المبحث الثاني في التردد في قطع نية الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الأصل بقاء النية.
اليقين لا يرفع بالتردد، فإذا دخل المصلي بنية متيقنة، فلا يخرج منها بالتردد والشك، كسائر العبادات.
• إبطال الصلاة بالتردد حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ولا دليل على إبطال النية بالتردد.
• قطع النية مفسد للصلاة، والتردد في القطع كالتردد في فعل المحظور لا يفسد الصلاة حتى يفعله.
[م-٤٢٠] اختلف العلماء في التردد في نية الصلاة:
التردد في قطع نية الصلاة عند الحنفية لا يقطع الصلاة؛ لأن قطع النية لا يبطل الصلاة عندهم، فالتردد في القطع من باب أولى (١).
وإن اعتبر الحنفية أن التردد ينافي الجزم في غير قطع النية.
فقالوا في من اشترى خادمًا للخدمة، أو فرسًا للركوب، أو بيتًا للسكنى، وهو ينوي إن أصاب ربحًا باعه: لا زكاة عليه؛ للتردد في نية التجارة.
وقالوا أيضًا: لو نوى في يوم الشك: إن كان من شعبان فليس بصائم، وإن كان من رمضان كان صائمًا لم تصح نيته؛ للتردد في أصل النية، وأما لو تردد في الوصف، بأن نوى: إن كان من شعبان فسيصوم نفلًا، وإن كان رمضان ففرضًا،
стр. 2977
صحت نيته؛ لأن أصل الصوم لا تردد فيه (١).
وأما الخلاف عند غير الحنفية، فكالتالي:
فقيل: تبطل صلاته بالتردد بالخروج منها، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢).
قال النووي: «الإسلام، والصلاة، يبطلان بنية الخروج منهما، وبالتردد في أنه يخرج أم يبقى، وهذا لا خلاف فيه … » (٣).
قال إمام الحرمين: «ولم أر فيه خلافًا» (٤).
ولا أثر لعرض التردد في البال كما يجري للموسوس (٥).
• وجه القول بالبطلان:
بأن استدامة النية، وإن لم يكن شرطًا في دوام الصلاة، إلا أن الامتناع عما يناقض جزم النية شرط، كالإيمان لا يشترط استحضاره على الدوام، ولكن يستدام حكمه، ويشترط الامتناع عما يناقضه، فإذا تردد، هل يبقى في الصلاة، أو يخرج منها بطلت صلاته؛ لما بين التردد، والجزم من التنافي (٦).
وقد ذكرت في شروط صحة النية ألا يأتي بمنافٍ لها، ومن المنافي قطعها
стр. 2978
والتردد فيها، وإبطالها بردة ونحوه.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فلو صلى على أنه إن حضر فلان تركها لم يكن جازمًا بنيته.
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وعزم الأمور: قطع الطريق على التردد والفسخ.
وقياسًا على الرجل إذا شك في الإسلام.
وقيل: لا تبطل، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
قال المرداوي في تصحيح الفروع: «إذا تردد في قطع النية، فهل تبطل أم لا؟ … الوجه الثاني: لا تبطل، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختاره ابن حامد … » (٢).
• دليل من قال بعدم البطلان:
الدليل الأول:
(ح-٩٩٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن أبي وائل،
عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فأطال حتى هممتُ بأمر سوءٍ. قال: قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس، وأدعه (٣).
وجه الاستدلال:
تردد ابن مسعود في الاستمرار في الصلاة، أو قطعها، ومع ذلك لم تبطل صلاته.
• ويناقش:
بأن قوله: (أجلس، وأدعه): يعني أصلي جالسًا، وأدعه قائمًا وحده، وليس المراد قطع الصلاة، فالتردد الحاصل لابن مسعود ليس في نية قطع الصلاة، بل تردده ﵁: هل يصلي قائمًا أو جالسًا؟ وهذا غير مؤثر.
стр. 2979
فإن قيل: ظاهر قوله: (هممتُ بأمر سوء) هو في قطع الصلاة، لا إكمالها جالسًا؛ لأن (أمر السوء) لا يقال في فعلٍ جائز.
فيقال: إن ابن مسعود ﵁ من كمال أدبه مع رسول الله ﷺ ، كان يرى أن مخالفة أفعال إمامه، لا سيما رسول الله ﷺ من ترك الأدب معه ﷺ .
الدليل الثاني:
ولأن الأصل بقاء النية، وقد دخل في الصلاة بنية متيقنة، فلا يخرج منها بالتردد والشك كسائر العبادات.
• الراجح:
أن التردد لا يبطل الصلاة حتى يعزم على القطع، والله أعلم.
* * *
стр. 2980
المبحث الثالث في العزم على القطع
المدخل إلى المسألة:
• قطع النية يكون في الحال، والعزم على القطع كما لو جزم في الركعة الأولى أن يقطعها في الركعة الثانية.
• قطع النية قطع لها أصالة، والعزم على القطع قطع لموجبها؛ إذ موجبها الاستمرار فيها إلى نهاية الصلاة.
[م-٤٢١] اختلفوا في العزم على القطع: هل يعطى حكم قطع النية؟ قولان:
فقيل: لا فرق بينهما في الحكم. وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
والفرق بين القطع والعزم عليه:
أن قطع نية الصلاة: يكون في الحال.
وأما العزم على القطع: كما لو جزم، وهو في الركعة الأولى أن يقطعها في الركعة الثانية.
والحكم واحد في المسألتين: لأنه في الأولى قطع للنية، وفي الثانية: قطع لموجبها؛ إذْ موجبها الاستمرار إلى منتهى الصلاة (٢).
قال الأنصاري في كفاية الأخيار: «إذا عزم على قطعها، مثل أن جزم من الركعة الأولى أن يقطعها في الثانية بطلت في الحال؛ لقطعه موجب النية، وهو الاستمرار
стр. 2981
إلى الفراغ» (١).
وقال في كشاف القناع: «أو عزم على قطع النية بطلت؛ لأن النية عزم جازم، ومع العزم على قطعها لا جزم، فلا نية» (٢).
وقيل: لا تبطل، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٣).
قال في الإنصاف: «لو عزم على فسخها كما لو تردد في قطعها خلافًا ومذهبًا على الصحيح.
وقيل: تبطل بالعزم وإن لم تبطل بالتردد» (٤).
وقال ابن تميم في مختصره: «وإن تردد في قطعها أو عزم عليه فثلاثة أوجه: يفرق في الثالث فيبطل مع العزم دون التردد» (٥).
• الراجح:
أن العزم على القطع في حكم القطع، وليس في حكم التردد في القطع، فالتردد لم يقطع صلاته بخلاف من عزم على قطع صلاته قبل كمالها فقد قطع موجب النية، وهو الاستمرار عليها إلى أن يفرغ منها، والذي حملني على تقديم التردد عليه في الذكر، لأن الحنابلة جعلوا حكم قطع النية حكم التردد، فأردت أن يكون القارئ على علم في حكم التردد قبل التعرض لحكم قطع النية، والله أعلم.
* * *
стр. 2982
المبحث الرابع في تعليق قطع النية على شرط
المدخل إلى المسألة:
• نية التعليق في المعاملات والطلاق لا أثر لها حتى يتلفظ بالتعليق؛ لأنه حل عقد بين طرفين بخلاف الصلاة، فيصح التعليق بالنية.
• التعليق لا يبطل الصلاة بالحال؛ لأن الإبطال معلق على حصول شيء في المستقبل، فإنجاز الإبطال منافٍ للتعليق، ولأنه قبل حصول الشرط لا يوجد ما ينافي الجزم بالنية.
• إذا قال: إن حضر زيد قطعتُ الصلاة، فالنية باقية قبل حضوره، وإذا حضر زيد، فقد يقطعها، وقد لا يقطعها، فإن اختار الرجوع عن هذا العزم فله ذلك؛ لأن الشأن شأنه.
[م-٤٢٢] كل عبادة يشترط لصحتها النية، فإنه يجب الجزم بها؛ لأنها شرط لانعقادها؛ لقوله ﷺ : إنما الأعمال بالنيات.
وأن يستصحب ذلك في كل الصلاة، وأن كل ما ينافي الجزم فإنه يبطلها، فلو علق قطع الصلاة على حصول شيء، كما لو نوى: إن جاء فلان قطعت صلاتي، فهذا التعليق أهو مناف للجزم المشروط في النية، بحيث يبطلها مطلقًا في الحال، أم لا ينافيه، فلا تبطل حتى يقع الشرط، أو لا تبطل مطلقًا؟ ثلاثة أقوال كلها قيلت في المسألة:
فقال الحنفية: لو نوى إن كان الغدُ من شعبان فليس بصائم، وإن كان من رمضان كان صائمًا عن رمضان لم تصح نيته؛ لأنه ليس جازمًا في نيته (١).
قال الزيلعي: إن نوى «أن يصوم غدًا إن كان من رمضان، ولا يصومه إن كان من
стр. 2983
شعبان، ففي هذا الوجه لا يصير صائمًا؛ لعدم الجزم في العزيمة، فصار كما إذا نوى أنه إن لم يجد غداءً فهو صائم، وإلا فمفطر، أو نوى إن وجد سحورًا فهو صائم وإلا فمفطر» (١).
فهنا علق الصيام على وجود السحور، ولم يصح صومه؛ لعدم الجزم في نيته ولم أقف للحنفية على كلام لهم في حكم تعليق الخروج من الصلاة بالشرط، والقياس على كلامهم في الصيام يقتضي البطلان.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا علق القطع على شرط بطلت في الحال (٢).
قال النووي: «لو علق الخروج بدخول شخص ونحوه، مما يحتمل حصوله في الصلاة وعدمه، بطلت في الحال على الأصح» (٣).
• وجه القول بالبطلان في الحال:
أن صحة الصلاة متوقفة على الجزم بالنية، والمعلِّقُ ليس جازمًا.
وقيل: لا تبطل في الحال، بل إذا وجدت صفة التعليق وهو ذاكر للتعليق بطلت، وكذا إن كان ذاهلًا على ما قطع به الأكثرون، وهو قول في مذهب الشافعي (٤).
لأن الخروج من الصلاة معلق على شرط، فلا يخرج من الصلاة إلا بوقوع
стр. 2984
ذلك الشرط، وقبل حصول الشرط لم يوجد ما ينافي الجزم بالنية.
وقيل: إن كان ذاهلًا لم تبطل، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية (١).
هذا القول ربما يرى أن الخروج من الصلاة بالتعليق على شرط لا يكون لازمًا للمصلي بمجرد وقوع الشرط إلا أن يختار المصلي إمضاء التعليق، وله أن يختار إلغاءه بالاستمرار في الصلاة، فإذا وقع الشرط، فإن استمر في صلاته لذهوله عن الشرط لم تبطل؛ لاستمراره فيها.
وقيل: لا تبطل الصلاة بالتعليق، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢).
• وجه القول بعدم البطلان:
أن التعليق لا يبطل الصلاة بالحال؛ لأن الإبطال معلق على حصول شيء في المستقبل، فإنجاز الإبطال منافٍ للتعليق، كما أن حصوله مظنون، فقد يحصل وقد لا يحصل، وإذا حصل فقد يختار قطع الصلاة بحصوله، وقد يتراجع، فإذا قال: إن حضر زيد قطعت الصلاة، فقبل حضوره النية باقية، وإذا حضر زيد، فقد يقطعها، وقد لا يقطعها، فله أن يختار الرجوع عن هذا العزم؛ لأن الشأن شأنه، وليس كالطلاق الذي هو حل عقد بين طرفين، لا يكفي فيه نية التعليق حتى يتلفظ به.
• الراجح:
الصلاة إن كانت واجبة لا يجوز إبطالها، والخروج منها بالتعليق، وإنما الخلاف في قلبها نافلة لمصلحة الصلاة إذا كان الوقت فيه فسحة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث قلب النية، فكان التعليق محرمًا لحرمة الخروج من الصلاة الواجبة بعد التلبس بها إلا لضرورة، أو لمصلحة الصلاة، وارتكاب المحرم في الصلاة هل يبطلها، أو يبطل التعليق وتصح العبادة؟ فيه تأمل.
وإن كانت الصلاة نافلة كان الأمر أخفَّ، ولو أبطلها فالصحيح أنه لا يجب
стр. 2985
عليه قضاؤها.
وإذا نظرنا إلى الحقائق بالنسبة للتعليق، وجدنا أن منها ما يبطل بالتعليق مطلقًا كالإيمان، فلو علق الدخول فيه على حصول شيء لم يدخل فيه، أو علق خروجه منه على حصوله بطل إيمانه.
ومنها ما يصح فيها التعليق قولًا واحدًا، كالطلاق، فإذا وقع الشرط وقع الطلاق.
ومنها ما هو محل خلاف، كالعقود المنجزة من بيع وإجارة، ونحوها، فالجمهور على أنها لا تقبل التعليق، والراجح صحة التعليق فيها.
وإذا بحثنا في العبادات رأينا النص الصريح في الحج أنه يقبل التعليق بشرطه، كقول النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير: حجي واشترطي، فإن لكِ على ربكِ ما استثنيتِ (١)، والقول بأن الحج عبادة مركبة من البدن والمال غير صحيح، فالمال ليس شرطًا في صحة الحج، وإنما هو وسيلة إليه، فلو تمكن من الحج بلا مال صح حجه.
وإذا كان يدخله التعليق مع كونه عبادة، ويجب المضي في فاسده، ولا يصح رفضه، فدخوله الصلاة التي لا يجب المضي في فاسدها، ويصح رفضها قد يقال: من باب أولى.
ويبقى الاجتهاد في الصلاة، هل تلحق بالإسلام بجامع أن كلًّا منهما يجب أن تكون النية فيه جازمة، ويبطلهما نية القطع، فكذا التعليق، فإذا علقه بطل في الحال بمجرد التعليق.
أو تلحق الصلاة بالحج، فيصح التعليق، فإذا وقع الشرط خرج من الصلاة؟
هو محل نظر، والمسألة محتملة، فمن يَرَ أن شبه الصلاة بالإسلام أقوى من شبهها بالحج، وفيه احتياط لأعظم ركن عملي في الإسلام، يَرَ بطلان الصلاة المعلقة على شرط في الحال؛ لأن التعليق ينافي الجزم بالنية، فالمعلق ليس جازمًا في الاستمرار فيها.
стр. 2986
ومَنْ يَرَ أن الأصل عدم البطلان، وأن الصلاة من الأمور العملية وليست الاعتقادية، فهي أقرب إلى قياسه على الحج من قياسه على الإسلام، رأى أن التعليق لا يبطل العبادة بمجرده، وإذا حصل التعليق، فإن اختار القطع بطلت، وإن ألغى التعليق فله ذلك، والأول فيه احتياط، وهذا فيه قوة، فانظر ما ذا ترى، والله أعلم.
* * *
стр. 2987
الفصل الثامن إذا عزم على فعل مفسد للصلاة
المدخل إلى المسألة:
• إذا نوى فعلًا منافيًا للصلاة كالأكل والفعل الكثير لم تبطل قبل فعله؛ لعدم منافاته الجزم بالنية.
• البطلان إذا علق على فعل المحظور لم تبطل؛ لأنه قد يفعله، وقد لا يفعله.
• هناك فرق بين تعليق قطع النية على شرط، وبين تعليق فعل المحظور على شرط، فالأول ينافي الجزم بالنية عند الجمهور، وهو شرط، بخلاف الثاني.
[م-٤٢٣] ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة بأن المصلي لو نوى فعلًا مبطلًا للصلاة، كما لو نوى أن يتكلم، أو يأكل إذا حضر زيد، لم تبطل صلاته بهذه النية (١).
قال السيوطي: «نوى فِعْلَ منافٍ في الصلاة، كالأكل، والفعل الكثير لم تبطل قبل فعله» (٢).
وقال النووي: «بلا خلاف» (٣).
وحكاه ابن مفلح في الفروع وفاقًا للأئمة (٤)، ولم يحكه إجماعًا.
وقال ابن قاسم في حاشيته: «لم تبطل وفاقًا؛ لعدم منافاته الجزم المتقدم؛ لأنه
стр. 2988
قد يفعل المحظور، وقد لا يفعله» (١).
ولأن البطلان مرتب على فعل المحظور، ولم يفعله.
وهناك فرق بين تعليق قطع النية على شرط.
وبين تعليق فعل المحظور على شرط، فالأول ينافي الجزم بالنية، وهو شرط، بخلاف الثاني.
* * *
стр. 2989
الفصل التاسع إذا شك بالنية في صلاته
المدخل إلى المسألة:
• النية إذا ثبتت لا يزيلها الشك، وإذا شك في ثبوتها فالأصل عدم الثبوت.
• دخوله في الصلاة دليل على وجود النية؛ فالظاهر أنه لا يصلي إلا بنية.
• إذا شك في نية الصلاة بعد دخوله في الصلاة فهو من باب تعارض الأصل والظاهر، فالأصل أنه لم يَنْوِ حتى يتيقن أنه قد فعل، والظاهر: أن دخوله في الصلاة لا يكون إلا بنية.
• إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما؛ فقد يترجح الظاهر في بعض المسائل، وقد يقدم الأصل، وقد يستويان في القوة.
• الظاهر هنا أقوى من الأصل؛ لأن الأخذ بالأصل يفضي إلى الخروج من الصلاة بمجرد الشك، والله أعلم.
[م-٤٢٤] الشك في النية في الصلاة يقع على حالين:
الحال الأولى: الشك في أصل النية، هل نوى أو لم يَنْوِ، وله صورتان.
الصورة الأولى: أن يستمر معه الشك، فهذا يبطل الصلاة، إلا أن يكون الشك صادرًا من مبتلَى بالوساوس (١).
стр. 2990
جاء في قواعد الأحكام: «ولو شك هل نوى شيئًا من هذه العبادات، أو لم يَنْوِ، لم يحكم بانعقاده؛ لأن الأصل عدم نيته» (١).
وقال ابن تيمية: «يحرم خروجه لشكه في النية؛ للعلم بأنه ما دخل إلا بالنية، وكشكه هل أحدث» (٢).
فابن تيمية نظر إلى المسألة على أنها من باب تعارض اليقين والشك:
فدخوله في الصلاة يقين، فلا يخرج منها بالشك، على قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، وأشار ابن تيمية لهذه القاعدة بقوله: كشكه إذا أحدث.
ويمكن أن يخرَّج قول ابن تيمية على أنه من باب تعارض الأصل والظاهر:
فالأصل أنه لم يَنْوِ حتى يتيقن أنه قد فعل.
والظاهر: أن دخوله في الصلاة لا يكون إلا بنية.
وإذا تعارض الأصل، والظاهر، قدم الأقوى منهما.
فقد يترجح الظاهر في بعض المسائل على الأصل فيؤخذ به.
وقد يقدم الأصل.
وقد يستوي الظاهر والأصل.
وهذا هو السبب في عدم اطِّراد فروع هذه المسائل. والأقوى هنا هو تقديم الظاهر؛ لحرمة الخروج من الصلاة.
وقال ابن حامد الحنبلي: «لا تبطل الصلاة بالشك بالنية، ويستمر في صلاته؛ لأن الشك لا يزيل حكم النية؛ بدليل أنه لو تذكر أنه قد نوى قبل أن يحدث عملًا فإنه يبني، ولو زال حكم النية بالشك لبطلت الصلاة، كما لو نوى قطعها» (٣).
فهذا القول يتفق مع ابن تيمية، فهو يرى أن الشك لا يزيل حكم النية.
• ويناقش:
بأن النية إذا ثبتت لا يزيلها الشك، ولكن من أين يثبت حكم النية، وهو يشك
стр. 2991
في وجودها، والأصل عدم الوجود، فالشك ليس هو الذي أزال حكم النية، وإنما أثر الشك جعل النية بمنزلة العدم، وعدم النية مبطل للصلاة، ولهذا لم تبطل الصلاة إذا تذكر أنه قد نوى فعلًا؛ لأنه يصدق على الشك في هذه الصورة أنه لا يزيل حكمها وقد ثبتت، فكلام ابن حامد يقوم على أن حكم النية ثابت، وأن الشك لا يزيلها، ولم تثبت المقدمة لكي تثبت النتيجة.
قال الرافعي: «الشك في النية بمثابة عدم النية» (١).
والراجح: أنه لا يخرج من الصلاة بالشك وقد دخل فيها؛ لأن العبادة لا تفسد إلا بمُفْسِدٍ متيقن، فلا تفسد بمجرد الشك في المفسد.
الصورة الثانية: أن يتذكر أنه نوى قبل أن يخرج من صلاته.
فإن قصر زمن الشك، ولم يعمل عملًا، لم تبطل صلاته. قال النووي: بلا خلاف (٢).
وإن طال زمن الشك، ولم يعمل عملًا، ففي بطلان صلاته خلاف:
فقيل: تبطل، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٣).
قال النووي: «فإن تذكر أنه أتى بكمالها قبل أن يفعل شيئًا، وقصر الزمان لم تبطل صلاته بلا خلاف، وإن طال بطلت على أصح الوجهين؛ لانقطاع نظمها … » (٤).
• وجه القول بالبطلان:
طول زمن الشك يقطع نظم الصلاة، ولأنه عذر نادر، لا يعذر صاحبه.
ولأن طول اللبث حال الشك يعتبر عملًا من الصلاة، فإذا خلا عن النية لم تصح، ومتى بطل بعضها بطل جميعها.
وقيل: لا تبطل؛ وهو وجه في مذهب الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة (٥).
стр. 2992
جاء في شرح منتهى الإرادات: «فإن لم يُحْدِثْ مع الشك عملًا، ثم ذكر أنه نوى أو عين لم تبطل» (١).
فقوله: (فإن لم يحدث مع الشك عملًا) فاشترط للصحة ألا يحدث عملًا في الصلاة، فظاهره من غير فرق بين أن يطول زمن الشك، أو يقصر.
• وجه هذا القول:
أن اللبث مقصود لإيقاع الفعل فيها، وليس هو المقصود من عملها، فإذا لم يقع فيه عمل لم يؤثر ذلك في صلاته؛ لأن زمن شكه غير محسوب منها، فقد يقتل المصلي في الصلاة حية أو عقربًا، أو يخطو خطوات، فيكون مثل ذلك فعلًا قليلًا غير محسوب من الصلاة فلا يعترض به على الصلاة بالإبطال (٢).
وقيل: إن عمل عملًا فعليًّا أو قوليًّا بطلت، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
قال النووي: «وأن أتى مع الشك بركن فعلي، كركوع، أو سجود، أو اعتدال، بطلت صلاته بلا خلاف … وإن أتى بركن قولي كالقراءة، والتشهد بطلت أيضًا على أصح الوجهين، وهو المنصوص في الأم، وبه قطع العراقيون كالفعلي» (٤).
قال في الأم: «ولو كان مستيقنًا أنه دخلها بنية، ثم شك، هل دخلها بنية أم لا؟ ثم تذكر قبل أن يحدث فيها عملًا أجزأته، والعمل فيها قراءة، أو ركوع، أو سجود .... وإذا عمل شيئًا من عملها، وهو شاك في نيته أعاد الصلاة … » (٥).
• وجه القول بالبطلان:
أن ما عمله في صلاته خلا عن نية جازمة، فبطلت.
стр. 2993
وقيل: إن كان العمل فعليًّا بطلت، وإن كان قوليًا، كما لو قرأ الفاتحة حال الشك لم يكن محسوبًا، ولم تبطل به صلاته، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، اختاره الغزالي، وبه قال بعض الحنابلة (١).
• وجه التفريق بين الفعل والقول:
أن ما قرأه حال الشك لا يعتد به؛ لأنه قد فُعِل مع الشك في النية، وإنما لم تبطل به صلاته؛ لسببين:
أحدهما: أن زيادته في الصلاة مما لا تبطل به الصلاة، كالقراءة، والتسبيح، فلم تُخِلَّ زيادته بصورة الصلاة.
الثاني: أنه لو تعمد قراءته في غير موضعه لم تبطل صلاته، فكذلك قراءته حال الشك لا يكون مبطلًا لصلاته.
الحال الثانية: الشك في نية التعيين:
فمنها: لو شك هل أحرم بظهر، أو عصر؟
هذه المسألة لا يختلف التفصيل فيها عند الشافعية، والحنابلة عن المسألة، السابقة، فالشك في التعيين حكمه حكم ما لو شك في أصل النية، وهو الأصح عند الشافعية ومذهب الحنابلة (٢).
قال الماوردي: «لو شك، هل نوى ظهرًا أو عصرًا، لم يجزه عن واحد منهما حتى يتيقنها، فإن تيقنها بعد الشك فعلى ما مضى من التقسيم والجواب» (٣).
يقصد التقسيم والجواب في الشك في أصل النية، وقد تقدم لك التفصيل في حكم الشك في أصل النية.
وقيل: يتمها نفلًا، وهو قول في مذهب الحنابلة.
стр. 2994
قال في الفروع: «وقيل يتمها نفلًا كشكه: هل أحرم بفرض أو نفل؟» (١).
• وجه هذا القول:
أن الذي تطرق إليه الشك هو التعيين، فيختص بالبطلان، ويبقى أصل الصلاة، فالصلاة مركبة من نيتين: نية الصلاة، وكونها فريضة، فإذا بطل التعيين بقي أصل الصلاة صحيحًا.
ومنها: لو شك هل نوى التطوع أو الفرض؟
فقيل: ينعقد نفلًا، وهو مذهب المالكية، ونص عليه الإمام أحمد، وقال المجد ابن تيمية: الصحيح بطلان فرضه (٢).
لأن الفرضية لا تثبت بالشك، وإذا بطلت الفرضية بقي مطلق الصلاة، فتكون نافلة.
وقيل: يتمها نفلًا، إلا أن يذكر أنه نوى الفرض قبل أن يحدث عملًا، فيبني عليه، نص عليه في الإقناع، واختاره ابن قدامة في المغني (٣).
فرجع تفصيل القول فيها إلى الشك في أصل النية، وقد تقدم.
[م-٤٢٥] ومنها: لو شك مسافر، هل نوى القصر أو الإتمام؟
فقال الجمهور: وجب عليه الإتمام. قال المالكية: ويعيد في الوقت (٤).
لأن الأصل الإتمام، وعدم نية القصر.
قال الشافعية والحنابلة: ولو زال الشك وتيقن أنه نوى القصر، لم يكن له القصر؛ لأنه قد وجب عليه الإتمام بنفس الشك بخلاف ما لو شك في أصل النية، وتذكر على القرب حيث تصح صلاته، ولا يكون ذلك قادحًا.
والفرق: أن الشك في النية بمثابة عدم النية، فإذا كان الشك في أصل النية كان الموجود في زمان الشك غير محسوب من الصلاة، لانعدام النية، وقد جعل عفوًا لقلته.
стр. 2995
وفي مسألة الشك في القصر محسوب من الصلاة؛ لوجود أصل النية، فيتأدى ذلك الجزء على التمام، وإذا انعقد جزء من الصلاة على التمام لزم الإتمام.
جاء في الإنصاف: «لو شك في الصلاة: هل نوى القصر أم لا؟ لزمه الإتمام، وإن ذكر فيما بعد أنه كان نوى، لوجود ما يوجب الإتمام في بعضها فكذا في جميعها، قاله الأصحاب» (١).
وقال المجد ابن تيمية: «ينبغي عندي أن يقال فيه من التفصيل ما يقال فيمن شك، هل أحرم بفرض أو نفل؟» (٢).
يعني بالتفصيل: أنه إن تذكر قبل أن يحدث عملًا بنى عليه، أو انقلب نفلًا.
وقال أبو حنيفة: لا حاجة إلى نية القصر، بناء على أنه عزيمة (٣).
واختار بعض المالكية أنه يجوز أن يدخل بالصلاة على أنه بالخيار بين القصر والإتمام؛ لأن نية عدد الركعات في الصلاة لا تلزم (٤).
وأرى والله أعلم أن هذه المسائل المختلفة يجب أن ترجع إلى قول واحد، وهو أثر الشك في الصلاة:
فإذا استمر المصلي على الشك، فإن كان في أصل النية، بطلت الصلاة، وإن كان في التعيين انقلبت نفلًا.
وإن تذكر قبل أن يحدث عملًا في الصلاة بنى عليه، وإن لم يتذكر إلا بعد أن أحدث عملًا رجع إلى الخلاف السابق، فإن كان في أصل النية بطلت الصلاة، وإن كان في التعيين انقلبت نفلًا، والله أعلم.
* * *
стр. 2996
الفصل العاشر في قلب نية الصلاة إلى صلاة أخرى
المدخل إلى المسألة:
• أوسع المذاهب في قلب الصلاة إلى صلاة أخرى هو مذهب الحنابلة، يليه الشافعية، وأضيقهم مذهبًا قول الحنفية، يليه مذهب المالكية.
• ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يمكن بناء صلاة على تحريمة صلاة أخرى، وأما انقلاب حكم الفرض إلى نفل، إذا فسد الفرض، فيرون جوازه، وهو معدود من انقلاب حكم الفرض، وليس من باب قلب النية بالاختيار.
• المعين أعلى من المطلق، فالمطلق من الصلاة تكفيه نية الصلاة، والمعين لا بد مع نية الصلاة نية ذلك المعين، فالوتر: يشتمل على نية الصلاة، ونية الوتر.
• يصح قلب الصلاة من فرض إلى نفل مطلق عند الحنابلة، ويجوز عند الشافعية إذا كان فيه مصلحة للصلاة كما لو صلى منفردًا ورأى جماعة تصلي.
• لا يصح قلب المعين فرضًا كان أو نفلًا إلى معين آخر فرضَا كان أو نفلًا ولا يصح قلب المطلق إلى معين؛ لأن المعين أكمل من المطلق.
• الصحيح أن إبطال نية الفرض، لا يلزم منه إبطال نية مطلق الصلاة، فالنية في الصلاة مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية الفرضية، وإبطال نية الفرضية لا يستلزم إبطال نية الصلاة؛ لأن إبطال الأخص لا يستلزم إبطال الأعم.
[م-٤٢٦] اختلف الفقهاء في قلب الصلاة بالنية من صلاة إلى صلاة أخرى على أقوال:
القول الأول: مذهب الحنفية.
يرى الحنفية أن النية لا أثر لها البتة في قلب الصلاة إلى صلاة أخرى مطلقًا، من غير تكبيرة إحرام للثانية، فلو نوى قطع الصلاة الأولى، أو تحويلها إلى صلاة
стр. 2997
أخرى لم تنقطع الأولى، ولم ينتقل إلى الثانية، إلا إذا كبر في الصلاة بنية الشروع في الثانية، فالتكبير بنية مغايرة هو القاطع للأولى، لا مجرد النية، فإذا كبر ناويًا الانتقال، بطلت الأولى، وانتقل إلى الثانية، سواء أنتقل إلى فرض أم إلى نفل (١).
فيبطل الفرض الأول؛ لقطعه نيته، ويصح الفرض الثاني؛ لاستئنافه، كما لو لم يتقدمه غيره.
وعليه فلا انتقال من صلاة إلى أخرى عند الحنفية بمجرد النية، فلا يجري في مذهبهم بناء الصلاة الثانية على تحريمة الصلاة الأولى إلا في مسائل معدودة إذا فسدت فيها الفريضة انقلبت نفلًا حكمًا (٢).
• دليل الحنفية على أن نية الانتقال لا أثر لها:
يرى الحنفية أن النية بمجردها من حديث النفس المعفو عنه.
(ح-٩٩٧) فقد روى البخاري من طريق هشام، حدثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم (٣).
• ويناقش:
بأن الحنفية لم يطردوا أصلهم في ذلك، فلو نوى قطع الإيمان، أو الانتقال عنه إلى ديانة أخرى بطل إيمانه، وحكم بردته بمجرد النية (٤).
стр. 2998
القول الثاني: مذهب المالكية:
ذكر المالكية ثلاث صور للنقل:
الأولى: نقل الفريضة إلى فريضة أخرى.
الثانية: نقل النافلة المطلقة إلى الفريضة، أو إلى نفل معين.
فهاتان الصورتان لا تصحَّان قولًا واحدًا في المذهب، وإذا نواهما بطلت صلاته.
قال أبو الوليد ابن رشد في مسائله: «نقل النية من نافلة إلى فريضة بعد أن دخل في النافلة، أو من فريضة إلى فريضة، مثل أن يحرم بصلاة الظهر، وقد دخل وقت العصر، فيذكر أنه قد كان صلى الظهر، فينقل نيته إلى صلاة العصر، فلا اختلاف في أن الصلاة لا تجزئه» (١).
وقال في الذخيرة: «النوافل على قسمين: مقيدة ومطلقة، فالمقيدة: السنن الخمس، العيدان، والكسوف … فلا بد فيها من نية التعيين، فمن افتتح الصلاة من حيث الجملة، ثم أراد ردها لهذه لم يجز» (٢).
الصورة الثالثة: قلب الفريضة إلى نافلة مطلقة.
يرى المالكية إن المصلي إذا نوى الانتقال من نية الفريضة إلى نية النافلة عمدًا، وقصد بذلك رفع نية الفريضة، والانتقال إلى النافلة، فصلاته باطلة بالاتفاق عندهم.
وإن لم يقصد رفع الفريضة، وإنما أرادهما معًا، لم ينتقل إلى النافلة، وفي بطلان الفريضة بذلك قولان:
أحدهما: تبطل؛ لأن نية النافلة تنافي نية الفريضة.
وقال ابن فرحون: «لا تبطل؛ وهو بَاقٍ على فريضته؛ لأن نيته الثانية ليست منافية للأولى؛ لأن النفل مطلوب للشارع، ومطلق الطلب موجود في الواجب، فتصير نية النفل مؤكدة، لا مخصصة، ولا يعرف هذا القول لغير ابن فرحون» (٣).
стр. 2999
وإن انتقل من الفرض إلى نية النافلة سهوًا، ففي مذهب المالكية قولان، المعتمد في المذهب أنه لا ينتقل، ولا يبطل فرضه، وهو اختيار أشهب (١).
وخلاصة مذهب المالكية أنهم يتفقون مع الحنفية إلى أن قلب الصلاة من نية إلى أخرى من غير تحريمة، لا يصح مطلقًا، فلا يمكن بناء صلاة على تحريمة صلاة أخرى، إلا في صورة واحدة: إذا فسدت الفريضة كما لو أحرم بالفريضة قبل وقتها، انقلبت نفلًا، أو أحرم بالفريضة ثم تذكر أنه قد صلاها فإن له أن يبني عليها، وتكون نافلة في حقه (٢).
ويختلفون مع الحنفية في مسألة واحدة:
أن الحنفية: يرون أن المصلي لو نوى قطع الصلاة، أو نوى الانتقال بها إلى نية أخرى لم تنقطع، ولم تنتقل بمجرد النية، خلافًا للمالكية فالصلاة عندهم إذا نوى قطعها، أو نوى الانتقال بها إلى صلاة أخرى بطلت.
القول الثالث: مذهب الشافعية:
ذكر الشافعية أربع صور لنية القلب.
أولاها: نقل فرض إلى فرض: كظهر إلى عصر، فإن فعل بطلت صلاته الأولى؛ لتغيير النية، ولم تصح الثانية؛ لأنه لم يبتدئها بالنية، فلم يحصل له واحدة منهما.
стр. 3000
الثانية: نقل نفل إلى نفل، فإن فعل بطلا؛ لأنهما إن كانا مثلين، فلا معنى لتغيير النية، وإن كان مختلفين، كانتقال من راتب إلى وتر، فلا يحصل له واحد منهما؛ لأن افتتاحه بالنية واجب.
الثالثة: نقل نفل إلى فرض، فإن فعل بطلا؛ لبطلان النفل بتغيير النية، ولم يحصل له الفرض؛ لعدم النية من أوله، فلم يحصل له واحد منهما.
الرابع: نقل فرض إلى نفل مطلق، فهذا نوعان:
أحدهما: نَقْلُ حكم، كمن أحرم بالظهر قبل الزوال جاهلًا، فيقع نفلًا حكمًا في أظهر القولين عند الشافعية. وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة (١).
والثاني: نَقْلُ نية، بأن ينوي قلب الفرض إلى نفل عامدًا بلا سبب، فالأظهر البطلان، والصحيح المنصوص، أنه لا ينقلب نفلًا، فإن فعله لمسوغ: كمنفرد أحرم بفرض، ثم رأى جماعة، فسلم من ركعتين؛ ليدركها معهم، فالأظهر عند الشافعية صحتها نفلًا (٢).
وخلاصة مذهب الشافعية: أن قلب المصلي صلاته التي هو فيها إلى صلاة أخرى عالمًا عامدًا مبطل لصلاته، ولا تحصل له الصلاة الأخرى.
قال الشافعي في الأم: «ولو دخل الصلاة بنية، ثم صرف النية إلى صلاة غيرها نافلة، أو فريضة … لم تجز عنه الصلاة الأولى التي دخل فيها ينويها؛ لأنه صرف النية عنها إلى غيرها، ولا تجزيه الصلاة التي صرف إليها النية؛ لأنه لم يبتدئها» (٣).
ولم يفرق الإمام بين صلاة وأخرى، واستثنى الشافعية المعذور، كما لو أحرم بالفرض قبل الوقت، فإن فرضه ينقلب إلى نفل حكمًا، أو قلب منفرد فرضه لمسوغ صحيح، كمنفرد رأى جماعة فأراد الدخول معهم في الفرض، فقلب فرضه نفلًا؛
стр. 3001
ليدرك الجماعة معهم.
فإن قلب المصلي فرضه إلى نفل بلا سبب، فالأظهر البطلان.
وقيل: يصح، وهو قول في مقابل الأظهر. والله أعلم.
القول الرابع: مذهب الحنابلة.
يرى الحنابلة أن تحويل النية من صلاة إلى صلاة أخرى يتم على طريقتين:
الطريقة الأولى: أن يقترن بنية الصلاة الثانية تكبيرة إحرام لها، فهذا يبطل الصلاة التي هو فيها؛ لقطعه نيته، ويصح الفرض الثاني بشرطه كما لو لم يتقدمه غيره، من غير فرق بين أن ينتقل من فرض إلى فرض أو من نفل إلى فرض.
ولا أظن أحدًا يختلف في صحة الانتقال من صلاة إلى أخرى بهذه الطريقة، إذا نوى الخروج من الصلاة الأولى، وإن تكلم فيها أحد فقد يتكلم في الحكم التكليفي من جهة حكم إفساد الفرض بعد الشروع فيه، فيتوقف الحكم عليه بالنظر إلى الباعث عليه.
الطريقة الثانية: أن يتم قلب الصلاة بمجرد النية من غير تكبيرة إحرام للثانية، بحيث تبنى الصلاة الثانية على تحريمة الصلاة الأولى، فهذا له صور:
الصورة الأولى: أن ينتقل من فرض إلى فرض آخر:
فهذا يبطل فرضه الأول؛ لتغيير النية.
ولم ينعقد الثاني؛ لأنه لم يَنْوِهِ من أوله.
وينقلب فرضه الأول إلى نفل إن أتمه؛ لأن إبطال نية الفرضية لا يلزم منه إبطال نية مطلق الصلاة، فالنية في الصلاة مركبة: من نية الصلاة، ونية الفرضية، وإبطال نية الفرضية، لا يستلزم إبطال نية الصلاة؛ لأن إبطال الأخص، لا يستلزم إبطال الأعم.
стр. 3002
ومثله في الحكم لو انتقل من نفل معين إلى نفل معين آخر:
كأن ينتقل من وتر إلى ركعتي الفجر، فيبطل النفل المعين الأول لتغيير النية.
ولم يتحصل له النفل المعين الثاني؛ لأنه لم ينوه من أوله.
وينقلب نفله الأول المعين إلى نفل مطلق؛ لأن إبطال التعيين لا يستلزم إبطال مطلق الصلاة، كما قلنا: إن إبطال الأخص لا يستلزم إبطال الأعم.
الصورة الثانية: أن ينتقل من فرض في وقته المتسع إلى نفل مطلق، ومثله لو انتقل من نفل معين إلى نفل مطلق.
فهذا يصح، وينقلب نفلًا؛ لأن نية الفرض والنفل المعين تضمنت نية النفل المطلق، فإذا قطع نية الفرض، أو نية التعيين في النفل المعين، بقيت نية النفل المطلق، أشبه ما لو أحرم بفرض، فبان قبل وقته.
فإن فعل ذلك لغرض صحيح كإدراك جماعة كان مطلوبًا، وإلا كره؛ لما فيه من إبطال الفرض.
وقيل: يحرم قلب الفرض نفلًا لغير غرض صحيح، فتبطل الصلاة بذلك (١).
الصورة الثالثة: أن ينتقل من نفل إلى فرض:
فهذا لا أثر له في الانتقال؛ لأنه لا يمكن بناء القوي على الضعيف.
وهذه الصورة وإن لم ينص عليها الحنابلة، إلا أنها لازم تعليلاتهم في الصور السابقة؛ لأنه إذا لم يمكن تحويل الفرض إلى نفل معين، لم يمكن تحويل النفل المطلق إلى فرض من باب أولى.
الصورة الرابعة: نقل نفل مطلق إلى مثله:
فهذه الصورة لم يذكرها الحنابلة؛ لأن الانتقال من نفل مطلق إلى مثله لا معنى فيه لتغيير النية، وقد لا يتصور حدوثه.
هذا هو تفصيل الأقوال في قلب نية الصلاة، في كل مذهب، وأوسعها مذهبًا الحنابلة، يليه الشافعية، وأضيقها مذهبًا الحنفية، يليه المالكية.
وإذا أحببنا أن نجمل لك وجوه الاتفاق والاختلاف بين الأقوال، في جميع الصورة السابقة في حكم مقارن، فهاك الإجمال:
الصورة الأولى: إذا أحرم بالفرض قبل وقته جاهلًا، فالأصح انعقاده نفلًا، وهو قول الأئمة الأربعة خلافًا لمحمد بن الحسن.
وهذه الصورة هي في حقيقتها انقلاب الفرض إلى نفل حكمًا، وليس قلبًا من
стр. 3003
المصلي، لأنه لو أحرم بالفرض قبل وقته عالمًا بطلت صلاته، ولم ينقلب نفلًا، وسيأتينا إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة.
الصورة الثانية: أن ينوي الانتقال من الصلاة التي هو فيها إلى صلاة أخرى، ويقترن بنية الثانية تكبيرة إحرام لها.
فهذا يبطل الفرض الذي هو فيه، ويصح الثاني بشرطه.
وهذه هي الصورة الوحيدة التي يصح فيها عند الحنفية الانتقال من صلاة إلى أخرى، ونص عليها الحنابلة، ولا أظن أن هذه محل خلاف؛ لأن هذا ليس قلبًا للصلاة، ولا البناء على الصلاة الأولى بنية مغايرة، بل هذا رفض لما هو فيه، واستئناف لصلاة أخرى على وجه الاستقلال، ولا أظن أن مثل هذه محل خلاف إذا كان الحامل عليه مسوغًا شرعيًّا، وإلا فقد يأثم لإبطاله الفرض، والله أعلم.
الصورة الثالثة: قلب الفرض إلى فرض آخر، أو إلى نفل معين.
يبطل الفرض الأول وهذا بالاتفاق، ولا ينعقد الفرض الآخر، ولا النفل المعين، وهذا بالاتفاق.
ويختلفون في تحول الفرض الأول إلى نفل مطلق.
فقال الحنابلة: إذا بطل تعيين الفرضية بقي مطلق الصلاة خلافًا للجمهور.
الصورة الرابعة: قلب النية من النفل المطلق إلى الفرض، أو إلى نفل معين وهذا لا يمكن بالاتفاق.
الصورة الخامسة: في قلب الفرض إلى نفل مطلق عمدًا.
فقيل: لا ينقلب مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية.
وقيل: إن فعله لغرض صحيح انقلب نفلًا، وإن فعله بلا سبب بطل فرضه، ولم ينقلب نفلًا، وهذا مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.
وقيل: ينقلب نفلًا مطلقًا، لكن يكره إن فعله بلا غرض صحيح، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
وقد علمتَ تعليلاتِ الفقهاء لهذه الأحكام، وأرجح الأقوال عندي مذهب الحنابلة، والله أعلم.
* * *
стр. 3004
الفصل الحادي عشر في اشتراط نية الإمامة والائتمام
المدخل إلى المسألة:
• الشروط توقيفية، لا تثبت إلا بدليل، والأصل عدم الاشتراط.
• قام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقام ابن عباس، فتوضأ، ودخل معه، فلو كانت نية الإمامة شرطًا في صحة الائتمام لما صح البناء على أول الصلاة.
• ما كان شرطًا في الصلاة كان شرطًا في جميعها؛ لأن الصلاة يبنى بعضها على بعض.
• كل صلاة تكون الجماعة شرطًا في صحتها كالجمعة؛ فإن نية الإمامة فيها شرط، والعكس بالعكس.
• ثواب الجماعة متوقف على النية، فإذا لم يَنْوِ الإمام الجماعة، فليس له ثوابها؛ لأن الأعمال بالنيات، فلم تُعقَد الجماعة في حقه حتى يكون له ثوابها.
• لو أمكن انعقاد الجماعة في حق الإمام، ولو لم ينو، لانعقدت الجمعة أيضًا بلا نية الإمامة، اكتفاء بصورة الجماعة، ولم يقل به أحد.
[م-٤٢٧] اتفق العلماء على أنه لا بد أن ينوي المأموم الائتمام (١).
[م-٤٢٨] واتفق الأئمة الأربعة على أن إمام الجمعة يلزمه نية الإمامة؛ لأن الجماعة فيها شرط (٢).
стр. 3005
[م-٤٢٩] واختلفوا في غير الجمعة هل يلزم الإمام أن ينوي الإمامة؟
فقال الحنفية: إن صلى بالرجال لم تشترط نية الإمامة، وتشترط إن صلى بالنساء، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا يشترط نية الإمامة في الإمام، وهو مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال زفر (٢).
стр. 3006
واستثنى المالكية أربع صلوات يشترط فيها نية الإمامة: صلاة الجمعة وصلاة الخوف إذا صلى الإمام بالطائفتين، وإذا كان مأمومًا فاستخلف، وأضاف المتأخرون منهم الجمع للمطر، واختلفوا في صلاة الجنازة (١).
واستثنى الشافعية صلاة الجمعة، والصلاة المعادة؛ لكونهما لا تصحان فرادى، فلا بد من نية الإمامة فيهما.
وقيل: تشترط للإمام نية الإمامة فرضًا ونفلًا، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، قال في الإنصاف: وهو من المفردات (٢).
وبه قال الأوزاعي والثوري في أحد قوليه، وإسحاق، وبعض الشافعية (٣).
وقيل: يصح في النفل دون الفرض، وهو رواية عن أحمد (٤).
وعلى القول بأن نية الإمامة ليست شرطًا، فهل له ثواب الجماعة إذا لم ينو؟
стр. 3007
في ذلك خلاف:
فقيل: لا ثواب له إذا لم ينو، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والأصح في مذهب الشافعية (١).
وقيل: يحصل له ثواب الجماعة، ولو لم ينو؛ لأنها حاصلة لمتابعيه، فوجب أن تحصل له، ولأنه أحد ركني الجماعة، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: إن علمهم، ولم ينو الإمامة لم تحصل، وإن كان منفردًا، ثم اقتدوا به، ولم يعلم، حصل له ثواب الجماعة، وبه قال القاضي حسين من الشافعية (٣).
• وجه قول القاضي حسين:
أنهم نالوا أجر الجماعة بسببه، فالثواب أوسع، فقد يؤجر الإنسان على غير عمله، إذا كان سببًا فيه، كحديث: من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولم يتوقف الأجر على النية، إلا أنه إذا علم بالاقتداء، ولم ينو الإمامة، فكأنه نوى عدم الثواب، فكان له ما نوى، والله أعلم.
إذا وقفتَ يا صاحبي على أقوال السادة الفقهاء في المسألة، فدعني أنتقل بك إلى فضاء الأدلة والمناقشة:
• وجه تفريق الحنفية بين الرجال والنساء:
أن المرأة إذا وقفت بجانب الإمام فسدت صلاتها، ولا تفسد صلاة الإمام إلا إذا نوى إمامتها؛ لأنه ملتزم لهذا الضرر، لهذا لا يصح اقتداء النساء إذا لم ينو إمامتهن؛ لأن في تصحيحه بلا نية إلزامًا عليه بفساد صلاته إذا حاذته من غير التزام منه.
وفي ذلك نظر:
فإنه لو نوى الإمامة ثم تعدت المرأة في موقفها، فوقفت محاذية للإمام، لم تبطل صلاة الإمام، إلا أن يكون هو المعتدي على القول بالبطلان، وسوف تأتينا إن
стр. 3008
شاء الله هذه المسألة في مبحث مستقل.
• دليل من قال: لا تشترط نية الإمامة:
الدليل الأول:
(ح-٩٩٨) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن سلمة، عن كريب،
عن ابن عباس ﵄، قال: بِتُّ عند ميمونة، فقام النبي ﷺ فأتى حاجته، فغسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القربة فأطلق شناقها، ثم توضأ وضوءًا بين وضوءين لم يكثر، وقد أبلغ، فصلى، فقمت فتمطيت، كراهية أن يرى أني كنت أتقيه، فتوضأت، فقام يصلي، فقمت عن يساره، فأخذ بأذني، فأدارني عن يمينه .... الحديث (١).
• ونوقش هذا:
بأن الحديث يدل على أن نية الإمامة تصح، ولو كان ذلك في أثناء الصلاة؛ لأن النبي ﷺ حين أدار ابن عباس من يساره إلى يمينه، فقد نوى الإمامة به، وليس فيه ما يدل على صحة الصلاة مطلقًا، ولو لم ينو الإمامة.
• ويجاب:
بأن نية الإمامة في أثناء الصلاة أفضل وأكمل من أجل الثواب؛ لأن الأعمال بالنيات، ولو كانت شرطًا في صحة الائتمام لما صح البناء على أول الصلاة، وهي خلو من نية الإمامة؛ لأن الصلاة يبنى بعضها على بعض، فما كان شرطًا فيها كان شرطًا في جميعها؛ لأن الشرط لا يتبعض، ولو سلم ما تقولونه، ففيه أدلة أخرى تدل على صحة الصلاة، ولو لم ينو الإمامة مطلقًا.
الدليل الثاني:
(ح-٩٩٩) ما رواه البخاري من طريق سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد،
عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ اتخذ حجرة -قال: حسبت أنه قال من حصير- في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم
стр. 3009
بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فلما علم بهم) دليل على أن إمامته ﷺ كانت بلا علم منه، وأقرهم على الاقتداء به دون علمه ﵊.
الدليل الثالث:
(ح-١٠٠٠) ما رواه مسلم من طريق سليمان (بن المغيرة)، عن ثابت،
عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ، يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل آخر، فقام أيضًا حتى كُنَّا رهطًا، فلما حَسَّ النبي ﷺ أَنَّا خلفه، جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله، فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قال: قلنا له: حين أصبحنا: أفطنت لنا الليلة؟ قال: فقال: نعم، ذاك الذي حملني على الذي صنعت (٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٠٠١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن سليمان الأسود، عن أبي المتوكل،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه (٣).
[صحيح] (٤).
الدليل الخامس:
قال ابن بطال: «لو جاز أن يحتاج الإمام إلى نية الإمامة لجاز أن يقال: يحتاج إلى أن يُعين في صلاته من يُصَلِّي خلفه من الرجال والنساء حتى لو جاء أحد ممن لم ينوه لم يجز أن يُصَلِّي خلفه» (١).
• وجه استثناء الجمعة والخوف والجمع في المطر، والاستخلاف:
قال المالكية: كل صلاة تكون الجماعة شرطًا في صحتها؛ فإن نية الإمامة فيها شرط، والعكس بالعكس.
فيلزم الإمام نية الإمامة إذا كان إمامًا في الجمعة، لأن الجماعة شرط فيها.
وكذلك صلاة الخوف، فلا يمكن أن يقيم الإمام الصلاة بين الطائفتين إلا إذا نوى الإمامة؛ لأنه سوف ينتظر الطائفة الأخرى، وهذا لا يكون إلا مع العلم والقصد.
وكذلك في صلاة الإمام إذا أحدث، فاستخلف، فإنه يفتقر إلى قبول المستخلف للاستخلاف، فقبوله لذلك يتضمن نية الإمامة، وليميز بالنية بين صلاته مأمومًا، وصلاته إمامًا.
وكذلك جمع الصلاتين ليلة المطر؛ إذ لا يكون ذلك إلا في جماعة، بخلاف جمع عرفة ومزدلفة، فإن المنفرد له أن يجمع، فلا تشترط فيهما نية الإمامة، والله أعلم.
• دليل من قال: تشترط نية الإمامة:
الدليل الأول:
(ح-١٠٠٢) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم
стр. 3012
أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (١).
[ضعيف] (٢).
وإنما يكون الضمان بعد العلم.
• ونوقش من وجهين:
الأول: ضعف الحديث.
الثاني: لو صح لم يكن الضمان متوقفًا على العلم، فكونه يتحمل القراءة والسهو لا يفتقران إلى نية، ولو توقف ذلك على النية لكانت نية الائتمام هي السبب، لا نية الإمامة، فلو نوى الإمام الإمامة، ولم ينو المأموم الائتمام لم يتحمل الإمام عنه شيئًا.
الدليل الثاني:
القياس على الجمعة بجامع أن كُلًّا منهما جماعة.
• ويناقش:
بأن الجماعة في الجمعة شرط لانعقادها، بخلاف غيرها من الصلوات.
الدليل الثالث:
أن الجماعة يتعلق بها أحكام من وجوب الاتباع، وسقوط نحو السهو، والقراءة عن المأموم، وفساد صلاته بصلاة إمامه، وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية، فكانت شرطًا لانعقاد الجماعة.
• ويناقش:
بأن الإمام منفرد في حق نفسه، فلا يحتاج إلى نية الإمامة.
وأما هذه الأحكام من وجوب الاتباع على المأموم، وسقوط نحو السهو والقراءة عنه، فهذه أحكام تخص المأموم دون الإمام، ولهذا قال الفقهاء بالاتفاق: إذا أراد الاقتداء لزمه نية الائتمام، بخلاف الإمام، فليس له أحكام تتعلق بصلاة المأموم حتى يلزمه نية الإمامة، وإنما النية من الإمام تشرع لحصول الثواب على إمامته، لا غير؛ في أحد أقوال أهل العلم.
стр. 3013
وأما القول بفساد صلاة المأموم لفساد صلاة إمامه، فهي مسألة خلافية، والراجح فيها أنها لا تفسد، كما لا تفسد صلاة الإمام بفساد صلاة المأموم، والله أعلم.
• دليل من قال: تلزمه نية الإمامة في الفرض دون النفل:
استدل بحديث ابن عباس المتقدم في أدلة القول الأول حيث بات عند خالته ميمونة، فقام النبي ﷺ فصلى، ثم قام ابن عباس فتمطى، كأنه كان نائمًا، كراهية أن يرى أن ابن عباس كان يرقب عمل النبي ﷺ ، ثم توضأ، فقام عن يسار النبي ﷺ ، فأخذ بأذنه، فأداره عن يمينه (١).
وكذلك الأحاديث الأخرى، كحديث زيد بن ثابت، وأنس في صلاة الليل في رمضان، كلها في صلاة النفل، والنفل أوسع من الفرض، فما صح في الفرض صح في النفل، وليس العكس.
• ويناقش:
بأن الأصح أن ما صح في النفل صح في الفرض إلا ما استثناه دليل صحيح، ولم يَأْتِ نصٌّ في الشريعة لا صحيح، ولا ضعيف يدل على أن نية الإمامة لازمة في الفرض دون النفل، حتى يقال بالتفريق.
• الراجح:
أن نية الإمامة ليست شرطًا إلا في الجمعة، ويلحق بها كل صلاة تكون الجماعة شرطًا في صحتها،
وأما في الثواب فالذي يظهر أن الإمام إذا لم يَنْوِ الجماعة، لم تنعقد الجماعة في حقه أصلًا حتى يكون له ثواب، ولو أمكن انعقاد الجماعة للإمام، ولو لم ينو لانعقدت الجمعة أيضًا بلا نية الإمامة، اكتفاء بصورة الجماعة، ولم يقل به أحد.
ولحديث: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، وهذا لم ينو، والله أعلم.
* * *
стр. 3014
الفصل الثاني عشر في تحول المنفرد إلى الائتمام بالنية
المدخل إلى المسألة:
• إذا نوى الائتمام من ابتداء الصلاة حرم سبق الإمام بتكبيرة الإحرام؛ لحديث (إذا كبر فكبروا … ولا تكبروا حتى يكبر) وإن أحرم منفردًا، ثم اقتدى بالنية جاز له البناء على التحريمة، وانتقل من الانفراد إلى الائتمام بالنية.
• الانتقال شأنه خفيف؛ لأنه مجرد التزام المتابعة لإمام لم يكن ملتزمًا متابعته قبل النية، ولكلٍّ صلاته، وتصح المتابعة، ولو لم يعلم الإمام؛ لأن نية الإمامة ليست شرطًا.
• صح في السنة انتقال المنفرد إلى إمام، كما في حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة، وانتقال الإمام إلى مأموم، كما في انتقال أبي بكر من الإمامة إلى الائتمام؛ لحضور النبي ﷺ .
• اختلاف نظم صلاة المأموم من أجل المتابعة، لا يؤثر في صحة الصلاة، فقد يعرض للمصلي أربعة تشهدات في صلاته من أجل المتابعة، ولا تفسد صلاته.
• إذا كان هناك مانع من جواز هذه الصورة فليس نية الانتقال، وإنما هو تقدم المأموم على إمامه بالتحريمة، وقد أجاز الحنابلة تقدم المأموم على إمامه في التحريمة مع إمام الحي إذا أحرم نائبه عنه، ثم حضر، وتقدم للإمامة.
• لو كان التقدم بالإحرام مفسدًا بالوضع لم يكن هناك فرق بين إمام الحي وغيره.
[م-٤٣٠] إذا ابتدأ المصلي منفردًا، ثم أقيمت جماعة، فأحب أن يدخل معهم بنية الائتمام، ويبني على ما صلى منفردًا، فاختلف العلماء في هذه المسألة لاختلافهم في حكم تقدم المأموم على الإمام بتكبيرة الإحرام:
فقيل: لا يصح، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة،
стр. 3015
وأحد قولي الشافعي (١).
على خلاف بينهم في المفسد:
فالحنفية والمالكية يرون المفسد: هو تقدم المنفرد على إمامه بالتحريمة.
وأما الحنابلة: فأجازوا تقدم المأموم على إمامه في التحريمة مع إمام الحي إذا أحرم نائبه عنه، ثم حضر، وتقدم للإمامة، فلو كان التقدم بالإحرام مفسدًا بالوضع لم يكن هناك فرق بين إمام وآخر، فالمفسد كونه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة.
وقيل: تصح، وهو الجديد من قولي الشافعية، والأصح في مذهبه، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، إلا أن الشافعية قالوا: يكره (٢).