← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

الدليل الخامس: قال ابن بطال: «لو جاز أن يحتاج الإمام إلى نية الإمامة لجاز أن يقال: يحتاج إلى أن يُعين في صلاته من يُصَلِّي خلفه من الرجال والنساء حتى لو جاء أحد ممن لم ينوه لم يجز أن يُصَلِّي خلفه» (١). • وجه استثناء الجمعة والخوف والجمع في المطر، والاستخلاف: قال المالكية: كل صلاة تكون الجماعة شرطًا في صحتها؛ فإن نية الإمامة فيها شرط، والعكس بالعكس. فيلزم الإمام نية الإمامة إذا كان إمامًا في الجمعة، لأن الجماعة شرط فيها. وكذلك صلاة الخوف، فلا يمكن أن يقيم الإمام الصلاة بين الطائفتين إلا إذا نوى الإمامة؛ لأنه سوف ينتظر الطائفة الأخرى، وهذا لا يكون إلا مع العلم والقصد. وكذلك في صلاة الإمام إذا أحدث، فاستخلف، فإنه يفتقر إلى قبول المستخلف للاستخلاف، فقبوله لذلك يتضمن نية الإمامة، وليميز بالنية بين صلاته مأمومًا، وصلاته إمامًا. وكذلك جمع الصلاتين ليلة المطر؛ إذ لا يكون ذلك إلا في جماعة، بخلاف جمع عرفة ومزدلفة، فإن المنفرد له أن يجمع، فلا تشترط فيهما نية الإمامة، والله أعلم. • دليل من قال: تشترط نية الإمامة: الدليل الأول: (ح-١٠٠٢) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم

стр. 3012

أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (١). [ضعيف] (٢). وإنما يكون الضمان بعد العلم. • ونوقش من وجهين: الأول: ضعف الحديث. الثاني: لو صح لم يكن الضمان متوقفًا على العلم، فكونه يتحمل القراءة والسهو لا يفتقران إلى نية، ولو توقف ذلك على النية لكانت نية الائتمام هي السبب، لا نية الإمامة، فلو نوى الإمام الإمامة، ولم ينو المأموم الائتمام لم يتحمل الإمام عنه شيئًا. الدليل الثاني: القياس على الجمعة بجامع أن كُلًّا منهما جماعة. • ويناقش: بأن الجماعة في الجمعة شرط لانعقادها، بخلاف غيرها من الصلوات. الدليل الثالث: أن الجماعة يتعلق بها أحكام من وجوب الاتباع، وسقوط نحو السهو، والقراءة عن المأموم، وفساد صلاته بصلاة إمامه، وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية، فكانت شرطًا لانعقاد الجماعة. • ويناقش: بأن الإمام منفرد في حق نفسه، فلا يحتاج إلى نية الإمامة. وأما هذه الأحكام من وجوب الاتباع على المأموم، وسقوط نحو السهو والقراءة عنه، فهذه أحكام تخص المأموم دون الإمام، ولهذا قال الفقهاء بالاتفاق: إذا أراد الاقتداء لزمه نية الائتمام، بخلاف الإمام، فليس له أحكام تتعلق بصلاة المأموم حتى يلزمه نية الإمامة، وإنما النية من الإمام تشرع لحصول الثواب على إمامته، لا غير؛ في أحد أقوال أهل العلم.

стр. 3013

وأما القول بفساد صلاة المأموم لفساد صلاة إمامه، فهي مسألة خلافية، والراجح فيها أنها لا تفسد، كما لا تفسد صلاة الإمام بفساد صلاة المأموم، والله أعلم. • دليل من قال: تلزمه نية الإمامة في الفرض دون النفل: استدل بحديث ابن عباس المتقدم في أدلة القول الأول حيث بات عند خالته ميمونة، فقام النبي ﷺ فصلى، ثم قام ابن عباس فتمطى، كأنه كان نائمًا، كراهية أن يرى أن ابن عباس كان يرقب عمل النبي ﷺ ، ثم توضأ، فقام عن يسار النبي ﷺ ، فأخذ بأذنه، فأداره عن يمينه (١). وكذلك الأحاديث الأخرى، كحديث زيد بن ثابت، وأنس في صلاة الليل في رمضان، كلها في صلاة النفل، والنفل أوسع من الفرض، فما صح في الفرض صح في النفل، وليس العكس. • ويناقش: بأن الأصح أن ما صح في النفل صح في الفرض إلا ما استثناه دليل صحيح، ولم يَأْتِ نصٌّ في الشريعة لا صحيح، ولا ضعيف يدل على أن نية الإمامة لازمة في الفرض دون النفل، حتى يقال بالتفريق. • الراجح: أن نية الإمامة ليست شرطًا إلا في الجمعة، ويلحق بها كل صلاة تكون الجماعة شرطًا في صحتها، وأما في الثواب فالذي يظهر أن الإمام إذا لم يَنْوِ الجماعة، لم تنعقد الجماعة في حقه أصلًا حتى يكون له ثواب، ولو أمكن انعقاد الجماعة للإمام، ولو لم ينو لانعقدت الجمعة أيضًا بلا نية الإمامة، اكتفاء بصورة الجماعة، ولم يقل به أحد. ولحديث: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، وهذا لم ينو، والله أعلم. * * *

стр. 3014

الفصل الثاني عشر في تحول المنفرد إلى الائتمام بالنية المدخل إلى المسألة: • إذا نوى الائتمام من ابتداء الصلاة حرم سبق الإمام بتكبيرة الإحرام؛ لحديث (إذا كبر فكبروا … ولا تكبروا حتى يكبر) وإن أحرم منفردًا، ثم اقتدى بالنية جاز له البناء على التحريمة، وانتقل من الانفراد إلى الائتمام بالنية. • الانتقال شأنه خفيف؛ لأنه مجرد التزام المتابعة لإمام لم يكن ملتزمًا متابعته قبل النية، ولكلٍّ صلاته، وتصح المتابعة، ولو لم يعلم الإمام؛ لأن نية الإمامة ليست شرطًا. • صح في السنة انتقال المنفرد إلى إمام، كما في حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة، وانتقال الإمام إلى مأموم، كما في انتقال أبي بكر من الإمامة إلى الائتمام؛ لحضور النبي ﷺ . • اختلاف نظم صلاة المأموم من أجل المتابعة، لا يؤثر في صحة الصلاة، فقد يعرض للمصلي أربعة تشهدات في صلاته من أجل المتابعة، ولا تفسد صلاته. • إذا كان هناك مانع من جواز هذه الصورة فليس نية الانتقال، وإنما هو تقدم المأموم على إمامه بالتحريمة، وقد أجاز الحنابلة تقدم المأموم على إمامه في التحريمة مع إمام الحي إذا أحرم نائبه عنه، ثم حضر، وتقدم للإمامة. • لو كان التقدم بالإحرام مفسدًا بالوضع لم يكن هناك فرق بين إمام الحي وغيره. [م-٤٣٠] إذا ابتدأ المصلي منفردًا، ثم أقيمت جماعة، فأحب أن يدخل معهم بنية الائتمام، ويبني على ما صلى منفردًا، فاختلف العلماء في هذه المسألة لاختلافهم في حكم تقدم المأموم على الإمام بتكبيرة الإحرام: فقيل: لا يصح، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة،

стр. 3015

وأحد قولي الشافعي (١). على خلاف بينهم في المفسد: فالحنفية والمالكية يرون المفسد: هو تقدم المنفرد على إمامه بالتحريمة. وأما الحنابلة: فأجازوا تقدم المأموم على إمامه في التحريمة مع إمام الحي إذا أحرم نائبه عنه، ثم حضر، وتقدم للإمامة، فلو كان التقدم بالإحرام مفسدًا بالوضع لم يكن هناك فرق بين إمام وآخر، فالمفسد كونه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة. وقيل: تصح، وهو الجديد من قولي الشافعية، والأصح في مذهبه، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، إلا أن الشافعية قالوا: يكره (٢).

стр. 3016

قال النووي في الروضة: «إذا لم يسلم من صلاته التي أحرم بها منفردًا، بل اقتدى في خلالها، فالمذهب جوازه» (١). وقيل: إن كان قد ركع في حال الانفراد لم يصح انتقاله، وهو قول عند الشافعية (٢). • دليل من قال: لا يصح انتقاله بالنية من الانفراد إلى الجماعة: الدليل الأول: (ح-١٠٠٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أنه قال: خَرَّ رسول الله ﷺ عن فرس، فَجُحِش، فصلى لنا قاعدًا، فصلينا معه قعودًا، ثم انصرف، فقال: إنما الإمام -أو إنما جعل الإمام- ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا .... الحديث (٣).

стр. 3017

وجه الاستدلال: أمر أن يكون تكبير المأموم وأفعاله عقيب تكبير الإمام، وأفعاله فوجب إذا سبقه بالتكبير، أو الأفعال أن تبطل صلاته؛ لمخالفة أمره ﷺ . الدليل الثاني: (ح-١٠٠٤) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون. ورواه مسلم (١). ورواه أحمد من طريق وهيب، حدثنا مصعب بن محمد، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، عن النبي، قال: إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع .... الحديث (٢). [انفرد محمد بن مصعب عن أبي صالح السمان بلفظ: (ولا تكبروا حتى يكبر، ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد)، ورواه جمع عن أبي هريرة، وليس فيه لفظ: (ولا تكبروا حتى يكبر) وهي رواية الصحيحين] (٣).

стр. 3018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3020

فجمع بين الأمر بأن الأمر بالمتابعة، وبين النهي عن سبق الإمام بالتكبير، والأصل في النهي التحريم والفساد، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: إذا أمرتكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه (١). الدليل الثالث: إذا كان لا يجوز للمأموم التقدم على الإمام في موقف الصلاة، فلا يجوز التقدم على الإمام في أفعال الصلاة من باب أولى. • ونوقش هذا: بأن التقدم على الإمام بالمكان فيه خلاف، فهناك من أجازه مطلقًا، ومنهم من أجازه مع الحاجة، وهناك من منعه مطلقًا. • دليل من قال: يصح انتقاله بالنية من الانفراد إلى الجماعة. الدليل الأول: (ح-١٠٠٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،

стр. 3021

عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ .... الحديث، ورواه مسلم (١). وروى البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل: وفيه: … فجاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقًّا حتى قام في الصف الأول … الحديث (٢). ورواه البخاري من طريق أبي غسان، قال: حدثني أبو حازم به، وفيه: … ثم جاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف حتى قام في الصف الأول … (٣). ورواه البخاري من طريق حماد، حدثني أبو حازم به، وفيه: … وجاء النبي ﷺ وأبو بكر في الصلاة فشق الناس حتى قام خلف أبي بكر (٤). ورواه مسلم من طريق عبيد الله، عن أبي حازم به، وفيه: ( .... فجاء رسول الله ﷺ فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم … ) (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ دخل معهم في الصلاة إمامًا، مع كون أبي بكر ومن صلى معه قد سبقوا

стр. 3022

النبي ﵊ بتكبيرة الإحرام، فكان النبي ﷺ مبتدئًا، والقوم متممين. فإذا كان سبق المأموم للإمام في تكبيرة الإحرام لا يفسد صلاة المأموم، فكذلك الرجل إذا دخل في الصلاة منفردًا، ثم انتقل إلى الائتمام بالنية، وبنى على صلاته صحت صلاته، ولم يعتبر سبقه للإمام بتكبيرة الإحرام مفسدًا لصلاته. • ويناقش من وجوه: الوجه الأول: هل دخل الرسول ﷺ مأمومًا وراء أبي بكر ﵁، ثم استخلف، فيكون النبي ﵊ انتقل من الائتمام بأبي بكر إلى الإمامة، ويكون أبو بكر انتقل من الإمامة إلى الائتمام. أو أن الرسول ﷺ ابتدأ الصلاة إمامًا، ولم يُصَلِّ مأمومًا خلف أبي بكر ﵁؟ فعلى الاحتمال الأول ليس فيه دليل على مسألتنا، بخلاف الاحتمال الثاني، والله أعلم. وليس في الحديث ما يجزم بهذا، أو ذاك، بل فيه ما يؤيد هذا وذاك. فكون الرسول ﷺ شق الصفوف حتى خلص إلى أبي بكر، وقد كان من هديه ﵊ الجلوس حيث ينتهي به المجلس، كما كان ﵊ ينهى أن يقيمَ الرجلُ أخاه من مكانه ليجلس فيه، فإذا كان هذا هديه في المجلس المباح، فالعبادة أولى. ولو جاء عالم متأخرًا فشق الصفوف إلى الصف الأول وهو يريد الائتمام لَأُنْكِرَ ذلك عليه. فهذا إشارة إلى أن النبي ﷺ إنما فعل ذلك؛ لإرادة الإمامة. فإن قيل: إذا كان كذلك، فلماذا يأمر المصطفى ﷺ أبا بكر بالبقاء إمامًا؟ فالجواب: أراد بذلك إكرام أبي بكر، والتنويه بقدره، ولو أراد إلزامه بالأمر لَمَا قبل برجوع أبي بكر إلى الائتمام، وَلَمَا تقدم ﵊ إلى الإمامة، وهذا هو ما فهمه أبو بكر من أمره له ﵊، ولو فهم الإلزام لَمَا وَسِعَ أبا بكر إلا الطاعةُ. ولقد كان الرسول ﷺ خبيرًا بأصحابه، ويعرف أن أبا بكر لن يقبل بالبقاء إمامًا

стр. 3023

لهذا تقدم ﵊، مع أمره لأبي بكر بالبقاء إكرامًا له. وهذا ما يؤيد احتمال أن يكون الرسول ﷺ ابتدأ الصلاة إمامًا. وأما ما يؤيد الثاني: وهو أن الرسول ﷺ دخل في الصلاة مأمومًا، أنه ﵊ عندما تراجع أبو بكر القهقرى أشار إليه إشارة بيده أن امكُث، ولو لم يكن في صلاة لاستخدم العبارة بدلًا من الإشارة. وهذا ما فهمه الباجي في شرح الموطأ، قال فيه: «أشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، وفي ذلك دليل أن الإشارة في الصلاة للعذر، والحاجة إلى ذلك لا تبطلها، ولا تنقصها؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك» (١). ومع احتمال الأمرين لا يصح الجزم بأنه دليل لمسألتنا، فَيُطْلَبُ دليلٌ آخرُ على المسألة، والله أعلم. الوجه الثاني: على فرض أن يكون الرسول ﷺ قد ابتدأ الصلاة إمامًا، فيرى بعض أهل العلم أن هذا خصوصية له ﵊، ونسبه ابن عبد البر إلى جماهير العلماء. قال ابن عبد البر في التمهيد: «وأما استئخار أبي بكر عن إمامته، وتقدم رسول الله ﷺ إلى مكانه، وصلاته في موضع أبي بكر ما كان بقي عليه، فهذا موضع خصوص عند جمهور العلماء، لا أعلم بينهم: أن إمامين في صلاة واحدة من غير عذر حدثٍ يقطع صلاة الإمام، ويوجب الاستخلاف، لا يجوز. وفي إجماعهم على هذا دليل على خصوص هذا الموضع؛ لفضل رسول الله ﷺ ، ولأنه لا نظير له في ذلك، ولأن الله قد أمرهم ألا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، وهذا على عمومه في الصلاة والفتوى، والأمور كلها ألا ترى إلى قول أبي بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ أو يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، وفضيلة الصلاة خلف رسول الله ﷺ لا يجهلها مسلم، ولا يلحقها أحد، وأما سائر الناس فلا ضرورة بهم إلى ذلك؛ لأن الأول، والثاني

стр. 3024

سواء، ما لم يكن عذر» (١). • ويناقش: بأن في مذهب الحنابلة ثلاث روايات منصوصة، وقيل: أوجه: أحدها: وهو المذهب المنصوص: إذا جاء إمام الحي بعد شروع الجماعة في الصلاة، فله دون غيره أن يتقدم إلى الإمامة، ويكمل بهم الصلاة، وينتقل إمامهم إلى الائتمام، كما فعل الرسول ﷺ مع أبي بكر ﵁. والثاني: لا يصح مطلقًا، وما حدث فهو خاص بالنبي ﷺ ، لقول أبي بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ . والثالث: يصح من الإمام الأعظم. قال ابن قدامة: «ولو تخلف إمام الحي من الصلاة لغيبة، أو مرض، أو عذر، وصلى غيره، وحضر إمام الحي في أثناء الصلاة، فتأخر الإمام، وتقدم إمام الحي، فبنى على صلاة خليفته، كما فعل النبي ﷺ وأبو بكر، ففي ذلك وجهان: أحدهما، يجوز؛ لأن النبي ﷺ فعله، فيجوز لغيره أن يفعل مثل فعله. والثاني، لا يجوز؛ لاحتمال أن يكون ذلك خاصًّا بالنبي ﷺ ؛ لعدم مساواة غيره له في الفضل» (٢). وقال في الإنصاف: «وعنه يصح من الإمام الأعظم دون غيره» (٣). وأما الشافعية وابن حزم من الظاهرية فمذهبهم لا يمنع جواز تقدم إحرام المأموم على إمامه بلا ضرورة، وتقدم توثيق نسبة هذا القول لهما في معرض الأقوال، ويرون أن فعل النبي مع أبي بكر الأصل فيه عدم الخصوصية. قال ابن حجر في الفتح «جواز تقدم إحرام المأموم على الإمام بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة، ثم قطع القدوة، وائتم برسول الله ﷺ ، وقد قدمنا أنه ظاهر الرواية» (٤).

стр. 3025

الوجه الثالث: لو سلمنا أن النبي ﷺ بدأ الصلاة إمامًا، ولم يسبق ذلك دخوله مأمومًا، فلا يصح أيضًا دليلًا لمسألتنا، فإن النبي ﷺ ، وإن كان كبَّر تكبيرة الإحرام بعد تكبير أبي بكر، وبعد تكبير الناس، إلا أنه صار بمنزلة من استخلف، وصار تكبير القوم بعد تكبير الإمام الأول، وهو أبو بكر، والرسول ﷺ الإمام الثاني يقوم مقام الأول، فالبدل هو امتداد للمبدل، فهو سوف يبني على صلاة أبي بكر، ولن يبتدئ الصلاة، فلا يلزم منه أن يكون تكبير المأموم قبل إمامه (١). فلا دليل فيه لرجل أحرم بالفريضة منفردًا، ثم أقيمت الصلاة، فدخل معهم بالنية، وبنى على صلاته. وهذا القول وجيه إلا أنه لا يُسَلَّم إلا إذا ثبت أن الرسول ﷺ دخل مكملًا لصلاة أبي بكر، وأن ما صلاه النبي ﷺ لم يكن أول صلاته، بل بناه على ما تقدم من صلاة أبي بكر قراءةً وأفعالًا، ثم يقضي ما فاته، إن كان قد فاته شيء من أفعال الصلاة، فلو فرض أن الإمام الأول قد قرأ الفاتحة في صلاة جهرية؟، فهل سيعيد الإمام المستخلف قراءتها مرة أخرى لتصح صلاته، أو سيبني على قراءة أبي بكر؟ ليس في الحديث ما يكشف عنه، وإن كنت أستبعد أن تكون صلاة الإمام الثاني جزءًا من صلاة الإمام الأول، إلا أن يكون المستخلف من جملة المأمومين، بحيث يكون ما فعله الأمام في صلاته فعله لنفسه وللمصلين، أما المستخلف إذا لم يكن من جملة المأمومين، فلا يمكن اعتداده بما فعله الإمام قبله، وهو لم يشهده، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-١٠٠٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فقال: مروا

стр. 3026

أبا بكر أن يصلي بالناس .... فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهَادَى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (١). [قوله: (يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر) أكثر الرواة على هذا، ورواها حفص بن غياث من قول الأعمش، ورواه الشيخان في الصحيحين من قول عروة، ورواه بعضهم أن المقدم أبو بكر، ولم يسلم طريق واحد من الطرق التي روي فيها الحديث عن عائشة من اختلاف، حتى حكت عائشة أن الخلاف في الإمام قد وقع بين الصحابة، فإذا اختلف الشاهد فما بالك بالغائب ممن يتلمس الحكم من رواية قد اختلف فيها رواتها] (٢).

стр. 3027

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3029

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3032

وجه الاستدلال: دل الحديث أن رسول الله ﷺ كان هو الإمام، وأن أبا بكر ﵁ عاد مأمومًا مصليًا بصلاة رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر يبلغ عن النبي ﷺ . فكان في الحديث دليل على جواز سبق المأموم للإمام في التحريمة، والذي يقاس عليه جواز انتقال المنفرد بالنية إلى الائتمام، والبناء على صلاته، وأن سبق الإمام بالإحرام لا يفسد صلاته. • ونوقش: بأن الحديث قد وقع فيه اختلاف شديد في طرقه: فهناك من رجح أن الإمام كان رسول الله ﷺ ، واستند إلى رواية الأكثر عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. خاصة أن هذا جاء من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، وأبو معاوية مقدم في الأعمش.

стр. 3033

وإذا اعتمد هذا الترجيح سيكون في الحديث دليل على مسألتنا محل الخلاف. وهناك من رجح أن الإمام كان أبا بكر، ويستند إلى مرجحات منها: أحدها: أن حفص بن غياث بين أن الكلام عن إمامة النبي ﷺ كان من قول الأعمش، لا من قول عائشة. الثاني: أن النبي ﷺ أمر أبا بكر بأن يثبت في مكانه، وقد امتثل الأمر، ولا معنى لبقائه في موضع الإمامة إلا أن يبقى إمامًا، وتكاد كل الروايات تتفق على بقاء أبي بكر في موضعه، وأن أبا بكر امتثل أمر النبي ﷺ ، ولم يتأخر كما تأخر في حديث سهل بن سعد حين ذهب النبي ﷺ ليصلح بين بني عوف؛ حين كان الرسول ﷺ في كامل صحته. الثالث: أن عائشة لم تنقل هذا عن مشاهدة، فقد روى شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: مِنْ الناس من يقول: كان أبو بكر ﵁ المقدم بين يدي رسول الله ﷺ في الصف، ومنهم من يقول: كان النبي ﷺ المقدم (١). وإذا كان الناس قد اختلفوا، ولم تكن عائشة شاهدًا على القصة كان قولها بأن الإمام أبو بكر ليس قاطعًا. الرابع: أن أبا بكر ﵁ قد بدأ الصلاة إمامًا، وهذا موضع اتفاق، ثم اختلفت الرواية، هل انتقل إلى الائتمام، أو بقي إمامًا، فيستصحب بقاؤه إمامًا حتى نتيقن ذلك، ومع هذا الاختلاف الشديد، لا سبيل إلى الجزم بانتقاله إلى الائتمام، فلا يترك المتيقن إلى المتنازع فيه. الخامس: أن الروايات التي تذكر أن الإمام هو الرسول ﷺ ليست صريحة، فقوله: (يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر) أن اقتداء أبي بكر بالنبي كقوله ﷺ في الحديث: اقْتَدِ بأضعفهم، فلا يعني الإمامة، وهذا ما يذهب إليه ابن رجب في شرح البخاري. وفيه بعد، فالاقتداء ذكر مرتين في سياق واحد، فيكون معناه واحدًا، فاقتداء أبي بكر بالنبي ﷺ هو معنى اقتداء الناس بأبي بكر ﵁، والثاني لا يعني

стр. 3034

إلا المتابعة فكذلك الأول. وفريق ثالث يذهب في الجمع بين الروايات إلى تعدد القصة، ففي بعضها كان الإمام رسول الله ﷺ ، وفي بعضها كان الإمام أبا بكر ﵁، فليست هذه الروايات متضادة، والتعدد أولى من توهيم الرواة الثقات. وقد ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي ﵀، وابن عبد البر في التمهيد، والعراقي وابن حجر، وابن حزم وغيرهم (١). قال الشافعي كما في السنن الكبرى للبيهقي: «لو صلى رسول الله ﷺ خلف أبي بكر مرة، لم يمنع ذلك أن يكون صلى خلفه أبو بكر أخرى. قال البيهقي: وقد ذهب موسى بن عقبة في مغازيه إلى أن أبا بكر صلى من صلاة الصبح يوم الاثنين ركعة، وهو اليوم الذي توفي فيه النبي ﷺ ، فوجد النبي ﷺ في نفسه خفة، فخرج فصلى مع أبي بكر ركعة، فلمَّا سلم أبو بكر قام فصلى الركعة الأخرى، فيحتمل أن تكون هذه الصلاة مراد من روى أنه صلى خلف أبي بكر في مرضه، فأما الصلاة التي صلاها أبو بكر خلفه في مرضه فهي صلاة الظهر يوم الأحد أو يوم السبت، كما روينا عن عائشة وابن عباس في بيان الظهر، فلا تكون بينهما منافاة» (٢). قال العراقي في طرح التثريب: «لو صح أنه ﵊ كان مقتديًا بأبي بكر، فهي صلاة أخرى غير التي اقتدى أبو بكر فيها، فقد كان مرضه ﵊ اثني عشر يومًا، فيه ستون صلاة أو نحوها» (٣). واستدل العراقي على تعدد صلاة النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه بحديث أنس ﵁. (ح-١٠٠٧) فقد روى أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني حميد، عن أنس قال: آخر صلاة صلاها النبي ﷺ مع القوم، صلى في ثوب واحد

стр. 3035

متوشحًا به خلف أبي بكر (١). [روي مسندًا ومرسلًا والإسناد أقوى] (٢).

стр. 3036

وهذا الجمع قد يقبل في الاختلاف بين حديث عائشة وبين حديث غيرها كحديث ابن عباس وأنس، وأما الحكم على حديث عائشة بتعدد القصة فبعيد جدًّا؛ لأن الأصل عدمه، ولأن الاختلاف في حديث عائشة يتعدد في الإسناد الواحد، أكان الإمام الرسول ﷺ ، أم كان أبا بكر، حتى إن عائشة قد نقلت اختلاف الناس، فقالت ﵂: من الناس من يقول: المقدم أبو بكر، ومنهم من يقول: المقدم رسول الله ﷺ . ولو كانت القصة متعددة لما حكت هذا الاختلاف، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-١٠٠٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة، فلما كبر انصرف، وأومأ إليهم: أي كما أنتم، ثم خرج فاغتسل، ثم جاء، ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما صلى، قال: إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل (١). • وأجيب: [بأن حديث أبي هريرة في الصحيحين (فلما قام في مصلاه، وانتظرنا أن يكبر انصرف) وهو المحفوظ] (٢).

стр. 3037

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3039

(ح-١٠٠٩) وقد روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ إلى أصحابه، أي: مكانكم، فذهب، وجاء ورأسه يقطر، فصلى بالناس (١). [ضعيف الإسناد] (٢).

стр. 3040

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3041

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3042

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3044

وجه الاستدلال من الحديث: أخذ الشافعية من الحديث أن النبي ﷺ لما عاد إلى صلاته بعد اغتساله كبَّر محرمًا مستأنفًا لصلاته، وليس في الحديث تصريح بأنه كبَّر، وإنما أخذوا حكم ذلك من الإجماع بأنه يلزمه ذلك. وكما أخذ الشافعية من هذا الحديث أن القوم بنوا على ما مضى من إحرامهم. فكان في الحديث دليل على أن افتتاح المأموم صلاته قبل الإمام لا تبطل صلاته. وجائز عند الشافعية أن يحرم المأموم قبل إمامه، وإن كانوا لا يستحبون ذلك، وأن بطلان صلاة الإمام لا يعود بالبطلان على صلاة المأموم مطلقًا (١).

стр. 3045

مناقشة الاستدلال. المناقشة الأولى: استدلال الشافعية بهذا الحديث على جواز إحرام المأموم قبل إمامه فيه نظر، فليس في هذا الحديث ما يدل عليه، فالمأموم كبَّر بعد إمامه مقتديًا به، معتقدًا صحة صلاة إمامه، ولا يسعه غير ذلك امتثالًا لقوله ﷺ : (إذا كبر فكبروا)، ثم بطلت صلاة الإمام من حين تذكر أنه كان مجنبًا، وليس قبل ذلك، فلم يخرج المأموم عن كونه مقتديًا بإمام يصح الاقتداء به، فهو كمن صلى خلف إمام متطهر، ثم سبقه الحدث في أثناء صلاته في المعنى (١). وعلى فرض أن يكون المأموم قد بقي على إحرامه، وبنى على صلاته بعد عود النبي ﷺ إلى الصلاة، فهناك فرق بين الاستدامة والابتداء، فهم لم يبتدئوا الإحرام قبل إمامهم، وإنما استداموا إحرامًا انعقد بعد تكبيرة الإمام، ثم تبين بطلان تكبيرة الإمام، والاستدامة أقوى من الابتداء، فالاستدلال أوسع من المدلول. المناقشة الثانية: استدلَّ الشافعية بهذا الحديث على أن الصحابة بقوا على إحرامهم، وأن النبي ﷺ حين عاد بنوا على ما مضى من صلاتهم، فلم يستأنفوا تكبيرة الإحرام؛ لأن النبي ﷺ لو أمرهم بأن يستأنفوا الصلاة لنقل ذلك، فلما لم ينقل علم أنهم قد بنوا على ما مضى من إحرامهم. •وقد أجاب المانعون عن هذا إجابات متفاوتة، فيها القوي، وفيها الضعيف. من ذلك: الجواب الأول: من أهل العلم من رأى أن حديث أبي بكرة، وأنس، بأنه تذكر بعد أن استفتح الصلاة، وكبر، معارض لحديث أبي هريرة في الصحيحين، أنه تذكر قبل أن يكبر، والسبيل في الأحاديث المتعارضة هو الجمع بينها إن أمكن بلا تكلف، أو الترجيح. فقال أصحاب الترجيح: ما في الصحيحين مقدم على غيرهما.

стр. 3046

وقال أصحاب الجمع: أن معنى (كبَّر) أي أراد أن يكبر، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي إذا أردت قراءته. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] ولا إمساك بعد انقضاء العدة، فالمراد: إذا قاربت البلوغ. وحديث أنس: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. متفق عليه (١). أي إذا أراد دخوله. وممن ذهب إلى ذلك الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢). وقال عياض: «معنى دخوله في الصلاة: أي للصلاة، كما قال في الرواية الأخرى: (حتى إذا قام في مصلاه)، وفي الرواية الأخرى (قام مقامه)، ثم فسر بقوله: (قبل أن يكبَّر)» (٣). وقد نقل ابن رجب في الفتح ما يدل على أن الإمام أحمد يومئ إلى ترجيح رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأنه لم يكن كبَّر (٤). ولا يصح دعوى التعارض إلا مع إثبات أن الواقعة واحدة، وأما مع القول بتعدد الوقائع، كما رجح ذلك ابن حبان، والنووي، وأبداه القرطبي احتمالًا (٥)، فلا حاجة إلى الترجيح أو التأويل.

стр. 3047

الجواب الثاني: عدم النقل عن الصحابة أنهم استأنفوا التكبير ليس دليلًا صريحًا أنهم قد بنوا على ما مضى من صلاتهم، فالحديث لم ينقل أنهم قد بنوا، كما لم ينقل أنهم استأنفوا. فالراوي لم يتعرض لها في الحديث، والحديث محتمل للأمرين. وأما الجزم بأنهم لو كبَّروا لنقل فغير مسلَّم، فالراوي لم ينقل أن الرسول ﷺ استأنف التكبير حين عاد إلى صلاته، ولا يقال: لو كان النبي ﷺ كبر لنقل، وإنما علمنا أنه يلزمه التكبير من الإجماع، وليس من الحديث. وأبو بكرة لم ينقل أن الصحابة كبروا حين كبر النبي ﷺ للمرة الأولى، إلا ما نعلم من حال الصحابة، وحرصهم على المسارعة في المتابعة، وإلا فالحديث ورد بثلاثة ألفاظ، كلها لم ينقل في الرواية أن الصحابة قد دخلوا في الصلاة مع الرسول ﷺ . فرواه أبو الوليد الطيالسي، عن حماد بن سلمة به، بلفظ: (كبر في صلاة الفجر يومًا، ثم أومأ إليهم). ولفظ يزيد بن هارون عن حماد به، عند أحمد: (استفتح الصلاة، فكبر، ثم أومأ إليهم أَنْ مكانكم … ). ولفظ عفان، وأبي كامل، وموسى بن إسماعيل، وحبان، وأبي عمر الضرير، كلهم عن حماد به: (دخل في صلاة الفجر، فأومأ إلى أصحابه: أي مكانكم … ). وهذا الذي حمل ابن الهمام، فقال في فتح القدير بعد أن ساق الحديث: «سنده صحيح، ولا يقتضي أن ذلك كان بعد شروعهم؛ لجواز كون التذكر كان عقيب تكبيره بلا مهلة قبل تكبيرهم … » (١). فإن كانوا لم يدخلوا في الصلاة فذاك، وإن كانوا قد كبروا مع النبي ﷺ للمرة الأولى، وترك ذكره أبو بكرة ﵁ فهو دليل على أنه لا يمكن الجزم بأن عدم النقل نقل للعدم، فما المانع أن يكون الصحابة ﵃ حين عاد النبي ﷺ ، وكبر للدخول في الصلاة، كبر معه الصحابة أيضًا، واستأنفوا صلاتهم؟ فإذا قلت: لم

стр. 3048

ينقل. قيل لك: ولم ينقل تكبير النبي ﷺ ، فعدم النقل ليس حجة، ولا يعتبر نقلًا للعدم، وإنما شاء الله قدرًا ألا ينقل الراوي ذلك؛ لتكون من مسائل الخلاف، والله أعلم (١). نعم ورد في حديث أنس: (فكبر، وكبرنا معه)، إلا أن حديث أنس الصحيح أنه مرسل كما سيأتي، والكلام على حديث أبي بكرة. الجواب الثالث: أن أبا داود قد روى معلقًا في السنن، قال أبو داود: ورواه أيوب، وابن عون، وهشام، عن محمد مرسلًا، عن النبي ﷺ ، قال: فكبر، ثم أومأ بيده إلى القوم: أن اجلسوا، فذهب، فاغتسل (٢). وقد وصله الشافعي في الأم، فرواه عن ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، واختصر لفظه (٣). وإسناد الشافعي إسناد صحيح، إلا أنه مرسل، ومرسلات ابن سيرين من أقوى المراسيل، وكان بن سيرين لا يرى الرواية بالمعنى، وهي لا تعارض لفظ: (أن مكثوا) أو لفظ: (مكانكم). فإن صح أمرهم بالجلوس فهو دليل على أنهم لم يكونوا في صلاة، والله أعلم. وقد ورد في حديث أنس: (فلم نزل قيامًا حتى أتانا)، إلا أن الصحيح فيه الإرسال. وفي حديث أبي هريرة في مسلم: (فلم نزل قيامًا ننتظره) إلا أن حديث أبي هريرة صريح في أن النبي ﷺ تذكر قبل أن يكبر، وعلى كل حال انتظار الصحابة للنبي ﷺ وهم قيام، لا يعني أنهم كانوا في صلاة، فقد يكون أراد منهم النبي ﷺ أن يستمروا على الكيفية التي تركهم عليها، وهو قيامهم في صفوفهم المعتدلة لسرعة فيئه، ولو أراد النبي ﷺ بقاءهم على إحرامهم لأمرهم بالقراءة، أو الذكر في الصلاة، بدلًا من وقوفهم في الصلاة من غير قراءة، ولا ذكر إلى أن يرجع الإمام، والله أعلم. قال ابن حبان: «محال أن يذهب ﷺ ليغتسل، ويبقى الناس كلهم قيامًا على

стр. 3049

حالتهم من غير إمام لهم إلى أن يرجع ﷺ ، ومن احتج بهذا الخبر في إباحة البناء على الصلاة لزمه أن لا يفسد وقوف المأموم بلا إمام مقدار ما ذهب ﷺ ، فاغتسل إلى أن رجع من غير قراءة تكون منهم، ولما صح نفيهم جواز ما وصفنا صح أن البناء غير جائز في الصلاة … » (١). الدليل الرابع: (ح-١٠١٠) ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار، من طريق عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، عن سعيد يعني: ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: دخل النبي ﵇ في صلاة، فكبر، وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم أن كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتانا، وقد اغتسل، ورأسه يقطر ماء (٢). [رواه عبد الوهاب عن سعيد، عن قتادة، عن بكر المزني مرسلًا، وهو المحفوظ] (٣).

стр. 3050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →