فقوله: (ترك إحدى أصبعيه) يعني وأبقى الأخرى، ليوافق الرواية السابقة: (أول من جعل أصبعه في أذنه) أي اكتفى بأصبع واحد في أذنه، والله أعلم، فإن صح هذا الجمع وإلا فرواية ابن عون عن ابن سيرين أرجح ولا مقارنة.
الدليل الرابع:
قد تكون من عادة الناس وضع الأصبعين في الأذنين مع الصوت القوي سماعًا أو إسماعًا، ولا يقصد بهذا فعله على وجه التعبد.
(ح-١٦٦) فقد روى البزار في مسنده من طريق الربيع بن نافع، قال: أخبرنا معاوية بن سلام، عن زيد بن أسلم، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله الهوزني، قال:
لقيت بلالًا مؤذن رسول الله ﷺ فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ، فذكر قصة في استدانة بلال لرسول الله ﷺ على ذمته، وفيه، قال بلال: فخرجت إلى البقيع، فجعلت أصبعي في أذني، وقلت: من كان يطلب دينًا فليحضر … الحديث.
ورواه أبو داود في السنن حدثنا أبو توبة: الربيع بن نافع به بنحوه، وحذف منه أبو داود موضع الشاهد اختصارًا (١).
[وإسناده جيد] (٢).
стр. 457
فهنا بلال حين أراد أن ينادي بالبقيع بصوت مرتفع وضع أصبعه في أذنيه، فربما كانت عادة القوم حين رفع الصوت أن يجعلوا أصابعهم في أذانهم، وليس فعلهم هذا على فرض أن يكون فعله في الأذان محفوظًا عن هدي نبوي، والله أعلم.
• دليل من قال: يجعل أصبعيه في أذنيه في الإقامة:
ما يفعل في الأذان يفعل في الإقامة، فإن الإقامة أحد الأذانين، سواء أقلنا: إن الفعل في الأذان مستحب أم مباح.
قال في مواهب الجليل: وإذا استحب في الأذان استحب في الإقامة كما قاس ابن القاسم جوازه فيها على جوازه في الأذان، قال في الطراز: وهو صحيح، فإن الإقامة أحد الأذانين» (١).
• الراجح:
أرى أن مذهب المالكية هو الأقرب، وأن المؤذن إذا أذن بلا مكبر، وأحب أن يستعين برفع صوته عن طريق وضع أصبعيه في أذنيه فلا مانع بشرط ألا يعتقد أن ذلك سنة عن الرسول ﷺ ؛ لأن السنة لا تثبت إلا بحديث صحيح، ولم يثبت ذلك عندي، ولا يوصف من فَعَلَها بالبدعة، أو يشدد في ذلك، والخلاف فيها دائر بين الاستحباب والإباحة، والله أعلم.
стр. 458
فرع في صفة وضع الأصبعين في الأذنين
[م-٥٨] لم يرد تعيين الأصبعين اللتين يستحب وضعهما في الأذنين، ومن ثم اختلفوا:
فقيل: يجعل أصبعيه في أذنيه، قال في مراقي الفلاح: أي السبابتين، وجزم به النووي، وقال المرداوي في الإنصاف: ويجعل أصبعيه في أذنيه: يعني السبابتين، وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. ونسبه الحافظ ابن رجب للجمهور (١).
وقيل: إن وضع يديه على أذنيه، فحسن، وهذا رواية في مذهب الحنفية، والأول عندهم أحسن (٢).
وقيل: يجعل أصابعه مضمومة على أذنيه، وهي رواية عن أحمد، قال الخرقي: مع قبضه على كفيه (٣).
قال ابن قدامة: «قال -يعني الخرقي-: (ويجعل أصابعه مضمومة على أذنيه) المشهور عن أحمد، أنه يجعل أصبعيه في أذنيه، وعليه العمل عند أهل العلم، يستحبون أن يجعل المؤذن أصبعيه في أذنيه … وروى أبو طالب، عن أحمد أنه قال: أحب إلي أن يجعل يديه على أذنيه، على حديث أبي محذورة، وضم أصابعه الأربع ووضعها على أذنيه، وحكى أبو حفص، عن ابن بطة، قال: سألت أبا القاسم الخرقي عن صفة ذلك، فأرانيه بيديه جميعًا، فضم أصابعه على راحتيه، ووضعهما
стр. 459
على أذنيه .... والأول أصح؛ لصحة الحديث، وشهرته، وعمل أهل العلم به، وأيهما فعل فحسن، وإن ترك الكل فلا بأس» (١).
стр. 460
المبحث السادس في استحباب الالتفات في الأذان والإقامة
الفرع الأول استحباب الالتفات في الأذان
المدخل إلى المسألة:
• المقصود من الأذان هو الإعلام.
• ليس في الالتفات والاستدارة تعبد مقصود لذاته، فلا يفعلان إلا لمصلحة تكون أرجح من استقبال القبلة.
• إذا كان الالتفات يضر بالإعلام كما في مكبر الصوت لم يشرع؛ لأنه ينقص الصوت، وهو ركن الأذان والمقصود منه.
• إذا كان الالتفات لا يزيد في الإعلام لا يُفْعَل؛ لأن الانصراف عن القبلة بلا حاجة نزعة ظاهرية في عبادة معللة.
• كل وسيلة تعود بالضرر على المقصد الشرعي من الأذان فإنها وسيلة غير مشروعة.
• الالتفات في الأذان أقوى من الاستدارة.
• تعيين موضع الالتفات في الحيعلتين مدرج من بعض الرواة، وقد تجنب البخاري تخريجها في صحيحه.
[م-٥٩] اختلف العلماء في الالتفات يمينًا وشمالًا:
فقيل: يستحب الالتفات بوجهه يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة، حي على
стр. 461
الفلاح، وهذا مذهب جمهور العلماء (١).
قال ابن رجب: «والسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة، ويدير وجهه في قول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) يمينًا وشمالًا» (٢).
وذهب المالكية إلى أن الالتفات ليس من سنة الأذان، ويباح إن كان الغرض منه إسماع الناس (٣).
• حجة الجمهور على استحباب الالتفات في الحيعلتين:
(ح-١٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، أنه رأى بلالًا يؤذن، فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا بالأذان (٤).
ورواه مسلم، عن وكيع، عن سفيان به، بِأَتَمَّ من هذا، ولفظه: أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه، فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ، وأذن بلال، قال: فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يمينا وشمالًا، يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح .... الحديث (٥).
стр. 462
• ويجاب عن دليل الجمهور:
بأن الالتفات في الأذان لم يروه ثقة عن عون إلا سفيان الثوري، وأكثر مَنْ ذَكَر ذلك عنه ذَكَر الالتفات، ولم يذكر موضعه، ورواه سبعة عشر راويًا عن عون، فلم يذكروا الالتفات (١).
• دليل المالكية على أن الالتفات مباح:
الدليل الأول:
أنكر مالك الالتفات وقال: لا يُعْرَف هذا الذي يقول الناس يلتفت يمينًا وشمالًا، وكان مالك ينكره إنكارًا شديدًا، ويراه من الخطأ، وقال: إنه ليس من حد الأذان، إلا إذا كان من أجل أن يسمع (١).
فقول الإمام مالك: (لا يُعْرَف) هذا النفي ظاهره أنه لا يعرف من عمل الناس، ويحتمل أنه لا يعرف من جهة الأثر، وإن كان الأول أقرب؛ لأن مستند مالك في جمل الأذان وصفته على ما كان عليه العمل في وقته، قال مالك: ما أدري ما أذان يوم ولا ليلة، هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذن فيه من عهده إلى اليوم لم يحفظ عن أحد إنكار لهذا الأذان، ولا نسبته إلى التغيير.
قال الباجي معلقًا: وهذا لعمري من أقوى الأدلة، ومما لا يعارض بأخبار الآحاد؛ لأن الأذان في مسجد رسول الله ﷺ أمر متصل في وقت كل صلاة» (٢).
ولو حاول أحد أن يغير، أو يبدل، أو يضيف، أو ينقص لجرى إنكار ذلك عليه، من بعضهم، ولا يظن بجميعهم السكوت على عمل غير مشروع.
ولأن كل مسألة طريقها النقل كالأذان والإقامة والصاع والمد ونحوها من الأمور المحسوسة المعول فيه على ما نقله أهل المدينة عن التابعين؛ لأن ما نقل نقلًا مستفيضًا أو متواترًا أولى مما نقل آحادًا، والله أعلم (٣).
ومن أصول مالك تقديم العمل على ظاهر الأثر؛ لأن الثاني قد يتعرض للسهو
стр. 476
والخطأ بخلاف الأول.
ويظهر أنه يلزم من مذهب مالك إعلال ما تفرد به سفيان من الالتفات في الأذان.
فإن قيل: هل يوجد أحد من المتقدمين أعل زيادة الالتفات في الأذان؟
فالجواب: وهل سكوت أئمة الجرح والتعديل من المتقدمين يعد منهم تصريحًا في الحكم بحفظها، فلو وجد نقل عن تتابع الأئمة المتقدمين على قبولها لم يخالفهم أحد من المتأخرين، والإمام البخاري لم يجزم بالترجمة، فقال في صحيحه: هل يلتفت في الأذان، ولم يذكر موضع الالتفات، وانفرد وكيع عن سفيان بذكر موضع الالتفات، وقد اضطرب وكيع في ألفاظ الحديث، فنطبق قواعد الأئمة المتقدمين على هذه الزيادة والله أعلم.
الدليل الثاني:
الأصل في التوجه إلى القبلة أنه أكمل من الالتفات والدوران عنها، فإذا لم يكن في الالتفات والدوران عن القبلة مصلحة أرجح من استقبالها لم يلتفت ولم يُسْتَدَرْ، ولهذا قيدنا جواز الالتفات والدوران أن يكون بقصد الإسماع؛ لأن الناس هم المقصودون بالأذان.
الدليل الثالث:
إذا كان الالتفات يضر بالإعلام كما في مكبر الصوت لم يشرع؛ لأنه ينقص الصوت، وهو مقصود في الأذان، وإذا كان الالتفات لا يزيد في الإعلام لا يفعل؛ لأن الانصراف عن القبلة بلا حاجة نزعة ظاهرية في فعل معلل.
الدليل الرابع:
الفعل منه ما هو مقصود لذاته، وهذا يفعل مطلقًا، ومنه ما هو وسيلة لغيره، فهذا يفعل ما دام يتوصل به إلى ذلك الغير، ومنه الالتفات عن القبلة بقصد الإسماع، فإذا كان يضر بالإسماع لم يَعُد وسيلة مشروعة، بل عاد بالضرر على مقصود الشارع من الأذان، وهو الإعلام، ودعك ممن يقول: يلتفت، ولو أضر بالإسماع محافظةً على السنة، فإن هؤلاء ليس عندهم إلا الجانب العاطفي، وهم خلو من النظر الفقهي، والمقصد الشرعي.
стр. 477
والنبي ﷺ قد أخذ الأذان ممن رآه في المنام وأعطاه لبلال لكونه أقوى صوتًا من عبد الله بن زيد، والأصل أن عبد الله بن زيد أحق به فقد خصَّه الله برؤية الأذان كل ذلك يدل على أن رفع الصوت بالأذان ركن الأذان فإذا كان الالتفات يضر به لم يفعل، فكيف يترك المقصود من الأذان لصفة مختلف في مشروعيتها، ومختلف في روايتها في الحديث.
• الراجح:
أن الالتفات في الأذان يدور بين زيادة الثقة، وبين الشذوذ، وقد تفرد به سفيان عن عون ابن أبي جحيفة، دون أصحاب عون ممن روى هذا الحديث، وهم كثير.
فالبخاري اعتمد ما رواه أكثر الرواة عن سفيان، وهو ذكر الالتفات، دون ذكر موضعه، وتجنب إخراج ما تفرد به وكيع عن سفيان في بعض طرقه من ذكر موضع الالتفات.
وروى مسلم زيادة وكيع عن سفيان، من بعض طرقه بذكر موضع الالتفات وكأنه يراها محفوظة، رغم أن أكثر أصحاب وكيع، وعلى رأسهم الإمام أحمد، وابن أبي شيبة وغيرهما رويا الحديث عن وكيع دون ذكر موضع الالتفات.
وكما انفرد وكيع في روايته عن سفيان بذكر موضع الالتفات وأنه التفت مع قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، انفرد بالاختلاف عليه مرة بالشك (صلى الظهر أو العصر) ومرة (صلى الظهر) ولم يذكر العصر، وفي أخرى: عكسها، وفي رابعة: (صلى ركعتين) ولم يحدد، وفي خامسة: (صلى الظهر ثم صلى العصر)، ومرة وسادسة: (صلى الظهر والعصر) والرواية الأخيرة هي رواية الجماعة عن عون بن أبي جحيفة، وهي المحفوظة، انظر تخريج هذه الألفاظ في المجلد السابع عشر، في مسألة: صفة جمع المسافر تقديمًا وتأخيرًا، والله أعلم.
وسواء أكان الاختلاف من وكيع أم كان من سفيان فإن هذا الاختلاف اضطراب في لفظه من هذا الطريق خاصة.
وليس هذا الاختلاف الوحيد على سفيان، فقد انفرد سفيان بزيادات في حديث عون لم يروها غيره قد تكلمت على أكثرها، وقد يكون الحمل في بعضها
стр. 478
على الرواة عنه، وفي بعضها الحمل على سفيان، من هذه الألفاظ:
الأول: ذكر الدوران في الأذان.
ومنها الالتفات يمينًا وشمالًا.
الاختلاف عليه في موضع الالتفات.
ومنها جعل الأصبعين في الأذنين.
فمن يرى أن قبول زيادة سفيان يلزم منه توهيم سبعة عشر راويًا رووا حديث عون، ولم يذكروا الالتفات، وعلى رأسهم شعبة ومالك بن مغول، وعمر ابن أبي زائدة، وعتبة بن عبد الله، وروايتهم في الصحيحين فسيحكم عليها بالشذوذ.
ومن رأى أن إمامة سفيان الثوري، وكثرة مروياته تجعل العلماء يحتملون له هذا التفرد، وإن خالف هؤلاء، فإمامته وجلالة قدره، وإخراج البخاري ومسلم لروايته سيجعلها من زيادة الثقة، على خلاف:
أيعد الالتفات دون ذكر موضعه هو المحفوظ كما هي رواية البخاري؟ حتى إن البخاري حين ترجم لم يجزم بالترجمة، فقال: باب: هل يُتْبِعُ المؤذنُ فاه ههنا وههنا؟ وهل يلتفت بالأذان، أم نقول: إن الالتفات وذِكْرَ موضعه كليهما محفوظ لرواية مسلم؟
كلاهما محتمل، ولكلٍ مرجح:
فما يرجح كونها محفوظة ما سبق أن ذكرت لك بأن عمل الأئمة على أن الإمام المكثر لا يضر تفرده بالحديث، ويحتمل منه ما لا يحتمل من غيره من الثقات، كالثوري والزهري وأمثالهما، وزاد على ذلك إخراج البخاري ومسلم للالتفات في الجملة، وأخذ بذلك جمهور الفقهاء والمحدثين، واعتبروها صفة مشروعة في الأذان.
وما يرجح كونها ليست محفوظة في الأذان:
أولًا: أن سفيان دون أصحاب عون قد زاد في الحديث ثلاث زيادات، اثنتان منها لم يتابعه عليها إلا رجل متكلم في حفظه، ولم يقبلها المحققون:
من ذلك الدوران في الأذان. ووضع الأصبعين في الأذنين، فليلحق بهما ذكر الالتفات، الفارق أن البخاري ومسلمًا قد رويا الالتفات، وتجنبا تخريج
стр. 479
رواية وضع الأصبعين في الأذنين والدوران، فإذا كانت إمامة سفيان لا تمنع من الحكم عليه بشذوذ هذين الحرفين لم تمنع من الحكم عليه بشذوذ الحرف الثالث، وإن كان الحمل في هذه الزيادتين على الرواة عنه، والله أعلم.
ثانيًا: أن الالتفات لا يحفظ فيه سنة قولية يأمر به النبي ﷺ بلالًا، أو يأمر أبا محذورة، أو سعدًا القرظ بأن يلتفت في أذانه، وقد نُقِل لنا التفاتُ بلال في واقعة واحدة في حديث أبي جحيفة من طريق سفيان وحده، وكان مجرد فعل من بلال، وكان ذلك في حجة الوداع، والناس متكاثرون عن يمينه وشماله، وقد لا ينفذ صوت بلال إلى أقصاهم، أيكون التفاتُ بلالٍ اجتهادًا منه بقصد إسماع الناس، وكان تقرير الله له مؤذنًا بالجواز، ولا يبلغ به الاستحباب حيث لم يُحْفَظ سنةٌ قوليةٌ تأمر بلالًا، أو تأمر غيره من المؤذنين بذلك، ويكون جوازه عند الحاجة إلى الإسماع، ويتأكد ذلك أن أهل المدينة زمن الإمام مالك لا يعرفون الالتفات، وأنكر الإمام مالك أن يكون الالتفات من سنة الأذان؟ أم أن هذا الالتفات هو جزء مما أضيف إلى صفة الأذان، كما أضيف التثويب، وإن لم يكن في رؤيا عبد الله بن زيد، ولا في تعليم النبي ﷺ الأذان لأبي محذورة؟.
الأمر محتمل، وإن كنت أميل للأول، وأن الالتفات لو كان في صفة الأذان لَعَلَّمه النبي ﷺ أبا محذورة، خاصة أن تعليمه لأبي محذورة كان بعد فتح مكة، واستقرار تشريع الأذان، فكون هذه الصفة لم تنقل لنا إلا في السنة العاشرة في حجة الوداع، وفي واقعة واحدة، فلو كانت صفة ملازمة للأذان، لنقلت قبل ذلك، ولتكرر نقلها، والله أعلم.
ثالثًا: أن هذا الالتفات لم يكن معروفًا عند مؤذني أهل المدينة في عصر التابعين، والعهد قريب، فلو كانت من صفات الأذان المستحبة لنقلها التابعون من أهل المدينة عن الصحابة.
هذا ما أمكنني قوله في هذه المسألة، وأعتذر من بعض التكرار في عرض المسألة، لكون البحث قد يخالف قول الجمهور، ويخالف الجانب العملي المشهور، ومثل هذا قد يشكل عبئًا نفسيًّا على الباحث عند تبني مخالفته،
стр. 480
فلا يرغب الباحث في مخالفة الناس، ولا يقدم موافقتهم على حساب ما يقتضيه البحث العلمي، وغايتي التماس السنة حسب الجهد، وقد أصيب وقد أخطئ، وإذا تحرى طالب العلم جهده، فقد يوفق للصواب، وقد لا يوفق، وما على طالب العلم إلا بذل الوسع ما استطاع، وتحري الحق، ويكفي أن ما ذهبت إليه هو عمل أهل المدينة في عصر التابعين مع قرب العهد، وهو موافق لما رواه أكثر الرواة عن أبي جحيفة، والله أعلم.
стр. 481
الفرع الثاني مشروعية الالتفات في الإقامة
المدخل إلى المسألة:
• إعلام الحاضرين لا يشرع له الالتفات قياسًا على خطبة الجمعة.
• لم يثبت الالتفات في الإقامة، والأصل عدم المشروعية.
• ما ترك فعله زمن التشريع، مع إمكان فعله، ولم يمنع من فعله مانع فإن فعله محدث.
[م-٦٠] اختلف العلماء في الالتفات في الإقامة:
فقيل: الإقامة كالأذان يستحب فيها الالتفات. وهو مذهب الحنفية، والأصح عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (١).
لأن الإقامة أحد الأذانين، فيفعل في الإقامة ما يفعل في الأذان.
وقيل: الالتفات مختص بالأذان، وهو المذهب عند الحنابلة، ووجه للشافعية، وبه قال بعض الحنفية (٢).
• وجه التفريق بينهما:
قال ابن رجب: «والفرق بينهما: أن الأذان إعلام للغائبين، فلذلك يلتفت
стр. 482
ليحصل القصد بتبلغيهم، بخلاف الإقامة؛ فإنها إعلام للحاضرين، فلا حاجة إلى التلفت فيها، ولذلك لم يشرع في الموعظة في خطب الجمع وغيرها الالتفات؛ لأنها خطاب لمن حضر، فلا معنى للالتفات فيها» (١).
وقيل: لا يستحب إلا أن يكبر المسجد، اختاره بعض الحنفية، ووجه للشافعية (٢).
وهذا بناء على أن الالتفات لقصد الإسماع، ولا يُحْتَاجُ إليه إلا مع اتساع المسجد.
والراجح في هذه المسألة هو ما رجحته في المسألة السابقة من عدم ثبوت الالتفات في الأذان فضلًا عن الإقامة، والله أعلم.
стр. 483
الفرع الثالث في صفة الالتفات
[م-٦١] اختلفوا في صفة الالتفات:
فقيل: يلتفت يمينًا حين يقول: حيَّ على الصلاة مرتين، ويلتفت يسارًا حين يقول: حيَّ على الفلاح مرتين.
وهذا هو الصحيح عند الحنفية، والأصح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة (١).
(ح-١٦٨) لما رواه مسلم، عن وكيع، عن سفيان، حدثنا عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم … وفيه: قال: فأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يقول: يمينا وشمالًا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح .... الحديث (٢).
وقيل: يلتفت يمينًا وشمالًا بحي على الصلاة، ويلتفت يمينًا وشمالًا بحي على الفلاح.
اختاره بعض الحنفية، وهو وجه عند الشافعية، ورأي لبعض الحنابلة (٣).
واستدلوا على ذلك:
(ح-١٦٩) بما رواه ابن خزيمة في صحيحه، قال: أخبرنا سلم بن جنادة، قال: حدثنا وكيع، عن الثوري، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يمينًا وشمالًا بحي
стр. 484
على الفلاح (١).
[انفرد سلم بن جنادة بهذا اللفظ، وقد رواه زهير، عن وكيع، فالتفت يمينًا وشمالًا حي على الصلاة حي على الفلاح] (٢).
وقيل: إن أراد أن يسمع فإن الالتفات والدوران يكون حال الأذان، يعني قبل تمام الجملة من الأذان. وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٣).
وفي مذهب المالكية أقوال أخرى، منها:
لا يدور إلا بعد الفراغ من الكلمة.
وقيل: إن لم ينقص الدوران من صوته دار كيف يشاء، وإلا بعد الفراغ من الكلمة. وكل هذه الأقوال عند المالكية لا تخصها بجملة معينة من جمل الأذان.
وقيل: لا يدور إلا عند الحيعلتين، وهذا قول ابن الحارث، وهو موافق لقول الجمهور (٤).
والراجح في هذه المسألة هو ما رجحته في المسألة السابقة من عدم ثبوت الالتفات أصلًا، والصفة فرع عن ثبوت الالتفات.
стр. 485
الفرع الرابع في الاستدارة
المدخل إلى المسألة:
• يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد
• المقصود من الأذان هو الإعلام، فإذا توقف إعلام الناس على الاستدارة صارت مطلوبة لا لذاتها.
• ليس في الالتفات والاستدارة تعبد مقصود لذاته، فلا يفعلان إلا لمصلحة تكون أرجح من استقبال القبلة، وهو الإعلام.
• إذا عاد تحصيل الوسيلة بالإبطال على ما كان غاية مقصودة بالعبادة تركت الوسيلة.
• الالتفات في الأذان أقوى من الاستدارة.
[م-٦٢] علمنا خلاف العلماء في حكم الالتفات في الأذان، واختلفوا في الاستدارة، والفرق بينهما: أن الالتفات يكون بلوي العنق، ولا يحول صدره عن القبلة، ولا يزيل قدمه عن مكانها، وسواء في المنارة وغيرها، بخلاف الاستدارة فإن الجسم كله يتحول عن القبلة، ويكون ذلك في المنارة غالبًا، إذا عُلِمَ ذلك نأتي لأقوال الفقهاء في المسألة:
فالمالكية سبق لنا أنهم لا يرون الالتفات والاستدارة من حد الأذان وصفته، ولكن إن كان ذلك من أجل الإسماع جاز له الالتفات وجاز له الاستدارة.
جاء في تهذيب المدونة: «ولا يدور في أذانه، ولا يلتفت، وليس هذا من حد الأذان، إلا أن يريد بالتفاته أن يسمع الناس» (١).
стр. 486
وأما الجمهور الذين يرون الالتفات صفة في الأذان، فاختلفوا:
فقيل: لا يدور إلا إذا كان لا يتم الإعلام إلا بالاستدارة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه في مقابل المشهور عند الشافعية، والمشهور عن أحمد، وصوبها في الإنصاف؛ لأنها أبلغ في الإعلام (١).
وقيل: لا يدور مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والرواية الثانية عند الحنابلة (٢).
قال النووي في المجموع: «مذهبنا أنه يستحب الالتفات في الحيعلة يمينًا وشمالًا، ولا يدور، ولا يستدبر القبلة، سواء أكان على الأرض، أم على منارة» (٣).
• والسبب في الاختلاف:
اختلافهم في صحة الرواية التي رواها عبد الرزاق، عن سفيان، عن عون ابن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، فأتتبع فاه هاهنا وهاهنا، وأصبعاه في أذنيه .... الحديث (٤).
[سبق تخريجه] (٥).
فمن صحح زيادة (يؤذن ويدور) قال بالاستدارة، وكذا قال بها من لم
стр. 487
يصححها، إذا توقف إعلام الناس بالأذان على الاستدارة؛ لأن المقصود من الأذان هو الإعلام، وتحصيل المقصود حتى ولو أدى ذلك إلى الإخلال بأدب من الآداب وأنه أولى من العكس؛ والوسائل يغتفر فيها ما لا يغتفر في المقاصد.
ومن رأى أن الاستدارة صفة في العبادة، لا تشرع إلا بدليل، وزيادة الدوران زيادة ليست محفوظة، قال بالمنع من الدوران مطلقًا حتى مع اتساع المنارة، واتساع البلد.
واليوم مع وجود مكبرات الصوت، لا يحتاج إلى الاستدارة من أجل الإسماع، لأن وضع المكبرات على مختلف الجهات يقوم مقام الاستدارة، وهو الإسماع.
стр. 488
المبحث السابع أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة
المدخل إلى المسألة:
• لا يصح في الترسل بالأذان وحدر الإقامة حديث صريح.
• شفع الأذان وإيتار الإقامة يومئ إلى الترسل في الأول وحدر الثاني.
• المقصود من الأذان الإعلام، فكان التمهل والتثنية أبلغ ليصل إلى الجميع، والمقصود من الإقامة الشروع في الصلاة فكان الإيتار، والإسراع بها أليق.
• اختلاف الأسماء دليل على اختلاف المعاني.
• يشترك الأذان والإقامة بالتكبير، والشهادتين في أولهما، والحيعلتين في وسطهما، ويختمان بالتكبير، والتوحيد.
• تختص الإقامة عن الأذان بالحدر، والإيتار، وجملة قد قامت الصلاة، ولا تثويب فيها، ولا التفات، ويختص الأذان بالترسل، والشفع، والتثويب في الصبح، والالتفات على قول، والترجيع على إحدى الصفتين.
الترسل في الأذان: هو التأني والتمهل، وحقيقة الترسل: تطلب الهينة والسكون، من قولهم: على رسلك.
والحدر في الإقامة، يقال: حدر الرجل في كلامه يحدر حدرًا: إذا أتبع بعضَه بعضاً وأسرع فيه.
[م-٦٣] وقد استحب الفقهاء أن يترسل في الأذان، وأن يسرع في الإقامة، وكيفما جاء بالأذان والإقامة فإنه يجزي، وكره الحنفية في الأصح تركهما (١).
стр. 489
واختار بعض الحنفية الإعادة إذا حدر الأذان، وهو مخالف لما عليه عامة الحنفية.
جاء في فيض الباري: «لو حَدَرَ فيه، وجمع بين كلمتي الأذان، اختلف فيه المشايخ: وفي (قاضيخان): أنه يعيده، وهو المختار عندي» (١).
جاء في الأصل: «قلت أفيحدر الإقامة حدرًا، ويترسل في الأذان؟ قال: نعم، قلت أرأيت إن حَدَرَهما جميعًا، أو ترسل فيهما جميعًا، أو حدر الأذان، وترسل في الإقامة هل يضره ذلك؟ قال: لا، ولكن أفضل ذلك أن يصنع كما وصفت لك» (٢).
وإنما لم يضره إذا ترك هذه الصفة؛ قال السرخسي: «لأنه أقام الكلام بصفة التمام، وحصل المقصود، وهو الإعلام، فترك ما هو زينة فيه لا يضره» (٣).
جاء في فتح القدير: «ولو ترسل فيهما، قيل: يكره لمخالفته السنة، وقيل: ما ذكره في المتن يشير إلى عدم الكراهة، حيث قال: وهذا بيان الاستحباب، والحق هو الأول؛ لأن المتوارث الترسل، فيكره تركه» (٤).
وفي الحاوي: «قال الشافعي: وأحب أن يؤذن مترسلًا بغير تمطيط .... وأحب الإقامة إدراجًا مبينًا، وكيفما جاء بهما أجزأه» (٥).
• الأدلة على استحباب الترسل في الأذان والحدر في الإقامة:
الدليل الأول:
(ح-١٧٠) ما رواه عبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب، قال: حدثنا
стр. 490
يونس بن محمد، ثنا عبد المنعم بن نعيم، عن يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء،
عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال لبلال: يا بلال، إذا أذنت فترسل في أذانك، فإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل من قضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 491
الدليل الثاني:
(ث-٣٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز، عن أبيه،
عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس، قال: جاءنا عمر بن الخطاب، فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 492
الدليل الثالث:
(ح-١٧١) روى الدارقطني من طريق عمرو بن شمر، حدثنا عمران بن مسلم، قال: سمعت سويد بن غفلة، قال:
سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نرتل الأذان ونحذف الإقامة (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 493
الدليل الرابع:
المقصود من الأذان الإعلام، فكان التمهل والتثنية أبلغ ليصل إلى الجميع، والمقصود من الإقامة الشروع في الصلاة فكان الإيتار، والإسراع بها أليق.
الدليل الخامس:
ولأن هذا معنى يحصل به الفرق بين الأذان والإقامة، فاستحب كما استحب أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة، ولأن اختلاف الأسماء دليل على اختلاف المعاني.
• الراجح:
الآثار في الباب لا يصح منها شيء، والمعنى يحتمله، ولكن مثل هذا لا يبلغ به السنة، وإنما الاستحسان، كما أن ترك مثل ذلك لا يبلغ به الكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي، لا يقوم إلا على دليل شرعي، لذا أرى أن القول باستحسان أن يرتل الأذان، وأن يحدر الإقامة هو القول المناسب، ولا يقال: إن ذلك من السنة؛ لأن السنة إذا أُطْلِقَتْ فيراد بها ما يضاف إلى الرسول ﷺ قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، ولا أظن في المسألة أثرًا يقتضي الحكم، والله أعلم.
стр. 494
المبحث الثامن في استحباب جزم الأذان والإقامة
الفرع الأول معنى جزم الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
• مد التكبير إن كان في أوله في لفظ الجلالة فقد انقلب استفهامًا، فيوهم الكفر، وإن كان في آخره فقد تغير المعنى؛ لأن (أكبار) جمع كبر، وهو الطبل، تعالى الله.
• الأفضل في أداء الأذان أن يكون على ما سمع، فإن خالف إلى ما تقبله اللغة لم يمنع، وإن خالف إلى ما تمنعه اللغة كان من اللحن في الأذان، وهو على درجات.
[م-٦٤] يقصد بالجزم: تسكين أواخر كلمات الأذان عند الوقف، وهو ضد الإعراب.
جاء في تهذيب اللغة: والجزم: الحرف إذا سكن آخره (١).
وعند الحنفية الجزم يعني أمرين:
أحدهما: أي مقطوع المد، فلا تقول: آلله أكبر.
الثاني: أنه مقطوع حركة الآخر للوقف، فلا يقف بالرفع (٢).
والمقصود في البحث هنا المعنى الثاني.
стр. 495
جاء في المبسوط: «الأذان جزم، والإقامة جزم، والتكبير جزم» (١).
وجاء في البحر الرائق: «ويسكن كلمات الأذان والإقامة لكن في الأذان ينوي الحقيقة، وفي الإقامة ينوي الوقف» (٢). أي يسكن الإقامة وإن وصل الكلام من أجل الحدر على نية الوقف.
وقال خليل المالكي عن الأذان: «مجزوم». علق الخرشي: «أي موقوف الجمل ساكنها» (٣).
وفي جامع الأمهات: «قال بعضهم: ولم يسمع يعني الأذان إلا موقوفًا» (٤).
واعتبر السيوطي أن الوقف بالسكون هو الأفصح، والوقف بالحركة على جمل الأذان دون اللحن (٥).
وفي مغني المحتاج نقلًا عن المبرد: «الأذان سمع موقوفًا» (٦).
وفي البيان للعمراني: «والسنة: أن يقف المؤذن على أواخر الكلمات في الأذان؛ لأنه روي موقوفًا» (٧).
وفي الإنصاف: «قوله (ويستحب أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة)، وهذا بلا نزاع. لكن قال ابن بطة، وأبو حفص، وغيرهما من الأصحاب: إنه يكون في حال ترسله وحدره: لا يصل الكلام بعضه ببعض معربًا، بل جزمًا وإسكانًا. وحكاه ابن بطة عن ابن الأنباري عن أهل اللغة. قال: وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: شيئان مجزومان، كانوا لا يعربونهما: الأذان، والإقامة. قال: وقال أيضًا: (الأذان