стр. 491
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 30064
موسوعة أحكام الصلوات الخمس
دبيان الدبيان
Полный текст (10 314 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 492
стр. 493
الدليل الرابع:
المقصود من الأذان الإعلام، فكان التمهل والتثنية أبلغ ليصل إلى الجميع، والمقصود من الإقامة الشروع في الصلاة فكان الإيتار، والإسراع بها أليق.
الدليل الخامس:
ولأن هذا معنى يحصل به الفرق بين الأذان والإقامة، فاستحب كما استحب أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة، ولأن اختلاف الأسماء دليل على اختلاف المعاني.
• الراجح:
الآثار في الباب لا يصح منها شيء، والمعنى يحتمله، ولكن مثل هذا لا يبلغ به السنة، وإنما الاستحسان، كما أن ترك مثل ذلك لا يبلغ به الكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي، لا يقوم إلا على دليل شرعي، لذا أرى أن القول باستحسان أن يرتل الأذان، وأن يحدر الإقامة هو القول المناسب، ولا يقال: إن ذلك من السنة؛ لأن السنة إذا أُطْلِقَتْ فيراد بها ما يضاف إلى الرسول ﷺ قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، ولا أظن في المسألة أثرًا يقتضي الحكم، والله أعلم.
стр. 494
المبحث الثامن في استحباب جزم الأذان والإقامة
الفرع الأول معنى جزم الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
• مد التكبير إن كان في أوله في لفظ الجلالة فقد انقلب استفهامًا، فيوهم الكفر، وإن كان في آخره فقد تغير المعنى؛ لأن (أكبار) جمع كبر، وهو الطبل، تعالى الله.
• الأفضل في أداء الأذان أن يكون على ما سمع، فإن خالف إلى ما تقبله اللغة لم يمنع، وإن خالف إلى ما تمنعه اللغة كان من اللحن في الأذان، وهو على درجات.
[م-٦٤] يقصد بالجزم: تسكين أواخر كلمات الأذان عند الوقف، وهو ضد الإعراب.
جاء في تهذيب اللغة: والجزم: الحرف إذا سكن آخره (١).
وعند الحنفية الجزم يعني أمرين:
أحدهما: أي مقطوع المد، فلا تقول: آلله أكبر.
الثاني: أنه مقطوع حركة الآخر للوقف، فلا يقف بالرفع (٢).
والمقصود في البحث هنا المعنى الثاني.
стр. 495
جاء في المبسوط: «الأذان جزم، والإقامة جزم، والتكبير جزم» (١).
وجاء في البحر الرائق: «ويسكن كلمات الأذان والإقامة لكن في الأذان ينوي الحقيقة، وفي الإقامة ينوي الوقف» (٢). أي يسكن الإقامة وإن وصل الكلام من أجل الحدر على نية الوقف.
وقال خليل المالكي عن الأذان: «مجزوم». علق الخرشي: «أي موقوف الجمل ساكنها» (٣).
وفي جامع الأمهات: «قال بعضهم: ولم يسمع يعني الأذان إلا موقوفًا» (٤).
واعتبر السيوطي أن الوقف بالسكون هو الأفصح، والوقف بالحركة على جمل الأذان دون اللحن (٥).
وفي مغني المحتاج نقلًا عن المبرد: «الأذان سمع موقوفًا» (٦).
وفي البيان للعمراني: «والسنة: أن يقف المؤذن على أواخر الكلمات في الأذان؛ لأنه روي موقوفًا» (٧).
وفي الإنصاف: «قوله (ويستحب أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة)، وهذا بلا نزاع. لكن قال ابن بطة، وأبو حفص، وغيرهما من الأصحاب: إنه يكون في حال ترسله وحدره: لا يصل الكلام بعضه ببعض معربًا، بل جزمًا وإسكانًا. وحكاه ابن بطة عن ابن الأنباري عن أهل اللغة. قال: وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: شيئان مجزومان، كانوا لا يعربونهما: الأذان، والإقامة. قال: وقال أيضًا: (الأذان
стр. 496
جزم) قال المجد في شرحه: معناه: استحباب تقطيع الكلمات بالوقف على كل جملة. فيحصل الجزم والسكون بالوقف، لا أنه مع عدم الوقف على الجملة يترك إعرابها، كما قال. انتهى» (١).
стр. 497
الفرع الثاني في صفة الجزم بالأذان
المسألة الأولى القطع والوصل بالتكبير
المدخل إلى المسألة:
• الأفضل في أداء الأذان أن يكون على نحو ما نقل، فإن خالف إلى ما تقبله اللغة لم يمنع، وإن خالف إلى ما تمنعه اللغة كان من اللحن في الأذان، وهو على درجات.
[م-٦٥] بعد أن عرفنا معنى كلمة كون الأذان مجزومًا نأتي إلى صفة الجزم بالأذان.
فجمل الأذان تنقسم إلى قسمين:
الأول: جمل الأذان ما عدا التكبير، فالوقوف عليها بالتسكين على كل جملة، فلا يصل جملةً بجملةٍ أخرى، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة.
قال الحطاب في مواهب الجليل: «نقل ابن فرحون عن ابن راشد أن الخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين، وأما غيرهما من ألفاظ الأذان فلم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه نطق به إلا موقوفًا» (١).
الثاني: التكبير بالأذان، وقد اختلفوا فيه في مسألتين:
المسألة الأولى: القطع والوصل.
والمسألة الثانية: الجزم والإعراب.
стр. 498
فأما القطع والوصل فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن صفة التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر، ويقف، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بصوت واحد، وبنفس واحد من غير فرق بين التكبيرات التي في أول الأذان والتي في آخره (١).
قال النووي: «يستحب أن يجمع المؤذن كل تكبيرتين بنفس واحد، وأما باقي الألفاظ فيفرد كل كلمة بصوت لطول لفظها بخلاف التكبير» (٢).
القول الثاني:
أن يقطع على كل تكبيرة، ولا يصلها بالأولى، ولا فرق بين التكبير الذي في أول الأذان، والتكبير الذي في آخره، وهذا قول لبعض الحنفية، وشيوخ صقلية من المالكية، ووجه للشافعية، ومذهب الحنابلة (٣).
جاء في التوضيح لخليل: «أجاز بعض الأندلسيين الوصل والوقف في التكبير من بين ألفاظ الأذان … » (٤).
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى أن التكبيرتين اللتين في أول الأذان الراجح فيهما الوصل، وأما باقي جمل الأذان بما في ذلك التكبير الذي في آخره فإن القطع فيهما واجب، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية.
стр. 499
قال في مواهب الجليل: «قال ابن عرفة عن المازري: اختار شيوخ صقلية جزم الأذان، وشيوخ القرويين إعرابه، والجميع جائز انتهى .... ثم قال: «ونقل ابن فرحون عن ابن راشد: أن الخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين، وأما غيرهما من ألفاظ الأذان فلم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه نطق به إلا موقوفًا» (١).
وجاء في منح الجليل نقلًا عن المازري: «اختار شيوخ صقلية جزمه وشيوخ القرويين إعرابه، وكلاهما جائز. قال ابن راشد: الخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين، وأما غيرهما من ألفاظه حتى الله أكبر الأخير فلم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه نطق به معربًا، فجزم ما عدا التكبيرتين الأوليين من صفاته الواجبة التي تتوقف صحته عليها كما يفيده كلام أبي الحسن وعياض وابن يونس وابن راشد الفاكهاني» (٢).
• دليل من قال: يصل التكبير في أول الأذان وآخره:
الدليل الأول:
(ح-١٧٢) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه،
عن جده عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة (٣).
وجه الاستدلال:
حديث عمر ﵁ ذكر ما يقوله المؤذن، وما يقوله سامع الأذان،
стр. 500
فاختار عمر ﵁ شطرًا واحدًا من كل جملة يقولها المؤذن؛ لتدل على ما يقوله عند سماع الشطر الثاني، فذكر من جملة التكبير (الله أكبر الله أكبر) كشطر واحد من جملتي التكبير، كما اختار شطرًا واحدًا من الشهادتين، ومن الحيعلتين، فدل الحديث على أن المؤذن يجمع كل تكبيرتين بِنَفَسٍ واحدٍ.
وهذا من أقوى الأدلة وأصرحها على وصل التكبيرتين.
قال النووي في شرح صحيح مسلم: «قال أصحابنا يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد، فيقول في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر بنفس واحد، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بنفس آخر» (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٧٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة (٢).
الدليل الثالث:
(ح-١٧٤) ما رواه أحمد، عن محمد بن جعفر وحجاج، كلاهما عن شعبة، سمعت أبا جعفر - يعني المؤذن يحدث عن مسلم أبي المثنى، يحدث
عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين وقال حجاج: يعني مرتين مرتين - والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لا أحفظ غير هذا (٣).
[رواه أبو جعفر عن أبي المثنى مرفوعًا وتابعه ابن أرطاة، وخالفه إسماعيل بن أبي خالد فرواه عن أبي المثنى عن ابن عمر موقوفًا، وهو المحفوظ].
стр. 501
وجه الاستدلال من الحديثين:
حديث أنس وصف الأذان بأنه شفع، وحديث ابن عمر وصف الأذان بأنه مرتين مرتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه باستثناء التشهد في آخره، وهذا لا يكون إلا إذا كانت التكبيرتان بنفس واحد.
• دليل من قال: يفصل بين جمل الأذان بما في ذلك التكبير:
الدليل الأول:
(ح-١٧٥) ما رواه عبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب، قال: ثنا يونس بن محمد، ثنا عبد المنعم بن نعيم، عن يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء،
عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال لبلال: يا بلال، إذا أذنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحدر … الحديث (١).
والترسل: هو التمهل، وهذا دليل على أنه يفصل بين كل جملة من جمل الأذان بخلاف الإقامة.
• وأجيب:
بأن الحديث ضعيف (٢).
الدليل الثاني:
قال الرافعي في شرح الوجيز: روي أنه ﷺ قال: التكبير جزم، والتسليم جزم (٣).
قال الحافظ في التلخيص: لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي (٤).
قلت: ولم يثبت ذلك عن إبراهيم النخعي، وإن اشتهر عنه ذلك.
(ث-٣٨) فقد رواه عبد الرزاق في المصنف، عن يحيى بن العلاء، عن مغيرة، قال: … قال إبراهيم: التكبير جزم، يقول: لا يمد (٥).
стр. 502
[ضعيف جدًّا فيه يحيى بن العلاء متهم].
قال السيوطي: « .... قال إبراهيم: التكبير جزم، يقول: لا يمد - هكذا وقع في الرواية مفسرًا - وهذا التفسير إما من الراوي عن النخعي، أو من يحيى، أو من عبد الرزاق، وكل منهم أولى بالرجوع إليه في تفسير الأثر، وفسره بذلك أيضًا الإمام الرافعي في الشرح، وابن الأثير في النهاية، وجماعة آخرون، وأَغْرَبَ المُحِبُّ الطبري فقال: معناه لا يمد، ولا يعرب، بل يسكن آخره (١).
وهذا الثاني مردود بوجوه:
أحدها: مخالفته لتفسير الراوي، والرجوع إلى تفسير الراوي أولى كما تقرر في علم الأصول.
الثاني: مخالفته لما فسره به أهل الحديث والفقه.
الثالث: أن إطلاق الجزم على حذف الحركة الإعرابية لم يكن معهودًا في الصدر الأول، وإنما هو اصطلاح حادث فلا يصح الحمل عليه. وأما حديث أنه ﵇ لم ينطق بالتكبير إلا مجزومًا، فلم نقف عليه، وإن كان هو الظاهر من حاله ﷺ ؛ لأن فصاحته العظيمة تقتضي ذلك، وأما هل يشترط الجزم؟ فجوابه: لا، بل لو وقف عليه بالحركة صح تكبيره، وانعقدت صلاته؛ لأن قصارى أمره أنه صرح بالحركة في حال الوقف، وهو دون اللحن، ومعلوم أنه لو لحن بأن نصب الجلالة مثلًا، لم يضره في صحة الصلاة، كما لو لحن في الفاتحة لحنًا لا يغير المعنى؛ فإنه لا تبطل صلاته، كما هو منصوص عليه … » (٢).
стр. 503
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: «وفيه نظر؛ لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الإعراب اصطلاح حادث لأهل العربية، فكيف تحمل عليه الألفاظ النبوية» (١).
والصحيح أن الجزم في اللغة له معنيان:
أحدهما: السكون، كما قاله أكثر من واحد من علماء اللغة كابن الأثير، والأزهري في تهذيب اللغة (٢)، ومنه سمي جزم الإعراب، وهو السكون.
قال ابن قدامة: «ذكر أبو عبد الله بن بطة أنه حال ترسله لا يصل الكلام بعضه ببعض معربًا بل جزمًا، وحكاه عن ابن الأنباري عن أهل اللغة … » (٣).
وقول ابن حجر: كيف تحمل عليه الألفاظ النبوية، وكأن القول بأن التكبير جزم ثابت عن النبي ﷺ ، فهو لم يثبت مرفوعًا كما لم يثبت عن إبراهيم النخعي.
المعنى الثاني يطلق الجزم على القطع، وعدم المد، ويسمى الحذف. فإنكار السيوطي وابن حجر أحد المعنيين لا وجه له، والله أعلم.
• دليل من قال: يوصل التكبير في أول الأذان دون آخره:
(ح-١٧٦) يمكن أن يستدل لهم بما رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة (٤).
• وجه هذا القول:
أن التكبير في الإقامة وإن كانت صورته تثنية فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد، ولا يأتي هذا إلا إذا استحب للمؤذن أن يقول: كل تكبيرتين بنفس واحد، فيقول في أول الأذان الله أكبر الله أكبر بنفس واحد، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بنفس آخر، وينبغي أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس حتى يكون شفعًا لأنه إذا وصل
стр. 504
صار التكبير وترًا، بخلاف الإقامة فإنه يجمعها حتى تكون صورتها إفرادًا (١).
• الراجح:
ينبغي أن يقال: إن الأمر كله واسع، سواء أوصل أم وقف في التكبير، أما باقي ألفاظه فهو على الوقف، والله أعلم.
стр. 505
المسألة الثانية
الجزم والإعراب في التكبير
المدخل إلى المسألة:
• الأفضل في أداء الأذان أن يكون على نحو ما نقل، فإن خالف إلى ما تقبله اللغة لم يمنع، وإن خالف إلى ما تمنعه اللغة كان من اللحن في الأذان، وهو على درجات.
• المقصود من الأذان هو الإعلام، فكيف أداه المؤذن جزمًا أو إعرابًا فقد حصل المقصود.
•أمرنا بالأذان أمرًا مطلقًا، والمطلق من الأوامر الشرعية يجري على إطلاقه فكيف أذن المؤذن فقد حصل المقصود.
• الأرجح في قواعد اللغة أن التسكين ملازم للوقف، والإعراب ملازم للوصل.
• جمل الأذان كلها على التسكين بلا وصل ما عدا التكبير ففيه خلاف في الراجح بين الإعراب مع الوصل أو الوقف مع الجزم، وكلاهما سائغ.
[م-٦٦] اختلف الفقهاء في حركة الراء من قولك: الله أكبر، في الجملة الأولى والجملة الثانية، هل هي بالتسكين أو بالفتح، أو بالضم؟
• الخلاف في الراء في التكبيرة الأولى،
للفقهاء فيها أربعة أقوال:
القول الأول:
أن الراء ساكنة غير معربة، كباقي جمل الأذان، اختاره جماعة من الحنفية،
стр. 506
والشافعية والحنابلة (١).
• وجه القول بالتسكين:
الوجه الأول:
(ح-١٧٧) ما يروى مرفوعًا: التكبير جزمٌ. أي ساكن.
لم يثبت مرفوعًا، وروي عن إبراهيم النخعي، ولم يثبت عنه، على خلاف في دلالته على المراد، وقد ناقشته في المسألة السابقة.
الوجه الثاني:
أن الأذان سمع فيه الوقف على كل جملة، والوقف يعني السكون، هذا ما تقتضيه اللغة، وآخر التكبير كآخر غيره، فإذا كان يتعين تسكين التاء المربوطة في جملة: حي على الصلاة، وتسكن الحاء في جملة حي على الفلاح، كذلك تسكن الراء في جملة الله أكبر، لا فرق بين الأولى والثانية.
القول الثاني:
التخيير بين السكون والفتح، اختاره بعض المالكية (٢).
• وجه القول بذلك:
أما وجه التسكين فقد تقدم في القول الأول.
وأما وجه القول بالفتح، فنقل عن المبرد، أنه قال: إن الراء في الله أكبر ساكنة؛ لأن الأذان سمع موقوفًا فتحركت فتحة الألف من اسم الله لسكون الراء مثل ﴿الم (١) اللَّهُ. . .﴾ فحولت الفتحة إلى الراء من قوله: أكبر. قال ابن الأنباري: أما ضم الراء فإنه من فعل العَوَامِّ، وإنما يجوز الفتح أو السكون (٣).
стр. 507
وقيل: حركت بالفتح لالتقاء الساكنين، وإنما لم يكسر حفظًا لتفخيم اللام (١).
• ونوقش هذا:
قال الحطاب: والتحريك بالفتح غير ظاهر؛ لأنه يحتاج إلى تكلف، وهو أن يقال: إنه وصل بنية الوقف (٢).
وقال في مغني المحتاج: «وما علل به المبرد ممنوع إذ الوقف ليس على أكبر الأول، وليس هو مثل ميم ألم كما لا يخفى» (٣).
القول الثالث:
التخيير بين الضم والفتح، ذكر ذلك بعض الحنفية (٤).
أما الفتح فمن أجل التخلص من التقاء الساكنين، فالراء في أكبر ساكنة باعتبار الوقف، بعدها همزة وصل ساكنة، فتحرك الراء بالفتح تخلصًا من التقاء الساكنين.
وأما الضم فلأن جملة (الله أكبر) مكونة من مبتدأ وخبر فإذا وصلها لم يسكن، فتحرك بالضم حركة إعراب.
القول الرابع:
تعين الضم، قال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار: «والصواب أن حركة الراء ضمة إعراب، وليس لهمزة الوصل ثبوت في الدرج فتنقل حركتها» (٥).
وفي المنهج القويم نقلًا عن الهروي: «عامة الناس -أي: العلماء- على ضمها» (٦). هذا هو الخلاف في التكبيرة الأولى.
• وأما الخلاف في التكبيرة الثانية:
ففيها قولان: الأول: السكون لا غير، والرفع خطأ (٧).
стр. 508
قال ابن عابدين: «والحاصل: أن التكبيرة الثانية في الأذان ساكنة الراء للوقف، ورفعها خطأ».
وقال القاضي عياض: « … يجوز في الراء من أكبر الأول السكون والتحريك بالفتح، وفي الثاني: السكون لا غير» (١).
القول الثاني: التخيير بين السكون والتحريك بالضم (٢).
ولا أعلم وجهًا للتحريك إلا أن يقال: يجوز الوقف على الحركة، وليس على السكون، إلا أن السكون أرجح.
الراجح في المسألتين:
إذا جمعت التكبيرتان، فإن الأولى تكون مضمومة، والثانية ساكنة، وإذا لم تجمع التكبيرتان، فإن السكون هو الأصل، ويجوز في لغة عند العرب الوقوف مع الإعراب، فصار الخلاف فيها لا يضر (٣).
стр. 509
المبحث التاسع في استحباب الإقامة في موضع الأذان
المدخل إلى المسألة:
• أمرنا الشارع بالإقامة، والأمر مطلق، وما كان مطلقًا فهو على إطلاقه لا يقيد إلا بدليل.
• استحباب مكان معين للعبادة يحتاج إلى توقيف، والأصل عدم الاستحباب.
• جاءت النصوص الصحيحة بأن بلالًا، وابن أم مكتوم كان كل منهما يصعد للأذان، ولم يرد مثل ذلك في الإقامة، والأصل عدم الصعود للإقامة.
• الإقامة إعلام بالدخول في الصلاة، فإذا أقام بأي موضع فقد حصل الامتثال.
• إسماع الإقامة لمن هم خارج المسجد مقصود شرعًا، ورتب الشارع على سماعها أحكامًا، من المشي للصلاة، وتقديم الأكل على الإجابة، ونحو ذلك.
[م-٦٧] اختلف الفقهاء في استحباب الإقامة في موضع الأذان على قولين:
فقيل: يستحب أن يكون الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، صوبه في الإنصاف (١).
стр. 510
قال ابن نجيم: «السنة أن يكون الأذان في المنارة والإقامة في المسجد» (١).
وسَهَّل المالكية الإقامة في صحن المسجد إن كان يريد أن يسمع من حول المسجد، وإلا فهو خطأ.
وجاء في الذخيرة: «إذا كان المستحب إيصالها -يعني الإقامة- بالصلاة، فهل يبعد المؤذن عن الإمام، مثل الجامع الواسع يخرج إلى بابه، أو يصعد على سطحه فيقيم؟ قال ابن القاسم: يفعل إن كان يسمع من حوله، وإلا فهو خطأ» (٢).
وقيل: يستحب أن يقيم في موضع أذانه، إلا أن يشق عليهم؛ لكونه قد أذن في مكان بعيد، فيقيم في المسجد. وهذا من مفردات مذهب الحنابلة (٣).
• دليل من قال: يتحول في الإقامة عن موضع الأذان:
الدليل الأول:
(ح-١٧٨) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:
حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة، طاف بي، وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر … وذكر الأذان، ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول: إذا أقيمت الصلاة، الله أكبر الله أكبر .... وذكر الإقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك.
[حديث حسن إن سلم من تفرد ابن إسحاق، وثبت سماع محمد بن عبد الله بن
стр. 511
زيد من أبيه] (١).
وجه الاستدلال:
قال الخطابي: «قوله (ثم استأخر غير بعيد) يدل على أن المستحب أن تكون الإقامة في غير موقف الأذان» (٢).
وقد يقال: إنه فعل ذلك إشارةً لوجود فاصل بين الأذان والإقامة.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن الجريري،
عن عبد الله بن شقيق قال: من السنة الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وكان عبد الله، يفعله (٣).
[إسناده صحيح، وعبد الله يحتمل أنه ابن عمر، وهو مكثر عنه، ويحتمل أنه ابن عباس، ولا يراد به ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود وفاته مبكرة] (٤).
وجه الاستدلال:
قول التابعي: (من السنة كذا) مختلف فيه، أهو موقوف متصل أم هو مرفوع مرسل، والأرجح أن له حكم الوقف؛ لأنه يحتمل أنه قصد به سنة البلد، إلا أن قوله: وكان عبد الله يفعله موقوف صريح و.
• ويناقش:
إذا كان الصحابة يقيمون في المسجد، فهل كان فعلهم له في هذا المكان على وجه التعبد، بحيث تكون مخالفته مخالفة للمشروع، أو يكون فعلهم له اتفاقًا،
стр. 512
وليس تحريًا للمكان، باعتبار أن كل فعل لابد له من ظرف؟ هذا يحتمل، وإن كان الأصل عدم المشروعية حتى ينقلنا عن ذلك دليل صريح، والله أعلم.
الدليل الثالث:
من النظر فإن الإقامة إذا كانت في موضع الأذان لم تتصل الإقامة بالصلاة، ووجد فاصل بينهما، وقد قال المالكية: «والسنة اتصال الإقامة بالصلاة» (١).
• ويناقش:
بأن اتصال الإقامة بالصلاة ممكن، حتى ولو أقام في المنارة وذلك بأن يدخل الإمام بالصلاة من حين الفراغ من الإقامة، ولا ينتظر إلى حين نزول المؤذن ودخوله في الصلاة مع المصلين، ومراعاة مصلحة الصلاة وجموع المصلين أولى من مراعاة مصلحة المؤذن.
• دليل من قال: يقيم في موضع أذانه:
الدليل الأول:
(ح-١٨٠) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم،
عن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين (٢).
[مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن خزيمة والبيهقي إرساله] (٣).
стр. 513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 516
الدليل الثاني:
(ح-١٨١) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فَصَلُّوا، وما فاتكم فَأَتِمُّوا (١).
(ث-٣٩) وروى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر سمع الإقامة، وهو في البقيع، فأسرع المشي إلى المسجد (٢).
وجه الاستدلال من الحديث والأثر:
стр. 517
لو كانت الإقامة في المسجد لما سمعها ابن عمر من البقيع، ولم يكن سماعها عارضًا؛ لأن الشارع رتب على سماع الإقامة حكمًا شرعيًّا، وهو السعي إلى الصلاة، فكان مقصودًا شرعيًّا أن يسمعها الناس من خارج المسجد، فكانت كالأذان.
• يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الإمام أحمد، وهو المتفرد بهذا القول من جهة الفقه قد صرح بأنه ليس عنده دليل في المسألة إلا ما روي من قوله: لا تسبقني بآمين.
جاء في المغني: «ويستحب أن يقيم في موضع أذانه. قال أحمد: أحب إلي أن يقيم في مكانه، ولم يبلغني فيه شيء إلا حديث بلال: لا تسبقني بآمين» (١).
الوجه الثاني:
أن مسجد رسول الله ﷺ كان مكشوفًا إلا من سعف النخيل، ومكانه في ذلك الوقت كان محدودًا، والدور كانت ملاصقة له على صغرها، والناس ليسوا بالكثير حتى كانت قراءة الإمام تسمع من البيوت كما سيأتي في الدليل التالي، وكان الرجل لو صاح في طرف المدينة لبلغ صوته الطرف الآخر، لهذا كانت الإقامة تسمع من داخل المسجد، وليس هذا دليلًا على أن سماع الإقامة من مكان الأذان، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-١٨٢) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه، وكان ابن عمر: يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام (٢).
وجه الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالحديث السابق، والجواب عنه
كالجواب عن الدليل السابق.
стр. 518
• الراجح:
أرى أن القولين لا يركنان إلى سنة حاسمة، فحديث (استأخر عني غير بعيد) ليس صريحًا بأن موضع الإقامة غير موضع الأذان، وعلى صحة الحديث قد يشير إلى وجود فاصل بين الإقامة والأذان.
ويبقى النظر في التعليل، فالجمهور أقوى من حيث التعليل؛ حيث إن مصلحة الإقامة في المسجد تحقق اتصال الإقامة بالصلاة، خاصة أن الإقامة هي من أجل إعلان إقامة الصلاة، فإذا أقام في موضع أذانه أدى ذلك إما إلى تأخر الدخول في الصلاة من أجل انتظار لحاق المؤذن، وهذا مخالف للمقصود من الإقامة، أو الدخول بالصلاة دون انتظار المؤذن، وهذا يؤدي إلى حرمانه من جزء من الصلاة، وأما دليل الحنابلة من حديث لا تسبقني بآمين فهو حديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج، ومع وجود مكبرات الصوت اليوم يستطيع الإنسان أن يأخذ بقول الحنابلة، ولا يخالف قول الجمهور، ذلك أنه يقيم بالمسجد، ومكبرات الصوت تقوم بإبلاغ صوته، فصدق عليه أنه أقام في موضع أذانه، والله أعلم.
стр. 519
الفصل الثاني في الصفات المستحبة في المؤذن
المبحث الأول أن يكون المؤذن صَيِّتًا
المدخل إلى المسألة:
• القصد من الأذان إسماع الناس، فيقدَّمُ فيه رفيعُ الصوت حسنُه بلا تطريبٍ.
• وظيفة الأذان: التنبيه على دخول الوقت، ودعوة الناس إلى الصلاة، وقوي الصوت أكثر إسماعًا.
• ليس في الأذان إسرار إلا الترجيع على إحدى الصفتين.
• لا ينبغي أن يُجْهِد المؤذنُ نفسه بما فوق طاقته مبالغة في رفع الصوت.
• النفوس مجبولة على استحسان الصوت، خاصة في الأذان وقراءة القرآن.
• قوة الصوت في الأذان فيها أربع مصالح: أكثر إسماعًا للناس بدخول الوقت، كثرة من يشهد له يوم القيامة، وطرد الشيطان إلى مكان أبعد لا يسمع فيه التأذين، ويغفر له مَدَّ صوته.
• تقديم النبي ﷺ بلالًا على عبد الله بن زيد، واختيار النبي ﷺ لأبي محذورة دون أصحابه كان ذلك لحسن صوتيهما وقوتهما.
• الصوت بالذكر منه ما يشرع فيه الجهر والرفع كالأذان، والتلبية، وتكبير العيد، والتكبير في أيام العشر والتشريق، والأذكار بعد الصلوات، ومنه ما يشرع فيه الإسرار، كالنية، ودعاء الاستفتاح، والاستعاذة، والبسملة في الصلاة، وأذكار الركوع، والسجود، ونحوهما، ودعاء الطواف، وأذكار الصباح والمساء.
стр. 520
[م-٦٨] من صفات المؤذن أن يكون صَيِّتًا، وقد فسره بعضهم بالارتفاع كالحطاب من المالكية، وبعضهم فسره بأمرين: الحسن والارتفاع (١).
فأما حسن الصوت فلا يختلف في كونه مستحبًّا، بشرط أن يكون بلا تطريب.
وأما ارتفاع الصوت: فإن كان يؤذن لجماعة غائبين:
فقيل: رفع الصوت شرط،، وهو أصح الأوجه عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، واختاره بعض الحنفية (٢).
ولما كانت الشروط تتقدم على المشروط بخلاف الصوت في الأذان عَبَّرَ الحنابلة وبعض الشافعية بأن رفع الصوت ركن، وهو أدق.
فيجب أن يرفع صوته بالقدر الذي يحصل به إعلام البعض، حتى قال بعض الشافعية: لو أسمع واحدًا من الجماعة أجزأه، باعتبار أن الجماعة تنعقد باثنين أحدهما المؤذن، وأما الجماعة الثانية فيمكنها أن تكتفي بأذان الجماعة الأولى.
• وجه القول بالوجوب:
قول الرسول ﷺ لعبد الله بن زيد: أَلْقِهِ إلى بلال؛ فإنه أندى صوتًا منك.
فالشيء المقطوع به أن الغرض من الأذان هو الإسماع، والتنبيه على دخول المواقيت، وهذا يقتضي لا محالة رفعَ الصوت، وإذا كان كذلك، فلو لم يرفع صوته بحيث يحصل الإبلاغ، فمقتضى هذا الأصل أنه لا يُعْتَدُّ بالأذان … (٣).
وقيل: رفع الصوت بالأذان مستحب مطلقًا، حتى ولو كان يؤذن لجماعة غائبين، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه في مذهب الشافعية (٤).
стр. 521
فلو أَسرَّ بجميع الأذان لصح الأذان، كما لو أسر بالقراءة في الصلاة في موضع الجهر.
ولأن الواجب -على القول بوجوب الأذان- هو القول، والجهر صفة في القول فلا تجب.
وقيل: لا بأس بالإسرار ببعضه، ولا يجوز الإسرار بالجميع. وهذا وجه ثالث في مذهب الشافعية (١).
باعتبار أن إسماع بعض الأذان يكفي في حصول الإعلام.
وأما إذا كان يؤذن لنفسه، أو لجماعة معه، فلا يشترط رفع الصوت إلا بالقدر الذي يُسْمِعُ نفسه، أو يُسْمِعُ من كان معه.
[م-٦٩] فإذا علمنا القدر الواجب من رفع الصوت، فما زاد فيه فإنه مستحب بالاتفاق، لأن الأذان إعلام فكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر (٢).
• واستدل الفقهاء لهذا الاستحباب بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-١٨٣) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة الأنصاري، عن أبيه أنه أخبره،
أن أبا سعيد الخدري ﵁، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (٣).
стр. 522
فهذا دليل على استحباب قوة الصوت، قال ابن رجب الأمر برفع الصوت من كلام أبي سعيد، وقوله: فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن مرفوع من كلام النبي ﷺ . كذا رواه ابن عيينة صريحًا (١).
فقوله: (فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن، ولا شيء) حَثٌّ على رفع الصوت والمبالغة فيه؛ وهذا ما فهمه أبو سعيد، وجعله يأمر برفع الصوت في الأذان، وهي واحدة من مصالح أخرى سوف نأتي على التنبيه عليها في سائر الأدلة.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني موسى بن أبي عثمان، قال: حدثني أبو يحيى، مولى جعدة، قال:
سمعت أبا هريرة، أنه سمع من فم رسول الله يقول: المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنةً، ويكفر عنه ما بينهما.
[أرجو أن يكون حسنًا بشواهده] (٢).
стр. 523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 529
الدليل الثالث:
(ح-١٨٥) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:
حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر .... وذكر الأذان والإقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرتُه بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك.
[هذا إسناد حسن إن ثبت سماع محمد بن عبد الله بن زيد من أبيه] (١).
وجه الاستدلال:
قال النووي: قوله: «ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك: قيل معناه أرفع صوتًا وقيل أطيب فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه وهذا متفق عليه» (٢).
وقال الخطابي في معالم السنن: «وفي قوله: (ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك) دليل على أن من كان أرفع صوتًا كان أولى بالأذان؛ لأن الأذان إعلام فكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر» (٣).
стр. 530
وإذا كان الرسول ﷺ قد قدم بلالًا على عبد الله بن زيد مع أن عبد الله بن زيد هو الأحق به لرؤيته إياها، علم من هذا استحباب أن يكون المؤذن رفيع الصوت، وأن على من يختار للمسلمين أن يختار الأصلح لهذه الوظيفة، كما اختار النبي ﷺ أبا محذورة لحسن صوته.