وقال الشافعية والحنابلة: لا يصح ظهره، قال الشافعية: ولو كان مخطئًا (١).
وفرضه الرافعي في العالِم، فلا يضر في الغلط، وتبعه النووي وأيده الإسنوي (٢).
• وحجة الشافعية:
أن نية الظهر تستلزم أربعًا، فكانت نية الظهر تشتمل على العدد جملة، وما وجب التعرض له جملة يضر الخطأ فيه.
وفيه نقاش: فإذا كان لازم القول لا يلزم القائل، فكذا لازم النية من باب أولى، فهناك فرق بين الشيء وبين لازمه، والله أعلم.
• والراجح:
أن نية عدد الركعات ليس بشرط، والخطأ في العدد لا يؤثر على صحة الصلاة، فكأنه لم يَنْوِ، والعبرة بما في القلب، والله أعلم.
* * *
стр. 2942
المبحث الثامن في اشتراط إضافة الفعل لله تعالى
المدخل إلى المسألة:
• لا فرق بين أن ينوي الصلاة، أو ينوي الصلاة لله؛ لأن المصلي لا يصلي لغير الله.
العبادات لما كانت لا تصرف إلا لله لم تحتج إلى نية إضافتها إلى الله، فلا حاجة إلى تمييز بين ما يقع لله، وبين ما يقع لغيره.
• إرادة الله مستصحبة حكمًا في جميع العبادات، فمن لازم إرادة العبادة إرادة الله، والدار الآخرة.
[م-٤١٢] اختلف الفقهاء في اشتراط نية الصلاة لله:
فقيل: لا يشترط، وهو مذهب الجمهور، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية والحنابلة (١).
جاء في البحر الرائق: «ولا فرق بين أن ينوي الصلاة، أو الصلاة لله؛ لأن المصلي لا يصلي لغير الله» (٢).
واستحب المالكية والشافعية والحنابلة نية القربة، ورأى المالكية بأن
стр. 2943
الاستحباب من أجل طلب الكمال.
وعلل الشافعية والحنابلة الاستحباب للخروج من الخلاف (١).
وذكر المالكية أن صفة الكمال في النية ما اشتمل على أربع نيات
وهي: اعتقاد القربة، واعتقاد الوجوب، واعتقاد القصد إلى الأداء، وتعيين الصلاة، وإلا فيجزئه إذا عين الصلاة؛ لأن التعيين يقتضي الوجوب والقربة، والأداء» (٢).
وقال الشافعية فيمن قال له إنسان: صَلِّ الظهر، ولك دينار، فصلى بهذه النية أنه تجزيه صلاته، ولا يستحق الدينار (٣).
قال ابن نجيم الحنفي معلقًا: «وَلَمْ أَرَ مثله لأصحابنا، وينبغي على قواعدنا أن يكون كذلك» (٤).
وقيل: نية الصلاة لله تعالى شرط، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره ابن القاص منهم، ووجه عند الحنابلة (٥).
وتعليل الاشتراط: ليتحقق معنى الإخلاص (٦).
وحكى الحنابلة قولًا ثالثًا، فقالوا: يشترط في الصلاة والصوم دون الطهارة والتيمم (٧).
• وجه الفرق بينهما:
ذكر في المبدع: أن الصلاة والصيام تقصد لعينها دون الطهارة (٨).
والراجح القول الأول؛ لأن العبادات لما كانت لا تصرف إلا لله لم تحتج إلى
стр. 2944
نية تميز بين ما يقع لله، وبين ما يقع لغيره، فمن لازم إرادة العبادة إرادة الآخرة لهذا لم يشترط الفقهاء استصحاب ذكر هذه النية لقراءة القرآن، فكذلك الصلاة، وإن كانت إرادة وجه الله مستصحبة حكمًا في جميع العبادات، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
* * *
стр. 2945
المبحث التاسع في اشتراط نية الإعادة في الصلاة المعادة
المدخل إلى المسألة:
• شروط العبادة توقيفية، لأن الأصل عدم الاشتراط.
• إذا لم تشترط نية الفرضية، لم تشترط نية الإعادة.
• حقيقة الإعادة إيجاد الشيء مرة ثانية على صفته الأولى، وذلك لا يتوقف على نية الإعادة.
• لا تُتَصوَّر الإعادة في النفل المطلق؛ لأن مثله لا يفوت حتى يستدرك.
[م-٤١٣] لا تشترط نية الإعادة في الصلاة المعادة، سواء أكانت الإعادة واجبة، أم كانت مستحبة، وهو مذهب الجمهور والراجح عند الشافعية.
لأن حقيقة الإعادة إيجاد الشيء مرة ثانية على صفته الأولى، ولا يتوقف ذلك على نية الإعادة (١).
جاء في حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج: «لا يشترط في صحة الصلاة المعادة ملاحظة الإعادة لما هو فرض، ولا نية ما هو فرض صورة، ولا ما هو فرض في الجملة» (٢).
ولأن الغاية من النية هو التمييز، وتعيين الصلاة كافٍ في حصول التمييز، سواء
стр. 2946
أكانت الإعادة واجبة أم كانت مستحبة.
ولا تُتَصوَّر الإعادة في نفل مطلق؛ لأن النفل المطلق لا يفوت حتى يستدرك.
وإذا كانت لا تشترط نية الفرضية كما سبق بحثه فكذلك نية الإعادة أولى بعدم الاشتراط.
وقيل: يشترط قصد الإعادة في الصلاة المعادة، وهو قول في مذهب الشافعية (١).
• وجه القول باشتراط قصد الإعادة:
أن الظهر قد يصليها الرجل فرضًا، وقد يصليها إعادة، كما لو صلى الظهر، ثم دخل مسجدًا، فوجدهم يصلون، فأراد أن يعيد الصلاة، فإنه لا يحصل التمييز بين الصلاتين إلا أن يصلي الأولى بنية الفرضية، ويصلي الثانية بقصد الإعادة.
وقد بينت فيما سبق أن نية الفرضية لا تجب على الصحيح، والشافعية قد اختلفوا في نية الفرضية في الصلاة المعادة، فمنهم من قال: يشترط نية الفرضية حتى في الصلاة المعادة، واستشكله السيوطي، قال في الأشباه والنظائر:
«من المشكل ما صححه الأكثرون في الصلاة المعادة أن ينوي بها الفرض مع قولهم بأن الفرض الأولى، ولذلك اختار في زوائد الروضة، وشرح المهذب قول إمام الحرمين: إنه ينوي للظهر أو العصر مثلًا، ولا يتعرض للفرض. قال في شرح المهذب: وهو الذي تقتضيه القواعد والأدلة. وقال السبكي: لعل مراد الأكثرين أنه ينوي إعادة الصلاة المفروضة، حتى لا يكون نفلًا مبتدَأً» (٢).
وهذا يشبه ما قاله الرافعي، وتبعه جماعة من الشافعية في صلاة الصبي: يشترط أن ينوي الفرضية، وكل هذا التفاصيل هي أقوال مرجوحة، وتعيين الصلاة كافٍ في حصول المقصود، والله أعلم.
* * *
стр. 2947
الفصل الخامس في أقسام النية
المدخل إلى المسألة:
• النية الحكمية كالنية الفعلية.
• الذهول عن النية لا يقطع حكمها.
• الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا عقد المصلي النية استصحب حكمها كما لو كانت النية مقارنة؛ حتى يقطعها، أو يأتي بما ينافيها.
[م-٤١٤] تنقسم النية إلى أقسام: نتعرض فيها إلى ما يخصنا في باب الفقه، فقد قسمها الفقهاء إلى قسمين:
نية فعلية موجودة: وهي النية التي يأتي بها الإنسان في أول العبادة، كنية الوضوء، والصلاة، والصيام، ونحوها.
نية حكمية: وذلك أن النية إذا أتى بها الإنسان، ثم ذهل عنها، فهي تسمى نية حكمية، بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها، فالإخلاص، والإيمان، والنفاق والرياء، وجميع هذه الأنواع من أحوال القلوب إذا شرع فيها، واتصف القلب بها، كانت نية فعلية، ثم إذا ذهل عنها حَكَمَ صاحبُ الشرعِ ببقاء أحكامها لمن اتصف بها.
وهو ما يطلق عليه الفقهاء بقولهم: يجب استصحاب حكم النية، ولا يجب استصحاب ذكرها.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]، مع أنه يوم القيامة لا يكون أحد مجرمًا، ولا كافرًا؛ لظهور الحقائق (١).
قال في مواهب الجليل: «إن النية تنقسم بحسب ما يعرض لها إلى قسمين
стр. 2948
فعلية موجودة، وحكمية معدومة، فإذا كان في أول العبادة، فهذه نية فعلية، ثم إذا ذُهِلَ عنها فهي نية حكمية، بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها» (١).
قال القرافي في الفرق السادس والعشرين: «فتاوى علمائنا متضافرة على أنها من الواجبات -يعني الطهارة وستر العورة والاستقبال- مع أن المكلف لو توضأ قبل الوقت، واستتر، واستقبل القبلة، ثم جاء الوقت، وهو على هذه الصورة، وصلى من غير أن يجدد فعلًا في هذه الثلاثة أجزأته صلاته إجماعًا، والله تعالى أعلم» (٢).
* * *
стр. 2949
الفصل السادس في مبطلات النية
المبحث الأول في قطع النية
المدخل إلى المسألة:
• كل عبادة لا تفتقر إلى نية خاصة لا تتأثر بنية القطع، فلو نوى قطع قراءة الفاتحة، ولم يقطعها لم يضره؛ لأنه من حديث النفس.
• الرجل إذا نوى الكفر بقلبه كان كافرًا، وإن لم يتلفظ بلسانه؛ لأن الرضا بالكفر كفر، ولأن نية الاستدامة في الإيمان شرط.
• إذا نوى الرجل الإيمان في قلبه، فلا يكون مؤمنًا حتى يتلفظ بلسانه.
• لا تأثير لرفض النية في النسك مطلقًا، لا في أثناء النسك، ولا بعده.
• رفض نية العبادة في أثنائها يبطلها، خاصة إذا كان آخرها يبنى على أولها كالصلاة.
• رفض النية بعد الفراغ من العبادة لا يبطلها.
[م-٤١٥] تكلم الفقهاء في تأثير رفض النية على صحة العبادة، ولا يمكن استقصاء البحث في جميع فروع العبادات؛ لأننا لو سلكنا هذا السبيل لخرج بنا ذلك عن بحثنا في أحكام الصلاة، وإنما أريد أن أنتخب من العبادات ما يكشف عن أصول كل مذهب، كالإيمان والطهارة، والصلاة، والصيام والحج، أربعة من هذه معدودة من أركان الإسلام، والخامس شرط للصلاة.
стр. 2950
• في قطع النية في العبادات التي لا تفتقر في صحتها إلى نية:
قال الشافعية والحنابلة: كل عبادة لا تفتقر إلى نية خاصة، لا تتأثر بنية القطع فلو نوى قطع قراءة الفاتحة، ولم يقطعها لم يضره؛ لأنه من حديث النفس.
قال الإسنوي: «ومقتضاه أن نية قطع الركوع أو غيره من الأركان لا تؤثر، وهي مسألة مهمة» (١).
وذكر الزركشي في القواعد: أن المسافر ينوي الإقامة يصير مقيمًا بمجرد النية؛ لأنها الأصل، بخلاف السفر فلا يحصل إلا بالنية والفعل (٢).
• في قطع نية الإيمان بالله:
اتفقوا على أن قطع نية الإيمان يكون مرتدًّا والعياذ بالله (٣).
قال مالك كما في تفسير القرطبي: «إن الرجل إذا نوى الكفر بقلبه كان كافرًا، وإن لم يتلفظ بلسانه، وأما إذا نوى الإيمان في قلبه فلا يكون مؤمنًا بحال حتى يتلفظ بلسانه» (٤).
стр. 2951
وإنما كان كافرًا؛ لأن الرضى بكفر نفسه كفر بالإجماع، ولأن نية الاستدامة في الإيمان شرط.
ولا يؤاخذ بالوسواس القهري في الإيمان لما فيه من الحرج (١).
واختلفوا في غير الإيمان من العبادات:
فذهب الحنفية بأن رفض نية العبادة لا يبطلها مطلقًا، لا فرق بين النسك وغيره، في أثناء العبادة أو بعد الفراغ منها.
وطرد الظاهرية أصلهم، فلم يفرقوا بين العبادات، وإنما كان تفريقهم بين قطع النية في أثناء العبادة فيبطلها مطلقًا، لا فرق فيه بين النسك وغيره، وبين قطعها بعد الفراغ منها، فلا تأثير له مطلقًا.
وذهب الجمهور إلى التفريق بين النسك وبين غيره من العبادات، فقالوا: رفض نية الإحرام لا تأثير له مطلقًا، لا في أثناء النسك، ولا بعد الفراغ منه، وسيأتي إن شاء الله ذكر الأدلة، المهم الآن هو معرفة كلام الفقهاء في الإبطال من حيث الإجمال.
فانتهى الكلام في النسك إلى قولين: بين الجمهور الذي يرى أن النسك لا تأثير لرفض النية فيه مطلقًا.
وبين الظاهرية الذين يرون النسك كغيره، فإن كان في أثناء العبادة بطل، أو كان ذلك الرفض بعدها لم يبطل.
وأما الحنفية فذهبوا إلى أن رفض نية العبادة ليس مبطلًا لها مطلقًا، لا في أثناء العبادة، ولا بعدها، فلا حاجة للقول بأن الوضوء والغسل لا يفتقران إلى نية عند الحنفية، فلا تؤثر نية القطع؛ لأنهم لا يفرقون في الحكم بين ما يفتقر إلى نية وبين غيره، فالجميع عندهم لا يبطل إذا نوى قطعه بمجرد النية.
وبهذا نكون قد وقفنا على معرفة مذهب الظاهرية، ومذهب الحنفية، ومعرفة حكم قطع نية الإيمان والخلاف في النسك، وتوثيق الأدلة والأقوال سنأتي عليها إن شاء الله، المهم عندي قبل ذلك تصور الأقوال عند كل مذهب.
стр. 2952
بقي أن نستعرض المذاهب الثلاثة: المالكية والشافعية الحنابلة في تأثير قطع النية في الطهارة والصلاة والصيام، وسوف نعرض أقوالهم في قطع النية في أثناء العبادة، ثم نذكر اختلافهم في قطعها بعد الفراغ منها.
• في قطع نية الصلاة:
لم يختلف الجمهور أنه إذا نوى قطع نية الصلاة في أثناء العبادة بطلت، وهذا متفق عليه بين المالكية، والشافعية، والحنابلة، ولولا خلاف الحنفية لقيل إنه إجماع.
كما اتفق المالكية، والشافعية، وهو رواية عن أحمد، على أن قطع نية الوضوء لا يبطل ما مضى من غسل بعض أعضاء الطهارة، وأن له البناء على ما مضى، إن عاد عن قرب، وأكمل الطهارة بنية رفع الحدث.
وألحق الشافعية الغسل بالوضوء.
واختلفوا في الصيام:
فألحق المالكية والحنابلة الصيام بالصلاة، فإذا قطع نية الصوم في أثناء الصوم بطل صومه، وبه قال بعض الشافعية.
وقال أكثر الشافعية، وبعض المالكية، وابن حامد من الحنابلة: لا يبطل الصيام بنية قطعه.
وسبب اختلافهم في الصيام تردد الصيام بين الصلاة والحج.
فمن رأى أن الصيام إذا أفسده لزمه الإمساك بقية النهار، ويقضيه، كان في شبه بالحج إذا فسد، حيث يمضي في فاسده، ويقضيه، لهذا قالوا: لا تأثير لرفضه.
ومن رأى أن الصيام نية، رأى أن قطعها إبطال للصيام، فألحقه بالصلاة.
وتقدم مذهب الحنفية أنهم لا يبطلون العبادات بقطع النية.
هذا خلافهم في هذه العبادات إذا قطع النية في أثناء أدائها.
وأما اختلافهم في إبطال نية هذه العبادات بعد كمالها، ففيها ثلاثة أقوال:
فقيل: ببطل الصلاة، والصيام، والطهارة، إذا رفض النية، ولو بعد الفراغ منها، وهو قول في مذهب المالكية، اختاره القرافي وغيره.
وقيل: لا تبطل هذه العبادات بعد الفراغ منها، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
стр. 2953
وقيل: بالتفريق بين الوضوء وبين الصلاة والصيام:
فيبطل الوضوء إذا قطع نيته ولو بعد كماله، ولا تبطل الصلاة والصيام، وهو قول في مذهب المالكية.
• وسبب التفريق بين هذه العبادات:
أن العبادات إذا لم يفرغ منها حَسًّا، ولا حكمًا كان قطع النية في العبادة مبطلًا لها، كما لو قطع النية في أثناء العبادة.
وإذا فرغ منها حِسًّا وحكمًا فلا تأثير لرفض النية بعد ذلك، كالصلاة، والصيام.
وأما الوضوء، فإنه وإن انتهى منه حِسًّا، فحكمه باقٍ، وهو استصحاب رفع الحدث إلى أن يحدث موجب جديد للطهارة، لذلك كان رفضه بعد الفراغ منه بمنزلة قطع النية في أثنائه.
والراجح في هذا الخلاف أن قطع النية على أربعة أقسام:
قسم يبطل بمجرد قطع النية، وهو الإسلام.
وقسم لا يبطل بذلك مطلقًا، وهو الحج العمرة.
وقسم يبطل إن قطع النية في أثناء العبادة، ولا يبطل بعد الفراغ منها، كالصلاة والصيام، وقيل الطهارة مثلها على الصحيح.
وقيل: إذا قطع النية في أثناء الطهارة لم يبطل ما مضى منه لكن يحتاج الباقي إلى تجديد نية.
هذا مجمل الخلاف بين الفقهاء، وسوف نعرض لهذه المسائل مسألة مسألة، ونذكر أدلتها بعد أن وقفنا على الخلاف فيها مجملًا، فإذا عرفت كيف بنى كل مذهب أصله في الإبطال استطعت أن تفرع عليه باقي المسائل، ولله الحمد.
* * *
стр. 2954
الفرع الأول في قطع نية النسك
المدخل إلى المسألة:
• ارتكاب محظورات الإحرام لا تفسده، بخلاف الصلاة والصيام وغيرهما، فلو حلق أو تطيب، أو ترك شيئًا من نسكه كالرمي أو المبيت لم يبطل حجه، وهذا يدل على تطلع الشارع إلى المضي فيه، وإتمامه.
• إذا كان النسك لا ينتفي مع ما يفسده لم يَنْتَفِ مع ما يضاده، فلا تأثير لرفضه.
[م-٤١٦] رفض نية الإحرام في الحج والعمرة لا تأثير له مطلقًا لا في أثناء النسك، ولا بعد الفراغ منه، لأنه لا يخرج منه برفضه ولا بإفساده، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١).
جاء في مواهب الجليل: «الإحرام … لا يرتفض، ولو رفضه في أثنائه، ولم أَرَ في هذا خلافًا، وهو مذهب الكافة، وهو مذهب مالك والأئمة، وخالف داود الظاهري، فقال: يرفض إحرامه» (٢).
وقال سند المالكي في كتاب الحج: «مذهب الكافة أنه لا يرفض، وهو بَاقٍ على حكم إحرامه، وقال داود: يرتفض إحرامه» (٣).
стр. 2955
وخالف الظاهرية، فقالوا إذا قطع نيته بطل حجه، وإذا أفسد حجه بارتكاب مفسد خرج منه، كسائر العبادات، ولا يجب المضي بفاسده، ولا يجب قضاؤه، فإن كان لم يحج من قبل كان عليه حجة الإسلام ابتداءً، لا قضاءً (١).
• دليل الجمهور على أن قطع النية لا أثر له في النسك:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الدليل الثاني:
مخالفة الحج غيره من العبادات دليل على أن رفض النية لا يخرج المحرم من إحرامه، من ذلك:
أن ارتكاب محظورات الإحرام لا تفسده، بخلاف الصلاة والصيام وغيرهما، فلو حلق رأسه، أو تطيب، أو ترك شيئًا من نسكه كما لو ترك الرمي أو المبيت بمنى لم يبطل حجه، وهذا يدل على تطلع الشارع إلى المضي فيه، وإتمامه، فإذا كان النسك لا ينتفي مع ما يفسده، لم يَنْتَفِ مع ما يضاده، بل ذهب الجمهور إلى أنه لو أفسده بالجماع قبل التحلل الأول لم يخرج منه، ويجب أن يمضي في فاسده، ويقضيه، وهو دليل على أنه لا يخرج منه بمجرد إبطال نيته.
ويصح الإحرام بالمبهم، كما لو أحرم بما أحرم به فلان.
ولو أحرم بنفل، ولم يكن حج قبل ذلك انقلب فرضًا عند الشافعية والحنابلة، مع أنه لم ينوه، فقام النفل في النسك مقام الفرض.
ويصح قلب النسك إلى نسك أفضل بعد التلبس بالإحرام، كما أمر الرسول ﷺ أصحابه ممن أحرم قارنًا ولم يَسُقْ الهَدْيَ أن يتحلل، ويقلبها عمرة، وجاز إدخال نسك على نسك آخر للعذر، كما أدخلت عائشة الحج على العمرة حين حاضت، وخشيت أن يفوتها الحج، ولا يتصور صحة مثل هذا في غير الحج، كل هذا مما يغاير به الحج غيره من العبادات، لهذا رأى الأئمة الأربعة أن
стр. 2956
رفض النسك في أثناء الإحرام لا تأثير له.
الدليل الثالث:
الإجماع، قال النووي: «إذا قطع نية الحج، ونوى الخروج منه في أثنائه فلا ينقطع، ولا يخرج بلا خلاف … » (١).
وكأنهم لا يعتدون بخلاف داود إذا انفرد، ولذلك تقدم قول الحطاب: «ولم أر في هذا خلافًا، وهو مذهب الكافة، وهو مذهب مالك والأئمة، وخالف داود الظاهري، فقال: يرفض إحرامه» (٢).
والصحيح الاعتداد به، فإنه من جملة المسلمين، وليست مسألتنا هذه مبنية على القياس، حتى يقال: ما بني على ضعيف فهو ضعيف، واستثناء الحج على خلاف الأصل، ولا يلزم من الاعتداد بخلافهم الأخذ به إذا كان ضعيفًا.
• دليل الظاهرية على بطلان النسك بقطع النية:
قالوا: إن النية شرط في العبادات كلها، فإذا قطعت النية في أثناء العمل بطل العمل، لقوله ﷺ : إنما الأعمال بالنيات. متفق عليه.
ولأن ارتكاب المفسد داخل العبادة يفسدها، فلا يجب المضي في الحج الفاسد، كما لا يجب المضي في الصلاة إذا أفسدها، وهكذا سائر العبادات، والله أعلم.
• الراجح:
قول الظاهرية وإن كان مطردًا، وهو الأصل، وأن الأصل عدم التفريق بين العبادات في تأثير إبطال النية، فالعمل بعد الفراغ منه خرج من عهدة العبد إلى حكم الرَّبِّ، لكني أرى أن قول الجمهور أقوى؛ لأن النسك خالف غيره من العبادات في كثير من الأحكام، والله أعلم.
* * *
стр. 2957
الفرع الثاني في قطع نية الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• يجب استصحاب حكم نية الصلاة من أول العبادة إلى آخرها، وهذا بالاتفاق، فإذا قطع نية العبادة في أثناء الصلاة بطلت؛ لانقطاع النية المستصحبة.
• إذا قطع الرجل نيته في العبادة فإن خرج منها بطلت لعدم إتمامها، وإن أتمها بغير نية الامتثال الشرعي لم يَأْتِ بها على الأمر المشروع، كما لو أتم الوضوء بنية التبرد.
• إذا فرغ المكلف من العبادة على الوجه المأمور به شرعًا سقط عنه التكليف بفعله، فمن ادعى أن التكليف يرجع مرة أخرى بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل.
[م-٤١٧] قطع نية الصلاة: إن كان على ظن التمام فهذا لا يفسدها إذا تبين أنها لم تتم، وله أن يبني عليها، ولا يلزمه الاستئناف (١).
وفي تسمية مثل ذلك قطعًا فيه بحث، فالمصلي لم يَنْوِ القطع.
وأما إذا نوى القطع، وهو يعلم، فاختلف الفقهاء في أثر تلك النية على فساد الصلاة:
فقال الحنفية: إن نوى قطع الصلاة لم تبطل، وكذا سائر العبادات، إلا إذا كبر في الصلاة بنية الدخول في أخرى، فالتكبير هو القاطع للأولى، لا مجرد النية (٢).
وقال الجمهور: إن نوى قطع الصلاة في أثناء العبادة بطلت، وبعد الفراغ منها لا تأثير لرفض النية (٣).
стр. 2958
وذهب بعض المالكية إلى إبطال بعض العبادات برفض النية، ولو بعد الفراغ منها، ومنها الصلاة (١).
فتحصل الخلاف في إبطال الصلاة بقطع النية إلى ثلاثة أقوال:
- لا تبطل مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية.
- تبطل مطلقًا، اختاره بعض المالكية.
- تبطل إن قطعها في أثناء العبادة، ولا تبطل بعد الفراغ منها، وهذا قول الجمهور.
• دليل الحنفية على أن قطع نية الصلاة لا يبطلها:
أن نية القطع من حديث النفس.
(ح-٩٩٥) فقد روى البخاري من طريق هشام، حدثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم (٢).
• دليل الجمهور على إبطال الصلاة إذا نوى القطع في أثنائها:
الدليل الأول:
يجب استصحاب حكم نية الصلاة من أول العبادة إلى آخرها، وهذا بالاتفاق، فإذا قطع نية العبادة في أثناء الصلاة بطلت؛ لانقطاع النية المستصحبة.
стр. 2959
الدليل الثاني:
ولأنه إذا قطع النية في أثنائها بقي الباقي بغير نية، فبطل الباقي، وإذا بطل بعض الصلاة بطل سائرها.
الدليل الثالث:
ولأن النية: عزم على الفعل، ورفض النية عزم على الترك، وقصد الفعل وتركه متضادان، فكان الرفض مبطلًا للعبادة.
الدليل الرابع:
ولأنه إن خرج عن العمل فقد بطل؛ لعدم إكماله، وإن أتمه بغير نية الامتثال الشرعي لم يَأْتِ به على الأمر المشروع، كما لو أتم الوضوء بنية التبرد.
• دليل الجمهور على عدم إبطال العبادة بعد الفراغ منها:
الدليل الأول:
قالوا: إن ما حصل يستحيل رفعه.
• ويناقش:
إن قصدوا بقولهم: يستحيل رفعه، يعني رفع حقيقة ما وقع، فهذا مسلَّم، ولا يختص هذا بإبطال النية، بل إن النسيان والخطأ يستحيل رفعهما إذا وقعا.
وإن قصدوا بأنه يستحيل إبطال حكم العبادة بعد أن وقعت صحيحة، بحيث يعطى الموجود حكم المعدوم، فهذه دعوى في محل النزاع، فالردة تبطل الأعمال كلها بعد وقوعها، والحكم بصحتها.
وإن كان المستحيل شيئًا آخر غيرهما، فلا أدري ما هو؟
• ويناقش:
بأن الردة خروج من الإسلام الذي هو شرط في دوام صحة العمل، فلا يقاس على الردة غيرها، ولذلك إذا عاد الإسلام عاد له جميع ما فعله من العبادات، فلو كان قد حج قبل ردته، ثم رجع إلى الإسلام لم يكلف إعادة الحج على الصحيح.
стр. 2960
الدليل الثاني:
أن العلماء مجمعون على أن المكلف إذا قام بالعمل على الوجه المأمور به شرعًا حتى فرغ منه فقد سقط عنه التكليف بفعله.
قال ابن راشد المالكي: «فمن ادعى أن التكليف يرجع مرة أخرى بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل» (١).
وهذا من أقوى الأدلة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
حكى بعض العلماء الإجماع على بطلان الصلاة إذا قطع النية في أثنائها، كما حكى الإجماع على أنها لا تبطل بقطع النية بعد الفراغ منها.
قال النووي: «لو نوى قطع الصلاة بعد السلام منها فإنها لا تبطل بالإجماع» (٢).
قال السيوطي في الأشباه والنظائر: «نَوَى قطع الصلاة بعد الفراغ منها، لم تبطل بالإجماع، وكذا سائر العبادات وفي الطهارة وجه لأن حكمها بَاقٍ بعد الفراغ.
نوى قطع الصلاة أثناءها، بطلت بلا خلاف؛ لأنها شبيهة بالإيمان» (٣).
وفي حكاية الإجماع نظر، وهناك قول يراه بعض المالكية يذهب إلى إبطال الصلاة مطلقًا برفض النية، حتى ولو فرغ منها.
• دليل من قال: تبطل مطلقًا:
انظر دليلهم في مسألة إبطال الصيام بعد الفراغ منه، فالقائل ودليله واحد.
• الراجح:
ما ذهب إليه الجمهور، وأما حديث: إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدَّثَتْ به أنفسها، فليس هذا موضوعه، وإنما موضوعه ما جاء في رواية عند البخاري
стр. 2961
من طريق مسعر، عن قتادة به، بلفظ: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها) ولأن الذي قال هذا الحديث هو الذي قال في حديث عمر بن الخطاب ﵁: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فإذا نوى قطع الصلاة كان له ما نوى، والنية الجازمة التي هي شرط من شروط الصلاة، وقيل: ركن ليست من جنس الوساوس التي تعرض للنفس بلا قصد، والله أعلم.
* * *
стр. 2962
الفرع الثالث في قطع نية الصيام
المدخل إلى المسألة:
• الصيام نية، فالشروع فيه والخروج منه متوقف عليها، فلو أمسك عن المفطرات بلا نية لم يكن صائمًا بالإجماع، فكذلك إذا قطع نية الصيام لم يكن صائمًا؛ لأن النية شرط أداء الصوم.
• إذا فرغ من الصيام فرغ من نيته بالاتفاق، فإذا أراد قطع النية بعد ذلك لم يصادف القطع مَحِلًّا يؤثر فيه.
[م-٤١٨] اختلف الفقهاء في الصائم يقطع نية الصيام في أثناء الصوم:
فذهب المالكية والحنابلة وبعض الشافعية إلى أنه يفطر بذلك (١).
قال الحنابلة: صار كمن لم يَنْوِ، فلو كان في نفل، ثم عاد، فنواه جاز.
وقال أكثر الشافعية، وابن حبيب، وسحنون، وابن عبد البر من المالكية، وابن حامد من الحنابلة: لا يبطل صومه (٢).
وأما بعد الفراغ من الصيام:
فقيل: لا يبطل، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٣).
стр. 2963
وقيل: يبطل، وهو اختيار بعض المالكية (١).
وتقدم مذهب الحنفية أنهم لا يبطلون العبادات بقطع النية.
• حجة من قال: يبطل الصوم إذا قطع نيته في أثناء الصيام:
حديث عمر بن الخطاب ﵁: (وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه، فإذا نوى إبطال ما هو فيه من الصيام بطل.
ولأن كل عمل اشترط لصحته النية الفعلية اشترط لاستمراره على الصحة استصحاب حكمها (النية الحكمية)، وهذا بالاتفاق، فإذا قطعت النية الفعلية التي هي الأصل، قطع الاستصحاب الذي هو فرعها (النية الحكمية)، فكان الباقي من العمل خَلْوًا من النية الفعلية، ومن النية الحكمية (الاستصحاب)، فأوجب ذلك بطلان العمل.
ولأن الشروع في الصيام لا يستدعي فعلًا سوى نية الصيام، فكذلك الخروج منه، ولهذا لو أمسك عن المفطرات بلا نية لم يكن صائمًا بالإجماع، فكذلك إذا قطع نية الصيام لم يكن صائمًا؛ لأن النية شرط أداء الصوم، وقد أبدل النية بضدها، ومن دون الشرط لا تتأدى العبادة.
وإذا كان الصحيح بطلان الصلاة بقطع نيتها في أثنائها، فالصوم قياس عليها، وقد ذكرنا أدلتهم في الصلاة، فكل دليل استدللت به هناك على الصلاة فهو دليلهم هنا على الصيام.
• وأما دليلهم بعدم البطلان إذا قطع ذلك بعد الفراغ من العمل:
فَلِئنَّ الصائم إذا فرغ من الصيام فرغ من نيته ولا بد، لأن النية الفعلية والحكمية إنما تكون مصاحبة للعمل ما دام قائمًا، ولا يستصحب حكم النية بعد كمال العمل
стр. 2964
بالاتفاق، فإذا أراد قطع النية بعد ذلك لم يصادف القطع محلًّا يؤثر فيه، وإنما يؤثر قطع النية بعد العمل إذا كان هذا العمل مما يتطلب دوام استصحاب حكمه كالإيمان مثلًا، فإنه بعد نطق الشهادتين يجب عليه استصحاب حكمه على الدوام إلى أن يلقى الله، فإذا نوى قطعه خرج من الإسلام بخلاف الصيام، فإنه بعد الفراغ من الصيام انقطعت أحكامه بالنسبة إليه، فلا يبطله شيء ما بقي مسلمًا.
ولأن العلماء مجمعون على أن المكلف إذا قام بالعمل على الوجه المأمور به شرعًا حتى فرغ منه فقد سقط عنه التكليف بفعله.
قال ابن راشد المالكي: «فمن ادعى أن التكليف يرجع مرة أخرى بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل» (١).
ولأن الصيام إذا لم يفرغ منه حِسًّا، ولا حكمًا كان قطع النية مبطلًا له، وهكذا سائر العبادات إلا النسك كما تقدم.
وإذا فرغ من العبادة حِسًّا وحكمًا فلا تأثير لرفض النية بعد ذلك.
وإذا فرغ من العبادة حِسًا لا حكمًا فهو محل تردد، هل يغلب حكم انتهاء العبادة حسًا، أم يغلب بقاؤها حكمًا كالطهارة؟، وسيأتي بحثها إن شاء الله تعالى.
• حجة الشافعية في التفريق بين الصيام والصلاة:
لم يوافق الشافعية على قياس الصيام على الصلاة:
فالصيام ترك وإمساك، ولهذا لا يؤثر النوم في إبطال صومه، فضعفت فيه النية بخلاف الصلاة (٢).
قال القاضي حسين: «الفرق أن الصلاة قربة أعمال يباشرها، لا تصير عبادة إلا بالنية، فبطلت برفض النية، بخلاف الصوم، فإنه كَفٌّ وإمساكٌ، والكف والإمساك لا يحتاج حصولهما إلى النية، كالكف عن الزنا، وشرب الخمر .... فإن قيل: لو صح هذا المعنى لوجب ألا توجبوا أصل النية في الصوم.
стр. 2965
قلنا: لامتياز العادة عن العبادة؛ لأن ترك الأكل يشترك فيه العادة والعبادة، وتعيين النية ليحصل الإخلاص لله تعالى» (١).
ولأن الصيام عبادة يلزم المضي في فاسدها، فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج.
قال الزركشي: «وأما الصوم فهو فرع تَرَدَدَ بين أصلين: الصلاة، والحج، قال الرافعي: وألحقه الجمهور بالحج» (٢).
• حجة من قال: يبطل صومه بعد الفراع من العبادة:
هذا القول من أضعف الأقوال، ولم أجد له دليلًا لا ظاهرًا ولا صريحًا يدل على أن المكلف بقدرته إبطال أعماله الصالحة التي عملها، وفرغ منها بمجرد أن ينوي إبطالها، مع بقائه على الإسلام.
وإنما الذي ورد أن هذه الأعمال الحسنة لا تبطل إلا بأمرين:
إبطال حقيقي: وذلك يكون بالردة عن الإسلام؛ لأن شرط الثواب كونه مسلمًا، وفي خروجه من الإسلام بالردة حبط عمله إن لم يرجع إلى الإسلام قبل موته.
والأمر الثاني: إبطال ثمرة هذه الأعمال وذلك يكون بارتكاب المعاصي حتى يأتي يوم القيامة، وقد شتم هذا، وسرق هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى تفنى، كما جاء في السنة الصحيحة.
وكذلك الأعمال القبيحة، لا يذهب تبعتها إلا بالتوبة، أو برد الحقوق، أو بعفو الله ، وأما رفض النية فلا يذهب تلك الأعمال.
وقد حاول القرافي أن يستدل لهذا القول في كتابه البديع الفروق، فقال:
«رفض النيات في العبادات كالصلاة والصوم والحج والطهارة ورفع هذه العبادات بعد وقوعها في جميع ذلك قولان، والمشهور في الحج، والوضوء عدم الرفع، وفي الصلاة والصوم صحة الرفض، وذلك كله من المشكلات، فإن النية وقعت، وكذلك العبادة، فكيف يصح رفع الواقع؟ وكيف يصح القصد إلى المستحيل؟ بل النية واقعة قطعًا، والعبادة محققة جزمًا، فالقصد لرفض ذلك
стр. 2966
وإبطاله قصد للمستحيل، ورفع الواقع، وإخراج ما اندرج في الزمن الماضي منه، وكل ذلك مستحيل …
والجواب عنه أن ذلك من باب التقديرات الشرعية، بمعنى أن صاحب الشرع يقدر هذه النية، أو هذه العبادة في حكم ما لم يوجد، لا أنه يبطل وجودها المندرج في الزمن الماضي، بل يجري عليها الآن حكم عبادة أخرى لم توجد قط، وما لم يوجد قط يستأنف فعله، فيستأنف فعل هذه، فهي من قاعدة تقدير رفع الواقعات، لا من قاعدة رفع الواقعات.
فإن قلت: وأي دليل وجد في الشريعة يقتضي تمكن المكلف من هذا التقدير، وأن هذا التقدير يتحقق، ولو صح ذلك لتمكن المكلف من إسقاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمان الماضي بطريق التقدير، والقصد إليها، فيقصد الإنسان إبطال ما مضى له من جهاد، وهجرة، وسعي في طلب العلم وغير ذلك من الأعمال، بل يكون إذا قصد إلى إبطال ما تقدم له من الإيمان بمجرد القصد لعدم اعتباره من غير كفر، ولا ردة، ولا معنى من المعاني المنافية للإيمان أن يصير كافرًا غير مؤمن في الزمان الماضي، وأن حكم إيمانه المتقدم الآن حكم عدمه، وحكم جميع أعماله الصالحة كلها كذلك.
وكذلك يقصد إلى إبطال زناه، وسرقته، وحرابته، وأكله الربا، وأموال اليتامى وغير ذلك من المحاسن والقبائح، أن يصير حكمها الآن حكم المعدوم في الزمان الماضي، فيستريح من مؤاخذتها؛ لأن عدم المؤاخذة هي أثر هذا التقدير، وجميع ذلك لم يقل به، ولا قال فقيه بفتح هذا القياس، ولم نجده إلا في هذه المسائل الأربع وجميع ما يمكن أن يقال فيه من التعليل أمكن وجوده في جميع تلك الصور، أو في بعضها ولم يرد في هذه الصور الأربع نص يخصصها بهذا الحكم ويمنع من القياس عليها، بل المقرر في الشريعة، أن عدم اعتبار ما وقع في الزمن الماضي يتوقف على أسباب غير الرفض، كالإسلام يهدم ما قبله، والهجرة تهدم ما قبلها، وكذلك التوبة، والحج، وعكسها في الأعمال الصالحة لها ما يبطلها، وهي الردة، والنصوص دلت على اعتبار هذه الأسباب، أما الرفض فما نعلم أحدًا ذكر دليلًا
стр. 2967
شرعيًّا يقتضي اعتباره، وأن مجرد القصد مؤثر في الأعمال هذا التأثير.
قلت (القرافي): هذا سؤال حسن قوي متجه، ولم أجد شيئًا له اتجاه يقتضي اندفاعه على الوجه التام، فالأحسن الاعتراف به» (١).
• الراجح:
أن الصوم إن أبطله في أثناء الصوم بطل، وإن أراد رفعه بعد الفراغ منه فهذا ليس إليه، والله أعلم.
* * *
стр. 2968
الفرع الرابع في قطع نية الطهارة
المدخل إلى المسألة:
• الحدث إذا ارتفع لا يعود إلا بوجود سببه كالنوم، والبول، والجماع، ورفع النية ليس حدثًا، فقطع النية لا يبطل الطهارة.
• هناك فرق بين رفض الوضوء ونقضه: فالنقض تجدد موجب جديد للطهارة، من بول، أو نوم، أو وطء، وهذا مبطل بالإجماع، بخلاف الرفض فإنه رفع له بعد وقوعه بلا ناقض طارئ.
• القول بتفريق النية على أعضاء الوضوء لا يعرف له أصل من الكتاب أو السنة، أو من كلام الصحابة، وإن قال به بعض المحققين.
• كل عبادة تشترط لها الطهارة يشترط لها كمالها، فلا يجوز مس المصحف حتى يكمل الطهارة، وهو دليل على أن الحدث لا يرتفع عن كل عضو بانفراده حتى يقال: رفض الوضوء لا يسري على ما سبق منه قياسًا على الرفض بعد الفراغ.
[م-٤١٩] اختلف العلماء في قطع نية الوضوء على أقوال.
القول الأول:
أن رفض الطهارة لا يضر، سواء أكان بعد كمال الوضوء، أم في أثنائه، بشرط أن يرجع عن قرب، ويكمل الطهارة بنية رفع الحدث، فإن طال الفصل، أو أكمله بنية أخرى، كنية التبرد، أو النظافة بطل قولًا واحدًا.
وهذا هو قول ابن القاسم، وهو المعتمد في المذهب عند المالكية، واستظهره ابن رشد في البيان والتحصيل، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية ورواية عن أحمد (١).
стр. 2969
القول الثاني:
أن الرفض مبطل مطلقًا، سواء أكان بعد كمال الوضوء، أم في أثنائه، صرح به القرافي، ونقله عن العبدي، وحكاه الصيدلاني من الشافعية، وهو أحد القولين في مذهب الحنابلة (١).
وروى أشهب عن مالك: أن رفض نية الوضوء يبطله؛ تخريجًا على قول مالك: من تصنع للنوم فعليه الوضوء، وإن لم ينم. قال الشيخ أبو إسحاق: هذا يدل على أن رفض الوضوء يصح (٢).
стр. 2970
القول الثالث:
رفض النية في أثناء الوضوء يبطلها، وبعد الفراغ لا يؤثر، وهو أحد الأقوال في مذهب المالكية، حكاه صاحب الطراز، وقال ابن ناجي: وعليه أكثر الشيوخ، وهو وجه عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).
وقيل: قطع نية الوضوء في أثناء الطهارة يبطله، إلا أن يفرد كل عضو بنية مستقلة، بأن يقصد غسله في وضوئه فإذا قطع الوضوء لم يبطل ما غسله بالفسخ، وبعد الفراغ من الوضوء لا تأثير لرفض النية، اختار هذا التفصيل ابن تيمية من الحنابلة.
قال ابن تيمية في شرح العمدة: «أن لا يفسخها بأن ينوي قطع الوضوء … فإن فسخها بطلت في أقوى الوجهين، كما تبطل الصلاة والصيام، فإن أفرد كل عضو
стр. 2971
بنيته بأن يقصد غسله في وضوئه جاز، ولم يبطل ما غسله بالفسخ، كما لو نوى إبطالها بعد فراغها في الصحيح المشهور» (١).
• فتحصل أربعة أقوال في رفض نية الطهارة:
- لا يبطل مطلقًا.
- يبطل مطلقًا.
- يبطل الوضوء في أثناء الفعل، ولا يبطل بعد الفراغ منه.
- إن فرق النية على أعضاء الوضوء لم يبطل في أثنائه، وإلا بطل، ولا يبطل بعد الفراغ منه.
هذا ما وقفت عليه من أقوال السادة الفقهاء عليهم رحمة الله، أَمَا وقد عرفت أقوال علمائنا، فلننقل الكلام إلى الشق الأهم، وهو الكلام على الأدلة والحجج، أسأل الله أن يعين ويسدد، فلا حول للعبد ولا قوة له إلا بالله العلي العظيم.
• وجه من قال: لا تبطل الطهارة برفض النية:
أما وجه كون الرفض لا يبطل الطهارة بعد الفراغ منها:
فلأن الحدث إذا ارتفع لا يعود إلا بوجود سببه، كالنوم، والبول، والجماع، ورفع النية ليس حدثًا.
ولقياس الوضوء على الطهارة الكبرى، فإذا كان رفض النية في الغسل بعد كماله لا يضر بلا خلاف عند المالكية، ولم يَتَأَتَّ فيه جريان الوجهين المذكورين في الوضوء والتيمم، فكذلك الوضوء؛ لأنه إحدى الطهارتين (٢).
وأما وجه كون رفض النية في أثناء الوضوء لا يبطله:
فهذا القول مخرج على الخلاف في حكم تفريق النية على أعضاء الوضوء، وفيها قولان، ذكرتهما في كتابي موسوعة أحكام الطهارة.
وعلى الخلاف في رفع الحدث، أيرتفع عن كل عضو بالفراغ منه بانفراده، كما تخرج منه الخطايا عند غسله، أم يتوقف رفع الحدث على غسل جميع أعضاء الوضوء؟
стр. 2972
فعلى القول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو بانفراده، فإذا رفض النية في أثناء الوضوء لم يكن الرفض مبطلًا لما تم غسله، وارتفع حدثه، فهو بمنزلة رفض النية بعد الفراغ من العبادة، فإن رجع عن قرب، وأمكن البناء على أفعال الوضوء فقد ارتفع الحدث عن بقية الأعضاء، وإلا بطلت طهارته (١).
• ويناقش:
بأن القول بتفريق النية على أعضاء الوضوء، لا يعرف له أصل من الكتاب أو السنة، أو من كلام الصحابة.
وأما الخلاف في الحدث، وهل يرتفع عن كل عضو بانفراده، أو حتى يكمل الطهارة؟ فالراجح الثاني بدليل أنه لا يمس المصحف على القول بوجوب الطهارة لمسه بمجرد غسل يديه، ولا لبس الخف بمجرد غسل إحدى رجليه.
ولأن كل عبادة تشترط لها الطهارة يشترط لها كمالها، والله أعلم.
وأما اختيار ابن تيمية، وأنه يشترط لصحة ما مضى من الطهارة إذا قطع نية الوضوء أن ينوي تفريق النية على أعضاء الوضوء، ففيه نقاش:
فمن قال بتفريق النية على أعضاء الوضوء، قال: هو حاصل، ولو لم يشترط، التفريق، باعتبار أن استصحاب النية في كل أفعال الطهارة شرط لصحة الطهارة، وأن غسل كل عضو من أعضاء الوضوء هو على الاستقلال، كأفعال الحج.
ومن قال بعدم تفريق النية على أعضاء الوضوء منع منه، وإن نواه باعتبار أن
стр. 2973
أفعال الوضوء عبادة واحدة كالصلاة، وأن قطع النية في أثنائه يسري البطلان لما مضى، ولما بقي، والله أعلم، وهذا أقرب والله أعلم.
• دليل من قال: الرفض يبطل الوضوء مطلقًا:
الدليل الأول:
أن رفض الوضوء كنقضه جائز (١).
• ويناقش:
بأن هناك فرقًا بين الرفض والنقض: فالنقض تجدد موجب جديد للطهارة، من بول، أو نوم، أو وطء، وهذا بالإجماع، بخلاف الرفض فإنه رفع له بعد وقوعه، بلا ناقض طارئ.
الدليل الثاني:
أن هذه عبادة يبطلها الحدث، فصح رفضها كالصلاة. ذكره الباجي والحطاب (٢).
ومعنى هذا الكلام: أن الوضوء فيه شبه من الصلاة من جهة أن كُلًّا منهما يبطله الحدث، وإذا كانت الصلاة تبطل بقطع النية فكذلك الوضوء؛ لشبهه بالصلاة.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذا النوع من القياس يعرف بقياس الشبه، وهو أضعف أنواع القياس، وكثير ممن يقول بالقياس لا يقول به، فالقياس إنما هو قياس العلة الجامعة.
الوجه الثاني:
أن الصلاة لا يبطلها الرفض بعد تمامها، وأنتم قلتم: إن الرفض مبطل للوضوء مطلقًا، سواء أكان بعد كمال الوضوء، أم في أثنائه، فبطل الشبه عندكم.
الدليل الثالث:
أن الطهارة لها وجهان في النظر:
فمن نظر إلى أن المتطهر قد فرغ من فعلها رأى أن يلحق الوضوء بالصلاة
стр. 2974
والصيام، فلا تأثير لرفض النية بعد الفراغ من العبادة إلا بناقض طارئ.
ومن نظر إلى بقاء حكمها: وهو استباحة كل فعل يشترط له الطهارة نظر إلى أن الطهارة في حكم المستدامة، فكان رفضها بمنزلة إبطال العبادة في أثنائه؛ لما فيه من الارتباط بين السبب والمسبب (١).
• ويناقش:
بأن فعل الطهارة ينتهي بالفراغ منها، ولهذا اختلف حكم المتطهر قبل فراغه من الطهارة وبعد فراغه منها، فحين كان يتطهر لم يكن بإمكانه استباحة ما تشترط له الطهارة، فإذا قطع نية الوضوء وهو يتطهر بطل الوضوء؛ لأنه قطع استصحاب نية الوضوء، وأما إذا فرغ منها كان له أن يصلي، ويمس المصحف، ويطوف، وهو دليل على فراغه من الطهارة، ولا يجب عليه استصحاب حكم نية الوضوء بعد الفراغ، وإذا كان كذلك، فلا يمكنه رفع نية الوضوء بعد فراغه منه، وكون أثر الطهارة باقيًا لا يعني أنه ما زال في حكم من يتوضأ، بل هذا دليل على فراغه من الوضوء كما تقدم؛ لأن أثر الطهارة لا وجود له في أثناء الوضوء حتى يفرغ منه، ولأن جميع الشروط يشترط أن يستمر عليها لفعل المشروط، والله أعلم.
• دليل من قال: يبطل قطع النية في أثناء الوضوء، ولا يبطل بعد الفراغ منه:
أما وجه البطلان في أثناء الوضوء:
فلأن النية شرط في العبادات كلها، فيجب استصحاب حكم نية العبادة من أول العبادة إلى آخرها، فإذا أبطل نية العبادة في أثنائها بطلت؛ لانقطاع النية المستصحبة، ولقوله ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى). متفق عليه، وهذا قد نوى رفض العبادة.
ولأن ارتكاب المفسد داخل العبادة يفسدها، ولم يُسْتَثْنَ من ذلك إلا الحج على الصحيح، وهكذا سائر العبادات، والله أعلم.
ولأنه إذا قطع النية في أثنائها بقي الباقي بغير نية، فبطل الباقي، وإذا بطل بعض العبادة بطل سائرها.
стр. 2975
ولأن النية: عزم على الفعل، ورفض النية عزم على الترك، وقصد الفعل وتركه متضادان، فكان الرفض مبطلًا للعبادة.
• وأما الدليل على أن العبادة إذا فرغ منها لا يمكن إبطالها بقطع النية:
فلأن العلماء مُجْمِعُون على أن المكلف إذا قام بالعمل على الوجه المأمور به شرعًا حتى فرغ منه فقد سقط عنه التكليف بفعله.
قال ابن راشد المالكي: «فمن ادعى أن التكليف يرجع مرة أخرى بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل» (١).
وهذا من أقوى الأدلة، والله أعلم.
ولأن النية ينتهي التكليف بها إذا أدى العبادة، وهو مستصحب لحكمها، وإذا فرغ من العبادة فقد فرغ من نيتها، فلا يتصور إبطال النية بالقطع، وهو ليس متلبسًا بها. وهذا الراجح، والله أعلم.
وبهذه المسائل أكون قد انتهيت من بحث أثر قطع النية على بطلان العبادة، على الإيمان والطهارة، والصلاة، والصيام والحج، ولله الحمد وحده على توفيقه وإعانته، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* * *
стр. 2976
المبحث الثاني في التردد في قطع نية الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الأصل بقاء النية.
اليقين لا يرفع بالتردد، فإذا دخل المصلي بنية متيقنة، فلا يخرج منها بالتردد والشك، كسائر العبادات.
• إبطال الصلاة بالتردد حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ولا دليل على إبطال النية بالتردد.
• قطع النية مفسد للصلاة، والتردد في القطع كالتردد في فعل المحظور لا يفسد الصلاة حتى يفعله.
[م-٤٢٠] اختلف العلماء في التردد في نية الصلاة:
التردد في قطع نية الصلاة عند الحنفية لا يقطع الصلاة؛ لأن قطع النية لا يبطل الصلاة عندهم، فالتردد في القطع من باب أولى (١).
وإن اعتبر الحنفية أن التردد ينافي الجزم في غير قطع النية.
فقالوا في من اشترى خادمًا للخدمة، أو فرسًا للركوب، أو بيتًا للسكنى، وهو ينوي إن أصاب ربحًا باعه: لا زكاة عليه؛ للتردد في نية التجارة.
وقالوا أيضًا: لو نوى في يوم الشك: إن كان من شعبان فليس بصائم، وإن كان من رمضان كان صائمًا لم تصح نيته؛ للتردد في أصل النية، وأما لو تردد في الوصف، بأن نوى: إن كان من شعبان فسيصوم نفلًا، وإن كان رمضان ففرضًا،
стр. 2977
صحت نيته؛ لأن أصل الصوم لا تردد فيه (١).
وأما الخلاف عند غير الحنفية، فكالتالي:
فقيل: تبطل صلاته بالتردد بالخروج منها، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢).
قال النووي: «الإسلام، والصلاة، يبطلان بنية الخروج منهما، وبالتردد في أنه يخرج أم يبقى، وهذا لا خلاف فيه … » (٣).
قال إمام الحرمين: «ولم أر فيه خلافًا» (٤).
ولا أثر لعرض التردد في البال كما يجري للموسوس (٥).
• وجه القول بالبطلان:
بأن استدامة النية، وإن لم يكن شرطًا في دوام الصلاة، إلا أن الامتناع عما يناقض جزم النية شرط، كالإيمان لا يشترط استحضاره على الدوام، ولكن يستدام حكمه، ويشترط الامتناع عما يناقضه، فإذا تردد، هل يبقى في الصلاة، أو يخرج منها بطلت صلاته؛ لما بين التردد، والجزم من التنافي (٦).
وقد ذكرت في شروط صحة النية ألا يأتي بمنافٍ لها، ومن المنافي قطعها
стр. 2978
والتردد فيها، وإبطالها بردة ونحوه.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فلو صلى على أنه إن حضر فلان تركها لم يكن جازمًا بنيته.
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وعزم الأمور: قطع الطريق على التردد والفسخ.
وقياسًا على الرجل إذا شك في الإسلام.
وقيل: لا تبطل، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
قال المرداوي في تصحيح الفروع: «إذا تردد في قطع النية، فهل تبطل أم لا؟ … الوجه الثاني: لا تبطل، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختاره ابن حامد … » (٢).
• دليل من قال بعدم البطلان:
الدليل الأول:
(ح-٩٩٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن أبي وائل،
عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فأطال حتى هممتُ بأمر سوءٍ. قال: قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس، وأدعه (٣).
وجه الاستدلال:
تردد ابن مسعود في الاستمرار في الصلاة، أو قطعها، ومع ذلك لم تبطل صلاته.
• ويناقش:
بأن قوله: (أجلس، وأدعه): يعني أصلي جالسًا، وأدعه قائمًا وحده، وليس المراد قطع الصلاة، فالتردد الحاصل لابن مسعود ليس في نية قطع الصلاة، بل تردده ﵁: هل يصلي قائمًا أو جالسًا؟ وهذا غير مؤثر.
стр. 2979
فإن قيل: ظاهر قوله: (هممتُ بأمر سوء) هو في قطع الصلاة، لا إكمالها جالسًا؛ لأن (أمر السوء) لا يقال في فعلٍ جائز.
فيقال: إن ابن مسعود ﵁ من كمال أدبه مع رسول الله ﷺ ، كان يرى أن مخالفة أفعال إمامه، لا سيما رسول الله ﷺ من ترك الأدب معه ﷺ .
الدليل الثاني:
ولأن الأصل بقاء النية، وقد دخل في الصلاة بنية متيقنة، فلا يخرج منها بالتردد والشك كسائر العبادات.
• الراجح:
أن التردد لا يبطل الصلاة حتى يعزم على القطع، والله أعلم.
* * *
стр. 2980
المبحث الثالث في العزم على القطع
المدخل إلى المسألة:
• قطع النية يكون في الحال، والعزم على القطع كما لو جزم في الركعة الأولى أن يقطعها في الركعة الثانية.
• قطع النية قطع لها أصالة، والعزم على القطع قطع لموجبها؛ إذ موجبها الاستمرار فيها إلى نهاية الصلاة.
[م-٤٢١] اختلفوا في العزم على القطع: هل يعطى حكم قطع النية؟ قولان:
فقيل: لا فرق بينهما في الحكم. وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
والفرق بين القطع والعزم عليه:
أن قطع نية الصلاة: يكون في الحال.
وأما العزم على القطع: كما لو جزم، وهو في الركعة الأولى أن يقطعها في الركعة الثانية.
والحكم واحد في المسألتين: لأنه في الأولى قطع للنية، وفي الثانية: قطع لموجبها؛ إذْ موجبها الاستمرار إلى منتهى الصلاة (٢).
قال الأنصاري في كفاية الأخيار: «إذا عزم على قطعها، مثل أن جزم من الركعة الأولى أن يقطعها في الثانية بطلت في الحال؛ لقطعه موجب النية، وهو الاستمرار