جاء في مواهب الجليل نقلًا عن صاحب الطراز: «إن عللنا بالصِّوَر لم يؤمر بالإعادة، وهو ظاهر المذهب.
وإن عللنا بالنجاسة، قال سحنون: يعيد في الوقت. وعلى قول ابن حبيب يعيد أبدًا في العمْدِ والجهْلِ انتهى. قال الحطاب: والتعليل بالنجاسة أظهر» (١).
وإنما كانت الإعادة مستحبة، سواء أقلنا: يعيد أبدًا، أم قلنا: يعيد في الوقت، لأن ذلك مبني على أن الصلاة صحيحة عندهم على كلا القولين، ولكن إن كان التخلي عن النجاسة واجبًا، فالإعادة لجبر النقص، وإن كانت الإعادة مستحبة فالإعادة لطلب الكمال، والله أعلم.
وقد تكلمت عن تبني المالكية الإعادة في الوقت في ترك الواجبات وبعض السنن المؤكدة في مبحث مستقل في أكثر من موضع من شروط الصلاة، فارجع إليه إن شئت.
• دليل من قال: لا يصلي فيها إذا كان فيها تماثيل:
الدليل الأول:
(ح-٩٧٨) ما رواه الشيخان من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس،
عن أبي طلحة، عن النبي ﷺ ، قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة (٢).
وجه الاستدلال:
إذا كانت الملائكة لا تدخل المكان الذي فيه مطلق الصور، فما بالك بالصور المعلقة بالكنيسة، والتي تعبد من دن الله؟ فإذا امتنعت الملائكة للمعصية، كان امتناعها للشرك أولى، والمكان الذي لا تدخله الملائكة، فهو مأوى الشياطين.
وهذه العلة تقتضي أن الكراهة ليست للكنيسة من أجلها، بل من أجل الصور، فتكره الصلاة في المكان الذي فيه صور مطلقًا، ولو لم يكن كنيسة، ولو صلى صحت صلاته؛ خاصة إذا لم تكن في قبلة المصلي، لأنه ليس من شروط صحة
стр. 2872
الصلاة حضور الملائكة، ولذلك يصلي من يأكل الثوم، والكراث في البيت، وإن كانت تنفر منه الملائكة.
الدليل الثاني:
(ح-٩٧٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة أم المؤمنين، أن أم حبيبة، وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ ، فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة (١).
• وجه الكراهة:
أن كنائس النصارى مظنة اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فتكره لذلك، ولأن تعليق صور الصالحين في أماكن العبادة، والغلو فيهم، من وسائل الشرك، والصلاة في مثل هذا المكان أقل أحواله الكراهة إنكارًا لمثل هذا المنكر العظيم.
الدليل الثالث:
أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أزيل ما فيها من التماثيل والصور، كما دل عليه حديث ابن عباس في الصحيحين، وسقته بإسناده في الأدلة السابقة (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٩٨٠) ما رواه البخاري من طريق عبد الوارث، قال: حدثنا عبد العزيز ابن صهيب،
عن أنس بن مالك، كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ : أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي (٣).
(ح-٩٨١) وروى مسلم من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت
стр. 2873
القاسم يحدث،
عن عائشة، أنه كان لها ثوب، فيه تصاوير ممدودٌ إلى سهوة، فكان النبي ﷺ يصلي إليه، فقال: أخريه عني، قالت: فأخرته، فجعلته وسائد (١).
الدليل الخامس:
(ث-٢٤٤) من الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،
عن أسلم، قال: لما قدم عمر الشام أتاه رجل من الدهاقين، فقال: إني قد صنعت لك طعامًا، فأحب أن تجيء، فيرى أهل عملي كرامتي عليك، ومنزلتي عندك، أو كما قال، قال: فقال: إنا لا ندخل هذه الكنائس، أو قال: هذه البيع التي فيها الصور (٢).
[صحيح] (٣).
стр. 2874
الامتناع عن دخولها بسبب الصور يلزم منه الامتناع عن الصلاة فيها، ولا يلزم من دخولها كما لو كانت خالية من الصور أن تكون الصلاة فيها مباحة، فليس كل مكان جاز دخوله تباح الصلاة فيه، فدلالة الحديث ليست صريحة.
(ث-٢٤٥) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن خصيف، عن مقسم قال:
قال ابن عباس لا تُصَلِّ في بيت فيه تماثيل (١).
[فيه ضعف] (٢).
• الراجح:
أن الصلاة في الكنيسة على الإباحة إلا أن تكون الصور في قبلته فتكره، وإظهار المسلم دينه في معابد النصارى فيه عزة للمسلم، ودعوة لغير المسلم أن يسمع بالإسلام، ويرى صلاة المسلمين، والله أعلم.
* * *
стр. 2875
الشرط التاسع من شروط الصلاة النية
تمهيد
المبحث الأول في تعريف النية
تعريف النية اصطلاحًا (١):
عرف أكثر الحنفية النية بالإرادة، فنية الصلاة: قالوا: هي إرادة الصلاة لله تعالى (٢).
واعترض بعضهم: بأنه يقال: أراد الله، ولا يقال: نوى الله.
стр. 2876
وفسرها كثير من الحنفية بالعلم: «جاء في الجوهرة النيرة: والنية هي العلم السابق بالعمل اللاحق» (١).
• واعترض:
جاء في العناية: لا يلزم من العلم بالشيء نيته، ألا ترى أن من علم الكفر لا يلزمه شيء، ومن نوى الكفر كفر (٢).
وقال ابن عابدين: «النية قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل» (٣).
وهو قريب من قول الحنابلة: النية شرعًا: هي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى.
إلا أن الحنفية عبروا بالقصد إلى الطاعة، وعبر الحنابلة: بالعزم.
وفرق بينهما الماوردي الشافعي، فقال في تعريف النية: «هي قصد الشيء مقترنًا بفعله، فإن قصده، وتراخى عنه فهو عزم» (٤).
وقال النووي: «النية القصد، وهي عزيمة القلب. وتعقبه الكرماني بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد» (٥).
وقال الغزالي: «النية هي عبارة عن الميل الجازم الباعث للقدرة» (٦).
قال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي نقلًا من عمدة القارئ: «النية والإرادة والقصد والعزم بمعنى» (٧). وهذا هو الصواب.
* * *
стр. 2877
المبحث الثاني في محل النية
المدخل إلى المسألة:
• النص القطعي في ثبوته، ودلالته لا يعارَضُ بكلام أحد من البشر، كائنًا من كان، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فإن لم يكن الفهم قاطعًا، بأن كان ظنيًّا، فالعلماء مطالبون بفهم النصوص بما يتفق مع الحقائق العلمية، بشرط أن تكون هذه حقائق، وليست نظريات قابلة للتغيُّر.
• ظواهر السمع تدل على أن العقل في القلب، والله أعلم (١).
• قد يُسَلِّم الناس لأمور يعتقدونها حقائق، وإنما هي أوهام من قائليها.
• العقل في القلب، واستقامة الدماغ شرط، والشيء يفسد لفساد شرطه.
[م-٣٩٠] أكثر الفقهاء على أن النية محلها القلب (٢).
وقيل: محلها الدماغ، وهو رواية عن أحمد (٣)، ونسب هذا القول لأبي حنيفة (٤).
стр. 2878
وقيل: محلها مشترك بين الرأس والقلب (١).
وظواهر النصوص مع القول الأول، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦].
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
فحين قال: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ قطعنا في مكانها.
(ح-٩٨٢) وروى البخاري من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا، قال: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب، ورواه مسلم أيضًا (٢).
وقد بَسَطْتُ أدلة المسألة في كتابي موسوعة الطهارة، الطبعة الثالثة (٣).
x x x
стр. 2879
المبحث الثالث الحكمة من مشروعية النية
المدخل إلى المسألة:
• شريعة الله كلها حكمة، صادرة من لدن حكيم خبير، تعالى سبحانه أن يشرع عبثًا أو يخلق سدى.
• الله يحكم ما يريد، لا معقِّب لحكمه، ولا اعتراض، وعلى العبد الامتثال، سواء أأدرك حكمة التشريع أم لم يدركها.
• كل أمر شرعه الله إنما شرع لجلب مصلحة للعباد، أو دفع مفسدة عنهم في العاجل، أو الآجل.
• لا ثواب إلا بنية.
• المحرمات لا تفتقر إلى نية في الخروج من العهدة، فإن قصد من الترك الثواب فلا بد من قصد الامتثال.
• النية مشروعة في العبادة؛ لتمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض: كأن تكون هذه فريضة، وتلك نافلة.
[م-٣٩١] الحكمة من مشروعية النية التمييز:
ولهذا العبادات التي تتميز بنفسها، ولا تلتبس بغيرها، لا يفتقر فعلها إلى نية، كالإيمان بالله، وتعظيمه، وإجلاله، والخوف من عذابه، ورجاء ثوابه، والتوكل عليه، والتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن وسائر الأذكار، فإنها متميزة لجنابه ، فلا يفتقر فعلها إلى نية، وإن كان الثواب عليها من شرطه إرادة وجه الله بها، وهو ما يسمى نية المعمول له … فمن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
стр. 2880
أي: موكولة إليها، ومن وكل عمله إلى ما لا يصلح للجزاء عليه فقد خاب سعيه.
ونية المعمول له غير نية العمل نفسه عند إرادة العمل.
ومن الأعمال ما لا يفتقر إلى نية كالمباحات، وترك المحظورات، كإزالة النجاسة، ورد الغصوب؛ لأن القصد وصول الحق إلى مستحقه.
وكذا المحرمات لا تفتقر إلى نية في الخروج عن العهدة، فإن قصد من الترك الثواب، فلا بد من قصد الامتثال؛ لأنه لا ثواب إلا بنية (١).
كما أن النية نفسها، وإن كانت عبادة، فلا تحتاج إلى نية، وإلا تسلسل الأمر.
وإذا كانت النية مشروعة في العبادة للتمييز، فإن التمييز على قسمين:
تمييز العبادات عن العادات.
وتمييز العبادات بعضها عن بعض: كأن تكون هذه فريضة، وتلك نافلة.
فالصيام مثلًا قد يكون حمية، وقد يكون قربة، والغسل قد يكون تبردًا ونظافة، وقد يكون عبادة، ولا يميز هذا عن ذاك إلا النية.
قال في مواهب الجليل، في بيان حكمة مشروعيتها: «وحكمة ذلك، والله تعالى أعلم، تمييز العبادات عن العادات، ليتميز ما هو لله تعالى عما ليس له، أو تتميز مراتب العبادات في أنفسها، لتمييز مكافأة العبد على فعله، ويظهر قدر تعظيمه لربه.
فمثال الأولى: الغسل، يكون عبادة، وتبردًا، وحضور المساجد، يكون للصلاة وفرجة، والسجود لله، أو للصنم.
ومثال الثاني: الصلاة؛ لانقسامها إلى فرض ونفل، والفرض إلى فرض على الأعيان، وفرض على الكفاية، وفرض منذور، وفرض غير منذور، ومن هنا يظهر كيفية تعلقها بالفعل، فإنها للتمييز، وتمييز الشيء قد يكون بإضافته إلى سببه كصلاة الكسوف، والاستسقاء، والعيدين، وقد يكون بوقته، كصلاة الظهر، أو بحكمه
стр. 2881
الخاص به كالفريضة، أو بوجود سببه، كرفع الحدث، فإن الوضوء سبب في رفع الحدث، فإذا نوى رفع الحدث ارتفع، وصح الوضوء ..... » (١).
* * *
стр. 2882
المبحث الرابع في حكم الجهر بالنية
المدخل إلى المسألة:
• النية: أن يقصد بقلبه ما يريده بفعله، وليس عليه النطق بلسانه.
• لا يكفي التلفظ بالنية باللسان دون القلب اتفاقًا، فلو اختلف اللسان والقلب فالعبرة بما في القلب.
• لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه التلفظ بالنية، والأصل في العبادات التوقيف
وقيل:
• اجتماع اللسان والقلب بالتلفظ بالنية آكد وأولى من انفراد القلب بها؛ لأن اجتماع جارحتين في عمل النية آكد وأولى من عمل جارحة واحدة.
[م-٣٩٢] اتفق الفقهاء أن محل النية هو القلب، واتفقوا على أن الجهر بالنية لا يشرع (١).
واختلفوا في التلفظ بها سِرًّا:
فقيل: يستحب، وهو قول في مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية، وبه أخذ
стр. 2883
المتأخرون من الحنابلة (١).
وقيل: يكره، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية (٢)، ونص الإمام أحمد على أنه لا يتلفظ بها (٣).
وقيل: التلفظ بالنية خلاف الأولى، إلا للموسوس فيستحب، وهو مذهب المالكية (٤).
وقيل: يستحب في النسك خاصة (٥).
والصحيح أنه لا يشرع التلفظ، ولا الجهر بها، فالله سبحانه يعلم السر وأخفى، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحجرات: ١٦].
стр. 2884
وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
وقال ربنا جَلَّ وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
(ح-٩٨٣) وقد روى مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين .... (١).
(ح-٩٨٤) وروى البخاري ومسلم من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه،
عن أبي هريرة في حديث المسيء في صلاته، وفيه قال له رسول الله ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... الحديث (٢).
وانظر إلى أدلة الأقوال ومناقشتها في كتابي موسوعة الطهارة، فقد أغناني ذكرها هناك عن بسطها هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 2885
الباب الأول في أحكام النية
الفصل الأول في توصيف النية
المدخل إلى المسألة:
• كل ما يتقدم العبادة، ولا صحة لها إلا به، ووجب استمرار حكمه إلى آخر العبادة، فهو معدود من الشروط.
• يشترك الشرط والركن في أن كُلًّا منهما يتوقف عليه وجود الشيء، فالوضوء شرط، والركوع ركن، ولا بد من وجود كل منهما لصحة الصلاة.
• الفرق بين الركن والشرط: أن الركن جزء من ماهية الصلاة، كالركوع والسجود. أما الشرط فهو خارج عن الصلاة، ليس جزءًا منها.
[م-٣٩٣] النية معتبرة للصلاة إجماعًا (١)، على خلاف بينهم في توصيفها:
стр. 2886
فقيل: النية شرط للصلاة، وهو مذهب الجمهور، واختاره بعض الشافعية (١).
وقيل: النية ركن، وهو المشهور من مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٢).
وقيل: النية قبل الصلاة شرط، وفيها ركن، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
ويلزم من هذا: أن يكون الشيء الواحد ركنًا وشرطًا، مع اختلاف حقيقتهما.
كما يلزمهم القول بمثله في بقية شروط الصلاة، فاستقبال القبلة شرط قبل الصلاة، وفيها ركن، وهكذا سائر الشروط (٤).
وقيل: إيجادها أول العمل ركن، واستصحاب حكمها شرط (٥).
ويتفق الركن والشرط في أنه لا بد منهما في الصلاة، ويختلف الشرط عن الركن: بأن الشرط: يتقدم على الصلاة، ويجب استمراره فيها، كالطهارة والستر.
стр. 2887
والركن: جزء من ماهية الصلاة، تتكون منه الصلاة، كالقيام، والركوع والسجود.
• وجه قول الجمهور بأن النية شرط:
لما جاز تقديم النية على العمل، ولو بشيء يسير، دل على أن النية شرط في العبادة؛ لأن حقيقة الشرط، هو ما يتقدم على العبادة، ويجب استمراره فيها.
• وجه القول بأن النية ركن:
أنها واجبة في بعض الصلاة، وهو أولها، لا في جميعها، فكانت ركنًا، كالتكبير، والركوع.
• والراجح:
أن النية شرط في العبادة، لقوله ﷺ في حديث المسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر … الحديث متفق عليه.
فقوله: (إذا قمت إلى الصلاة) إشارة إلى النية، وهو دليل على تقدمها على الصلاة، والله أعلم.
* * *
стр. 2888
الفصل الثاني في وقت النية
المدخل إلى المسألة:
• لو عرى أول الصلاة عن النية لكان أولها مترددًا بين القربة وبين غيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها مترددًا، كان آخرها كذلك.
• إيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
• صحح الشارع بعض العبادات مع وجود فاصل طويل بين النية والعمل كالصيام والزكاة والكفارة ولم يَأْتِ عنه ما يدل على أن الحكم خاص بهذه العبادات حتى يمتنع القياس.
• الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالنية إذا عقدها المصلي فهو على نيته كالمقارن؛ حتى يقطعها أو يأتي بما ينافيها، والذهول عن النية ليس قطعًا لها بل يبقى مستصحبًا حكمها.
[م-٣٩٤] ذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يجوز أن تتأخر النية عن أول العبادة، خاصة إذا كان أول العبادة واجبًا فيها، فلا تتأخر النية في الوضوء عن غسل الوجه، ولو تأخرت عن غسل الكفين فلا يؤثر ذلك في صحة الوضوء؛ لأن غسل الكفين سنة، ولا تتأخر النية في الصلاة عن تكبيرة الإحرام، وهكذا؛ لأن أول العبادة لو عرى عن النية لكان أولها مترددًا بين القربة وبين غيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها مترددًا، كان آخرها كذلك.
وخالف في ذلك الكرخي من الحنفية، فقال: يجوز تأخير النية عن تكبيرة الإحرام،
стр. 2889
وهذا بناء على قول في مذهب الحنفية: أن تكبيرة الإحرام ليست من الصلاة (١).
ولعل هذا القول لا يخرج عن القول السابق، وإنما الخلاف في تحقيق المناط، فتكبيرة الإحرام عند من يراها ركنًا في الصلاة -وهو الصحيح- لا يجوز أن تتأخر النية عن تكبيرة الإحرام، وأما عند من يرى تكبيرة الإحرام ليست من الأركان، ولا من الواجبات لا يمنع من تأخير النية عنها، كما أجاز الحنابلة تأخر نية الوضوء عن أول مسنونات الطهارة، وهو غسل الكفين، وتجب عندهم عند أول واجبات الطهارة.
[م-٣٩٥] هذا في تأخير النية عن المنوي، وأما تقدم النية على المنوي:
فأجاز العلماء تقدم النية على المنوي في الصوم، فجوزوا الصيام بنية من أول الليل، بل صحح بعضهم الصيام بنية، ولو من أول الشهر؛ لأن إيجاب تذكر النية قبل الفجر بيسير فيه حرج ومشقة.
ولأن الصوم قد يأتي على كثير من الناس وهو في حالة النوم، وألحقوا بالصوم الزكاة؛ لصحة دخول النيابة في إخراجها.
واختلفوا في جواز تقدم النية على العمل في غيرهما قياسًا عليهما:
فالعلماء متفقون على أن النية إذا عقدت قبل العمل بيسير، ثم استصحب ذكرها إلى أن تلبس بالعبادة، فإن هذه النية تجزئ بلا خلاف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا كان مستحضرًا للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك باتفاق العلماء» (٢).
[م-٣٩٦] واختلفوا فيما إذا قدم النية على العمل وعزبت عن ذهنه إلى حين دخل في العمل، هل يعتد بهذه النية أو لا؟
فقال الحنفية: تستحب مقارنة النية للمنوي، ويجوز تقدم النية على المنوي
стр. 2890
ولو طال الفصل، ما لم يوجد ما يقطعها، كأن يوجد فاصل أجنبي من أكل، أو شرب، ولا يضره المشي، والوضوء، ولو طالا. واختاره الآجري وابن تيمية من الحنابلة، ولم يشترطا شيئًا (١).
وقيل: يجوز تقدم النية على المنوي بشرط أن يكون الفاصل يسيرًا، اختاره ابن رشد، وابن عبد البر، وخليل من المالكية، وهو مذهب الحنابلة (٢).
قال المقري المالكي: «شرط النية اقتران ذكرها بأول المنوي، فلا يضر
стр. 2891
ما لا يقطع ذلك من تقدمها عليه، وهو المعبر عنه بالتقدم اليسير … » (١).
وقال ابن قدامة: «قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير، وإن طال الفصل، أو فسخ نيته بذلك لم يجزئه» (٢).
وقيل: يشترط أن تكون النية مقارنة للتكبير، لا قبله، ولا بعده، اختاره جماعة من المالكية كالقاضي عبد الوهاب البغدادي، وابن الجلاب، وابن شاس، وهو المشهور من مذهب الشافعية، وبه قال ابن حزم (٣).
وقيل: يجوز تقدم النية على العبادة بشرط أن يكون وقت العبادة قد دخل، فإن تقدمت النية قبل وقت العبادة، ولو بزمن يسير لم تصح النية، اختاره كثير من الحنابلة (٤).
فتلخص الخلاف في أربعة أقوال:
- يجوز تقدم النية على العمل، ولو طال الفصل.
- لا يجوز مطلقًا. وهذان قولان متقابلان.
- يجوز التقديم اليسير دون الكثير.
стр. 2892
- يجوز تقدم النية بشرط دخول وقت العبادة.
• دليل من قال بجواز تقديم النية على العمل ولو طال الفصل:
الدليل الأول:
إيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
الدليل الثاني:
لقوله ﷺ في حديث المسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر … الحديث متفق عليه.
فقوله: (إذا قمت إلى الصلاة) إشارة إلى النية، وقد فصل بينها وبين الصلاة الوضوء، ولم يطلب منه تجديد النية، ولا استصحاب ذكرها، فدل على صحة استصحاب حكم النية، وأن الفاصل لا يضر، والله أعلم.
الدليل الثالث:
القياس على بعض العبادات كالصوم، والزكاة، والحج، فإذا صح أن تتقدم النية على الصوم، ولو طال الفصل، جاز أن تتقدم النية على سائر العبادات.
وقد ذكر محمد بن الحسن في كتاب المناسك أن تقديم النية في الحج يجوز، حتى لو خرج من بيته يريد الحج، فأحرم، ولم تحضره النية جاز.
وذكر في كتاب التحري: أن من أخرج زكاة ماله يريد أن يتصدق به على الفقراء فدفع، ولم تحضره نية عند الدفع أجزأه (١).
فإذا صحت بعض العبادات مع وجود الفاصل الطويل بين النية والعمل صحت الصلاة؛ لأن الصحة والفساد حكم وضعي، وليس من أحكام التكليف.
الدليل الرابع:
النية شرط من شروط الصلاة، فجاز تقدمها كبقية الشروط.
стр. 2893
الدليل الخامس:
الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالنية إذا عقدها فقد امتثل الأمر، ويبقى هذا القصد صحيحًا باقيًا كالمقارن؛ حتى يقطعه، أو يأتي بما ينافيه، فالذهول عن النية ليس قطعًا لها، بل يبقى مستصحبًا حكمها، وكيف يتصور وجود عمل بلا نية، فلو سئل هذا الشخص عن عمله لأجاب على البديهة بلا توقف: أنه يريد صلاة الظهر، أو العصر.
والنية قسمها الفقهاء إلى قسمين:
نية فعلية موجودة: وهي النية التي يأتي بها الإنسان في أول العبادة، كنية الوضوء والصلاة والصيام ونحوها.
ونية حكمية: وذلك بإعطاء المعدوم حكم الموجود، فالإيمان إذا استحضره المؤمن في قلبه، فهذه نية فعلية، فإذا غفل عنه بعد ذلك حكم صاحب الشرع بأنه مؤمن، وله أحكام المؤمنين، وهو الإيمان الحكمي، ومثله الكفر ينقسم إلى فعلي وحكمي، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]، مع أنه يوم القيامة، لا يكون أحد مجرمًا، ولا كافرًا؛ لظهور الحقائق (١).
وذلك أن النية إذا أتى بها الإنسان، ثم ذهل عنها، فهي تسمى نية حكمية، بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها، وهو ما يطلق عليه الفقهاء بقولهم: يجب استصحاب حكم النية، ولا يجب استصحاب ذكرها.
الدليل السادس:
إذا لم يكن هناك فرق بين الشرط المقارن والشرط المتقدم في العقود على الصحيح، فكذلك الشأن في عقود العبادات؛ لأن حكم الإرادات المعتقدة لا يزول إلا بفسخ تلك الاعتقادات.
الدليل السابع:
اشتراط المقارنة يؤدي إلى الوقوع في الوسواس المذموم شرعًا وطبعًا.
الدليل الثامن:
المقصود من النية تمييز العبادات عن العادات، وتمييز مراتب العبادات بعضها
стр. 2894
عن بعض، وهذا يحصل بالنية المقترنة والمتقدمة.
• دليل من أجاز تقدم النية بشرط أن يكون التقدم يسيرًا:
الدليل الأول:
اليسير من كل شيء معفو عنه، فالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناويًا.
الدليل الثاني:
الكلام اليسير في مصلحة الصلاة وكذا الفاصل اليسير بين الركعات لمصلحتها لا يمنع من البناء عليها فإذا كان لا يبطل الصلاة فمن باب أولى لا يبطل النية.
(ح-٩٨٥) فقد روى البخاري في صحيحه، من طريق محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال محمد: وأكثر ظني العصر- ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر ﵄، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: لم أَنْسَ، ولم تقصر. قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين. الحديث، والحديث رواه مسلم (١).
فهذا الرسول ﷺ انصرف من الصلاة ناويًا الخروج منها، وقد ضم إلى ذلك أفعالًا منافية للصلاة من الكلام، والمشي، والانصراف عن القبلة، ولما علم النبي ﷺ بأنه قد انصرف قبل إتمام صلاته رجع إلى حكم نيته السابقة، وألغى كل ما نواه، أو فعله مما هو مناف للصلاة، حين كان الفاصل يسيرًا، فكذلك النية إذا تقدمت على العمل بزمن يسير عرفًا، لم يؤثر ذلك في صحة الصلاة، والله أعلم.
• ويناقش:
هذا الفاصل اليسير إنما اغتفر لعذر السهو، فلا يقاس عليه المتعمد.
стр. 2895
• دليل من قال يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي:
الدليل الأول:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١].
فقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حال له في وقت العبادة، فإن الحال: هي وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والإخلاص هو النية.
وقال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات).
• وأجيب:
بأن الآية والحديث دليل على اشتراط النية، وهذا مسلم، ولكن ليس فيه أن استصحاب حكم النية لا يكفي، وأن الواجب استصحاب ذكر النية بلا فاصل إلى أن يتلبس بالعبادة، فإذا كان الإسلام والذي هو شرط في صحة جميع العبادات لا يجب استصحاب ذكره عند العبادة، فغيره من باب أولى.
الدليل الثاني:
استدل ابن حزم بقوله: «لو جاز أن يفصل بين النية وبين الدخول في الصلاة بمدة يسيرة، ولو دقيقة، أو قدر اللحظة لجاز بمثل ذلك وبأكثر حتى يجوز الفصل بينهما بسنة أو سنتين، وهذا باطل، أو يحد المخالف حَدًّا برأيه لم يأذن به الله تعالى» (١).
• ويناقش:
إذا جاز صيام شهر رمضان بنية من أول الشهر، جاز الفاصل الطويل ما لم يقطع النية، كما لو سافر، فأفطر، فإذا أراد الصيام طلب منه تجديد النية، والذهول عن النية ليس قطعًا لها، وقد قدمت في أدلة القول الأول الأدلة على صحة تقدم النية على العمل، ولو طال الفصل.
• دليل من اشترط دخول وقت العبادة:
لعل الحنابلة يرون أن دخول وقت العبادة هو سبب الوجوب، والنية عبادة وتقديمها على سبب وجوبها لا يجوز، ويجوز تقديمها قبل شرط الوجوب.
стр. 2896
مثال ذلك: الزكاة سبب وجوبها بلوغ النصاب، وشرط الوجوب تمام الحول لما يشترط له الحول، فتقديم الزكاة قبل بلوغ النصاب لا يجوز؛ لأنه قدم العبادة قبل سبب وجوبها، فإذا بلغ المال النصاب جاز تقديمها قبل تمام الحول: أي قبل شرط وجوبها.
مثال آخر: لو أن رجلًا أراد أن يقدم كفارة يمين قبل أن يعقدها لم تصح كفارة؛ لأن عقد اليمين هو سبب وجوب الكفارة، ولو أنه عقد اليمين، ثم أخرج الكفارة قبل أن يحنث جاز؛ لأن الحنث هو شرط الوجوب، وتقديم العبادة على شرط وجوبها جائز، وعلى سبب الوجوب لا يجوز، والله أعلم (١).
• الراجح:
إن كان المقصود بالمقارنة ألا يوجد فاصل بين النية وبين المنوي، بحيث ينوي العبد الطاعة، ثم يدخل فيها مباشرة فهذه المقارنة ممكنة، والجزم بوجوب ذلك شديد، ولا دليل صريح في المسألة، وأما القول بالاستحباب فله وجه، فإذا صح الصيام مع وجود فاصل بين النية والعبادة دل على صحة غير الصيام قياسًا عليه، وقصر الحكم على الصيام خاصة أو على الصيام والزكاة لا دليل عليه، فالشارع لما صحح الصيام لم يأت عنه ما يدل على أن هذا الحكم خاص في الصيام، حتى يمتنع القياس، والصحة والفساد حكم وضعي، وإذا لم يفسد الفاصل الصيام والزكاة والكفارة لم يفسد سائرها.
وإن كان المقصود من المقارنة أن تبدأ النية مع ابتداء التكبير ويفرغ منها مع الفراغ من التكبير (٢).
فهذه الصفة لا تجوز؛ لأن التكبير من الصلاة فلا يجوز الإتيان بشيء منه قبل تمام النية الواجبة.
стр. 2897
وقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة، فقال:
«أما مقارنتها التكبير فللعلماء فيه قولان مشهوران:
أحدهما: لا يجب، والمقارنة المشروطة قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، بل عامة الناس إنما يصلون هكذا، وهذا أمر ضروري، لو كلفوا تركه لعجزوا عنه، وقد تفسر بانبساط آخر النية على آخر التكبير، بحيث يكون أولها مع أوله، وآخرها مع آخره، وهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة .... فالمكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ويتصوره، فيكون قلبه مشغولًا بمعنى التكبير، لا بما يشغله عن ذلك من استحضار النية؛ ولأن النية من الشروط، والشروط تتقدم العبادات، ويستمر حكمها إلى آخرها، كالطهارة، والله أعلم» (١).
* * *
стр. 2898
الفصل الثالث في تداخل العبادات بعضها مع بعض
المدخل إلى المسألة:
• التداخل على خلاف الأصل، والأصل تعدد الأحكام بتعدد الأسباب.
• القول بالتداخل يتوقف على دليل، أو تعليل صحيح.
• قال ابن رجب: إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت، تداخلت أفعالهما، واكتفى فيهما بفعل واحد.
• تَدْخُل الطهارة الصغرى بالكبرى، ويكتفي القارن بطواف، وسعي واحد لحجه وعمرته، وإذا دخل المسجد، فوجدهم في الصلاة دخل معهم، وسقطت تحية المسجد، ويكفي غسل الجنابة عن غسل الجمعة، والعيد، ولو نوى تحصيل فضيلة صيام الست من شوال، وصيام الاثنين، وكونه من الأيام البيض حصل له ثواب هذه العبادات الثلاث، وكل هذه من تداخل العبادات.
[م-٣٩٧] الأصل أن لكل عبادة نية خاصة بها، كما يدل عليه ظاهر حديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
قال أبو عبد الله المقرئ: «الأصل عدم التداخل؛ لأن الأصل أن يترتب على كل سبب مسببه، لكن اجتمعت الأمة على التداخل في الجملة رفقًا بالعباد» (١).
وقال العز بن عبد السلام: «التداخل على خلاف الأصل والأصل تعدد الأحكام بتعدد الأسباب» (٢).
стр. 2899
وكذا قال القرافي وابن مفلح وغيرهما (١).
وإذا كان الاتفاق على أن التداخل على خلاف الأصل، كان القول بالتداخل يتوقف على دليل، أو تعليل صحيح.
وقد ذكر القرافي في الفروق أن التداخل وقع في الشريعة في ستة أبواب: وهي: الطهارات إذا تكررت أسبابهما المختلفة، أو المتماثلة.
والصلوات: كتداخل تحية المسجد مع الفرض.
والصيام: كرمضان، وصيام الاعتكاف.
وفي الكفارات، والحدود، والأموال (٢).
وذكر الزركشي في المنثور: أن التداخل يدخل في ضروب، فذكر منها: العبادات، والعقوبات، والإتلافات (٣).
وقسم هذه الثلاثة إلى أقسام، وضرب لذلك الأمثلة على مذهب الشافعية.
وصاغ ابن رجب الحنبلي في القواعد، قاعدة في التداخل، فقال:
«إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت، تداخلت أفعالهما، واكتفى فيهما بفعل واحد» (٤).
ثم جاء من بعده السيوطي فاجتهد في صياغة قاعدة تضبط تداخل الأحكام، فقال:
«إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالبًا» (٥).
وتبعه ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر (٦).
стр. 2900
• أنواع التشريك:
التشريك تارة يكون بين فرضين:
كالقارن إذا نوى الحج والعمرة على القول بأنها فرض، كفاه لهما طواف واحد، وسعي واحد على الصحيح، ومثله تداخل الطهارة الصغرى بالطهارة الكبرى.
وتارة يكون بين مسنونات:
كالجمع بين غسل الجمعة، والعيد على القول بأن غسل الجمعة مسنون، وكما لو دخل المسجد، فصلى الراتبة، سقطت عنه تحية المسجد.
وقد يكون التشريك بين فرض ومستحب:
كما لو دخل المسجد، فوجد الصلاة أقيمت، دخل معهم، وسقطت عنه تحية المسجد.
وأما إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب، قال القرافي: «فهو خلاف الأصل، فلو صلى الإنسان ألف ركعة ما أجزأت عن صلاة الصبح، ولو دفع ألف دينار صدقة لا تجزئ عن دينار الزكاة.
ثم ذكر مسائل حصل فيها نزاع في إجزاء المسنون عن الواجب، من ذلك لو توضأ مجددًا، ثم تيقن أنه كان محدثًا، فهل يجزئه؟ قولان.
ومنها: لو اغتسل لجمعته ناسيًا جنابته، فيها خلاف، سيأتينا بحثها إن شاء الله تعالى.
ومنها: لو نسي لمعة من الغسلة الأولى في وضوئه، وكان غسلها بنية الفرض، هل تجزئه إذا غسل الثانية بنية السنة، فيها قولان.
ومنها: إذا سلم من اثنين ساهيًا، ثم قام، فصلى ركعتين بنية النافلة، هل تجزئاه عن ركعتي الفرض؟ فيها قولان.
وذكر أمثلة أخرى تراجع في الكتاب، فالقصد في البحث هنا التمثيل، وليس الاستقصاء» (١).
وأما أقسام التشريك من حيث الصحة:
فالتشريك في النية تارةً يصح، ويحصلان له معًا، وهو مقطوع به بالإجزاء، ولو
стр. 2901
لم يَنْوِ. أو بالإجزاء، والثواب إن نواهما معًا على الصحيح، حيث أخذ الفقهاء من النصوص الشرعية قاعدة فقهية، فقالوا: لا ثواب إلا بنية (١).
وسيأتي أمثلة ذلك إن شاء الله تعالى مع تحرير الخلاف.
وتارةً يُبْطِل التشريك كلتا العبادتين، باعتبار أن التشريك بينهما مفسد لهما جميعًا، كما لو وقع التشريك بين نيتين متنافيتين، كالتشريك بين إرادة الله وإرادة المخلوق في عمل الآخرة.
(ح-٩٨٦) روى مسلم في صحيحه من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (٢).
أو كان التشريك فيه بين عبادتين، كل واحدة منهما مقصودة للشارع بذاتها كالتشريك بين الظهر والعصر، وبين الفرض وراتبته، وبين الراتبة القَبْلِية والبَعْدِية.
وأما العبادات التي لا تقصد لذاتها، كتحية المسجد تسقط بالراتبة وبالفريضة، وكالجمع بين طواف الوداع والإفاضة، وكطواف العمرة يغني عن طواف القدوم، ولا تغني تحية المسجد عن الراتبة؛ لأن الراتبة أعلى منها، وهي مقصودة لذاتها.
وكذلك العبادات التي مبناها على التداخل، كالطهارة، فإن الصغرى تندرج
стр. 2902
في الكبرى، ويجزئ غسل الجنابة عن غسل الجمعة والعيد.
وكذلك يصح التداخل بين بعض العبادات وبعض المباحات، كالوضوء بنية القربة والتبرد، أو الصيام بنية القربة والحِمْيَةِ؛ فنية التبرد والحمية ليست منافية لنية الصيام والوضوء، بل إن التبرد والحمية يحصلان، ولو لم ينوهما.
(ح-٩٨٧) روى الشيخان من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن ابن مسعود، قال: ﷺ : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أَغَضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء (١).
فأمر بالصوم لغايتين: القربة، وإضعاف الشهوة.
(ح-٩٨٨) وروى الشيخان من طريق يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن نافع أبي محمد مولى أبي قتادة،
عن أبي قتادة، قال في حديث له قصة، قال ﷺ : من قتل قتيلًا فله سَلَبُهُ (٢).
فحرض على الجهاد، وحفز على ذلك باستحقاق السلب، وهو عرض، فطلب السلب، لا ينافي نية الجهاد؛ لإعلاء كلمة الله.
وتارة يحصل من التشريك إحدى العبادتين، فقد يحصل له الفرض، ويبطل النفل، وفي أخرى بالعكس يحصل له النفل دون الفرض.
إذا وقفت على هذه الإشارات المختصرة في التداخل والتشريك بين العبادات نأتي إلى ذكر بعض الأمثلة من حيث الجملة، ونبين ما وقع فيها من اتفاق، أو اختلاف.
القسم الأول: ما يصح فيه التشريك، ويحصلان معًا، ولهذا أمثلة، من ذلك:
[م-٣٩٨] إذا نوى بصلاته الفرض، وتحية المسجد، صحت صلاته، وحصلا معًا.
قال النووي: «اتفق عليه أصحابنا، ولم أَرَ فيه خلافًا بعد البحث الشديد سنين» (٣).
стр. 2903
وحكى الحنفية عن محمد بن الحسن، أن الرجل إذا نوى الفرض والتحية، لا يكون داخلًا في الصلاة (١).
• واستدلوا بأدلة منها:
الدليل الأول:
أن الفرض والنفل جنسان مختلفان، لا رجحان لأحدهما على الآخر في التحريمة، فمتى نواهما تعارضت النيتان، فبطلتا.
• ونوقش:
بأن المقصود من تحية المسجد تعظيم المسجد، ومفارقته للبيوت والطرق، وهذا يحصل بأي صلاة كانت، فإذا صلى الفريضة، أو الراتبة، أو أي صلاة سقطت تحية المسجد، سواء أنواها، أم لم ينوها.
ولأن القويَّ يغني عن الأضعف، فتجزئ الفريضة والراتبة عن تحية المسجد، ولا تغني تحية المسجد عن الراتبة.
ولأن كل عبادة ليست مقصودة لذاتها، إذا تحقق مقصودها بفعل عبادة أخرى من جنسها دخلت فيها. وبعبارة أخرى: كل عبادة تحصل بلا قصد، لا يضر فيها القصد.
وقال أبو الحسن القابسي المالكي: «ومن دخل المسجد ولم يركع الفجر … يصلي التحية وركعتي الفجر، وهو قول مرجوح عند الحنابلة» (٢).
стр. 2904
• وأجيب:
بأن الرسول ﷺ أمر بالصلاتين: تحية المسجد، وصلاة الجمعة لمن دخل المسجد، فجلس والإمام يخطب يوم الجمعة مع أن سماع الخطبة واجب، فكون الإمام يقطع خطبته ويأمره بتحية المسجد بعد الجلوس دليل على كونها مقصودة.
ونهى عن الجلوس حتى يصلي ركعتين، والنهي آكد من الأمر، فدل على أن خصوصية الركعتين تحية للمسجد بحيث لا تتأدى بغيرهما.
ولأن الأصل أن العبادة لا تقوم مقام العبادتين.
• رد هذا الجواب:
بأن المقصود فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، فالمنهي عنه انتهاك المسجد بالجلوس قبل أن يتقدمه صلاة، فلا خصوصية للركعتين، بل يتأدى ذلك بأي صلاة، فرضًا كانت أو راتبة، أو غيرهما، وإنما قد يتوجه البحث لو دخل المسجد فأوتر بركعة، هل يجزئ ذلك مع النص على الركعتين؟ وقد بحثت هذه المسألة في المجلد السابع، فانظره هناك يا رعاك الله.
وأما القول بأن العبادة لا تقوم مقام العبادتين، فهذا يسلم في عبادات مقصودة لذاتها، وأما العبادات التي تحصل بلا قصد فلا يمتنع تداخلها، كدخول طواف الوداع بطواف الإفاضة؛ لأن المقصود أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف، وقد فعل، والله أعلم.
الدليل الثاني:
إذا كان الفرض لا يجزئ عن السنة الراتبة، فكذلك لا يجزئ عن تحية المسجد.
• ويناقش:
بأن تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها، بخلاف الراتبة.
[م-٣٩٩] ومنها لو اغتسل الغسل الواجب أجزأ عن الوضوء؛ لأن الأصغر يندرج في الأكبر، وسبق بحث هذه المسألة في كتابي موسوعة الطهارة.
وكذلك لو نوى إحرامه للحج والعمرة جميعًا صح نسكه، وكانت أفعال النسك لهما، وهذان مثالان في الجمع بين فريضتين بنية واحدة.
стр. 2905
قال السيوطي: «وما عدا ذلك، إذا نوى فرضين بطلا، إلا إذا أحرم بحجتين أو عمرتين، فإنه ينعقد واحدة … » (١).
وينظر هل يستدرك على السيوطي تداخل طواف الإفاضة وطواف الوداع، فالأول ركن، والآخر واجب؟
مثال آخر على صحة التداخل:
من ذلك لو نوى في صيامه: تحصيل فضيلة صيام الست من شوال، وصيام الاثنين، وكونه من أيام البيض، حصلت له ثواب هذه العبادات الثلاث.
[م-٤٠٠] ومنها لو نوى بغسله الجنابة والجمعة:
قال الحنفية والمالكية والحنابلة: يحصلان له جميعًا، وهو الصحيح في مذهب الشافعية (٢).
قال ابن عبد البر في الاستذكار: «أجمعوا على أن من اغتسل ينوي غسل الجنابة والجمعة جميعًا في وقت الرواح، أنه يجزيه منهما جميعًا، ولا يضره اشتراك النية في ذلك، إلا قومًا من أهل الظاهر، وبعض المتأخرين، فإنهم شذوا، فأفسدوا الغسل إذا اشترك فيه الفرض والنفل، وهذا لا وجه له» (٣).
وقال السيوطي: «نوى بغسله غسل الجنابة والجمعة، حصلا جميعًا على
стр. 2906
الصحيح، وفيه وجه. والفرق بينه وبين التحية حيث لم يَجْرِ فيها أنها تحصل ضمنًا، ولو لم ينْوِهَا، وهذا بخلافها» (١).
وقال داود وابن حزم: «لا بد من غسلين، فإن جمعهما بنية واحدة لم يجزئه عن واحد منهما، واختاره بعض المالكية، وهو وجه في مذهب الشافعية» (٢).
• حجة الجمهور:
الدليل الأول:
حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه: … وإنما لكل امرئ ما نوى.
стр. 2907
متفق عليه.
وجه الاستدلال:
منطوق الحديث: أن له ما نواه، ومفهومه: أن الشيء إذا لم ينَوْهِ فليس له.
الدليل الثاني:
(ح-٩٨٩) ما رواه أحمد من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي، حدثني حسان بن عيطة، حدثني أبو الأشعث الصنعاني،
حدثني أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى، ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها وقيامها.
[غريب الإسناد، غريب المتن، تفرد به أبو الأشعث، عن أوس] (١).
فقد فسر وكيع الحديث عند الترمذي: (اغتسل) هو (وغسل) امرأته. اه فاجتمع له بغسل واحد، غسل الجنابة، والجمعة.
وفسره ابن المبارك عنده أيضًا: غسل رأسه واغتسل.
• ويناقش:
بأن الأجر المرتب عليه مبالغ فيه جدًّا، فإن كل خطوة يكتب فيها أجر سنة صيامها وقيامها كثير على عمل يسير، يعد من الوسائل، وقد خالف حديث أوس حديث سلمان وحديث أبي هريرة، والأول في البخاري (٢)، والآخر في مسلم (٣).
стр. 2908
الدليل الثالث:
من الإجماع، قال ابن قدامة في المغني: «فإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلًا واحدًا ونواهما، أجزأه، ولا نعلم فيه خلافًا» (١).
وقال أبو الحسن القطان: «وأجمعوا أن من اغتسل ينوي الجنابة والجمعة جميعًا في وقت الرواح، أن ذلك يجزئ منهما معًا، وأن اشتراك النية في ذلك لا يقدح في غسل الجنابة، إلا من شذ من أهل الظاهر، فإنه أبطل الغسل؛ لاشتراك نية الفرض والنفل» (٢).
ولا يصح الإجماع، والخلاف محفوظ في مذهب المالكية والشافعية.
الدليل الرابع:
ولأن المقصود من غسل الجنابة رفع الحدث، ومن غسل الجمعة النطافة،
стр. 2909
ولا منافاة بين المقصودين، فالطهارات مبناها على التداخل.
الدليل الخامس:
القياس على الرجل إذا أحرم بالصلاة ينوي بها الفرض والتحية.
فإن قيل: إن غسل الجمعة غسل مقصود بخلاف تحية المسجد (١).
فيقال: إن غسل الجمعة لا يقصد لذاته، لأنه طهارة لا يقصد بها رفع الحدث، ولا إزالة النجاسة وإنما قصد بها إزالة التفث، والرائحة الكريهة، وهو حاصل بمجرد غسل الجنابة، ولو لم يَنْوِ، وإنما طلبت النية لترتب الثواب، والله أعلم.
• وجه من قال: لا يجزئ عن واحد منهما:
أن المكلف مأمور بغسل تام للجنابة، وكذا الجمعة، وفي جعل الغسل مشتركًا لا يكون آتيًا بما أُمِرَ به في واحد منهما، والغسل لا ينقسم، فبطل عمله.
ولأن كل واحد منهما مقصود لذاته، فلا يتداخلان.
ولأن نية الفرض منافية لنية غسل الجمعة ومعنى التنافي أن الفرض لا يجوز تركه، والنفل يجوز تركه.
وليس هذا من التنافي بشيء، فالتنافي أن تكون نية أحدهما مبطلة لنية الآخر طاردة لها، كإرادة الآخرة والدنيا فيما يراد به الآخرة فقط.
فإن اعترض: بأن غسل الجنابة يجزئ عن الوضوء الواجب من غير أن ينويه، فكيف لا يجزئ عن غسل الجمعة، وهو سنة؟ فإذا أجزأ عن الأعلى، أجزأ عن الأدنى.
فالجواب: أن الوضوء بعض أجزاء الجنابة، والأقل تابع للأكثر، وغسل الجمعة في كل أعضاء الجنابة فافترقا، وقبل هذا وذاك ورود النص.
وقيل: يجزئه الغسل عن الجمعة دون الجنابة، اختاره بعض المالكية (٢).
• وجه هذا القول:
أن الغسل لما دخله التشريك أصبح ضعيفًا، فصح في أضعف الغسلين، وهو الجمعة.
стр. 2910
وقيل: يجزئه عن الجنابة فقط، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، فإذا اجتمعت نيتان على عمل واحد كان العمل للأقوى منهما.
جاء في البحر الرائق: «لو نوى الفرض، والتطوع جاز عن الفرض عند أبي يوسف؛ لأن الفرض أقوى من النفل، فلا يعارضه، فتلغو نية النفل، وتبقى نية الفرض» (١).
[م-٤٠١] وإذا اغتسل للجنابة، ولم يَنْوِ الجمعة، فهل يجزئ عن غسل الجمعة؟
قال مالك: لا يكون مغتسلًا للجمعة، وقال الشيرازي: وهو أصح القولين في مذهب الشافعية، وقال النووي: الأظهر عند الأكثرين: لا تحصل (٢).
لحديث: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. متفق عليه.
وقيل: يجزئه، وهو المشهور عند الحنابلة، وأحد القولين في مذهب الشافعية واختاره المزني (٣).
لأنه مغتسل، فيدخل في عموم الحديث.
ولأن المقصود التنظيف، وهو حاصل بهذا الغسل.
وقد روي في بعض الحديث: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة. فيصدق عليه أنه اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة.
ولأن اشتراط النية إنما يكون في طهارة الحدث، وأما طهارة النجاسة فلا تشترط لها النية على الصحيح، ومن باب أولى أن تكون طهارة النظافة لا تشترط لها النية، لأنها طهارة من شيء طاهر، كعرق ووسخ ونحوه، فتحصل بمجرد الاغتسال.
• الراجح من الخلاف:
أرى أن قول الفقهاء: حصلا له جميعًا، إن كانوا يريدون به سقوط غسل