إلى الخروج من المسجد، وفوات قدر من الصلاة، وفوات المكان الفاضل سواء أكان هو المقيم، أم كان المقيم غيره، فكون الكراهة تتوجه إلى الإقامة ليس بسديد.
وأما الفصل بين الإقامة والصلاة فلا يوجد فاصل إن كان الجنب يقيم لجماعة؛ لأن الجماعة سوف تدخل في الصلاة بعد فراغه من الإقامة مباشرة، وليس على الجماعة انتظاره؛ أما إذا أقام لنفسه، وهو جنب، ثم ذهب ليغتسل، فهنا قد يوجد فاصل بين الصلاة والإقامة، فيقال له: لا حاجة إلى أن تقيم، وأنت لن تستفتح الصلاة، فانتظر حتى تفرغ من الغسل، ولكن إن وقع منك ذلك سهوًا فلا حاجة لإعادة الإقامة.
(ح-١٤٦) فقد روى الإمام البخاري ومسلم، من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا، ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (١). فهذا ظاهره أنهم لم يعيدوا الإقامة، والله أعلم.
• وجه تصحيح إقامة الجنب:
الأدلة نفسها التي استدلوا بها على تصحيح أذان الجنب يستدل بها هنا على صحة إقامة الجنب، فلم يَأْتِ دليل من كتاب أو سنة يمنع من إقامة الجنب للصلاة، والتعاليل التي ذكروها لا تكفي في الكراهة الشرعية.
• الراجح:
صحة إقامة الجنب، والجزم بالكراهة يفتقر إلى نهي من الشارع، ولم يثبت. وإن قلنا: لا يجوز دخول الجنب المسجد فيحرم إقامة الجنب لا من أجل الإقامة، ولكن من أجل دخول المسجد، فلو كانت إقامته خارج المسجد، أو كانت الجماعة خارج المسجد صحت إقامته، والله أعلم.
стр. 387
المبحث الثاني في استقبال القبلة حال الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
• استحباب صفة في العبادة كاستحباب أصل العبادة، لا يثبت إلا بدليل.
• استقبال القبلة حال الأذان عمل المسلمين، نقله الخلف عن السلف، وهذا كاف في تفضيل الاستقبال على غيره.
• العبادات التي لم يرد فيها نص بالاستقبال، أو ورد، ولكنه ضعيف، هل يقال: الأصل في العبادات استقبال القبلة؟ أو يقال: الأصل عدم المشروعية؟ الثاني أقوى.
• استقبال القبلة منه ما هو شرط كالصلاة. ومنه ما هو غير مشروع، كاستقبالها من الإمام في خطبة الجمعة، ومنه ما هو سنة، كاستقبالها حال الدعاء. ومنه ما هو منهي عنه كاستقبالها حال قضاء الحاجة.
[م-٤٦] ذهب عامة الفقهاء إلى استحباب أن يأتي بالأذان والإقامة مستقبل القبلة غير أن جمهورهم استثنوا من ذلك الالتفات في الأذان عند الحيعلتين حي على الصلاة، حي على الفلاح (١).
стр. 388
وقيل: استقبال القبلة شرط، وهو وجه عند الشافعية، حكاه الخرسانيون منهم (١).
قال النووي في المجموع: «وذكر جماعات من الخراسانيين في اشتراط القيام، واستقبال القبلة في حال القدرة وجهين» (٢).
• دليل من قال: يستحب استقبال القبلة:
الدليل الأول:
قال الكاساني: «أن يأتي بالأذان والإقامة مستقبل القبلة … وعليه إجماع الأمة» (٣).
قال ابن قدامة: «المستحب أن يؤذن مستقبل القبلة، لا نعلم فيه خلافًا» (٤).
وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن من السنة أن تستقبل القبلة بالأذان» (٥).
• ويناقش:
بأن ابن رجب قال في شرحه للبخاري: «والسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة» (٦).
فهذه العبارة من ابن رجب تشعر بأن في المسألة خلافًا.
وجاء في المدونة: «قال ابن القاسم: رأيت المؤذنين في المدينة يؤذنون، ووجوههم إلى القبلة، قال: ورأيته يرى أن ذلك واسع، يصنع كيف يشاء» (٧).
وهذه العبارة تشعر بالإباحة، وإن كان المشهور من مذهب المالكية أن ترك الاستقبال خلاف الأولى.
الدليل الثاني:
(ح-١٤٧) ما رواه أحمد من طريق أبي النضر ويزيد بن هارون، كلاهما عن
стр. 389
المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن معاذ بن جبل قال: .... كانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضًا حتى نقسوا، أو كادوا ينقسون. قال ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت: إني لم أكن نائمًا لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصًا، عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله. مثنى مثنى حتى فرغ من الأذان ..... الحديث (١).
• وأجيب بجوابين:
الأول: أن الإسناد منقطع، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، قاله الترمذي وابن خزيمة وغيرهما.
الثاني: أن المسعودي قد انفرد بذكر الاستقبال في هذا الإسناد، والمسعودي قد اختلط، وجميع من روى عنه هذا الحديث كان بعد الاختلاط (٢).
الدليل الثالث:
(ث-٢٨) روى السراج في مسنده، قال: حدثنا زياد بن أيوب حدثنا يعلى بن عبيد، وحدثنا أبو عوف حدثنا أبو نعيم قالا: ثنا مجمع بين يحيى قال:
كنت مع أبي أمامة بن سهل وهو مستقبل المؤذن، وكبر المؤذن، وهو مستقبل القبلة وقال: الله أكبر الله أكبر اثنين فكبر أبو أمامة اثنين .... وذكر بقية الأثر (١).
• وأجيب بوجهين:
الوجه الأول:
أن ذكر استقبال القبلة من المؤذن في هذا الأثر غير محفوظ (٢).
الوجه الثاني:
على فرض أن يكون هذا الفعل محفوظًا فإن الاستدلال به على الاستحباب فيه نظر؛ لأن الفعل صادر من تابعي، وقد يكون مقصودًا وقد يكون غير مقصود، وإقرار الصحابي أو غيره من العلماء ليس بحجة؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا لا نقول: إن استقبال القبلة في الأذان منكر، حيث يبعد أن يراه صحابي ولا ينكره، بل نقول: إنه مباح، وسكوت الصحابي على هذا الفعل مؤكد للإباحة، ولا يبلغ به
стр. 393
الاستحباب، والله أعلم.
الدليل الرابع:
لابد للمؤذن من جهة، فإذا لم يكن بد من جهة، فجهة القبلة أولى، ولذلك رأى بعض العلماء أن الأصل في العبادات أن تكون إلى جهة القبلة.
قال النووي: «لما أراد أن يدعو -يعني في خطبة الاستسقاء- استقبل القبلة، ففيه استحباب استقبالها للدعاء، ويلحق به الوضوء، والغسل والتيمم، والقراءة والأذكار، والأذان وسائر الطاعات إلا ما خرج بدليل، كالخطبة ونحوها» (١).
وكذلك استحب الحنابلة استقبال القبلة للوضوء، قال ابن مفلح في الفروع: «وظاهر ما ذكره بعضهم يستقبل القبلة، ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل» (٢).
• ويناقش:
قال شيخنا ابن عثيمين: «ولا شك أنه في الدعاء ينبغي أن يستقبل القبلة، أما في الوضوء وشبهه ففي النفس من هذا شيء، فيحتاج إلى دليل خاص؛ لأن الظاهر من حال الرسول ﷺ أنه لا يتعمد ذلك» (٣).
والقول بأن استقبال القبلة متجه في كل عبادة فيه نظر؛ لأن الأصل في العبادات الحظر حتى يرد دليل من الشرع بالاستحباب، واستحباب الصفة كاستحباب أصل العبادة، والله أعلم.
الدليل الخامس:
أن استقبال القبلة هو عمل الناس، نقله الخلف عن السلف.
قال ابن حزم: «وإنما تخيرنا أن يؤذن ويقيم على طهارة قائمًا إلى القبلة؛ لأنه عمل أهل الإسلام قديمًا وحديثًا» (٤).
стр. 394
• دليل من قال: إن استقبال القبلة شرط:
قال الرافعي: «شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق واتفاقهم وهذا مما استمروا عليه» (١).
وقال إمام الحرمين «وهذا ما بنى عليه الشافعي في إيجاب القيام في الخطبتين والقعود بينهما في يوم الجمعة» (٢).
وسوف أناقشه إن شاء الله تعالى عليه عند الكلام على اشتراط القيام للأذان.
• الراجح:
إن صح الإجماع المنقول فلا إشكال، وإن لم يصح الإجماع فإن استقبال القبلة في الفقه يختلف من عبادة إلى أخرى:
فقد يكون استقبال القبلة شرطًا في العبادة كاستقبال القبلة في الصلاة.
وقد يكون الاستقبال غير مشروع كما في حال خطبة الجمعة.
وقد يكون الاستقبال مسنونًا كاستقبال القبلة حال الدعاء فوق الصفا والمروة، وبعد رمي الجمرة الأولى والوسطى.
وقد يكون الاستقبال منهيًّا عنه، كاستقبال القبلة حال قضاء الحاجة.
فما جاءت السنة صريحة صحيحة بحكمه فهو متبع.
وإنما السؤال في العبادات التي لم يرد فيها نص، أو جاء نص ولكنه ضعيف:
هل نقول: إن الأصل في العبادات استقبال القبلة؟
أو نقول: إن الأصل عدم المشروعية؟ وهذا هو ما أميل إليه. وإن كانت مسألة استقبال القبلة حال الأذان والإقامة هو عمل الناس، ويكفي ذلك في اعتبار الاستقبال أولى من غيره، أما أن يضاف ذلك إلى السنة، ففيه نظر عندي؛ لأن إثبات سنة إنما يتوقف على نص شرعي، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، فلو
стр. 395
كان ذلك من السنة لجاءت السنة صحيحة صريحة، كما جاءت كثير من السنن في آداب الخلاء، وآداب النوم، وآداب الاضطجاع، وآداب الأكل، وآداب الركوب، والدخول والخروج، وغيرها من الآداب، أتأتي السنة صحيحة في هذه الأمور، ولا تأتي سنة صحيحة في أمر يتعلق بأعظم أركان الإسلام العملية، وهي الأذان للصلاة المفروضة إلا أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة؟ والله أعلم.
стр. 396
المبحث الثالث في استحباب القيام في الأذان والإقامة
الفرع الأول
في استحباب القيام في الأذان
المدخل إلى المسألة:
• ليس في قيام المؤذن سنة صريحة يمكن الاعتماد عليها في الاستحباب إلا أنه عمل المسلمين، نقله الخلف عن السلف.
• القيام في الأذان أهو مطلوب لذاته، أم لكونه أبلغ في الإعلام من القاعد، فلو أذن على مرتفع، أو بمكبر الصوت لم يطلب؟ الثاني أقوى.
• لا يكره الأذان من القاعد؛ حيث لم يحفظ نهي من الشارع عنه، ولأن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل.
• القيام منه ما هو فرض بالاتفاق كالقيام في الصلاة المكتوبة، ومنه ما هو مختلف في وجوبه، والصحيح عدم الوجوب كالقيام في خطبة الجمعة، والأذان، وترك الركوب في الطواف، ومنه ما هو سنة كالقيام في النافلة، ومنه ما هو مكروه كالأكل والشرب قائمًا بلا حاجة، ومنه ما هو محرم كالقيام على أهل التجبر إكبارًا وتعظيمًا، ومنه ما هو مباح كالبول قائمًا إذا أمن التلوث والناظر إليه، وهذا القسم هو الأصل.
• الأذان نوع من ذكر الله وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. وقالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
[م-٤٧] اختلف الفقهاء في حكم القيام للأذان:
стр. 397
فقيل: سنة، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: شرط، فلا يصح الأذان من القاعد.
وهو وجه في مقابل الأصح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن حامد، وابن تيمية، وقال به مالك لمن يؤذن لغيره، ورجحه القاضي عياض (٢).
وقال أبو ثور: يؤذن جالسًا من غير علة (٣).
وقيل: لا يصح أذان المضطجع، حكاه القاضي حسين وجهًا عند الشافعية (٤).
• وقد استدل من استحب القيام للأذان بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-١٤٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه، قال: سرنا مع النبي ﷺ ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة … فذكر نومهم عن صلاة الصبح في حديث طويل، وفيه: قال ﷺ : يا بلال، قم فأذن بالناس بالصلاة … (٥).
الدليل الثاني:
(ح-١٤٩) ما رواه البخاري، ومسلم، من طريق ابن جريج، عن نافع،
стр. 398
أن ابن عمر، كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس يُنَادَى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قم فَنَادِ بالصلاة (١).
وجه الاستدلال من الحديثين:
قوله: (قم فناد بالصلاة): قال ابن المنذر وابن خزيمة والقاضي عياض: فيه حجة لشرع الأذان قائمًا (٢).
• وأجيب:
قال النووي: «المراد قم، فاذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة؛ ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان … ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، والله أعلم» (٣).
ولو قال النبي ﷺ : يا بلال نَادِ قائمًا لكان نصًّا في موضع النزاع، وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن زيد: (يا عبد الله قم، فألقه على بلال، فليؤذن به؛ فإنه أندى صوتًا منك)، هل يقال: إن التلقين كان مشروعًا فيه القيام؟ فالباب واحد، ومن فرق فقد تكلف، ومثله لو قلت لولدك: قم ذاكر دروسك، هل يتصور أنك تأمره بالمذاكرة قائمًا؟
الدليل الثالث:
(ح-١٥٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رجلًا قام، وعليه بردان أخضران على جذمة حائط، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة،
стр. 399
فسمع ذلك بلال، فقام، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة (١).
• وأجيب:
بأن وكيعًا قد انفرد فيه في مسألتين:
إحداهما: تفرده عن الأعمش بوصله، وأصحاب الأعمش رووه عنه مرسلًا، وهو المحفوظ، كما أن شعبة وسفيان روياه عن عمرو بن مرة مرسلًا، وكذا رواه الثوري عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا، وليس فيه ما ذكره وكيع.
الثانية: تفرد وكيع بأن عبد الله بن زيد قد رأى الملك قام، فأذن، والرواية الموصولة من مسند عبد الله بن زيد أنه رأى الملك، ومعه ناقوس، فطلب أن يشتريه منه للأذان، فقال الملك: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك، تقول … فألقى عليه الأذان تلقينًا، والقصة لا تحتمل التعدد (٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٥١) ما رواه أحمد عن روح بن عبادة، ومحمد بن بكر، كلاهما عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد الله بن محيريز أخبره - وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة حتى جهزه إلى الشام قال: فقلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أُسْأَل عن تأذينك،
فأخبرني أن أبا محذورة، قال له: نعم خرجت في نفر، فكنا ببعض طريق حنين، مقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ ، فسمعنا صوت المؤذن، ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه، ونستهزئ به، فسمع رسول الله ﷺ الصوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟
стр. 400
فأشار القوم كلهم إليَّ، وصدقوا، فأرسل كلهم، وحبسني، فقال: قم فأذن بالصلاة، فقمت، ولا شيء أكره إليَّ من رسول الله ﷺ ، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ ، فألقى إليَّ رسول الله ﷺ التأذين هو نفسه، فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر … الحديث.
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (قم فأذن بالصلاة)، وهذا يدل على مشروعية القيام في الصلاة.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن قوله (قم فأذن بالصلاة) قد انفرد به عبد العزيز بن عبد الملك عن ابن محيريز، وخالفه من هو أقوى منه، فرواه مكحول، عن ابن محيريز، كما في مسلم، وليس فيه هذا اللفظ، كما رواه عبد الملك بن أبي محذورة عن ابن محيريز، ولم يذكرها (١).
الوجه الثاني:
أن هذا الأذان لم يكن للإعلام بالصلاة، وإنما كان للتجريب والتأهيل، فلا يؤخذ منه أحكام الأذان.
الدليل الخامس:
ما رواه البيهقي من طريق عمير بن عمران العلاف، قال: حدثنا الحارث بن عِنَبة، عن عبد الجبار بن وائل.
عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم.
قال البيهقي: عبد الجبار بن وائل عن أبيه مرسل (٢).
стр. 401
الدليل السادس:
قال ابن المنذر في الإجماع: «وأجمعوا على أن من السنة أن يؤذن المؤذن قائمًا، وانفرد أبو ثور فقال: يؤذن جالسًا من غير علة» (١).
وقال في الأوسط: «لم يختلف أهل العلم في أن من السنة أن يؤذن، وهو قائم إلا من علة» (٢).
الدليل السابع:
أن الأذان قائمًا هو عمل الناس، والعادة محكمة، قال ابن حزم: «تخيرنا أن يؤذن، ويقيم على طهارة قائمًا إلى القبلة؛ لأنه عمل أهل الإسلام قديمًا وحديثًا» (٣).
الدليل الثامن:
الأذان خطاب موجه لجماعة المسلمين، فيحتاج المؤذن إلى النداء قائمًا لأنه أبلغ في الإعلام، ولهذا كان الرسول ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا.
• دليل من قال: يشترط القيام للأذان:
الدليل الأول:
قالوا: إن للأذان شبهًا بالصلاة، وذلك أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويختصان بالوقت، ولا يتكلم فيهما (٤).
• ويجاب عنه:
لو كان الأذان صلاة، ما صح مع الحدث الأصغر، ولَمَا أجزأ عندهم.
الدليل الثاني:
قال الرافعي: «شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق واتفاقهم، وهذا مما استمروا عليه» (٥).
قال إمام الحرمين «وهذا ما بنى عليه الشافعي في إيجاب القيام في الخطبتين،
стр. 402
والقعود بينهما في يوم الجمعة» (١).
• ويناقش:
بأن الاحتجاج بالفعل، والاستمرار عليه، لا يدل على وجوبه، فضلًا عن اشتراطه؛ لأن الشرطية قدر زائد على الوجوب، لا يثبت إلا مع نفي الأذان بانتفاء القيام، كما جاء في الحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).
ولذلك لم ير الحنابلة أن القيام في الخطبتين واجب، قال ابن قدامة: «فإن أذن قاعدًا لغير عذر فقد كرهه أهل العلم ويصح؛ فإنه ليس بآكد من الخطبة، وتصح من القاعد» (٢).
• دليل من قال: لا يصح أذان المضطجع:
لا أعلم لهم دليلًا، إلا أن يقال: إن أذان القاعد مكروه عند الجمهور، والمضطجع أشد من القاعد، وكونه أشد لا يعني إلا التحريم، والتحريم ينافي الصحة. وهذا الاستدلال فيه تكلف، وهو مبني على التسليم بكراهة الأذان قاعدًا، ولا دليل على الكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل من الشارع، وسوف أبحثها في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
• الراجح:
الذي يظهر لي أنه ليس في الباب سنة يمكن الاعتماد عليها في استحباب القيام حال الأذان، ولو كان الاستحباب محفوظًا لجاءت به أدلة صحيحة صريحة، وما نقله ابن المنذر من إجماع على أنه من السنة في نفسي منه شيء، ولو ثبت لقضي الأمر، وكون الأئمة الأربعة على استحباب القيام، وفعل المؤذنين قديمًا وحديثًا يجعل أذان القائم عندي أولى من القاعد، ولا تثبت السنة به وحده إلا بدليل من الشارع، ومن استحب القيام لكونه أبلغ في الإعلام فهذا يمكن أن يقال قبل
стр. 403
استحداث المكبرات، أما مع ظهورها فلا فرق في هذا بين أذان القائم والقاعد، ومن ترك القيام صح أذانه بلا كراهة على الصحيح؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.
ولذلك اعتمد ابن حزم على أن القيام في الأذان مباح لعدم النهي عنه، وفضل القيام لعمل الناس، ولو كان عنده سنة في ذلك لم يعتبره مباحًا، والله أعلم.
قال ابن حزم: «ويجزئ الأذان والإقامة قاعدًا وراكبًا، وعلى غير طهارة وجنبًا، وإلى غير القبلة، وأفضل ذلك أن لا يؤذن إلا قائمًا إلى القبلة على طهارة .... وهو قول داود وغيرهم في كل ذلك، وإنما قلنا ذلك: لأنه لم يَأْتِ عن شيء من هذا نهيٌ من عند الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فصح أن ما لم يُفَصَّلْ لنا تحريمه فهو مباح، وإنما تخيرنا أن يؤذن ويقيم على طهارة قائمًا إلى القبلة؛ لأنه عمل أهل الإسلام قديمًا وحديثًا» (١)، والله أعلم.
فجمع ابن حزم بين الحكم بالإباحة، وبين تفضيل القيام.
стр. 404
الفرع الثاني في أذان القاعد وإقامته
المدخل إلى المسألة:
• ليس في قيام المؤذن سنة صريحة يمكن الاعتماد عليها في الاستحباب إلا أنه عمل المسلمين، نقله الخلف عن السلف.
• القيام في الأذان أهو مطلوب لذاته، أم لكون القائم أبلغ في الإعلام من القاعد، فلو أذن على مرتفع، أو بمكبر للصوت لم يُطْلَب؟ الظاهر الثاني.
• لا يكره الأذان من القاعد؛ لأن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، ولم يحفظ في الباب نهي من الشارع.
[م-٤٨] إذا أذن المؤذن قاعدًا، فإما أن يكون ذلك لعلة، أو يكون بلا عذر.
فإن كان معذورًا لم يكره أذانه عند الجمهور (١).
وقال مالك: لا يؤذن للجماعة، ولو كان معذورًا، إلا أن يؤذن لنفسه (٢).
قلت: ومثله لو كان يؤذن لمثله.
• حجة الجمهور:
(ث-٢٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا وكيع، عن علي بن المبارك الهنائي، عن الحسن العبدي، قال:
رأيت أبا زيد صاحب رسول الله ﷺ وكانت رجله أصيبت في سبيل الله يؤذن، وهو قاعد (٣).
[أرجو أن يكون حسنًا] (٤).
стр. 405
• وحجة مالك على أنه لا يؤذن قاعدًا للجماعة:
ما جاء في المدونة: «قال ابن القاسم: وقال مالك: لم يبلغني أن أحدًا أذن قاعدًا، وأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، وقال: إلا من عذر يؤذن لنفسه إذا كان مريضًا» (١).
فكأن مداومة القيام من المؤذنين تجعل ذلك بمنزلة الشرط، فإذا عجز عنه سقطت أهليته، وانتقل الأذان إلى غيره إلا أن يؤذن لنفسه. وهذا الحكم قريب من أصول الشافعية حيث جعلوا القيام في خطبة الجمعة شرطًا في صحتها، لكون النبي ﷺ لم يخطب إلا قائمًا، فمداومة الفعل جعلت ذلك شرطًا.
[م-٤٩] هذا الخلاف في المؤذن يؤذن، ويقيم قاعدًا لعذر، فإن أذن، وأقام قاعدًا من غير عذر، فاختلف العلماء في حكمه:
فقيل: إن أذن لنفسه لم يكره، وإن أذن لغيره كره، وهو مذهب الحنفية (٢).
وقيل: يكره، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (٣).
وقيل: لا يكره، اختاره أبو الفرج من المالكية، وأبو ثور من الشافعية، وهو
стр. 406
راوية عن أحمد، واختيار ابن حزم (١).
وقيل: يباح الأذان والإقامة للمسافر ماشيًا وراكبًا، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: يحرم، وهو قول في مذهب المالكية، ورجحه القاضي عياض (٣).
ولم يتعرض القاضي عياض للصحة، وحمله ابن ناجي على التحريم دون الصحة (٤).
وقيل: إن أذن قاعدًا يعيد، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (٥)، ورواية عن أحمد، اختارها ابن حامد من الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٦).
فيتلخص القول بالمسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول بالكراهة، وهي إما مطلقًا، كقول الجمهور، أو في حال أذن لغيره كمذهب الحنفية، أو في الحضر خاصة، وهو رواية عن أحمد.
стр. 407
والقول بعدم الكراهة مطلقًا.
والقول بالتحريم على خلاف: هل يعتد بأذانه، أو لا؟
• دليل من قال: يكره مطلقًا:
أن الأذان قاعدًا مخالف للسنة، وقد ذكرنا أدلتهم في مشروعية الأذان قائمًا في مسألة سابقة، ومخالف لعمل المؤذنين سلفًا وخلفًا من وقت رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، ومخالفة مثل ذلك أقل أحواله أن تكون مكروهة.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الأحاديث الواردة في استحباب القيام للأذان، إما صحيحة ليست صريحة، وإما صريحة ليست صحيحة، وعمل المؤذنين غايته أن يدل على أن مثل ذلك صفة كمال، ولا يضاف ذلك إلى سنة المصطفى ﷺ .
الوجه الثاني:
على التسليم بأن القيام في الأذان مستحب، لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
• دليل من قال: يحرم الأذان قاعدًا.
الدليل الأول:
(ح-١٥٢) ما رواه البخاري، ومسلم، من طريق ابن جريج، عن نافع،
أن ابن عمر، كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قُمْ فناد بالصلاة (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (قم فناد بالصلاة) حيث أمر بالقيام في الأذان، والأصل في الأمر
стр. 408
الوجوب، وإذا كان القيام واجبًا كان تركه بلا عذر محرمًا.
• وأجيب:
قال النووي: «المراد (قم) فاذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس من البعد وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان … ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، والله أعلم» (١).
الدليل الثاني:
القياس على خطبة الجمعة،
(ث-٣٠) فقد روى مسلم من طريق أبي عبيدة،
عن كعب بن عجرة، قال: دخل المسجد، وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدًا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]
وإذا كانت الخطبة لا تجوز من القاعد، فالأذان مثلها أو أولى؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف أنه أَذَّنَ قاعدًا من غير عذر، بخلاف الجمعة، فقد جاء عن بعضهم الخطبة جالسًا، والله أعلم.
• ونوقش:
بأن الفقهاء قد اختلفوا في حكم الوقوف في خطبة الجمعة، والراجح استحبابه، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وبعض المالكية، خلافًا للشافعية وبعض المالكية الذين يرون أن القيام شرط، وليس معهم إلا مجرد استمرار العمل على الخطبة قائمًا. وإذا كان الأصل المقيس عليه مختلفًا فيه لم يكن الحكم في الفرع حجة على المخالف، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قالوا: إن للأذان شبهًا بالصلاة، وذلك أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويختصان بالوقت، ولا يتكلم فيهما (٢).
стр. 409
• ويناقش:
بأن قياس الشبه من أضعف أنواع القياس، ولو صح فإن الأذان يفارق الصلاة في أحكام كثيرة، منها صحة الأذان من المحدث، وصحته إلى غير القبلة، وجواز الالتفات فيه إلى غير ذلك من الأحكام التي تفارق الصلاة، فلم يصح القياس.
• دليل من قال: لا يصح الأذان من القاعد:
استدلوا بأدلة القائلين بالتحريم، فإذا كان القعود محرمًا فإن النهي عن الشيء يقتضي فساده.
(ح-١٥٣) وعمدته ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد (١).
ورواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم به بلفظ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢).
• دليل من قال: لا يكره الأذان من القاعد:
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل من الكتاب والسنة ينهى المؤذن عن الأذان قاعدًا.
الدليل الثاني:
الأذان نوع من ذكر الله وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. وقالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (٣). رواه مسلم.
الدليل الثالث:
لم يحفظ في السنة نهي من الشارع عن الأذان قاعدًا، وما ورد يدل على
стр. 410
أفضيلة القائم على القاعد، وترك مثل ذلك لا يلزم منه الوقوع في المكروه، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فصح أن ما لم يفصل لنا تحريمه فهو مباح.
الدليل الرابع:
قيام المؤذنين في الأذان ليس مطلوبًا لذاته، وإنما لكونه أبلغ في الإعلام، فهو وسيلة لإبلاغ الصوت، فلو أذن على مرتفع أو عن طريق مكبر الصوت لم يكن هناك حاجة للقيام.
• دليل من قال: لا يكره الأذان قاعدًا في السفر.
الدليل الأول:
الأصل عدم الكراهة.
الدليل الثاني:
إذا أبيح التنفل على الراحلة في السفر، فالأذان من باب أولى.
الدليل الثالث:
أن السفر مظنة التخفيف، فالصلاة تقصر فيه، وتترك من أجله بعض السنن الرواتب، والله أعلم.
• الراجح:
أرى أن المطلوب من الأذان هو إعلام الناس، ودعوتهم للصلاة، فإن كان الأذان قائمًا أبلغ في الإعلام استحب القيام لا لذاته، ولكن من أجل أنه أسمع من أذان القاعد.
فإن أذن قاعدًا لم يكره؛ لعدم الدليل على الكراهة.
وإن استويا من حيث الإعلام، كما لو أذن على مرتفع، أو أذن بمكبر الصوت فهما سواء في الإباحة، خاصة أنه لم يأت أمر من الشارع بالأذان قائمًا حتى يقال: يفعل مطلقًا من أجل المحافظة على السنة، ولم يحفظ نهي من الشارع عن الأذان قاعدًا حتى يقال: الابتعاد عن النواهي مرغوب مطلقًا، والله أعلم.
стр. 411
الفرع الثالث في أذان الراكب وإقامته
المسألة الأولى أذان الراكب في السفر
المدخل إلى المسألة:
• الراكب أقرب إلى القائم منه إلى القاعد لعلوه بالركوب.
• السفر مظنة التخفيف، فقد خفف عن المسافر شطر الصلاة الرباعية، وأكثر السنن الرواتب، فتأثيره في إسقاط القيام في الأذان أولى.
• إن كان القعود في الأذان مكروهًا، فلا كراهة مع الحاجة، والمسافر مظنة الحاجة.
• إذا صح التنفل راكبًا صح الأذان؛ لأن الوسيلة أقل درجة من الغاية (١).
[م-٥٠] ذهب عامة الفقهاء وهو المشهور من مذهب الحنابلة إلى أن الأذان راكبًا في السفر لا يكره (٢).
وقيل: يكره الأذان راكبًا إلا من علة، وهو قول عطاء بن أبي رباح، ورواية في
стр. 412
مذهب الحنابلة (١).
• واستدل الجمهور على عدم الكراهية بأدلة منها:
الدليل الأول:
الإجماع، قال ابن عبد البر: لا أعلم فيه خلافًا للمسافر (٢).
• ويناقش:
بأن الخلاف محفوظ، وهو رواية عند الحنابلة، وبه قال عطاء.
الدليل الثاني:
(ح-١٥٤) ما رواه أحمد من طريق عمرو بن ميمون بن الرماح، عن كثير بن زياد البصري، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه،
عن جده،: أن رسول الله ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع، أو يجعل سجوده أخفض من ركوعه (٣).
وفي رواية للترمذي من طريق شبابة بن سوار، قال: حدثنا عمرو بن الرماح به … وفيه: فأذن رسول الله ﷺ ، وهو على راحلته … الحديث.
[ضعيف] (٤).
стр. 413
• ونوقش هذا:
بأن الحديث على ضعفه نص في المعذور، فصلاة الفريضة على الدابة لا تجوز بالإجماع إلا من عذر، فليس في أذانهم على تلك الحال حجة على جوازه من الراكب إذا لم يكن عذر.
الدليل الثالث:
(ح-١٥٥) ما رواه البيهقي من طريق إسماعيل،
عن الحسن، أن رسول الله ﷺ : أمر بلالًا في سفر، فأذن على راحلته، ثم نزلوا، فصلوا ركعتين، ثم أمره فأقام، فصلى بهم الصبح (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
(ث-٣١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
стр. 414
عن ابن عمر أنه كان يؤذن على البعير، وينزل فيقيم (١).
[صحيح موقوف، وهو أصح شيء في الباب] (٢).
الدليل الخامس:
أن المسافر له أن يترك الأذان في السفر، فلا بأس أن يؤذن راكبًا.
• ونوقش:
لا نسلم القول بجواز ترك الأذان في السفر، فالأذان في السفر له حكم الأذان في الحضر إلا بدليل يدل على التفريق، ولا دليل.
الدليل السادس:
أن المسافر له أن يصلي النافلة في السفر راكبًا، فالأذان من باب أولى.
والسفر مظنة التخفيف، حيث وضع عن المسافر شطر الصلاة في الرباعية، وأكثر السنن الرواتب.
قال ابن قدامة: «فإن أذن قاعدًا، أو راكبًا في السفر جاز؛ لأن الصلاة آكد منه، وهي تجوز كذلك» (٣).
الدليل السابع:
لو كان الأذان راكبًا مكروهًا لارتفعت الكراهة مع الحاجة، لأنه كما قال الفقهاء: لا محرم مع الضرورة، ولا مكروه مع الحاجة، والمسافر في حاجة إلى الأذان راكبًا.
الدليل الثامن:
أن المقصود الإعلام والركوب حال لا تمنع من الإعلام، بل إن الراكب أقرب إلى القيام منه إلى القعود، حيث يرتفع بما يركب، والقيام ليس مطلوبًا لذاته، وإنما لكونه أسمع للناس من القاعد.
стр. 415
الدليل التاسع:
قدمت عند بحث مشروعية القيام في الأذان أنه لم يثبت فيه شيء، ومخالفة عمل الناس لا تكفي للجزم بالكراهة، فإن الكراهة من أحكام الشرع، لا تثبت إلا بدليل، والله أعلم.
• حجة من قال: يكره الأذان من الراكب في السفر:
أن السنة في الأذان أن يؤذن قائمًا حضرًا كان أو سفرًا، لا قاعدًا، ولا راكبًا، فإن خالف السنة كره له ذلك.
• الراجح:
القول بجواز الأذان راكبًا في السفر هو الأرجح، ولا دليل على كراهته من الراكب، ولأن الراكب أقرب إلى القائم منه إلى القاعد من جهة الارتفاع والإعلام بالأذان، والله أعلم.
стр. 416
المسألة الثانية إقامة الراكب في السفر
المدخل إلى المسألة:
• الإقامة أحد الأذانين فإذا أبيح الأذان راكبًا أبيحت الإقامة.
• القيام للأذان أحوج من القيام للإقامة؛ لأن الأذان لإعلام الغائب، والقيام أبلغ فيه، والإقامة لإعلام الحاضر ومن قَرُبَ، فلا تحتاج إلى القيام.
• لا دليل على وجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة، فقد أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا فما زال يناجيه حتى نام القوم ثم صلى، وما أعيدت الإقامة.
• الفاصل اليسير بين الإقامة والصلاة لا يؤثر في الموالاة على القول بوجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة.
• اغتسل النبي ﷺ بعد ما أقيمت الصلاة، والحديث في الصحيح، وما أعيدت الإقامة، فليغتفر مثل هذا المقدار من الفاصل بين الإقامة والصلاة.
[م-٥١] اختلف العلماء في الإقامة من الراكب في السفر إذا لم يكن معذورًا:
فقيل: تكره الإقامة من الراكب في السفر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا تكره الإقامة من الراكب في السفر، وهو رواية في مذهب المالكية،
стр. 417
وهو مذهب الشافعية والحنابلة (١).
• دليل من قال بالكراهة:
الدليل الأول:
(ث-٣٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان يؤذن على البعير، وينزل فيقيم (٢).
[صحيح].
• ويناقش:
الاحتجاج بفعل الصحابي غايته أن يدل على الاستحباب إذا قصد إلى التعبد بهذا الفعل، مع أنه ربما اختار الأنسب له؛ لأنه سوف ينزل، ويصلي الفريضة على الأرض، وأما الاحتجاج بالكراهة فتحتاج إلى دليل خاص يدل على كراهة الشارع لهذا الفعل، ولا دليل.
الدليل الثاني:
أن السنة أن تكون الصلاة متصلة بالإقامة، لا عمل بينهما، فإذا أقام وهو راكب لم تكن الإقامة متصلة بالصلاة، ويضطر إلى القيام بأعمال بين الإقامة والصلاة من النزول عن الدابة، وعقلها والمشي إلى مكان صلاته.
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن هذه الأعمال ليست أجنبية فهي لمصلحة الصلاة، فالنزول عن الدابة، وعقلها هو من أجل الصلاة، والمؤثر أن يقوم بأعمال خارجة عن مصلحة الصلاة،
стр. 418
كالبيع والشراء، ونحو ذلك.
الوجه الثاني:
على التسليم بأن السنة أن تكون الإقامة متصلة بالصلاة، فإن هذا المقدار من الفاصل يسير، والقاعدة: أن اليسير لا يؤثر في الموالاة.
الوجه الثالث:
أن عقل الدابة وما ذكر معه قد يكون ذلك في الزمن الماضي، وأما الآن فإن الراكب يكون على السيارة، وهو لا يحتاج أكثر من أن ينزل منها.
الوجه الرابع:
أن النبي ﷺ قد اغتسل من الجنابة بعد ما أقيمت الصلاة، وما أعيدت الإقامة، وهو فاصل أطول مما اعترض به.
(ح-١٥٦) فقد روى الإمام البخاري ومسلم من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (١).
فليغتفر مثل هذا المقدار من الفاصل بين الإقامة والصلاة.
• دليل من قال: لا تكره الإقامة من الراكب.
الدليل الأول:
لا دليل على الكراهة، والكراهة حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي.
الدليل الثاني:
أن المقصود من الإقامة الإعلام بإقامة الصلاة، والركوب حال لا تمنع منه.
الدليل الثالث:
стр. 419
الدليل الثالث:
دلت السنة على عدم وجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة، وإذا لم تجب لم تكره الإقامة من الراكب.
(ح-١٥٧) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن عبد العزيز،
عن أنس ﵁، قال: أقيمت الصلاة، ورجل يناجي رسول الله ﷺ ، فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى (١).
الدليل الرابع:
القيام في الأذان أحوج من القيام في الإقامة؛ لأن الأذان لإعلام الغائب، والقيام أبلغ فيه، والإقامة لإعلام الحاضر ومن قرب، فلا تحتاج إلى القيام.
• الراجح:
أن الإقامة لا تكره من الراكب، والله أعلم.
стр. 420
المسألة الثالثة أذان الراكب في الحضر
المدخل إلى المسألة:
• ليس في قيام المؤذن سنة صريحة يمكن الاعتماد عليها في الاستحباب إلا أنه عمل المسلمين، نقله الخلف عن السلف.
• هل القيام في الأذان مطلوب لذاته، أو لكونه أبلغ في الإعلام من القاعد، فلو أذن على مرتفع، أو بمكبر للصوت لم يُطْلَب؟ الثاني هو الأقوى.
• الراكب أقرب إلى القائم منه إلى القاعد لعلوه بالركوب.
• الأذان نوع من ذكر الله وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. وقالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
[م-٥٢] اختلف العلماء في الأذان من الراكب في الحضر:
فقيل: يكره الأذان، وهو مذهب الحنفية كما في ظاهر الرواية، وقول لبعض المالكية، ومذهب الشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: لا يكره، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ومذهب المالكية (٢).
• وجه القول بالكراهة:
أن الأذان راكبًا مخالف لسنة القيام حال الأذان، والمسافر عذر في سقوط الكراهة باعتبار أن الحاجة ترفع الكراهة، ولا حاجة في الحضر.
стр. 421
• وجه القول بعدم الكراهة.
أن القيام ليس مطلوبًا لذاته، وإنما المطلوب ارتفاع محل الأذان من أجل حصول الإعلام، لهذا كان الراكب في معنى القائم، وليس في معنى القاعد لارتفاع مكان أذانه عن القاعد، والله أعلم.
• الراجح:
صحة الأذان من الراكب؛ لأنه ليس في قيام المؤذن سنة صريحة يمكن الاعتماد عليها في استحباب القيام، ولأن المطلوب في الأذان هو الإعلام، والراكب أقرب إلى القائم منه إلى القاعد في الإبلاغ، وإذا كان الأذان بواسطة مكبر الصوت لم يكن هناك حاجة للقيام في أذان أو إقامة، والله أعلم.
стр. 422
المسألة الرابعة إقامة الراكب في الحضر
المدخل إلى المسألة:
• أمر الشارع بالأذان، والأمر مطلق فعلى أي حال أذن المؤذن إذا كان يُسْمِع بأذانه فقد حصل الامتثال، والإقامة مثله؛ لأنها أحد الأذانين.
• الإقامة من الأذكار، والذكر لا يكره على أي حال، قائمًا وقاعدًا، وماشيًا ومضطجعًا، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• القيام في الأذان أحوج من القيام في الإقامة؛ لأن الأذان لإعلام الغائب، والقيام أبلغ في الإعلام، والإقامة لإعلام الحاضر ومن قرب، فلا تحتاج إلى القيام.
• لا دليل على وجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة، فقد أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا فما زال يناجيه حتى نام القوم ثم صلى، وما أعيدت الإقامة.
• الفاصل اليسير بين الإقامة والصلاة لا يؤثر في الموالاة على القول بوجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة.
• اغتسل النبي ﷺ بعد ما أقيمت الصلاة، والحديث في الصحيح، وما أعيدت الإقامة، فليغتفر مثل هذا المقدار من الفاصل بين الإقامة والصلاة على القول بوجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة.
[م-٥٣] اختلف العلماء في كراهة الإقامة راكبًا في الحضر:
فقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 423
فإن طال الفصل بين الإقامة والصلاة فهل يعيد الإقامة؟
الخلاف في الإعادة مبني على الخلاف في اشتراط الموالاة بين الإقامة والصلاة، وسبق بحث هذه المسألة في مسألة مستقلة ولله الحمد (١).
وقيل: لا يعتد بإقامة الراكب مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: يجوز الإقامة من الراكب، وهو رواية ابن وهب من المالكية، ورواية عن أحمد (٣).
• وجه القول بالكراهة:
علل الحنفية والمالكية الكراهة لعدم اتصال الإقامة بالصلاة (٤).
قال في بدائع الصنائع: «لأنه لو لم ينزل لوقع الفصل بين الإقامة والشروع في الصلاة بالنزول» (٥).
стр. 424
وعلل الحنابلة الكراهة لمخالفة السنة، وهو معنى قول بعض الشافعية بأنه يكره لما فيه من ترك القيام المأمور به (١).
• ونوقش هذا:
أما الكراهة لقيام فاصل بين الإقامة والصلاة، فيقال: إن الأدلة من السنة قد دلت على أن الفاصل لا حرج منه، طويلًا كان أو قصيرًا، فضلًا أن يكون شرطًا في صحة الإقامة.
(ح-١٥٨) فقد روى الإمام البخاري ومسلم من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (٢).
(ح-١٥٩) وروى البخاري من طريق شعبة، عن عبد العزيز،
عن أنس ﵁، قال: أقيمت الصلاة، ورجل يناجي رسول الله ﷺ ، فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى (٣).
ولم تذكر الأحاديث أن الإقامة أعيدت، والأصل عدم الإعادة.
وأما الكراهة بدعوى أنه مخالف لسنة القيام الواردة في الأذان فيقال: لم يثبت دليل صريح على استحباب صفة القيام في الأذان حتى يجزم بالمخالفة، وقد بحثت فيما سبق هذه المسألة وقدمت أن الأدلة في الباب ليست صريحة، ومجرد العمل لا يكفي لإضافة ذلك إلى سنة الرسول ﷺ ، ولو سلم بأن ذلك سنة أيكون ذلك مطلوبًا لذاته، أم لكونه أبلغ في الإعلام، فينتفي مع مكبرات الصوت؟ كما أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه حتى يحفظ نهي من الشارع عن الأذان قاعدًا، أو راكبًا، ولم يحفظ في ذلك شيء، والله أعلم.
стр. 425
• وجه من قال: لا يعتد بإقامة الراكب مطلقًا:
أن القيام شرط، قال الرافعي: لأن شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق، واتفاقهم، وهذا مما استمروا عليه.
وهذا ما مشى عليه الشافعية من اعتبار الاستمرار على صفة معينة في العبادة يجعلها شرطًا، ولو لم يحفظ أمر من الشارع بها، ولذلك قالوا: إن القيام في خطبة الجمعة شرط للعلة نفسها.
وينازعون في الوجوب فضلًا عن الشرطية، فإن الفعل المجرد في أمور العبادات لا يدل على الوجوب إلا أن يكون بيانًا لمجمل، فيأخذ حكم ذلك المجمل من وجوب وندب، وهو ما لم يتوفر في مسألتنا هذه، والله أعلم.
• وجه من قال: بجواز إقامة الراكب:
علل بعض المالكية القول بالجواز باعتبار أن النزول عمل يسير، وهذا معنى قول بعضهم: إن نزل، فأقام وأحرم من غير كبير شغل أجزأه ذلك (١).
جاء في مواهب الجليل: روى ابن وهب الجواز قائلًا؛ لأن النزول عمل يسير، فلم يكن فاصلًا كأخذ الثوب وبسط الحصير (٢).
وأما تعليل رواية الجواز عند الحنابلة فهو باعتبار الإباحة الأصلية، حيث لم يَأْتِ نهي من الشارع عن الإقامة راكبًا، والله أعلم.
والراجح: القول بالجواز مطلقًا بلا كراهة، والله أعلم.