، فهو داخل في النهي عن الصلاة فيه.
• الأماكن التي ليست معدة لمقام الإبل، وإنما مقامها فيه لعارض، لا يتناوله النهي لا لفظًا ولا معنى، فتلك الأماكن ليست أخص بالإبل من الناس الذين نزلوا بها.
• كان النبي ﷺ وأصحابه في أثناء ارتحالهم في أسفارهم على الإبل يصلون في مناخ إبلهم، وكانوا يصلون عليها وإليها.
[م-٥٨٣] ورد النهي عن الصلاة في مواضع الإبل، منها حديث جابر بن سمرة، وحديث البراء، وحديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن مغفل، وحديث
стр. 2846
سبرة بن معبد، وحديث ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وحديث أسيد بن حضير.
فجاء النهي في حديث جابر بن سمرة، والبراء بن عازب وعبد الله بن مغفل، بلفظ: (مَبَارِك الإبل)، وهذه الأحاديث هي أصح ما ورد في الباب.
وفي حديث أسيد بن حضير بلفظ: (مناخ الإبل)، والحديث ليس بمحفوظ.
وفي حديث عبد الله بن عمرو، بلفظ: (مرابد الإبل)، والأصح وقفه.
وفي باقيها التعبير بمعاطن الإبل. وسيأتي تخريجها إن شاء الله تعالى.
فهل كان المقصود من هذه الألفاظ المختلفة عموم مواضع إقامتها، وهو ما يدل عليه لفظ: (مبارك الإبل، ومناخها، ومرابدها)، أم أراد بها المعاطن خاصة، والمعاطن أخص من المبارك؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند ورودها الماء خاصة؟
هذا ما سوف أتعرض له في هذا المبحث، وقد اختلف فقهاؤنا في المراد بالنهي على قولين:
فقيل: المراد محل إقامتها التي تأوي إليه، ويدخل فيها معاطنها.
وهذا قول الحنفية، والصحيح عند الحنابلة، واختاره بعض الشافعية، وترجم البخاري في صحيحه لهذه المَسْألة، فقال: باب الصلاة في مواضع الإبل (١).
ولا يدخل في ذلك الأماكن التي ليست معدة لمقام الإبل وإنما مقامها فيه لعارض فلا يتناوله النهي لا لفظًا ولا معنى، كأماكن بروكها في سيرها مما يتخذه
стр. 2847
الرُّحَّلُ مناخًا لِدَوَابِّهِم في أثناء ترحلهم، فلا تدخل في النهي؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه إنما كانوا يرتحلون في أسفارهم في الحج والعمرة والغزو وغير ذلك على الإبل، ومع هذا فكانوا يصلون في مناخ إبلهم، وكانوا يصلون عليها وإليها، وهذا ظاهر مشهور في سيرهم؛ ولأن تلك الأمكنة ليست أَخَصَ بالإبل من الناس الذين نزلوا بها، وإنما المقصود الأماكن الذي انفردت بها، أو غلبت عليها (١).
وقيل: المعاطن: هي مبارك الإبل عند الماء لتشرب عللًا، وهو الشرب الثاني بعد نهل، وهو الشرب الأول، وهو المعتمد في مذهب المالكية، والشافعية (٢).
ومعنى هذا الكلام: أن الإبل إذا وردت موضع الماء في شدة الحر مُلِئً لَها الحوض لتنهل منه الشربة الأولى، وهو النهل.
ثم تنحى الإبل إلى موضع بالقرب من الماء، يسمى العطن، ليشرب غيرها ذودًا ذودًا، ثم تعود من عطنها إلى الحوض لِتَعلَّ، وتشرب الشربة الثانية، وهو العلل. ولا تعطن الإبل حول الماء إلا في شدة القيظ، حيث تحتاج أن تشرب مرتين قبل ذهابها إلى المرعى، فموضع بروكها بين النهل والعلل يسمى معاطن الإبل.
وأما مناخ الإبل في مكان غير المورد فيسمى المراح والمأوى.
قال لبيد:
تكره الشرب فلا تعطنها إنما يعطن من يرجو العلل
فجعل العطن من يرجو أن يشرب مرة ثانية.
وقيل: إن الحوض لا يستوعب الإبل الكثيرة، فتشرب على دفعات، فكلما شربت دفعة نُحِّيَتْ إلى موضع قريب؛ ليشرب غيرها، هذا الموضع يقال له العطن، فإذا اكتمل شرب جميع الإبل، سيقت إلى المرعى، فليس من شرط العطن
стр. 2848
أن تعود مرة أخرى لتشرب عللًا. ذكر ذلك بعض الشافعية (١).
• والراجح القول الأول:
أولًا: لأنه قد جُعِلَ في مقابلة مراح الغنم، ومقابلة الشيء بالشيء تدل على أنه نظيره (٢).
ثانيًا: أن الأحاديث الأصح في الباب كحديث جابر بن سمرة، وحديث البراء ابن عازب، وحديث عبد الله بن مغفل جاء بلفظ: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا. وظاهره أن ذلك يشمل كل موضع اعتادت الإبل أن تبرك فيه، وذكر المعاطن في بعض الأحاديث، من باب ذكر فرد من أفراد العام أو المطلق بحكم يوافقه، فلا يقتضي تخصيصًا، كما لو قلت: أكرم الطلاب، وقلت: أكرم زيدًا، وكان من الطلاب.
ثالثًا: أنه إذا نهي عن الصلاة في المواضع التي تقيم بها ساعة، أو ساعتين فالمواضع التي تبيت بها، وتأوي إليها أولى بهذا الحكم، من باب مفهوم الموافقة، ويسمى القياس الجلي.
رابعًا: أن العطن اسم لكل مأوى فهي تشمل المراح، وكل الأماكن التي تقيم بها وتأوي إليها، ومنها موضع بروكها حول الماء، فلفظ المعاطن والمبارك يعم هذا كله، فلا وجه لإخراج شيء منه من الحديث.
وقد ساق ابن فارس في مقاييس اللغة في تفسير العطن قولين:
أحدها: أن كل منزل يكون مألفًا للإبل فهو عطن، والمعطن ذلك الموضع، واستشهد على هذا بالبيت القائل:
ولا تكلفني نفسي ولا هلعي حرصًا أقيم به في معطن الهونِ.
الثاني: قال آخرون: لا يكون أعطان الإبل إلا على الماء، فأما مباركها في البرية، وعند الحي، فهو المأوى، وهو المراح أيضًا.
قال ابن فارس: «وهذا البيت الذي ذكرناه في معطن الهوى يدل على أن المعطن يكون حيث تحبس الإبل في مباركها أين كانت» (٣).
стр. 2849
فإذا كانت اللغة لا تمنع إطلاق المعاطن على كل مكان تأوي إليه، كان القول بالشمول هو الراجح، فلا يوجد معنى يقتضي الفرق بين مباركها في مراحها، ومباركها في معاطنها؛ لأن العطن الذي يكون عند البئر، أو الحوض، أو النهر قد أعد لمقام الإبل، وبروكها فيها، فكان فردًا من جملة مباركها، والله أعلم.
* * *
стр. 2850
المسألة الثانية علة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل
المدخل إلى المسألة:
• فرق الشارع بين معاطن الإبل ومرابض الغنم، والنص قاطع في الفرق بينهما.
• متى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله، وكان أولى من حمله على التعبد.
• متى دار الحكم بين كونه تعبدًا أو معللًا، كان حمله على كونه معللًا أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعللة؛ ولتعدية الحكم إلى نظائره.
• النهي عن الصلاة في معاطن الإبل ليس مرده إلى نجاسة أبوالها؛ لإباحة الصلاة في مرابض الغنم، ولا فرق بينهما من حيث الطهارة والنجاسة.
• صح عن المعصوم تعليل النهي بأن الإبل من الشياطين.
• لا يلزم من قوله ﷺ : إنها خلقت من الشياطين أن تكون مادة خلقها من الشياطين، كما قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾.
• جاء إطلاق لفظ الشيطان في الكتاب والسنة على كل عَاتٍ متمردٍ من الجن والإنسِ والدوابِّ، مما يعني أن هناك ربطًا بين السلوك وبين التسمية.
[م-٦٨٣] اختلف العلماء في النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، أهو معلل أم تعبدي؟
وإذا كان معللًا، فما العلة؟ أهي منصوص عليها، أم هي مستنبطة؟
فقيل: المنع تعبدي، ليس معللًا بوهم النجاسة، فلو فرش بساطًا وصلى لم تصح صلاته، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، والحنابلة (١).
стр. 2851
وقيل: النهي للنجاسة، على خلاف بينهم في تفسيرها:
أهو لنجاسة أبوالها وأزبالها، وهي مسألة خلافية؟
وهذا معارض بجواز الصلاة في مرابض الغنم، فلو كانت العلة النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها، ومرابض الغنم، ولا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين طهارة ونجاسة، كما لا فرق بين الجنسين في جواز أكل لحومهما.
أم هو راجع لكونه يُسْتَتَر بها للبول والغائط، فلا تكاد تسلم مباركها من نجاسة الآدمي، وقد علل به بعض الحنفية والمالكية (١).
وقيل: المنع من ذلك بسبب رائحتها، والصلاة قد شُرِعَ لها النظافةُ، وتُطَيَّبُ المساجد بسببها (٢).
وقيل: لأنها من الشياطين، كما في حديث البراء، وفي حديث عبد الله بن مغفل خلقت من الشياطين، وهما حديثان صحيحان.
(ح-٩٧١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن البراء بن عازب، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم إبل، فقال: توضئوا منها. قال: وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا فيها، فإنها من الشياطين. وسُئِلَ عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها، فإنها بركة (٣).
[صحيح، انفرد أبو معاوية عن الأعمش بذكر الشياطين، وهي زيادة محفوظة] (٤).
على خلاف بينهم في معنى كون الإبل خلقت من الشياطين.
فقال قوم: هو على ظاهره (١).
واستدلوا على ذلك بقوله: لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها خلقت من الشياطين، فرتب كونها خلقت من الشياطين بالفاء على النهي دليل على أنه علته.
وقد كرهت الصلاة في مواضع الشيطان كالحش، ولقوله ﷺ حين نام عن صلاة الصبح في ذلك الوادي: ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حَضَرَنَا فيه الشيطان. رواه مسلم (٢).
стр. 2855
• وعورض هذا:
قال ابن حبان: «لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل؛ لأجل أنها خلقت من الشياطين، لم يصلِّ على البعير؛ إذ محال ألا تجوز الصلاة في المواضع التي يكون فيها الشيطان، ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه» (١).
وقيل: المراد فعلها فعل الشياطين، وذلك لشدة نفورها إذا هاجت، فتؤدي إلى قطع الصلاة، أو التشويش على المصلي، قال به بعض الحنفية، والمالكية (٢).
قال ابن عابدين في حاشيته: «والظاهر أن معنى كون الإبل خلقت من الشياطين أنها خلقت على صفتهم من النفور، والإيذاء، فيبقى بال المصلي حولها مشغولًا خاصة حال السجود.
واستشكل بعضهم ذلك، بما ثبت أنه ﵊ صلى إلى بعيره، وفرق بعضهم بين الواحد والمجتمعين، والنفار إنما يحصل في حال الاجتماع» (٣).
وقال ابن عبد البر: «وأصح ما قيل في الفرق بين مراح الغنم، وعطن الإبل، أن الإبل لا تكاد تهدأ، ولا تقر في العطن، بل تثور، فربما قطعت على المصلي صلاته» (٤).
ويستدل لهذا القول، بما رواه مسلم في صحيحه، من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج،
عن رافع بن خديج مرفوعًا: إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش … الحديث (٥).
قال أبو عبيد: المراد أنها في أخلاقها، وطبائعها تشبه الشياطين (٦).
وقد جاء إطلاق لفظ الشيطان في الكتاب والسنة على كل عاتٍ متمردٍ من الجن والإنس والدواب، مما يعني أن هناك ربطًا بين السلوك وبين التسمية.
وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤].
стр. 2856
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
وفي صحيح مسلم: الكلب الأسود شيطان (١).
ومنه إطلاق الإبل بأنها من الشياطين، ولا يلزم من قوله ﷺ : إنها خلقت من الشياطين، أن تكون مادة خلقها من الشياطين، كما قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧].
وعلى هذا التفسير يكون النهي عن الصلاة في المعاطن ما دامت موجودة، أو يخشى قدومها إلى مكانها، فإن كانت غير موجودة جازت في مباركها حيث يأمن المصلي من نفورها.
وقيل: إن معنى أنها خلقت من الشياطين: أي معها الشياطين.
قال ابن حبان في الصحيح: «أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله: (فليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان)، ثم قال في خبر صدقة بن يسار عن ابن عمر: (فليقاتله؛ فإن معه القرين)» (٢).
وقال أيضًا: «معنى قوله: (إنها خلقت من الشياطين) أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب» (٣).
• الراجح:
أن الحكم معلل، وأن العلة منصوص عليها، وهو كونها من الشياطين، وأن أصح تفسير لذلك هو أن فعلها فعل الشياطين، والله أعلم.
* * *
стр. 2857
المسألة الثالثة حكم الصلاة في معاطن الإبل
المدخل إلى المسألة:
• المختار أن النهي عن الشيء لذاته، أو لوصف لازم له مبطل، فإن عاد النهي لأمر خارج لم يبطل العبادة.
• النهي عن الصلاة في معاطن الإبل لم يطعن أحد في صحتها، وإن اختلفوا في دلالتها، لا في ثبوتها.
• إذا كانت العلة لا ترجع إلى نجاسة معاطن الإبل، كان الأمر بالصلاة في مرابض الغنم للإباحة، والنهي عن الصلاة في معاطن الإبل للكراهة.
• العلة إن كانت لكونها من الشياطين، فهذا المعنى لا يبطل الصلاة، فالنبي ﷺ عرض له الشيطان في صلاته، فخنقه ﵇، حتى وجد برد لسانه على يده، ولم يفسد ذلك صلاته.
• إن كانت العلة لكون الإبل لا يؤمَنُ نُفُورُهَا، وذلك يقطع الخشوع، فإذا صلى في مباركها، ولم تُفْسِدْ عليه صلاتَهُ، فصلاته صحيحة.
[م-٧٨٣] اختلف فقهاؤنا في حكم الصلاة في معاطن الإبل:
فقيل: تكره، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١).
стр. 2858
وبه قال المالكية إلا أنهم اختلفوا في الإعادة ندبًا على قولين.
فقيل: يعيد ندبًا في الوقت مطلقًا: أي سواء أكان عامدًا، أم جاهلًا، أم ناسيًا.
وقيل: يعيد الناسي في الوقت، ويعيد العامد والجاهل أبدًا ندبًا (١).
وقيل: لا تصح، وهو الأصح في مذهب الحنابلة (٢).
قال الزركشي: «المشهور من المذهب أن الصلاة في هذه المواضع محرمة، فلا تجزئه» (٣).
وقيل: تصح مع التحريم، وهو رواية عن أحمد (٤).
وقيل: تصح من الجاهل دون العالم، وهو رواية عن أحمد (٥).
وإنما كان هذا قولًا مستقلًّا عند الحنابلة؛ لكون الجهل لا يعتبر عذرًا في الرواية المشهورة، وقواعد المذهب، وأما من يرى الجهل عذرًا، وهو الصحيح، فلا حاجة لحكاية هذا القول على سبيل الاستقلال.
هذا ما حُفِظ من أقوال فقهائنا في هذه المسألة، فصار الخلاف يرجع إلى قولين: الكراهة، والتحريم، والقائلون بالتحريم على قولين في بطلان صلاته.
وانفرد المالكية بالقول باستحباب الإعادة في الوقت مع القول بالكراهة.
стр. 2859
وهذه الأقوال على اختلافها تستند في حكمها على أحاديث النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، وهي كثيرة، فمنها:
(ح-٩٧٢) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور،
عن جابر بن سمرة، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ. قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا (١).
(ح-٩٧٣) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن البراء بن عازب، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم إبل، فقال: توضئوا منها. قال: وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا فيها، فإنها من الشياطين. وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها، فإنها بركة (٢).
[صحيح] (٣).
(ح-٩٧٤) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن،
عن عبد الله بن مغفل المزني، قال: قال النبي ﷺ : صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين (٤).
[صحيح] (٥).
(ح-٩٧٥) ومنها ما رواه أحمد في مسنده من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين،
стр. 2860
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل.
[رفعه هشام بن حسان، ورواه أيوب عن ابن سيرين موقوفًا ومرفوعًا، ورَفْعُهُ صحيح] (١).
стр. 2861
فالنهي عن الصلاة في معاطن الإبل جاء محفوظًا في أحاديث صحيحة لم يطعن أحد في صحتها، ولكن اختلفوا في دلالتها، لا في ثبوتها، والنهي فيها، أهو للكراهة أم للتحريم؟
فمن قال بالتحريم: أجرى النهي على ظاهره، باعتبار أن الأصل في النهي التحريم.
ومن أبطل الصلاة ذهب إلى القول بأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا، وهي مسألة خلافية.
ومن حمل النهي على الكراهة: رأى أن إباحة الصلاة في مرابض الغنم دليل على أن النهي لا يرجع إلى نجاسة معاطن الإبل؛ لأن أبوال الإبل والغنم ولحومهما لا فرق بينهما في الطهارة والنجاسة، وإذا كانت العلة لا ترجع إلى النجاسة كان الأمر بالصلاة في مرابض الغنم للإباحة، والنهي عن الصلاة في معاطن الإبل للكراهة؛ لأن العلة إن كانت لكونها من الشياطين فهذا المعنى لا يبطل الصلاة، فالنبي ﷺ عرض له الشيطان في صلاته، فخنقه ﵇، حتى وجد برد لسانه على يده، ولم يفسد ذلك صلاته، والحديث في الصحيح.
وإن كانت العلة لكون الإبل لا يؤمن نفورها، وذلك يقطع الخشوع، فإذا صلى في مباركها، ولم تتعرض له لم تفسد صلاته، خاصة أن هذه الأحاديث معارضة لحديث جابر المتفق عليه: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فإن عمومه يشمل معاطن الإبل.
وانفرد المالكية في استحباب الإعادة على خلاف بين أصحاب مالك، أتستحب الإعادة في الوقت مطلقًا، سواء أكان ناسيًا أم جاهلًا أم عامدًا.
أم تستحب الإعادة في الوقت من الناسي، بخلاف العامد والجاهل فتستحب له الإعادة أبدًا، في الوقت وغيره؟
стр. 2862
وقد عللوا استحباب الإعادة أبدًا في الوقت وغيره؛ لاستخفافه بالسنة (١).
وقال القرافي: «هو مبني على تعارض الأصل، والغالب» (٢).
يقصد: أن من قدم الأصل، قال: يعيد في الوقت؛ لأن الأصل الطهارة.
ومن قال: يعيد أبدًا، قدم الغالب، وهو الحكم بنجاستها؛ لأن الغالب أنها لا تخلو من أبوالها وأزبالها، وهذا القول مبني على نجاسة أبوال ما يؤكل لحمه، وهو قول ضعيف.
وهذا التخريج مبني على كون العلة في النهي هي النجاسة، والمقدم عند المالكية أن العلة تعبدية، وقد ذكرت خلاف العلماء في العلة في فصل مستقل، والله أعلم.
هكذا ترتب الخلاف بين فقهائنا عليهم رحمة الله.
• الراجح من الخلاف:
أرى أن القول بالكراهة أقوى من غيره، وهو المتيقن من أحاديث النهي، والله أعلم.
* * *
стр. 2863
الفرع الثامن الصلاة في الأماكن المغصوبة
المدخل إلى المسألة:
• كل صلاة استجمعت شروطها وأركانها فالأصل صحتها إلا بدليل.
• النهي عن الشيء لمعنى في غيره لا يقتضي فساده.
• لا تلازم بين التحريم والصحة، فالأول حكم تكليفي، والآخر حكم وضعي، ولكل منهما شروطه.
• المريض الذي يستضر بالصوم يحرم عليه الصوم، فإن صام صح صومه، وحكي إجماعًا، فاجتمع النهي والصحة على شيء واحد، ولم يقتض النهي الفساد (١).
• أجمع السلف على كون الظَّلَمَة لا يؤمرون عند التوبة بقضاء الصلاة المؤداة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوعها، ولو كانت صلاتهم باطلة لَأُمِرُوا بقضائها.
[م-٣٨٨] الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع؛ لأن اللبث فيها حرام في غير الصلاة، فلَأَنْ يحرمَ في الصلاة أولى (٢).
واختلفوا في صحتها إذا وقعت.
فقيل: تصح مع الكراهة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
стр. 2864
وقيل: لا تصح، وهو الأصح في مذهب الحنابلة وبه قال الظاهرية، وروي عن مالك أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تجزئ (١).
وعنه تصح مع التحريم، اختارها الخلال، وابن عقيل في فنونه، والطوفي في مختصره في الأصول وغيره (٢).
وقيل: تصح إن جهل النهي (٣).
وسبب الخلاف راجع إلى مسألة أصولية: هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟
فالجمهور: لا يقتضي فساد الصلاة؛ لأن لم يأت نهي من الشارع عن الصلاة في الأرض المغصوبة، فالنهي غير مختص بالعبادة، فالشرع أمر بإقامة الصلاة أمرًا مطلقًا، ونهى عن الغصب، فلم يتوجه النهي شرعًا عن الصلاة، فلا يقتضي بطلانها كما نهى النبي ﷺ عن تصرية البهيمة، وأثبت الخيار للمشتري، ونهى عن تلقي الجلب، وأثبت الخيار للمشتري، والله أعلم.
وخالف الحنابلة والظاهرية، فقالوا: النهي يقتضي فساد المنهي عنه؛ لأن المأمور به غير المنهي عنه، فلا يسقط به الطلب، ولأنه أمر ليس عليه أمر الله، ولا رسوله، وقد جاء في حديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد، رواه مسلم (٤).
стр. 2865
وأدلة هذه المسألة ترجع إلى مسألة سبق بحثها، وهو الصلاة في الثوب المغصوب والمحرم، فأغنى ذلك عن إعادة أدلتها، فارجع إليها هناك، والحمد لله.
* * *
стр. 2866
الفرع التاسع الصلاة في الكنيسة
المدخل إلى المسألة:
• الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، والأصل عدم الكراهة.
• كراهة الصلاة من أجل الصور، لا يختص بالكنيسة من أجلها، بل من أجل الصور.
• كل مكان طاهر، إذا لم يحفظ في الشرع نهي خاص عن الصلاة فيه، فالأصل إباحة الصلاة فيه، ومنه الكنيسة.
• إذا حكمنا على طهارة طعام أهل الكتاب، وثيابهم حكمنا على طهارة أرض الكنيسة، إن لم تكن أولى.
[م-٣٨٩] اختلف العلماء في الصلاة في الكنيسة:
فقيل: تصح من غير كراهة على الصحيح من مذهب الحنابلة (١).
قال في شرح منتهى الإرادات: «ولا تكره ببيعة، وكنيسة، ولو مع صور» (٢).
وقيل: تكره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
стр. 2867
زاد المالكية: ويعيد في الوقت إلا أن تكون دارسة، أو اضطر للدخول فيها لخوف، أو برد، ونحوهما، أو دخلها مختارًا، وصلى على مكان طاهر فلا إعادة (١).
وقال سحنون: يعيد في الوقت مختارًا كان، أو مضطرًا.
وقال ابن حبيب: «يعيد العامد والجاهل أبدًا، وغيره في الوقت، وإن اضطر» (٢).
وقيل: تكره الصلاة في الكنيسة إن كان فيها صور، ولا تكره في غيرها، وهو رواية عن أحمد، وقول إسحاق، واختارها ابن تيمية، وقال ابن القيم: وهي ظاهر المذهب (٣).
قال ابن تيمية: «والمذهب الذي نص عليه عامة الأصحاب كراهة الصلاة فيها» (٤).
وخلاصة الخلاف في المسألة إلى ما يلي:
- تصح مطلقًا بلا كراهة.
- تكره مطلقًا.
- تكره إن كان فيها صور.
واختلف المالكية في الإعادة:
- فقيل: يعيد في الوقت إلا إذا صلى على مكان طاهر، أو دخلها مضطرًا.
- وقيل: يعيد مطلقًا، مختارًا كان أو مضطرًا.
- وقيل: يعيد العامد والجاهل أبدًا، ويعيد غيره في الوقت.
• دليل من قال: تصح بلا كراهة.
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي، يقوم على نص، أو إجماع، ولا يوجد نص شرعي ينهى
стр. 2868
عن الصلاة في الكنائس، والأصل عدم الكراهة.
الدليل الثاني:
(ح-٩٧٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد هو ابن صهيب الفقير، قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي … وذكر منهن: … وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليُصَلِّ … الحديث (١).
ومنها ما رواه الشيخان من طريق الأعمش، حدثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه،
عن أبي ذر مرفوعًا، وفيه .... حيثما أدركتك الصلاة فَصَلِّ (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (جعلت لي الأرض مسجدًا … ) فعمومه يشمل الكنائس، والبيع وغيرهما.
ومثله في الدلالة حديث أبي ذر ﵁.
الدليل الثالث:
قال القرطبي: «أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة، أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة» (٣).
الدليل الرابع:
أن النبي ﷺ صلى يوم الفتح في الكعبة، وفيها صور وتماثيل.
• ونوقش:
(ح-٩٧٧) بأن البخاري روى من طريق عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة،
عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة، فأمر بها، فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم، وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال النبي ﷺ : قاتلهم الله، لقد علموا، ما استقسما بها قط، ثم
стр. 2869
دخل البيت، فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يُصَلِّ فيه.
قال البخاري: تابعه معمر، عن أيوب. وقال وهيب: حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ (١).
الدليل الخامس:
عمل بعض الصحابة، من ذلك:
(ث-٢٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن حميد، عن بكر، قال:
كتبت إلى عمر من نجران: لم يجدوا مكانًا أنظفَ ولا أجودَ من بيعة فكتب: انضحوها بماءٍ وسدرٍ، وصلوا فيها (٢).
[صحيح].
(ث-٢٤٣) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، حدثنا أبو فضالة، قال: حدثنا أزهر الحرازي،
أن أبا موسى صلى في كنيسة في دمشق، يقال لها: كنيسة يوحنا (٣).
[حسن، وأزهر صدوق، تكلموا في مذهبه].
• ويناقش:
بأن هذا معارض بأثر ابن عباس، وسيأتي في أدلة القول الثالث، أو محمول على أنهم صلوا في كنيسة، لا صور فيها.
• دليل من قال: تصح وتكره:
الدليل الأول:
القياس على النهي عن الصلاة في مسجد الضرار، بجامع أن كُلًّا منهما بني على معصية الله.
стр. 2870
• ويناقش:
بأن هناك فرقًا بين الكافر الأصلي والمنافق، فالكافر الأصلي كالنصارى يتدين بكفره، ويعتبره قربة، ويقيم معابده ليتقرب بها إلى الله بحسب ما يعتقد، فَلَمَ تُبْنَ بقصد الإضرار، بخلاف ما فعله المنافقون، فافترقا.
الدليل الثاني:
ما في الكنائس من الصور والتماثيل.
الدليل الثالث:
أنها مكان سخط وغضب، وإشراك بالله، وحضور للشياطين،
قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩١].
وإذا كُرِهَتْ الصلاة في الحمام، فالكنيسة أولى بالكراهة منها.
الدليل الرابع:
أن الكنائس مظنة للنجاسة، فهم لا يتحرزون من النجاسات.
• دليل من قال: إذا صلى يستحب له إعادة الصلاة:
الإعادة رتبت في مذهب المالكية بناءً على أن العلة هي مظنة النجاسة.
فمن قال: يعيد في الوقت بنى حكمه على مسألتين:
الأولى: تقديم الأصل إذا تعارض مع الظاهر، فالأصل الطهارة حتى يعلم نجاستها.
المسألة الثانية: اعتبار التلبس بالنجاسة في الصلاة يدور بين الوجوب والسنية، وليست شرطًا فيها؛ إذ لو كانت شرطًا لوجبت الإعادة أبدًا في الوقت وغيره.
ومن قال: يعيد في الوقت وغيره بنى حكمه على مسألتين أيضًا:
إحداهما: تقديم الظاهر على الأصل؛ لأن الظاهر أن النصارى كانوا لا يتحرزون عن النجاسات، وما زالوا إلى عصرنا يتبولون، ولا يستنجون.
والثانية: الذهاب إلى استحباب الإعادة أبدًا إذا ترك الواجب، أو المسنون مع القدرة والتذكر، حتى لا يتهاون الناس بها، فإن نسي لم يطالب بالإعادة، وإن كان عامدًا، أو جاهلًا طلبت الإعادة مطلقًا، في الوقت وغيره.
стр. 2871
جاء في مواهب الجليل نقلًا عن صاحب الطراز: «إن عللنا بالصِّوَر لم يؤمر بالإعادة، وهو ظاهر المذهب.
وإن عللنا بالنجاسة، قال سحنون: يعيد في الوقت. وعلى قول ابن حبيب يعيد أبدًا في العمْدِ والجهْلِ انتهى. قال الحطاب: والتعليل بالنجاسة أظهر» (١).
وإنما كانت الإعادة مستحبة، سواء أقلنا: يعيد أبدًا، أم قلنا: يعيد في الوقت، لأن ذلك مبني على أن الصلاة صحيحة عندهم على كلا القولين، ولكن إن كان التخلي عن النجاسة واجبًا، فالإعادة لجبر النقص، وإن كانت الإعادة مستحبة فالإعادة لطلب الكمال، والله أعلم.
وقد تكلمت عن تبني المالكية الإعادة في الوقت في ترك الواجبات وبعض السنن المؤكدة في مبحث مستقل في أكثر من موضع من شروط الصلاة، فارجع إليه إن شئت.
• دليل من قال: لا يصلي فيها إذا كان فيها تماثيل:
الدليل الأول:
(ح-٩٧٨) ما رواه الشيخان من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس،
عن أبي طلحة، عن النبي ﷺ ، قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة (٢).
وجه الاستدلال:
إذا كانت الملائكة لا تدخل المكان الذي فيه مطلق الصور، فما بالك بالصور المعلقة بالكنيسة، والتي تعبد من دن الله؟ فإذا امتنعت الملائكة للمعصية، كان امتناعها للشرك أولى، والمكان الذي لا تدخله الملائكة، فهو مأوى الشياطين.
وهذه العلة تقتضي أن الكراهة ليست للكنيسة من أجلها، بل من أجل الصور، فتكره الصلاة في المكان الذي فيه صور مطلقًا، ولو لم يكن كنيسة، ولو صلى صحت صلاته؛ خاصة إذا لم تكن في قبلة المصلي، لأنه ليس من شروط صحة
стр. 2872
الصلاة حضور الملائكة، ولذلك يصلي من يأكل الثوم، والكراث في البيت، وإن كانت تنفر منه الملائكة.
الدليل الثاني:
(ح-٩٧٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة أم المؤمنين، أن أم حبيبة، وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ ، فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة (١).
• وجه الكراهة:
أن كنائس النصارى مظنة اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فتكره لذلك، ولأن تعليق صور الصالحين في أماكن العبادة، والغلو فيهم، من وسائل الشرك، والصلاة في مثل هذا المكان أقل أحواله الكراهة إنكارًا لمثل هذا المنكر العظيم.
الدليل الثالث:
أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أزيل ما فيها من التماثيل والصور، كما دل عليه حديث ابن عباس في الصحيحين، وسقته بإسناده في الأدلة السابقة (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٩٨٠) ما رواه البخاري من طريق عبد الوارث، قال: حدثنا عبد العزيز ابن صهيب،
عن أنس بن مالك، كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ : أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي (٣).
(ح-٩٨١) وروى مسلم من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت
стр. 2873
القاسم يحدث،
عن عائشة، أنه كان لها ثوب، فيه تصاوير ممدودٌ إلى سهوة، فكان النبي ﷺ يصلي إليه، فقال: أخريه عني، قالت: فأخرته، فجعلته وسائد (١).
الدليل الخامس:
(ث-٢٤٤) من الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،
عن أسلم، قال: لما قدم عمر الشام أتاه رجل من الدهاقين، فقال: إني قد صنعت لك طعامًا، فأحب أن تجيء، فيرى أهل عملي كرامتي عليك، ومنزلتي عندك، أو كما قال، قال: فقال: إنا لا ندخل هذه الكنائس، أو قال: هذه البيع التي فيها الصور (٢).
[صحيح] (٣).
стр. 2874
الامتناع عن دخولها بسبب الصور يلزم منه الامتناع عن الصلاة فيها، ولا يلزم من دخولها كما لو كانت خالية من الصور أن تكون الصلاة فيها مباحة، فليس كل مكان جاز دخوله تباح الصلاة فيه، فدلالة الحديث ليست صريحة.
(ث-٢٤٥) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن خصيف، عن مقسم قال:
قال ابن عباس لا تُصَلِّ في بيت فيه تماثيل (١).
[فيه ضعف] (٢).
• الراجح:
أن الصلاة في الكنيسة على الإباحة إلا أن تكون الصور في قبلته فتكره، وإظهار المسلم دينه في معابد النصارى فيه عزة للمسلم، ودعوة لغير المسلم أن يسمع بالإسلام، ويرى صلاة المسلمين، والله أعلم.
* * *
стр. 2875
الشرط التاسع من شروط الصلاة النية
تمهيد
المبحث الأول في تعريف النية
تعريف النية اصطلاحًا (١):
عرف أكثر الحنفية النية بالإرادة، فنية الصلاة: قالوا: هي إرادة الصلاة لله تعالى (٢).
واعترض بعضهم: بأنه يقال: أراد الله، ولا يقال: نوى الله.