وقيل: يجب الأذان ثانية عند طلوع الفجر، وهو قول لبعض الشافعية، ورواية عند الحنابلة، واختاره ابن حزم وابن المنذر (١).
وقيل: لا يسن الأذان ثانية، وهو رأي لبعض المالكية (٢).
ولا تأتي هذه المسألة على مذهب السادة الحنفية؛ لأنهم لا يرون صحة الأذان قبل الوقت.
• حجة من قال: يسن الأذان ثانية ولا يجب:
الدليل الأول:
ثبت صحة الأذان قبل الوقت للفجر من حديث عائشة، وحديث ابن عمر، وحديث ابن مسعود، وكلها في الصحيحين.
وقد بينت فيما سبق أن هذا الأذان لا يصح أن يكون للسحور؛ لأن السحور ليس بصلاة حتى يشرع له الأذان، ولا يصح أن يكون للوتر، لأنه نافلة، ولا جماعة له، ولا يشرع الأذان للنوافل إجماعًا. وقد اشتمل على الدعوة للصلاة بقوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح وإنما ينادى بهذه الصيغة للصلوات المفروضة، فلم يبق إلا أن يكون الأذان الأول للفجر، وإذا صح أن يكون للفجر فقد حصل به الامتثال، سواء أقلنا: إن الأذان فرض كفاية، أم سنة.
الدليل الثاني:
إذا صح أن الأذان الأول دعوة لصلاة الصبح فإن الأذان الثاني سيكون من باب تكرار الأذان، وتكراره ليس بواجب.
الدليل الثالث:
إذا كنا مأمورين بالأذان للصلاة، فالامتثال للأمر يحصل بفعله مرة واحدة، ووجوب تكرار المأمور به يحتاج إلى أمر جديد، ولا يوجد أمر جديد من الشارع بالأذان مرة ثانية للصبح، وأما أذان ابن أم مكتوم بعد طلوع الفجر مع أذان بلال،
стр. 352
فهو فعل مجرد، فيقتضي الاستحباب، ولا يبلغ الوجوب.
الدليل الرابع:
(ح-١٣٥) ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن ابن زياد يعني الأفريقي، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي،
أنه سمع زياد بن الحارث الصُّدَائي، قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني يعني النبي ﷺ فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز، ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه - يعني فتوضأ - فأراد بلال أن يقيم، فقال له نبي الله ﷺ : إن أخا صُدَاءٍ هو أذن ومن أذن فهو يقيم، قال: فأقمت (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الصدائي ﵁ قد أذن قبل الوقت، ولم يعد الأذان بعد الوقت، فدل على جواز الاكتفاء به.
• وأجيب:
بأن الحديث ضعيف، وقد اختلف فيه على الأفريقي في وقت الأذان، فقد جاء في الحديث أن أذانه بعد أن أضاء الفجر، والله أعلم.
• حجة من قال: يجب الأذان ثانية للوقت:
الدليل الأول:
لم يرد حديث صحيح ولا ضعيف يدل على أنه ﷺ اكتفى بالأذان الأول عن الأذان بعد دخول الوقت.
الدليل الثاني:
الأذان قبل الوقت للصبح ليس حقًّا للوقت؛ لأنه قبله، ولا حقًّا للصلاة؛ لأنه لا تستباح به الصلاة، فلا يغني هذا الأذان عن الأذان المشروع حقًّا للوقت والصلاة،
стр. 353
كالأذان الأول للجمعة، فإنه يعاد بعد دخول الإمام، ولا يغني فعله عن الأذان الثاني.
الدليل الثالث:
إذا كان يعيد الأذان لو أذن قبل الوقت في غير وقت الصبح فكذلك الأذان للصبح يعاد قياسًا عليه، والفرق أن الفجر طُلِب له الأذان قبل الوقت؛ لأنه يأتي على الناس، وهم في نوم، فالاستيقاظ من النوم والاستعداد للصلاة يتطلب وقتًا؛ والناس متفاوتون منهم السريع والبطيء، وصاحب الحاجة، خاصة مع الحرص على سنة التغليس، فاستحب أن يكون هناك أذان يدعوهم للتأهب لها، وهو مستحب، ولا يغني عن الأذان المتعلق بالوقت والصلاة، والذي به تستباح الفريضة.
• حجة من قال: لا يسن الأذان ثانية:
أن الأذان الواقع قبل الفجر إن كان يحسب لصلاة الفجر فقد أذن لها، فلا حاجة لأذانٍ ثانٍ، وإن كان لا يحسب لصلاة الفجر فلا معنى له؛ لأن الأذان إنما يكون للصلاة.
• الراجح:
أن الأذان الثاني واجب، سواء أَأُذِّنَ قبل الوقت أم لا.
стр. 354
الشرط الخامس في اشتراط سلامة الأذان والإقامة من اللحن
المدخل إلى المسألة:
• كل متعبَّد بلفظه كالأذان، والتكبير في الصلاة، والتشهد، ونحوها فإن ألفاظها ومعانيها مقصودة شرعًا.
• ما كان مقصودًا للشارع لفظه ومعناه طلبت سلامته من اللحن، كالأذان، والإقامة، وما كان مقصودًا معناه دون لفظه، كالبيع والشراء، ونحوها لا يؤثر دخول اللحن في ألفاظه.
• إذا عاد اللحن بتغيير اللفظ، وسلم المعنى كره اللحن، وإن عاد اللحن بتغيير اللفظ والمعنى حرم اللحن؛ لأنه بمنزلة استبدال اللفظ بغيره.
اللحن: هو الخطأ في الإعراب.
وقيل: اللَّحْن هو خلل يطْرأ على الألفاظ فيخل بها، وهو نوعان:
جليٌّ: وهو ما يُخِلُّ إخلالًا ظاهرًا، يتغير به المعنى، ويفسد به اللفظ.
وخفيٌّ: لا يتغير به المعنى، وقد يختص بمعرفته العلماء، وطلبة العلم.
[م-٣٨] واختلف الفقهاء في اشتراط سلامة الأذان والإقامة من اللحن.
فقيل: يكره اللحن، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والشافعية (١).
стр. 355
وهذا يعني أن السلامة من اللحن ليست بشرط.
وقيل: السلامة من اللحن شرط، وبه قال ابن الحاج من المالكية (١).
وفُسِّر ذلك على أنه شرط ابتداء، لا على أنه لا يعتد به لو وقع.
وقيل: إن غيَّر اللَّحْنُ المعنى حُرِّم، وإلا كُرِهَ، وهذا مذهب الحنابلة، واختاره العبادي وابن عبد السلام من الشافعية (٢).
стр. 356
فعلى هذا يمكن تقسيم اللحن إلى قسمين:
أحدهما: لحن لا يتغير به المعنى، فهذا مكروه.
والثاني: لحن جليٌّ يتغير به المعنى فهذا محرم، واختار الحنابلة بطلان الأذان.
قال في الإقناع: «فإن أخل المعنى كقوله: الله وأكبر لم يعتد به» (١).
وفي شرح منتهى الإرادات: «وبطل الأذان إن أحيل المعنى باللحن، أو اللثغة، مثال الأول: مد همزة الله أكبر، أو بائه، ومثال الثاني: إبدال الكاف قافًا، أو همزة» (٢).
• وجه كون السلامة ليست شرطًا:
الوجه الأول:
المقصود من الأذان هو الإعلام، وهذا حاصل مع الأذان وإن كان فيه لحن يغير المعنى.
قال في الفواكه الدواني: «لا يبطل بنصب المرفوع، ولا برفع المنصوب؛ لأن المعتمد صحة الصلاة باللحن في الفاتحة فكيف بالأذان؟» (٣).
• ونوقش:
الأذان وإن كان الغرض منه الإعلام، إلا أنه يغلب عليه جانب التعبد، ولهذا يشرع للمنفرد والمسافر ممن لا يرجو جماعة، والقول بصحة الصلاة مع اللحن في الفاتحة موضع خلاف في المذهب المالكي فضلًا عن غيرهم من الفقهاء، ليس هذا موضع بحثه.
الوجه الثاني:
(ث-٢٧) ما يروى أن بلالًا يبدل الشين سيناً في الأذان.
فدل على أن السلامة من اللحن ليست شرطًا.
• وأجيب:
قال المزي: اشتهر على ألسنة العوام، ولم يرد في شيء من الكتب. اه وهذا دليل وضعه (٤).
стр. 357
قلت: قد اختار النبي ﷺ بلالًا، وفضله على عبد الله بن زيد صاحب رؤيا الأذان؛ لأنه أندى صوتًا منه: أي أرفع، وأعلى. وقيل: أحسن، وأعذب، وقيل: أبعد. حكاها ابن الأثير (١).
ولو كانت فيه لثغة لتوفرت الدواعي على نقلها.
ومثله ما يروى: سين بلال عند الله شين.
قال ابن كثير: كان -يعني بلالًا- من أفصح الناس، لا كما يعتقده بعض الناس، أن سينه كانت شينًا، حتى إن بعض الناس يروي حديثًا في ذلك لا أصل له عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن سين بلال شين (٢).
وقد رد الناس ما ذكره ابن قدامة بقوله: روي أن بلالًا كان يقول: أسهد، فيجعل الشين سينًا (٣).
• دليل كون السلامة من اللحن شرطًا:
الدليل الأول:
أن كل متعبد بلفظه كالأذان، والإقامة، والتكبير، والتشهد، فإن ألفاظها ومعانيها مقصودة شرعًا، فإن عاد اللحن بتغيير اللفظ وسلم المعنى كره اللحن، وإن عاد اللحن بتغيير اللفظ والمعنى فات مقصود الشارع، وصار كما لو استبدل لفظة الأذان بغيره، فبطل الأذان.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٦) ما رواه تمام في فوائده من طريق علي بن جميل الرقِّي، حدثنا
стр. 358
عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤذن لكم من يدغم الهاء (١).
[موضوع] (٢).
• الراجح:
أن اللحن الجلي الذي يحيل المعنى، ولا يأتي على لغة، أو لُغَيَّة من لغات العرب أن مثله يحرم، ولا يجوز تعيين صاحبه مؤذنًا راتبًا للمسلمين.
وإذا وقع، هل يعاد؟ فيه تأمل:
هل يقال: إن الأذان يقصد به الإعلام، وقد حصل، وهذا كافٍ لصحته؟
أو يقال: إن الأذان قد غلب عليه جانب التعبد، ولهذا يشرع للمنفرد والمسافر ممن لا يرجو جماعة، فلا يكفي حصول الإعلام به لصحته؛ لأن ألفاظ الأذان ومعانيها مقصودة للشارع، قد يكون هذا أقرب القولين، والله أعلم.
стр. 359
الشرط السادس
في اشتراط أن يكون الأذان بالعربية
المدخل إلى المسألة
• كل متعبَّد بلفظه كالأذان والتكبير في الصلاة، والتشهد، ونحوها لا يصح من القادر على العربية أن يبدل ألفاظها، ولو بلفظ عربي من معناها، الأصل فيه قول النبي ﷺ للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلْتَ وبرسولك الذي أرسلْتَ، فقال له النبي ﷺ : قل: وبنبيك الذي أرسلت. متفق عليه.
• ألفاظ الأذان توقيفية، متعبد بلفظها، ومقصود معناها، فلا تغير بزيادة، ولا نقص، ولا تبديل إلا من عاجز.
• ما كان المقصود منه لفظه ومعناه، فإن كان لإعجازه امتنعت ترجمته مطلقًا، وإن لم يكن لإعجازه امتنعت ترجمته في حق القادر على العربية، كالأذان، وتكبيرة الإحرام، والتشهد، والأذكار المقيدة، ونحوها. وما كان مقصودًا معناه دون لفظه فيجوز بأي لغة مطلقًا، للقادر وغيره، كالبيع، ونحو ذلك، ومنه رواية الحديث بالمعنى بشرطه.
[م-٣٩] اختلف الفقهاء في اشتراط العربية في الأذان:
فقيل: يصح إن عَلِمَ الناس أنه أذان، وإلا لم يصح، وهذا قول أبي حنيفة (١).
وجهه: أن الناس إذا علموا أنه أذان فقد حصل الإعلام، وهو المقصود، وإذا لم يعلموا أنه أذان لم يحصل به الإعلام، ولأن الأذان ذكر، وهو حاصل بكل لسان.
وقيل: العربية شرط لصحة الأذان، وهو الأصح في مذهب الحنفية، ومذهب
стр. 360
الشافعية والحنابلة (١).
واستثنى الشافعية، والحنابلة في قول: العاجز الذي يؤذن لنفسه (٢).
وألحق به الشافعية العاجز إذا أذن لجماعة ليس فيهم من يحسن العربية (٣).
ولم يذكر المالكية من شروط الأذان أن يكون بالعربية، فأكثر من ذكر الشروط هو صاحب الجواهر، نقلًا من الذخيرة، ولم يذكر منها أن يكون بالعربية،
قال: «يشترط أن يكون مسلمًا، عاقلًا، مميزًا، ذكرًا، بالغًا، عدلًا، عارفًا بالأوقات، صيتًا، حسن الصوت» (٤).
وبعض هذه الشروط قد تكون شروط كمال، وليست شروط صحة، مثل كونه
стр. 361
صيتًا حسن الصوت، والله أعلم.
• وجه القول باشتراط العربية:
أن الأذان، وإن كان المقصود منه الإعلام، إلا أننا متعبدون بلفظه.
قال العلماء: الألفاظ المتعبد بلفظها، كالأذان، والإقامة، والتكبير، والتشهد في الصلاة لا يجوز نقله بالمعنى؛ لأننا متعبدون بلفظه (١).
وإذا كان لا يصح من العربي تبديل ألفاظ الأذان بغيرها، ولو كانت بلفظ عربي له نفس المعنى، فكذلك لا يجوز للقادر على العربية من باب أولى أن يبدله بلغة أعجمية.
والقاعدة في هذا: أن ما كان المقصود منه لفظه ومعناه، فإن كان لإعجازه كالقرآن الكريم امتنعت ترجمته. وإن كان يقصد لفظه ومعناه، ولكن لا يقصد منه الإعجاز امتنع للقادر كالأذكار، والأذان، والتشهد، وجاز للعاجز. وما كان المقصود معناه دون لفظه فجائز ترجمته مطلقًا، عن العاجز وغيره.
стр. 362
الشرط السابع
في اشتراط كون الأذان من شخص واحد وكذلك الإقامة
المدخل إلى المسألة:
• شروط العبادة كالعبادة، لا يثبت شرط منها إلا بدليل صحيح، والأصل عدم الاشتراط.
• الأذان فرض كفاية، وفروض الكفايات المطلوب تحصيل الفعل بغض النظر عن الفاعل، والفعل قد وجد كاملًا.
[م-٤٠] إذا عرض للمؤذن في أثناء الأذان عذر حمله على ترك الأذان، فهل يجوز البناء على أذانه، أو إقامته، أو أنه يشترط أن يقوم بالأذان شخص واحد، وكذلك الإقامة؟
اختلف العلماء في هذا:
فقيل: يشترط أن يكون ذلك من شخص واحد، فإذا عرض للمؤذن ما حمله على قطع الأذان، استأنف الأذان شخص آخر، وكذلك الإقامة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (١).
وقيل: يصح البناء على أذان غيره، وهو وجه للشافعية، ووافقهم أشهب من المالكية في الإقامة (٢).
стр. 363
• حجة من قال: لا يجوز البناء على أذان الغير:
الدليل الأول:
حكى بعض العلماء الإجماع على عدم الصحة، قال في الإنصاف: «فلو أذن واحد بعضه، وكمَّله آخر لم يصح بلا خلاف أعلمه» (١).
• ونوقش:
بأن الخلاف محفوظ، ولعله يقصد به اتفاق أصحاب الإمام أحمد كما هي عادة كتب المذاهب، فلو عبر بالاتفاق لكان أدق.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٧) ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن ابن زياد يعني الأفريقي، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي،
أنه سمع زياد بن الحارث الصُّدَائي، قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني يعني النبي ﷺ فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز، ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه - يعني فتوضأ - فأراد بلال أن يقيم، فقال له نبي الله ﷺ : إن أخا صُدَاءٍ هو أذن ومن أذن فهو يقيم، قال: فأقمت (٢).
[ضعيف] (٣).
وجه الاستدلال:
إذا كانت الإقامة يقوم بها من أذن، فجمل الأذان الواحد من باب أولى.
الدليل الثالث:
أن الأذان عبادة، والأصل في العبادات المنع، وصحة البناء على أذان الغير يحتاج تصحيحه إلى دليل من الشارع، وإذا لم يثبت فالأصل المنع.
стр. 364
الدليل الرابع:
القياس على الصلاة، قال ابن قدامة: «وليس للرجل أن يبني على أذان غيره؛ لأنه عبادة بدنية، فلا يصح من شخصين كالصلاة … » (١).
• ويجاب:
بأن البناء على الصلاة جائز على الصحيح، فلو حصل للإمام عذر، واستخلف غيره قبل خروجه من الصلاة بنى على صلاته.
فإن قيل: هذا بنى على الإمامة، وليس على الصلاة.
فالجواب: أن بعض الفقهاء يرى أن الإمام لو كان مسبوقًا بنى على نسق صلاة الإمام، وليس على صلاته هو.
الدليل الخامس:
أن الأذان من الاثنين لا يحصل به المقصود من الإعلام، فالسامع يظن أن ذلك على وجه اللهو واللعب.
• ويناقش:
بأن هذا الظن بعيد؛ لأن الأذكار من الكبار لا يتصور أنها على وجه اللهو واللعب لو وقعت خارج الأذان، فكيف والناس يتحينون الأذان.
• حجة من قال: يجوز البناء:
الدليل الأول:
شروط العبادة كالعبادة، فإذا كانت العبادة لا تثبت إلا بدليل، فكذلك شروطها لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الشروط أوصاف فيها، ولا يوجد نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﷺ يشترط أن يكون الأذان من واحد.
الدليل الثاني:
أن الأذان فرض كفاية، وفروض الكفايات يكون المطلوب فعلها بغض النظر عن الفاعل، فإذا فعلت فقد صحت، وإفساد العبادة هو الذي يحتاج إلى دليل، ولا دليل على بطلان العبادة من الشرع.
стр. 365
الدليل الثالث:
إذا صح البناء على الصلاة في أصح قولي العلماء، صح البناء على الأذان من باب أولى؛ ذلك أن الأذان لا يتأثر بالكلام اليسير ولا الإغماء اليسير، بخلاف الصلاة.
• ونوقش هذا:
بأن هناك فرقًا بين الاستخلاف في الصلاة والاستخلاف في الأذان؛ لأن المستخلف في الصلاة قد أتى بها كاملة، وإن بنى على صلاة غيره، والمستخلف في الأذان إذا بنى لم يَأْتِ به كاملًا، فلم يجزه (١).
• ويرد عليه:
بأن القياس هو على جواز البناء على نية الإمامة، وليس على أفعال الصلاة، فهو لم يَنْوِ الإمامة حين كان مأمومًا، وصح البناء على نية إمامه، وكون المستخلف قد أتى بأفعال الصلاة كاملة ذلك أن فرض الصلاة وجوبه على الأعيان، فطلبت كاملة، والأذان وجوبه على الكفاية، فصح البناء.
الدليل الرابع:
من العلماء من قاس جواز البناء على الأذان بجواز البناء على خطبة الخطيب إذا أغمي عليه في أثنائها (٢).
• وقد يناقش:
بأن خطبة الخطيب ألفاظها غير متعينة، بخلاف الأذان، والله أعلم.
• الراجح:
ليس في المسألة نص يمكن التحاكم إليه، والأقرب أننا إذا رجحنا أن الأذان فرض كفاية، فيكون المطلوب هو قيام الفعل بغض النظر عن الفاعل، والفعل قد وجد كاملًا، وما دام أنه لا يوجد فاصل طويل لا يتصور الناس معه سماع كامل الأذان، فيصح البناء، والله أعلم.
стр. 366
الباب الثالث في آداب الأذان والإقامة
الفصل الأول في الآداب المتعلقة بالمؤذن والمقيم
المبحث الأول في استحباب الطهارة للأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
• الطهارة في العبادة منها ما هو شرط بالاتفاق كالصلاة، ومنها ما هو شرط عند الجمهور كالطواف ومس المصحف، ومنها ما هو متفق على استحبابها، وليست بشرط كالطهارة لذكر الله، ومنه الأذان.
• الأصل عدم اشتراط الطهارة للأذان.
• إذا شرعت الطهارة لرد السلام شرعت للأذان من باب أولى، فإن ذكر الله في الأذان أعظم من ذكره في رد السلام.
• إذا لم يمنع المُحْدِث من قراءة القرآن، وهو أعظم الذكر، لم يمنع من الأذان من باب أولى.
• قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. والأذان داخل في عموم الذكر.
[م-٤١] قال ابن هبيرة: «وأجمعوا على أن أذان المحدث معتد به إذا كان حدثه هو الأصغر مع استحبابهم أن يؤذن طاهرًا» (١).
стр. 367
وقال في الإنصاف: «ولا تجب الطهارة الصغرى بلا نزاع» (١).
ولم يختلف الفقهاء في استحباب الطهارة للمؤذن والمقيم، واستحبابها للإقامة آكد؛ لاتصالها بالصلاة (٢).
• واستدلوا على ذلك بأدلة عامة وخاصة:
فالعامة دليلان:
(ح-١٣٨) أحدهما من السنة: وهو ما رواه أحمد من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن الحضين أبي ساسان،
عن المهاجر بن قنفذ، أنه سلم على رسول الله ﷺ ، وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى توضأ، فرد عليه، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة.
[صحيح] (٣).
وجه الاستدلال:
أن الأذان ذكر عظيم؛ لافتتاحه بتعظيم الله، واشتماله على الشهادتين، ودعوة الناس إلى الخير، وختمه بالتعظيم والتوحيد، فهو أولى بالطهارة من رد السلام، والله أعلم.
والآخر من الإجماع:
стр. 368
جاء في الإنصاف: «وأجمعوا على أنه يستحب أن يكون المؤذن حرًّا بالغًا طاهرًا» (١).
وأما الخاصة فأحاديث كثيرة، إلا أنه لم يصح منها شيء.
الدليل الأول:
(ح-١٣٩) ما رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم، عن معاوية بن يحيى، عن الزهري،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا يؤذن إلا متوضئ (٢).
[اختلف فيه على الزهري، فروي موقوفًا ومرفوعًا، ولا يصحان] (٣).
стр. 369
الدليل الثاني:
(ح-١٤٠) روى أبو الشيخ الحافظ على ما عزاه إليه صاحب الإمام من طريق عبد الله بن هارون الفروي، حدثني أبي، عن جدي أبي علقمة،
عن محمد بن مالك قال: أذنت يومًا في مسجد علي بن عبد الله بن عباس الصبح، قال: لا تؤذن إلا وأنت طاهر، قال أبي: حدثني يعني عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: يا ابن عباس، إن الأذان متصل بالصلاة؛ فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر.
[ضعيف] (١).
الدليل الثالث:
(ح-١٤١) ما رواه البيهقي من طريق عمير بن عمران العلاف، قال: حدثنا الحارث بن عِنَبة، عن عبد الجبار بن وائل.
عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم.
قال البيهقي: عبد الجبار بن وائل عن أبيه مرسل (٢).
стр. 370
قلت: وقال ابن رجب: والحارث وعمير غير مشهورين (١).
قلت: إذا شرعت الطهارة لرد السلام شرعت للأذان من باب أولى، فإن ذكر الله في الأذان أعظم من ذكره في رد السلام.
وكما قلت: فإن هذا الأدب متفق على استحبابه، لا ينازع فيه أحد.
стр. 371
الفرع الأول في كراهة الأذان من المحدث
المدخل إلى المسألة:
• إذا لم يمنع المحدث من قراءة القرآن، وهو أعظم الذكر، لم يمنع من الأذان من باب أولى.
• قول عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه مشعر بوقوع الذكر منه حال الحدث؛ فلا يكره الأذان من المحدث؛ لأنه من سائر الأذكار.
• الكراهة حكم شرعي لا يقوم إلى على دليل شرعي.
• ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه.
• تطلق الكراهة في الشرع على المحرم، وعلى المنهي عنه نهي تنزيه، وعلى ترك ما فعله راجح، وإن لم يكن منهيًّا عنه، وحديث (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر) من الثالث (١).
لا خلاف بين أهل العلم في استحباب الطهارة للأذان والإقامة، وقد أفصح عن ذلك المبحث السابق، كما أنه لا خلاف بينهم في صحتهما من المحدث حدثًا أصغر.
[م-٤٢] وإذا كان ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه، فقد اختلفوا في كراهة الأذان والإقامة من المحدث:
стр. 372
فذهب عامة الفقهاء إلى كراهة الإقامة من المحدث حدثًا أصغر (١)، قال في الإنصاف: «تكره له الإقامة بلا نزاع» (٢).
• وجه الكراهة عندهم:
لما في ذلك من الفصل بين الإقامة والصلاة بعمل بينهما، ولأن الإقامة تراد لاستفتاح الصلاة، فاحتاج أن يكون على صفة يمكنه استفتاحها.
• ويناقش:
بأن الفصل بين الإقامة والصلاة لا يتصور إلا إذا كان يقيم لنفسه، بخلاف ما لو كان يقيم لجماعة فليس على الجماعة انتظاره، فلم يحصل فاصل بين الإقامة والصلاة، ولو كرهت الإقامة في هذه الحال لاقتضى الكراهة له ولغيره إذا فصل فاصل بين الإقامة والصلاة.
وقد روى البخاري من طريق شعبة، عن عبد العزيز،
عن أنس ﵁، قال: أقيمت الصلاة، ورجل يناجي رسول الله ﷺ ، فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى (٣).
وإذا كان يقيم لنفسه فلا معنى لإقامته للصلاة قبل استعداده للدخول فيها إلا أن تكون الإقامة حصلت منه سهوًا، فإن فعل فليس عليه إعادتها، ولا يعتبر ذلك من الفاصل الطويل.
(ح-١٤٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا
стр. 373
رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (١).
ولم يعيدوا الإقامة، ولو أنهم قالوا بالاستحباب لكان أقرب، لأن ما ذكروه من تعليل يقضي بالاستحباب، والإجماع منعقد عليه، ولا يلزم من تركه الوقوع في المكروه.
وقيل: لا تكره الإقامة من المحدث، وهو قول في مقابل الراجح عند الحنفية؛ لأنها أحد الأذانين (٢).
ويمكن أن يستدل أيضًا بعدم الكراهة، أن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، ولا يوجد دليل من الشرع يكره هذا الفعل.
[م-٤٣] واختلفوا في كراهة الأذان من المحدث حدثًا أصغر:
فقيل: لا يكره الأذان من المحدث، وهو مذهب الحنفية، ونص المدونة، ومذهب الحنابلة (٣).
جاء في المدونة: «يؤذن المؤذن على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء» (٤).
وقيل: يكره الأذان من المحدث حدثًا أصغر.
وهو قول في مذهب الحنفية (٥)، والمشهور عند متأخري المالكية (٦)، وقول
стр. 374
في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: الطهارة من الحدث شرط، حكاه بعض المالكية، ونسب العمراني والنووي القول به لمجاهد، والأوزاعي، وإسحاق (٢).
стр. 375
قال في عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب: «لا يؤذن إلا طاهرًا، ولا يجزئ محدثًا» (١).
• حجة من قال: لا يكره الأذان والإقامة من المحدث.
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل على الكراهة.
الدليل الثاني:
القياس على سائر الأذكار، فإذا لم يكره للمحدث قراءة القرآن، وهو أعظم الذكر لم يكره الأذان من باب أولى.
• حجة من قال بالكراهة:
الدليل الأول:
(ح-١٤٣) روى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان،
عن المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، أو قال: على طهارة (٢).
[صحيح] (٣).
• ويناقش:
بأن الكراهة هنا محمولة على ترك الأولى؛ للإجماع على أن ذكر الله
стр. 376
لا يكره للمحدث.
قال الطوفي في شرح مختصر الروضة: «المكروه قد يطلق على الحرام … وقد يطلق على ترك الأولى … قال الآمدي: قد يطلق المكروه على الحرام، وعلى ما فيه شبهة وتردد، وعلى ترك ما فعله راجح وإن لم يكن منهيًّا عنه» (١).
(ح-١٤٤) وقد روى مسلم، من طريق البهي، عن عروة،
عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث: (على كل أحيانه) لفظ كل من ألفاظ العموم. وقوله: (أحيانه) أي أوقاته، وهي نكرة مضافة، فتعم كل وقت، فيذكر الله محدثًا ومتطهرًا، وقاعدًا وقائمًا، ومضطجعًا، فإذا لم يمنع من الذكر لم يمنع من الأذان، لأن الأذان من الذكر.
الدليل الثاني:
استدلوا بأدلة ورد فيها الأمر بالوضوء للأذان، وقد سقناها عند الكلام على استحباب الطهارة للأذان، كحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا يؤذن إلا متوضئ (٣).
[اختلف فيه على الزهري، فروي موقوفًا ومرفوعًا، ولا يصحان] (٤).
وحديث وائل بن حجر، قال: حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم.
قال البيهقي: عبد الجبار بن وائل عن أبيه مرسل (٥).
وهذه الأدلة لو صحت لم تدل على الكراهة، غايتها أن تدل على الاستحباب، وهذا لا نزاع فيه، ولا أظن أحدًا يختلف في استحباب الطهارة لذكر الله، إلا أن النقاش في الكراهة، فإنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.
стр. 377
• الراجح:
أن الأذان والإقامة لا يكرهان من المحدث لعدم قيام الدليل على الكراهة، فضلًا أن تكون الطهارةشرطًا للأذان، والله أعلم.
стр. 378
الفرع الثاني في كراهة الأذان من الجنب
المدخل إلى المسألة:
• الطهارة في العبادة منها ما هو شرط بالاتفاق كالصلاة، ومنها ما هو شرط عند الجمهور كالطواف ومس المصحف، ومنها ما هو متفق على استحبابها، وليست بشرط كالطهارة لذكر الله، ومنه الأذان.
• الأصل عدم اشتراط الطهارة للأذان.
• إذا شرعت الطهارة لرد السلام شرعت للأذان من باب أولى، فإن ذكر الله في الأذان أعظم من ذكره في رد السلام.
[م-٤٤] اختلف العلماء في أذان الجنب وإقامته:
فقيل: يكره أذان الجنب، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 379
قال ابن القاسم: لا يؤذن الجنب، وحمله اللخمي على الكراهة (١).
وقيل: لا بأس بذلك في غير المسجد، وهو قول سحنون وابن نافع من المالكية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣)، وهو اختيار ابن حزم (٤).
وقيل: يجوز مطلقًا، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
وقيل: إن أذن جنباً أعاد، وهو قول في مذهب المالكية، واختيار الخرقي من الحنابلة (٦).
• دليل من قال: لا يصح الأذان إلا بطهارة.
الدليل الأول:
(ح-١٤٥) استدلوا: بما رواه البيهقي من طريق عبد الله بن محمد بن سنان، حدثنا سلمة بن سليمان الضبي، ثنا صدقة بن عبيد الله المازني، ثنا الحارث بن عنبة، عن عبد الجبار بن وائل،
عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم (٧).
стр. 380
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل الثاني:
قالوا: إن للأذان شبهًا بالصلاة، وذلك أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويختصان بالوقت، ولا يتكلم فيهما (٢).
• ويجاب عنه:
بأن الجنابة أحد الحدثين، ولو كان الأذان صلاة، ما صح مع الحدث الأصغر، ولما أجزأ عندهم.
الدليل الثالث:
قالوا: إن الأذان يتطلب دخول المسجد، والجنب ممنوع من دخول المسجد.
• ويجاب:
هذا استدلال بموضع النزاع، ولا نسلم أن الجنب ممنوع من دخول المسجد، وقد بحثت هذه المسألة في فصل مستقل في كتاب الطهارة، وعُرِض فيها أقوال أهل العلم، فمنهم من منع مطلقًا، ومنهم من أباح المرور فيه دون مكث، ومنهم من أجاز المكث بشرط الوضوء، وقد ترجح من خلال البحث جواز دخول الجنب للمسجد مطلقًا، فأغنى عن إعادته هنا، وعلى فرض التسليم، قد يقال: أذانه صحيح مع الإثم لمكثه في المسجد مع الجنابة؛ لأن النهي لم يكن من أجل الأذان.
• دليل من قال: يكره أذان الجنب.
الدليل الأول:
قالوا: قد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أذان الجنب لا يصح، فخروجًا من الخلاف قلنا بالكراهة (٣).
стр. 381
والتعليل بالخلاف تعليل ضعيف، مع أنهم في هذه المسألة لم يخرجوا من الخلاف، بل زادوا منه لأمور:
أولًا: هم لم يأتوا بقول يجمع بين القولين حتى يقال: قد وفقوا بين الخلاف، فلا هم قالوا بصحته بلا كراهة، ولا هم منعوا منه، فأنتم في الحقيقة أحدثتم قولًا ثالثًا في المسألة، لا بسبب دليل حملكم على القول به، ولكن الذي دعاكم إلى القول به، وجود قولين في المسألة، وبدلًا من أن يكون في المسألة قولان، أصبح فيها ثلاثة أقوال، فأصبح تعليلهم زاد من الخلاف، ولم يخرجوا منه.
ثانيًا: الكراهة حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها حتى نعلل به الحكم الشرعي.
ثالثًا: لو أخذنا بالخلاف دليلًا أو تعليلًا للحكم الشرعي، للزم أن كل مسألة خلافية، نقول: إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد، فالصحيح أن الخلاف قسمان: خلاف يكون ضعيفًا جدًا، فهذا نطرحه ولا نبالي.
وليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلافًا له حظ من النظر
وخلاف يكون قويًا، فتجد كل قول في المسألة له دليل قوي، وله حظ من النظر، فهنا ينظر: فإن أمكن الخروج من الخلاف، بحيث نأخذ بقول يجمع بين القولين، فهو جيد، ويكون من باب الاحتياط، وليس السبب وجود الخلاف، ولكن السبب تنازع الأدلة، فهو من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وليس كل خلاف يمكن الخروج منه، فإن هناك أقوالًا متضادة لا يمكن الخروج من الخلاف فيها، وذلك مثل قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية للمأموم، فهناك قول يقول: تجب قراءتها، وقول آخر يقول: تحرم قراءتها، فلا يمكن هنا في مثل هذه المسألة الخروج من خلاف أهل العلم، ولا بد من ترجيح أحد القولين لامتناع جمع هذين القولين في قول ثالث، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قالوا: إنه ذكر مشروع للصلاة يتقدمها أشبه الخطبة.
стр. 382
قلت: القياس في العبادات ضعيف، ولا يصح إلا مع النص على العلة ووجودها في المقيس، وهذا لا يتأتى هنا، مع أن المقيس عليه، وهو الخطبة لا دليل فيها على كراهتها من الجنب.
الدليل الثالث:
قالوا: إن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة، فإذا لم يكن متأهِّبًا لها دخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].
• ويجاب:
الاستدلال بالآية استدلال في غير ما وضعت له، ولذا قال في آخر الآية: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والأذان من الجنب ليس منافيًا للعقل، ثم إن الجنب سوف يصلي فلا يدخل تحت من يأمر الناس بشيء ولا يفعله، غاية ما فيه أنه سوف يذهب للغسل بعد الأذان، فهو كمن أذن، وهو محدث حدثاً أصغر، ثم ذهب يتوضأ بعد الأذان، ولا فرق، إلا أن هذه طهارة لأربعة أعضاء، وهذه طهارة للبدن كله.
• دليل من قال: يصح الأذان من الجنب.
الدليل الأول:
قالوا: لم يَأْتِ نهيٌ من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﷺ للجنب يمنعه من الأذان، وقد قال :
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فصح أن كل ما لم يفصل لنا تحريمه، فهو مباح (١).
والأصل عدم اشتراط الطهارة من الجنابة للأذان، فمن اشترط فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
أن الأذان ذكر لله، والجنب لا يمنع من ذكر الله اتفاقًا في غير القرآن الكريم، فكذا لا يمنع من الأذان.
• الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بصحة أذان الجنب هو أقوى
стр. 383
الأقوال، وذلك أن من منع، أو كره أذان الجنب لم يأت بدليل صحيح صريح على ما ذهب إليه، والأصل عدم المنع، وإذا كانوا لا يمنعون الجنب من إجابة المؤذن، وهو سوف يقول مثل ما قال المؤذن، فكيف يمنع من الأذان؟ فلا فرق بينهما.
فإن أجزنا دخول الجنب في المسجد وهو الصحيح جاز مطلقًا.
وإن منعنا دخول الجنب المسجد منع من الأذان ليس من أجل الأذان، ولكن من أجل دخوله المسجد، فيصح أذانه خارج المسجد، ولو أذن داخل المسجد على هذا القول فينبغي أن يقال بصحته مع الإثم؛ لحصول الإعلام به، والله أعلم.
стр. 384
الفرع الثالث في إقامة الجنب
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم اشتراط الطهارة.
• شروط العبادة كالعبادة نفسها لا تثبت إلا بدليل.
• الأذان والإقامة ذكر لله، والأذكار لا تشترط لها الطهارة.
• تأثير الجنابة إنما هو في تأخر المصلي من حيث كونه مصليًا في الدخول في الصلاة بعد الإقامة، سواء أهو الذي أقام أم أقام غيره.
[م-٤٥] اختلف أهل العلم في إقامة الجنب للصلاة،
فقيل: لا تصح، وهو قول في مذهب المالكية (١)، وقول عطاء (٢)، ومجاهد (٣)،
стр. 385
والأوزاعي (١)، وإسحاق (٢).
وقيل: تكره الإقامة من الجنب. وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٣)،
والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
وقيل: تصح الإقامة من الجنب بلا كراهة، وهو اختيار ابن حزم (٧).
• وجه منع الجنب من إقامة الصلاة.
كل الأدلة التي استدلوا بها على منع الجنب من الأذان، استدلوا بها هنا على منع الجنب من إقامة الصلاة، بل قالوا: إن الإقامة أشد في المنع من الأذان، وقد ذكرتها في المسألة السابقة فلا حاجة إلى إعادتها.
• وجه كراهة إقامة الجنب:
أنه يلزم من إقامة الجنب الخروج من المسجد بعد الأذان، ويترتب عليه فوات قدر من الصلاة، وفواته المكان الفاضل، ويلزم منه الفصل بين الإقامة والصلاة، وهي متصلة بها.
• ويناقش:
بأن كل هذه المحاذير لا تتعلق بالإقامة، وإنما تتعلق بالمصلي من حيث كونه مصليًا إذا أقيمت الصلاة وهو جنب، سواء أباشر الإقامة هو أم غيره، حتى لا يضطر
стр. 386
إلى الخروج من المسجد، وفوات قدر من الصلاة، وفوات المكان الفاضل سواء أكان هو المقيم، أم كان المقيم غيره، فكون الكراهة تتوجه إلى الإقامة ليس بسديد.
وأما الفصل بين الإقامة والصلاة فلا يوجد فاصل إن كان الجنب يقيم لجماعة؛ لأن الجماعة سوف تدخل في الصلاة بعد فراغه من الإقامة مباشرة، وليس على الجماعة انتظاره؛ أما إذا أقام لنفسه، وهو جنب، ثم ذهب ليغتسل، فهنا قد يوجد فاصل بين الصلاة والإقامة، فيقال له: لا حاجة إلى أن تقيم، وأنت لن تستفتح الصلاة، فانتظر حتى تفرغ من الغسل، ولكن إن وقع منك ذلك سهوًا فلا حاجة لإعادة الإقامة.
(ح-١٤٦) فقد روى الإمام البخاري ومسلم، من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا، ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (١). فهذا ظاهره أنهم لم يعيدوا الإقامة، والله أعلم.
• وجه تصحيح إقامة الجنب:
الأدلة نفسها التي استدلوا بها على تصحيح أذان الجنب يستدل بها هنا على صحة إقامة الجنب، فلم يَأْتِ دليل من كتاب أو سنة يمنع من إقامة الجنب للصلاة، والتعاليل التي ذكروها لا تكفي في الكراهة الشرعية.
• الراجح:
صحة إقامة الجنب، والجزم بالكراهة يفتقر إلى نهي من الشارع، ولم يثبت. وإن قلنا: لا يجوز دخول الجنب المسجد فيحرم إقامة الجنب لا من أجل الإقامة، ولكن من أجل دخول المسجد، فلو كانت إقامته خارج المسجد، أو كانت الجماعة خارج المسجد صحت إقامته، والله أعلم.
стр. 387
المبحث الثاني في استقبال القبلة حال الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
• استحباب صفة في العبادة كاستحباب أصل العبادة، لا يثبت إلا بدليل.
• استقبال القبلة حال الأذان عمل المسلمين، نقله الخلف عن السلف، وهذا كاف في تفضيل الاستقبال على غيره.
• العبادات التي لم يرد فيها نص بالاستقبال، أو ورد، ولكنه ضعيف، هل يقال: الأصل في العبادات استقبال القبلة؟ أو يقال: الأصل عدم المشروعية؟ الثاني أقوى.
• استقبال القبلة منه ما هو شرط كالصلاة. ومنه ما هو غير مشروع، كاستقبالها من الإمام في خطبة الجمعة، ومنه ما هو سنة، كاستقبالها حال الدعاء. ومنه ما هو منهي عنه كاستقبالها حال قضاء الحاجة.
[م-٤٦] ذهب عامة الفقهاء إلى استحباب أن يأتي بالأذان والإقامة مستقبل القبلة غير أن جمهورهم استثنوا من ذلك الالتفات في الأذان عند الحيعلتين حي على الصلاة، حي على الفلاح (١).
стр. 388
وقيل: استقبال القبلة شرط، وهو وجه عند الشافعية، حكاه الخرسانيون منهم (١).
قال النووي في المجموع: «وذكر جماعات من الخراسانيين في اشتراط القيام، واستقبال القبلة في حال القدرة وجهين» (٢).
• دليل من قال: يستحب استقبال القبلة:
الدليل الأول:
قال الكاساني: «أن يأتي بالأذان والإقامة مستقبل القبلة … وعليه إجماع الأمة» (٣).
قال ابن قدامة: «المستحب أن يؤذن مستقبل القبلة، لا نعلم فيه خلافًا» (٤).
وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن من السنة أن تستقبل القبلة بالأذان» (٥).
• ويناقش:
بأن ابن رجب قال في شرحه للبخاري: «والسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة» (٦).
فهذه العبارة من ابن رجب تشعر بأن في المسألة خلافًا.
وجاء في المدونة: «قال ابن القاسم: رأيت المؤذنين في المدينة يؤذنون، ووجوههم إلى القبلة، قال: ورأيته يرى أن ذلك واسع، يصنع كيف يشاء» (٧).
وهذه العبارة تشعر بالإباحة، وإن كان المشهور من مذهب المالكية أن ترك الاستقبال خلاف الأولى.
الدليل الثاني:
(ح-١٤٧) ما رواه أحمد من طريق أبي النضر ويزيد بن هارون، كلاهما عن
стр. 389
المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن معاذ بن جبل قال: .... كانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضًا حتى نقسوا، أو كادوا ينقسون. قال ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت: إني لم أكن نائمًا لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصًا، عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله. مثنى مثنى حتى فرغ من الأذان ..... الحديث (١).
• وأجيب بجوابين:
الأول: أن الإسناد منقطع، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، قاله الترمذي وابن خزيمة وغيرهما.
الثاني: أن المسعودي قد انفرد بذكر الاستقبال في هذا الإسناد، والمسعودي قد اختلط، وجميع من روى عنه هذا الحديث كان بعد الاختلاط (٢).