• وجه القول بعدم الكراهة.
أن القيام ليس مطلوبًا لذاته، وإنما المطلوب ارتفاع محل الأذان من أجل حصول الإعلام، لهذا كان الراكب في معنى القائم، وليس في معنى القاعد لارتفاع مكان أذانه عن القاعد، والله أعلم.
• الراجح:
صحة الأذان من الراكب؛ لأنه ليس في قيام المؤذن سنة صريحة يمكن الاعتماد عليها في استحباب القيام، ولأن المطلوب في الأذان هو الإعلام، والراكب أقرب إلى القائم منه إلى القاعد في الإبلاغ، وإذا كان الأذان بواسطة مكبر الصوت لم يكن هناك حاجة للقيام في أذان أو إقامة، والله أعلم.
стр. 422
المسألة الرابعة إقامة الراكب في الحضر
المدخل إلى المسألة:
• أمر الشارع بالأذان، والأمر مطلق فعلى أي حال أذن المؤذن إذا كان يُسْمِع بأذانه فقد حصل الامتثال، والإقامة مثله؛ لأنها أحد الأذانين.
• الإقامة من الأذكار، والذكر لا يكره على أي حال، قائمًا وقاعدًا، وماشيًا ومضطجعًا، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• القيام في الأذان أحوج من القيام في الإقامة؛ لأن الأذان لإعلام الغائب، والقيام أبلغ في الإعلام، والإقامة لإعلام الحاضر ومن قرب، فلا تحتاج إلى القيام.
• لا دليل على وجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة، فقد أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا فما زال يناجيه حتى نام القوم ثم صلى، وما أعيدت الإقامة.
• الفاصل اليسير بين الإقامة والصلاة لا يؤثر في الموالاة على القول بوجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة.
• اغتسل النبي ﷺ بعد ما أقيمت الصلاة، والحديث في الصحيح، وما أعيدت الإقامة، فليغتفر مثل هذا المقدار من الفاصل بين الإقامة والصلاة على القول بوجوب الموالاة بين الإقامة والصلاة.
[م-٥٣] اختلف العلماء في كراهة الإقامة راكبًا في الحضر:
فقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 423
فإن طال الفصل بين الإقامة والصلاة فهل يعيد الإقامة؟
الخلاف في الإعادة مبني على الخلاف في اشتراط الموالاة بين الإقامة والصلاة، وسبق بحث هذه المسألة في مسألة مستقلة ولله الحمد (١).
وقيل: لا يعتد بإقامة الراكب مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: يجوز الإقامة من الراكب، وهو رواية ابن وهب من المالكية، ورواية عن أحمد (٣).
• وجه القول بالكراهة:
علل الحنفية والمالكية الكراهة لعدم اتصال الإقامة بالصلاة (٤).
قال في بدائع الصنائع: «لأنه لو لم ينزل لوقع الفصل بين الإقامة والشروع في الصلاة بالنزول» (٥).
стр. 424
وعلل الحنابلة الكراهة لمخالفة السنة، وهو معنى قول بعض الشافعية بأنه يكره لما فيه من ترك القيام المأمور به (١).
• ونوقش هذا:
أما الكراهة لقيام فاصل بين الإقامة والصلاة، فيقال: إن الأدلة من السنة قد دلت على أن الفاصل لا حرج منه، طويلًا كان أو قصيرًا، فضلًا أن يكون شرطًا في صحة الإقامة.
(ح-١٥٨) فقد روى الإمام البخاري ومسلم من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (٢).
(ح-١٥٩) وروى البخاري من طريق شعبة، عن عبد العزيز،
عن أنس ﵁، قال: أقيمت الصلاة، ورجل يناجي رسول الله ﷺ ، فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى (٣).
ولم تذكر الأحاديث أن الإقامة أعيدت، والأصل عدم الإعادة.
وأما الكراهة بدعوى أنه مخالف لسنة القيام الواردة في الأذان فيقال: لم يثبت دليل صريح على استحباب صفة القيام في الأذان حتى يجزم بالمخالفة، وقد بحثت فيما سبق هذه المسألة وقدمت أن الأدلة في الباب ليست صريحة، ومجرد العمل لا يكفي لإضافة ذلك إلى سنة الرسول ﷺ ، ولو سلم بأن ذلك سنة أيكون ذلك مطلوبًا لذاته، أم لكونه أبلغ في الإعلام، فينتفي مع مكبرات الصوت؟ كما أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه حتى يحفظ نهي من الشارع عن الأذان قاعدًا، أو راكبًا، ولم يحفظ في ذلك شيء، والله أعلم.
стр. 425
• وجه من قال: لا يعتد بإقامة الراكب مطلقًا:
أن القيام شرط، قال الرافعي: لأن شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق، واتفاقهم، وهذا مما استمروا عليه.
وهذا ما مشى عليه الشافعية من اعتبار الاستمرار على صفة معينة في العبادة يجعلها شرطًا، ولو لم يحفظ أمر من الشارع بها، ولذلك قالوا: إن القيام في خطبة الجمعة شرط للعلة نفسها.
وينازعون في الوجوب فضلًا عن الشرطية، فإن الفعل المجرد في أمور العبادات لا يدل على الوجوب إلا أن يكون بيانًا لمجمل، فيأخذ حكم ذلك المجمل من وجوب وندب، وهو ما لم يتوفر في مسألتنا هذه، والله أعلم.
• وجه من قال: بجواز إقامة الراكب:
علل بعض المالكية القول بالجواز باعتبار أن النزول عمل يسير، وهذا معنى قول بعضهم: إن نزل، فأقام وأحرم من غير كبير شغل أجزأه ذلك (١).
جاء في مواهب الجليل: روى ابن وهب الجواز قائلًا؛ لأن النزول عمل يسير، فلم يكن فاصلًا كأخذ الثوب وبسط الحصير (٢).
وأما تعليل رواية الجواز عند الحنابلة فهو باعتبار الإباحة الأصلية، حيث لم يَأْتِ نهي من الشارع عن الإقامة راكبًا، والله أعلم.
والراجح: القول بالجواز مطلقًا بلا كراهة، والله أعلم.
стр. 426
الفرع الرابع في أذان الماشي وإقامته
المسألة الأولى في أذان الماشي
المدخل إلى المسألة:
• أمر الشارع بالأذان، والأمر مطلق فعلى أي حال أذن المؤذن إذا كان يُسْمِع بأذانه فقد حصل الامتثال.
• الأذان من الأذكار، والذكر لا يكره على أي حال، قائمًا وقاعدًا، وماشيًا ومضطجعًا، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• المطلوب من الأذان هو الإعلام، فإذا حصل على أي حال فقد حصل المقصود.
[م-٥٤] اختلف الفقهاء في حكم الأذان من الماشي:
فقيل: يكره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة، بل إن الحنفية توسعوا حتى قالوا: الأولى لمن يسمع الأذان أن يقف، ويجيب (١).
وقيل: لا يكره أذان الماشي مطلقًا، لا في حضر، ولا سفر، وهذا قول في
стр. 427
مذهب الحنابلة (١).
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: يكره إلا من مسافر أو معذور، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يجوز بشرط أن يَسْمَعَ آخرَ الآذانِ مَنْ سمع أوَّلَه، فإن أَبْعَد حتى لا يسمع آخرَه مَنْ سمع أوله لم يُعْتَدَّ به لمن في محل ابتدائه، اختاره بعض الشافعية (٣).
حكاه الماوردي في الحاوي، وانتقده النووي في المجموع (٤).
وقيل: لا يصح من الماشي، وهو رأي لبعض الحنفية، واختاره ابن حامد من الحنابلة، وقيده بالكثير عرفًا (٥).
ولم أقف على قول المالكية في المسألة، إلا أن يُخرَّج على صحة الأذان راكبًا عندهم، فإن الراكب في حكم الماشي، والله أعلم.
стр. 428
قال ابن مفلح في المبدع: «والماشي كالراكب، وظاهره الكراهة» (١).
• وجه قول من قال بالكراهة:
أن الأذان عبادة، والأذان ماشيًا منافٍ لآداب العبادة.
ولأن المشي صفة في العبادة لم ترد، فأقل أحواله أن يكون مكروهًا.
• ويناقش:
أما كونه منافيًا لآداب العبادة، فغير مُسَلَّم، ذلك أن الأذان من الأذكار، والذكر لا يكره على أي حال، قائمًا وقاعدًا، وماشيًا ومضطجعًا.
قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
وأما القول بأن المشي صفة في العبادة لم ترد، فنحن لا نستحب الأذان ماشيًا حتى يقال: ما الدليل على ذلك، فالشارع أمرنا بالأذان، والأمر مطلق، فعلى أي حال أذن المؤذن وكان يُسْمِعُ بأذانه فقد حصل الإعلام والامتثال، فمن منع فعليه الدليل، ونفي صفة المشي عن العبادة غير مسلم، فالمشي في العبادة منه ما هو صفة فيها، كالطواف والسعي، ومنه ما هو وسيلة إليها كالمشي إلى المسجد، ومنه ما هو مباح كالأذان ماشيًا.
• وجه القول بعدم الاعتداد به:
لعلهم يرون أن الأذان فيه شبه بالصلاة من استقبال القبلة، ومشروعية الطهارة فيه، والمشي ينافي الصلاة، فكذلك الأذان.
ولا وجه للقول بذلك؛ فإن الفروق بين الأذان والصلاة كثيرة، منها صحة الأذان من المحدث بخلاف الصلاة.
• وجه جوازه للمسافر والمعذور وكراهته لغيرهما:
أن السفر مظنة التخفيف، ولأن النافلة في السفر تصح من الماشي، والصلاة غاية مقصودة، فيصح الأذان من المسافر، وهو من توابع الصلاة.
стр. 429
ولقيام حاجة المسافر إلى المشي، والقاعدة: أنه لا كراهة مع الحاجة.
قال ابن حجر الهيتمي: «ولا يكره له المشي لاحتياجه إليه» (١)
• وجه اشتراط ألا يمنع المشي من سماع الجماعة آخر الأذان:
أن الإعلام لا يحصل بسماع بعض الأذان، فاشترط لصحة أذان الماشي ألا يمنع المشي من سماع آخر الأذان لمن سمع أوله.
ولهذا صح الأذان ماشيًا لجماعة تمشي معه، أو لنفسه.
• وجه القول بالجواز بلا كراهة:
لم يثبت في الكراهة دليل يمكن الاعتماد عليه.
ولأن الأذان ورد الأمر به مطلقًا، فإذا أذن راكبًا، أو ماشيًا، أو قاعدًا فقد امتثل الأمر.
ولأن المطلوب من الأذان هو الإعلام، والمشي لا يمنع من ذلك.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 430
المسألة الثانية
في إقامة الماشي
المدخل إلى المسألة:
• أمر الشارع بالأذان، والأمر مطلق فعلى أي حال أذن المؤذن إذا كان يُسْمِع بأذانه فقد حصل الامتثال، والإقامة أحد الأذانين.
• الإقامة من سائر الأذكار، والذكر لا يكره على أي حال، قائمًا وقاعدًا، وقائمًا، وماشيًا ومضطجعًا، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• إذا لم تكره قراءة القرآن من الماشي، ولم يكن هذا منافيًا للآداب لم يكره المشي حال الأذان والإقامة.
• المطلوب من الإقامة هو الإعلام بإقامة الصلاة، فإذا حصل على أي حال فقد حصل المقصود.
• المشي في العبادة منه ما هو مبطل للعبادة، كالمشي في صلاة الفرض من غير خوف ولا مصلحة؛ لأنه منافٍ للصلاة، ومنه ما هو مُخْتَلَف في إبطاله كالمشي في النافلة، ومنه ما هو مختلف في وجوبه كالمشي في الطواف من القادر عليه، ومنه ما هو أفضل من الركوب كالمشي في اتباع الجنازة، ومنه ما هو مكروه كالمشي في نعل واحدة، ومنه ما هو مباح، وهو الأصل، ويدخل فيه الأذان والإقامة من الماشي حيث لم يَأْتِ نهي من الشارع.
[م-٥٥] اختلف العلماء في الرجل يقيم، وهو يمشي:
فقيل: يكره، وهو قول أبي يوسف، وهو الأصح في مذهب الحنفية، وظاهر مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
стр. 431
قال الشافعية في أمهات كتبهم: لا يقيم، وهو يمشي (١)، وظاهره المنع، لكن جاء في أسنى المطالب: «ولا يقيم، وهو يمشي؛ لأنه خلاف الأدب» (٢).
ومقتضى التعليل أنه ليس على وجه التحريم، وهو تعليل عليل، فالقرآن أعلى الذكر، وأشرفه على الإطلاق ولا تكره قراءته من الماشي، ولو كانت خلاف الأدب لم تُفْعَل.
وقيل: لا يكره، وهو قول في مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (٣).
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: يكره إلا من مسافر أو معذور، وهو المشهور من الحنابلة (٤).
وقال بعض الحنفية: يكره المشي قبل الانتهاء من قوله: (قد قامت الصلاة) فإذا انتهى منها فإن شاء مشى، وإن شاء أتمها في مكانه. وحمل بعضهم هذا التفصيل على المقيم إذا كان إمامًا،، وأما غيره فعلى الكراهة مطلقًا (٥).
وهل يصح أن يخرج قول بعدم صحة الإقامة من الماشي قياسًا على قول بعض الحنفية في الأذان من الماشي، وبه قال ابن حامد من الحنابلة وقيده بالكثير
стр. 432
عرفًا (١)؟ فيه تأمل.
هذه مجمل الأقوال في المسألة، والله أعلم. وقد ذكرنا أدلة القوم ومناقشتها في الأذان ماشيًا في المسألة السابقة، وهي نفس أدلتهم في الإقامة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
• الراجح:
والصحيح جواز الإقامة من الماشي، وليس في الأدلة ما يقتضي الكراهة فضلًا عن المنع.
جاء في مسائل أحمد رواية أبي الفضل: «قلت فالرجل يمشي في الإقامة، قال: أحب إلي أن يقيم في مكانه، ولم يبلغني فيه شيء إلا حديث بلال أنه قال للنبي ﷺ لا تسبقني بآمين» (٢).
فقوله: ولم يبلغني فيه شيء دليل على أنه لا سنة في المسألة، وحديث لا تسبقني بآمين حديث ضعيف، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى (٣)، والله أعلم.
стр. 433
المبحث الرابع
في استحباب أن يكون الأذان من موضع عالٍ
المدخل إلى المسألة:
• لم يتخذ النبي ﷺ منارة، ولا خلفاؤه الراشدون، وصح عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يفعله.
• الوسائل لها أحكام المقاصد إذا لم تعارض أصلًا.
• الجهر واجب في الأذان؛ لإعلام الناس، واتخاذ مكانٍ عالٍ وسيلة إلى ذلك.
• لا يُتَوَسَّع في الوسائل إلا بقدر الحاجة، والإسراف فيها مذموم.
[م-٥٦] استحب الفقهاء أن يكون الأذان من موضعٍ عالٍ كالسطح والمنارة (١).
• واستدل هؤلاء بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-١٦٠) ما رواه الشيخان من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. زاد مسلم: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا.
[هذه الزيادة شاذة من حديث ابن عمر، وهي محفوظة من كلام القاسم بن
стр. 434
محمد عند البخاري] (١).
وجه الاستدلال:
أن قوله: (ينزل هذا ويرقى هذا) دليل على أن أذانهما كان على موضع مرتفع.
الدليل الثاني:
(ح-١٦١) ما رواه أبو داود من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير،
عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك، وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن، قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة تعني هذه الكلمات (٢).
[ضعيف] (٣).
وجه الاستدلال:
اختار بلال الأذان على ظهر هذا البيت؛ لأنه كما قالت هذه الصحابية: (كان بيتي من أطول بيت حول المسجد).
الدليل الثالث:
(ح-١٦٢) ما رواه أحمد وأبو داود، قالا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري حدثه،
عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة.
[صحيح] (٤).
стр. 435
وجه الاستدلال:
قال ابن الأثير في النهاية: «الشظية: قطعة مرتفعة في رأس الجبل» (١).
الدليل الرابع:
(ح-١٦٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رجلًا قام، وعليه بردان أخضران على جذمة حائط، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة، فسمع ذلك بلال، فقام، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة (٢).
ورواه ابن أبي شيبة من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، حدثنا أصحابنا: وفيه:
رأيت كأن رجلًا قائمًا على المسجد، وعليه ثوبان أخضران، فأذن ثم قعد قعدة … وذكر الحديث.
[اختلف فيه على الأعمش، والراجح فيه الإرسال] (٣).
стр. 436
الدليل الخامس:
(ح-١٦٤) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق خالد بن عمرو قال حدثنا سفيان عن الجريري عن عبد الله بن شقيق،
عن أبي برزة الأسلمي قال من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد (١).
[المعروف أنه من قول ابن شقيق، وليس من قول الصحابي ﵁] (٢).
الدليل السادس:
أن الأذان إعلام بدخول الصلاة، فإذا كان في موضع مرتفع كان أبلغ في الإعلام.
وإذا كانت هذه السنة محفوظة فإنه ينوب عن ذلك اليوم وضع المكبر في مكان مرتفع ليكون أبلغ في إيصال صوت المؤذن إلى أكبر قدر ممكن من المسلمين، والله أعلم.
والذي ينبغي أن يوجه له النقد توسع الناس في بناء المنارات، فتجد في المسجد الواحد أكثر من منارة، وبناؤها مكلف، وكان يمكن أن يقتصر بذلك على قدر الحاجة، وما زاد يبنى به مسجد آخر، وهناك بقاع من أرض المسلمين يصلون في أماكن لا تدفع عنهم الحر والقر، ولو صرفت هذه المبالغ لبناء مساجد لكان أفضل، فالله المستعان.
стр. 437
المبحث الخامس في وضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان
المدخل إلى المسألة:
• لا يصح حديث في إدخال الأصبعين في الأذنين حال الأذان.
• المقصود من الأذان هو الإعلام، وهو لا يتوقف على هذه الصفة.
• استحباب وضع الأصبعين في الأذنين معلل بأنه أرفع للصوت، وأبلغ في الإعلام، وهذا يعني أنه ليس مطلوبًا لذاته، فينتفي استحبابه مع مكبرات الصوت.
• عبادة الأصابع، منها ما هو مطلوب فعله كتخليلها في الوضوء، والإشارة بالسبابة في التشهد، والتسبيح بها أدبار الصلوات، ومنها ما هو مطلوب تركه، كتشبيكها في الصلاة، ومنها ما هو مختلف فيه بين الإباحة والاستحباب كوضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان.
[م-٥٧] اختلف الفقهاء في حكم وضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان:
فقيل: مستحب، وهو قول الجمهور، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، اختاره ابن حبيب من المالكية (١).
قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه،
стр. 438
قال: إي والله (١).
وقال مالك: ذلك واسع، إن شاء فعله، وإن شاء تركه، وهذا يعني الإباحة (٢).
قال ابن جزي: «ويجوز أن يجعل أصابعه في أذنيه، واستحبه أبو حنيفة» (٣).
فجعل ابن جزي الجواز في مقابل الاستحباب، وهذا يعني الإباحة.
ومال البخاري في صحيحه إلى عدم الاستحباب (٤).
وقال ابن رجب: سهل أحمد في تركه (٥).
وقال الحنفية: إن لم يفعل ذلك فحسن؛ لأنها ليست بسنة أصلية (٦).
وقيل: يجعل أصبعه في إحدى أذنيه، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، ورواية عن أحمد (٧).
وكان ابن سيرين يدخل أصبعيه في أذنيه إذا بلغ الحيعلة (٨).
وقيل: يستحب في الإقامة، وهو قول إسحاق، والأوزاعي، ورواية الحسن
стр. 439
عن أبي حنيفة، وعند المالكية الإقامة كالأذان على الإباحة (١).
• دليل الجمهور على استحباب وضع الأصبعين في الأذنين حال الأذان:
الدليل الأول:
(ح-١٦٥) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، فأتتبع فاه ههنا وههنا، وإصبعاه في أذنيه، قال: ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء، قال: فخرج بلال بين يديه بالعنزة، فركزها بالأبطح، فصلى رسول الله ﷺ إليها الظهر والعصر يمر بين يديه الكلب، والحمار، والمرأة، وعليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بريق ساقيه (٢).
[صحيح، وزيادة الدوران ووضع الأصبعين في الأذنين ليست محفوظة، لم يسمعها سفيان من عون] (٣).
الدليل الثاني:
رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ ، حدثني أبي، عن أبيه،
عن جده، أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل أصبعيه في إذنيه.
[ضعيف] (١).
الدليل الثالث:
(ث-٣٣) روى أبو نعيم في كتابه الصلاة، قال: حدثنا حسن بن صالح، عن أبي سعد، قال: رأيت سويد بن غفلة يدخل إصبعيه في أذنيه (٢).
[ضعيف جدًّا] (٣).
(ث-٣٤) ورواه عبد الرزاق في المصنف عن الحسن بن عمارة، عن طلحة ابن مصرف،
عن سويد بن غفلة قال: كان بلال، وأبو محذورة يجعلون أصابعهما في آذانهما بالأذان (٤).
стр. 453
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل الرابع:
قال الترمذي في السنن: وعليه العمل عند أهل العلم: يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان (٢).
• ونوقش:
بأنه قد جاء عن ابن القاسم المالكي بأن المؤذنين في المدينة ما كانوا يفعلونه، وسوف أنقل ذلك عنه في أدلة القول الثاني، وهو متقدم على عصر الترمذي، ومن كبار أصحاب الإمام مالك ﵀، وقد ولد ابن القاسم سنة ١٢٨ هـ وأما الترمذي فقد ولد سنة ٢١٠ هـ وهذا يعني أن بين ولادتهما أكثر من ثمانين سنة تقريبًا.
وفرق آخر: فابن القاسم ينقل العمل الموروث في المدينة، وإنما أخذه أهل المدينة من الصحابة، وأما الترمذي فينقل العمل عند أهل العلم، وهو رأي محض، والخلاف محفوظ كما نقلت ذلك عن المالكية.
الدليل الخامس:
أنه أرفع للصوت، وأبلغ في الإعلام، وقد جاء التعليل بهذا في بعض طرق الحديث عند ابن ماجه، وذكرته في التخريج.
وما كان أرفع لصوت المؤذن فهو مطلوب، ولهذا كان المؤذنون يؤذنون قيامًا؛ لأنه أبلغ في الإعلام.
وكان بلال وابن أم مكتوم يرتقيان مكانًا عاليًا عند الأذان حتى قال الراوي: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا.
وإذا كانوا يفعلون ذلك في السحر، ووقت طلوع الفجر، وصوت المؤذن في مثل هذه الأوقات أقوى ما يكون نفاذًا حيث سكون الليل، وانقطاع الحركة، فكونه
стр. 454
يفعل في الأوقات الأخرى عندما تنتشر حركة الناس، وتعلو أصواتهم في الأسواق من باب أولى.
وزاد الفقهاء علة أخرى بأن وضع الأصبعين في الأذنين إعلام للأصم على الأذان، فالمؤذن يُعْلِم السميع بقوله، ويعلم الأصم بفعله.
• ونوقش هذا:
بأن هناك فرقًا بين قولنا: إن وضع الأصبعين في الأذنين سنة ثابتة أُمرِنا بها شرعًا، ويكون هذا التعليل بمثابة التماس أسرار التشريع، ويكون على المؤذن أن يفعلها مطلقًا، ولو أذن لنفسه، وبين كون المؤذن هو الذي اتخذها لكونها وسيلة لرفع صوته، دون أن تطلب منه شرعًا، فهي ليست مقصودة لذاتها، وإنما وسيلة لأمر مشروع، وإذا كان هذا هو الراجح فيها انتفي استحبابها مع مكبرات الصوت، وكذلك إذا كان يؤذن لنفسه، أو كان يؤذن لجماعة لا يرجو غيرها.
• دليل من قال: إن الأمر واسع إن فعل أو ترك.
الدليل الأول:
لم يصح في الباب شيء يمكن الاعتماد عليه في الاستحباب.
قال ابن خزيمة في صحيحه: «هذه اللفظة -يعني وضع الأصبعين في الأذنين- لست أحفظها إلا عن حجاج بن أرطاة -يعني وهو ضعيف- ولست أفهم، أسمع الحجاج هذا الخبر من عون بن أبي جحيفة أم لا؟ فأشك في صحة هذا الخبر لهذه العلة» (١).
الدليل الثاني:
(ث-٣٥) روى البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، قال: كان ابن عمر لا يجعل أصبعيه في أذنيه.
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن نسير،
قال: رأيت ابن عمر، يؤذن على بعير. قال سفيان: قلت له: رأيته يجعل إصبعيه
стр. 455
في أذنيه؟ قال: لا (١).
[حسن] (٢).
الدليل الثالث:
أن الترك كان عمل المؤذنين في المدينة، ولو كان وضعهما من السنة الموروثة لم يتركه أهل المدينة، خاصة أن الجانب العملي يبعد أن يغيره الناس مع قرب العهد، فالأمور المحسوسة كالصاع، والأذان مما يتوارثه الناس، ويعتبر عمل أهل المدينة زمن التابعين مرجحًا عند الخلاف، فقد قال ابن القاسم: رأيت المؤذنين في المدينة لا يفعلونه (٣).
(ث-٣٦) وقد روى البخاري في التاريخ الكبير، من طريق ربيع بن صبيح، عن ابن سيرين: أول من جعل أصبعه في أذنيه في الأذان عبد الرحمن الأصم (٤).
• ويناقش:
بأن قوله: (أول من جعل أصبعه في أذنيه) لعل الصواب (في أذنه) فتحرفت إلى (أذنيه).
فقد رواه ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ الكبير من طريق ابن عون،
عن محمد، قال: كان الأذان أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، ثم يجعل أصبعيه في أذنيه، وأول من ترك إحدى إصبعيه في أذنيه ابن الأصم (٥).
стр. 456
فقوله: (ترك إحدى أصبعيه) يعني وأبقى الأخرى، ليوافق الرواية السابقة: (أول من جعل أصبعه في أذنه) أي اكتفى بأصبع واحد في أذنه، والله أعلم، فإن صح هذا الجمع وإلا فرواية ابن عون عن ابن سيرين أرجح ولا مقارنة.
الدليل الرابع:
قد تكون من عادة الناس وضع الأصبعين في الأذنين مع الصوت القوي سماعًا أو إسماعًا، ولا يقصد بهذا فعله على وجه التعبد.
(ح-١٦٦) فقد روى البزار في مسنده من طريق الربيع بن نافع، قال: أخبرنا معاوية بن سلام، عن زيد بن أسلم، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله الهوزني، قال:
لقيت بلالًا مؤذن رسول الله ﷺ فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ، فذكر قصة في استدانة بلال لرسول الله ﷺ على ذمته، وفيه، قال بلال: فخرجت إلى البقيع، فجعلت أصبعي في أذني، وقلت: من كان يطلب دينًا فليحضر … الحديث.
ورواه أبو داود في السنن حدثنا أبو توبة: الربيع بن نافع به بنحوه، وحذف منه أبو داود موضع الشاهد اختصارًا (١).
[وإسناده جيد] (٢).
стр. 457
فهنا بلال حين أراد أن ينادي بالبقيع بصوت مرتفع وضع أصبعه في أذنيه، فربما كانت عادة القوم حين رفع الصوت أن يجعلوا أصابعهم في أذانهم، وليس فعلهم هذا على فرض أن يكون فعله في الأذان محفوظًا عن هدي نبوي، والله أعلم.
• دليل من قال: يجعل أصبعيه في أذنيه في الإقامة:
ما يفعل في الأذان يفعل في الإقامة، فإن الإقامة أحد الأذانين، سواء أقلنا: إن الفعل في الأذان مستحب أم مباح.
قال في مواهب الجليل: وإذا استحب في الأذان استحب في الإقامة كما قاس ابن القاسم جوازه فيها على جوازه في الأذان، قال في الطراز: وهو صحيح، فإن الإقامة أحد الأذانين» (١).
• الراجح:
أرى أن مذهب المالكية هو الأقرب، وأن المؤذن إذا أذن بلا مكبر، وأحب أن يستعين برفع صوته عن طريق وضع أصبعيه في أذنيه فلا مانع بشرط ألا يعتقد أن ذلك سنة عن الرسول ﷺ ؛ لأن السنة لا تثبت إلا بحديث صحيح، ولم يثبت ذلك عندي، ولا يوصف من فَعَلَها بالبدعة، أو يشدد في ذلك، والخلاف فيها دائر بين الاستحباب والإباحة، والله أعلم.
стр. 458
فرع في صفة وضع الأصبعين في الأذنين
[م-٥٨] لم يرد تعيين الأصبعين اللتين يستحب وضعهما في الأذنين، ومن ثم اختلفوا:
فقيل: يجعل أصبعيه في أذنيه، قال في مراقي الفلاح: أي السبابتين، وجزم به النووي، وقال المرداوي في الإنصاف: ويجعل أصبعيه في أذنيه: يعني السبابتين، وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. ونسبه الحافظ ابن رجب للجمهور (١).
وقيل: إن وضع يديه على أذنيه، فحسن، وهذا رواية في مذهب الحنفية، والأول عندهم أحسن (٢).
وقيل: يجعل أصابعه مضمومة على أذنيه، وهي رواية عن أحمد، قال الخرقي: مع قبضه على كفيه (٣).
قال ابن قدامة: «قال -يعني الخرقي-: (ويجعل أصابعه مضمومة على أذنيه) المشهور عن أحمد، أنه يجعل أصبعيه في أذنيه، وعليه العمل عند أهل العلم، يستحبون أن يجعل المؤذن أصبعيه في أذنيه … وروى أبو طالب، عن أحمد أنه قال: أحب إلي أن يجعل يديه على أذنيه، على حديث أبي محذورة، وضم أصابعه الأربع ووضعها على أذنيه، وحكى أبو حفص، عن ابن بطة، قال: سألت أبا القاسم الخرقي عن صفة ذلك، فأرانيه بيديه جميعًا، فضم أصابعه على راحتيه، ووضعهما
стр. 459
على أذنيه .... والأول أصح؛ لصحة الحديث، وشهرته، وعمل أهل العلم به، وأيهما فعل فحسن، وإن ترك الكل فلا بأس» (١).
стр. 460
المبحث السادس في استحباب الالتفات في الأذان والإقامة
الفرع الأول استحباب الالتفات في الأذان
المدخل إلى المسألة:
• المقصود من الأذان هو الإعلام.
• ليس في الالتفات والاستدارة تعبد مقصود لذاته، فلا يفعلان إلا لمصلحة تكون أرجح من استقبال القبلة.
• إذا كان الالتفات يضر بالإعلام كما في مكبر الصوت لم يشرع؛ لأنه ينقص الصوت، وهو ركن الأذان والمقصود منه.
• إذا كان الالتفات لا يزيد في الإعلام لا يُفْعَل؛ لأن الانصراف عن القبلة بلا حاجة نزعة ظاهرية في عبادة معللة.
• كل وسيلة تعود بالضرر على المقصد الشرعي من الأذان فإنها وسيلة غير مشروعة.
• الالتفات في الأذان أقوى من الاستدارة.
• تعيين موضع الالتفات في الحيعلتين مدرج من بعض الرواة، وقد تجنب البخاري تخريجها في صحيحه.
[م-٥٩] اختلف العلماء في الالتفات يمينًا وشمالًا:
فقيل: يستحب الالتفات بوجهه يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة، حي على