الدليل الثالث:
(ح-١٨٥) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:
حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر .... وذكر الأذان والإقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرتُه بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك.
[هذا إسناد حسن إن ثبت سماع محمد بن عبد الله بن زيد من أبيه] (١).
وجه الاستدلال:
قال النووي: قوله: «ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك: قيل معناه أرفع صوتًا وقيل أطيب فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه وهذا متفق عليه» (٢).
وقال الخطابي في معالم السنن: «وفي قوله: (ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك) دليل على أن من كان أرفع صوتًا كان أولى بالأذان؛ لأن الأذان إعلام فكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر» (٣).
стр. 530
وإذا كان الرسول ﷺ قد قدم بلالًا على عبد الله بن زيد مع أن عبد الله بن زيد هو الأحق به لرؤيته إياها، علم من هذا استحباب أن يكون المؤذن رفيع الصوت، وأن على من يختار للمسلمين أن يختار الأصلح لهذه الوظيفة، كما اختار النبي ﷺ أبا محذورة لحسن صوته.
стр. 531
المبحث الثاني في استحباب أن يكون المؤذن مبصرًا
المدخل إلى المسألة:
• العمى لا يزيل الأهلية.
• لا تقبل شهادة الأعمى فيما يدرك بالبصر، وتقبل فيما يدرك بغيره.
• أذان الأعمى قد يكون تحملًا وقد يكون أداء، فالأول إذا كان يدرك الوقت باجتهاده، والثاني: إذا كان تبعًا لمؤذن أو خبر ثقة.
• إدراك الوقت إن كان يعتمد على البصر كان شرطًا في المؤذن إلا أن يعتمد على مبصر، وإن كان يعتمد على الحساب والعمل بالساعة والتقويم فإنه يستوي فيه الأعمى والبصير.
[م-٧٠] كان الأذان في السابق يعتمد على مراقبة الظل في النهار، من زوال الشمس إلى أن يكون ظل كل شيء مثله، إلى اصفرار الشمس، ثم غروبها.
وفي الليل يحتاج إلى مراقبة الشفق، وطلوع الفجر الصادق، فكل علامات دخول الوقت مرتبطة بعلامات بصرية تحتاج إلى مبصر يراقب هذه العلامات ليكون أذانه عند دخول الوقت، لهذا استحب جمهور الفقهاء أن يكون المؤذن بصيرًا حتى لا يضطر إلى الاستعانة بغيره، وربما فات جزء من الوقت قبل إعلامه، وإنما لم يجعلوا ذلك شرطًا؛ لأن المؤذن قد يؤذن تبعًا لغيره، أو لخبر ثقة (١).
وجاء في المدونة: كان مالك لا يكره أن يكون الأعمى مؤذنًا أو إمامًا (٢).
стр. 532
وحمله بعض المالكية على الأعمى الذي يقلد ثقة من مؤذن وغيره كما سيأتي النقل عنهم.
[م-٧١] وقد اختلف الفقهاء في أذان الأعمى:
فقيل: يكره مطلقًا، وهو مروي عن ابن مسعود.
(ث-٤٠) فقد روى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري، عن واصل بن الأحدب، عن قبيصة بن برمة الأسدي،
عن ابن مسعود، أنه قال: ما أُحِبُّ أن يكون مؤذنوكم عميانكم، حسبته قال: ولا قراؤكم.
[صحيح، وقبيصة اختلف في صحبته، وقال ابن سعد: كان سيدًا شريفًا في قومه، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله ثقات] (١).
وكره ابن عباس إقامته، وهي أخف من الأذان،
(ث-٤١) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن همام،
стр. 533
عن قتادة، عن عقبة،
عن ابن عباس أنه كره إقامة الأعمى.
[صحيح، وعقبة لم ينسب، ولكن كل من ذكره المزي من شيوخ قتادة ممن اسمه عقبة كان ثقةً].
(ث-٤٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن أبي عروبة، عن مالك بن دينار، عن أبي عروبة،
أن ابن الزبير كان يكره أن يؤذن المؤذن، وهو أعمى (١).
[في إسناده أبو عروبة: مهران اليشكري] (٢).
وقيل: لا يكره أذان الأعمى مطلقًا، إذا علم بالوقت، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وظاهر المدونة، إلا أن الحنفية قالوا: البصير أولى، واستحب الحنابلة أن يكون بصيرًا (٣).
ولم يشترط الحنفية للعلم بالوقت أن يكون معه بصير يخبره بالوقت، حيث قالوا: متى كان مع الأعمى من يحفظ عليه أوقات الصلوات، يكون حينئذٍ تأذينه وتأذين البصير سواءً (٤).
قال في الفروع: «والبصير أولى، ولا يكره من أعمى يعرف الوقت» (٥).
стр. 534
وقال ابن قدامة في المغني: «ويستحب أن يكون المؤذن بصيرًا؛ لأن الأعمى لا يعرف الوقت، فربما غلط، فإن أذن الأعمى صح أذانه، فإن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي ﷺ ..... ويستحب أن يكون معه بصير يُعَرِّفُه الوقت، أو يؤذن بعد مؤذن بصير، كما كان ابن أم مكتوم يؤذن بعد أذان بلال» (١).
واختار بعض المالكية جواز أذان الأعمى إن قَلَّد ثقة، أو كان أذانه تبعًا لغيره، وهذه العبارة تُشْعِرُ بالاشتراط (٢).
جاء في الشرح الكبير للدردير: «وجاز أعمى أي أذانه إن كان تبعًا لغيره فيه، أو قلد في دخول الوقت ثقة» (٣).
وكره الشافعية أن يكون الأعمى مؤذنًا وحده، فإن كان معه بصير لم يكره (٤).
وترجم البخاري في صحيحه: باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.
فتلخص الكلام في أذان الأعمى إلى ثلاثة أقوال:
الجواز بلا كراهة مطلقًا.
الكراهة إن لم يكن معه بصير يخبره؛ لأنه ربما غلط فيه، أو يفوت على الناس أول الوقت.
اشتراط الإبصار، إن كان يعتمد قوله في دخول الوقت، فإن كان تبعًا لغيره جاز مطلقًا.
وعمدة المسألة، صحة أذان ابن أم مكتوم، وهو أعمى، ولأن قول الأعمى في الأمور الشرعية مقبول، فيحصل به الإعلام.
والذين كرهوا أن يكون الأعمى مؤذنًا وحده، أو قالوا يشترط أن يكون معه أحد يخبره، قالوا: إن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت، فلم يكن يعتمد على نفسه في دخول الوقت.
стр. 535
وإذا كان المؤذنون هذه الأيام يرجعون إلى الساعة، وإلى التقويم، لم يكن هناك فرق بين الأعمى والبصير، والله أعلم.
стр. 536
المبحث الثالث في استحباب أن يكون المؤذن أمينًا
[م-٧٢] هناك صفات تنازع الفقهاء فيها، هل هي من صفات الكمال في المؤذن، أو هي من الشروط؟ كما في اشتراط العلم بالوقت، وتكلمت على ذلك في باب الشروط، ومنها العدالة، فبعضهم يعتبرها من الشروط، وبعضهم يعتبرها من صفات الكمال، والاستحباب، وقد بحثت كلام الفقهاء في حكم عدالة المؤذن في باب الشروط، فلا حاجة إلى إعادة البحث هنا، وقد رجحت أن العدالة ليست بشرط في صحة الأذان على الصحيح، والذي اقتضى إعادة هذه المسألة في باب الصفات المستحبة التنبيه على مذهب الحنابلة في هذه المسألة، فالحنابلة نَصُّوا على أن الأمانة مستحبة، وفسروا الأمانة بالعدالة، وإذا كان الأمين هو العدل: فإن العدالة عند الحنابلة شرط في المشهور من المذهب، فما توجيه مثل هذه النصوص المتعارضة عند الحنابلة.
قال في الإقناع: «ويسن كون المؤذن صَيِّتًا أمينًا … » (١).
ثم قال بعد ذلك: «وتشترط ذكوريته … وعدالته» (٢).
وفي دليل الطالب: وشرط كونه -أي المؤذن- مسلمًا … عدلًا ولو ظاهرًا .... وسن كونه صيتًا أمينًا … » (٣).
فجعل العدالة شرطًا، وجعل الأمانة من المسنونات، وكان يمكن أن تحمل الأمانة على غير العدالة دفعًا للتعارض، ولكن الحنابلة فسروا قوله: أمينًا: أي عدلًا (٤).
стр. 537
فبعضهم اعتبر استحباب أن يكون أمينًا قولًا مرجوحًا، ومن ذلك شيخنا أبو عبد الله محمد بن عثيمين يرحمه الله، قال في الشرح الممتع: «قوله: (أمينًا)، الظاهر من المذهب: أن كونه أمينًا سنة، والصحيح أنه واجب».
والصحيح أن المذهب يرى أن العدالة منها ما هو مستحب، ومنها ما هو شرط فيقصدون بالعدالة المستحبة العدالةَ الباطنةَ، ويقصدون بالعدالة التي هي شرط العدالةَ الظاهرة (١).
قال ابن قدامة: «ولا خلاف في الاعتداد بأذان من هو مستور الحال» (٢).
وقد يقال: بأن هناك فرقًا بين العدالة والأمانة، فإن العدل إذا جُرِحَ في شيء كان جرحًا في كل شيء، بخلاف الأمانة فقد يكون أمينًا في شيء، وإن كان غير مؤتمن في غيره، فيستحب أن يكون أمينًا بما يتعلق بالأذان، وإن لم يكن أمينًا في غيره، فإذا اطَّلع بلا قصدٍ على شيء من عوراتِ الناسِ ستر ذلك، وكان أمينًا عليها. والله أعلم.
стр. 538
الباب الرابع في الأحكام الفقهية المتعلقة بالأذان والإقامة
الفصل الأول فيما يأخذه المؤذن على الأذان والإقامة
المبحث الأول في أخذ الأجرة على الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
* كل عبادة وجبت وجوبًا عينيًّا على المكلف لا يجوز أخذ العوض على القيام بها.
* قال النووي: يجوز الاستئجار حيث تجوز النيابة.
* قال السعدي: الجعالة أوسع من الإجارة؛ لأنها تجوز على أعمال القرب.
* ما يؤخذ من بيت المال على القربات التي لا يجوز أخذ الأجرة عليها لا يعتبر أجرًا، ويجوز أخذه إجماعًا.
* يجوز أخذ المكافأة والمثوبة بلا شرط؛ لأنَّ هذا ليس داخلًا في المعاوضات على القربات.
* كل ما لا يتعين على الأجير أداؤه يجوز الاستئجار عليه إذا كانت تجري فيه النيابة.
* أقر النبي ﷺ -أخذ الأجرة على الرقية، والأذان ذكر، فكان في معنى الرقية.
[م-٧٣] إذا تعين على المسلم الأذان أو غيره من فروض الكفاية صار واجبًا
стр. 539
عينيًّا، فلا يعاوض على واجب (١).
وأما إذا لم يتعين عليه، فقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على الأذان.
فقيل: الأفعال التي يختص بها المسلم لا يجوز الإجارة عليها، كالصلاة، والحج، والأذان، وتعليم القرآن، وهو مذهب المتقدمين من الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، واختاره ابن حبيب من المالكية، والماوردي من الشافعية (٢).
وقيل: يجوز، وهو مذهب المالكية، وعليه أكثر الشافعية، وهو رواية عن أحمد (٣).
وقيل: يجوز للضرورة، وهو مذهب بعض المتأخرين من الحنفية، وقول في مذهب أحمد، ورجح ابن تيمية جوازه مع الحاجة، ومنعه مع الغنى وحكاه وجهًا (٤).
стр. 540
وقيل: يكره، نقلها حنبل عن الإمام أحمد (١).
* وجه قول متأخري الحنفية:
أن المتقدمين منعوا أخذ الأجر على تعليم القرآن والأذان ونحوهما؛ لأن هؤلاء قديمًا كانت لهم عطايا ومكافآت في بيت المال من غير شرط، وهذا الزمان قل ذلك، واشتغل هؤلاء بمعائشهم، فلو لم يفتح باب التعليم، وأخذ الأجر على الأذان لذهب القرآن، وتعطلت مصالح المسلمين، فأفتوا بالجواز للضرورة (٢).
قلت: لا ينبغي الخلاف في جوازه مع الضرورة؛ لأنه لا محرم مع قيامها.
(ث-٤٣) وروى ابن المنذر في الأوسط من طريق يحيى البكاء،
أن ابن أبي محذورة قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن إني أحبك في الله، فقال له ابن عمر: وأنا أبغضك في الله قال: سبحان الله أحبك في الله وتبغضني في الله، فقال ابن عمر: إنك تأخذ على أذانك أجرًا (٣).
[ضعيف، في إسناده يحيى البكاء].
وقد ذكرت أدلة المسألة في عقد الإجارة، عند الكلام على الاستئجار على القربات الشرعية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا (٤).
стр. 541
المبحث الثاني في أخذ الرَّزْق على الأذان
المدخل إلى المسألة:
* الرزق من بيت المال ليس معاوضة، بل هو إعانة على الطاعة.
* يجوز الرزق على الوظيفة حيث تمتنع الأجرة.
* لا يختلف العلماء في جواز أخذ الرزق على القضاء، والأذان مثله.
* إذا جاز للمؤذن أن يأخذ ما يدفع له من غير اشتراط جاز له أخذ الرزق.
* إذا جاز لعامل الزكاة أخذ المال على عمله جاز للمؤذن كذلك، ولا فرق.
[م-٧٤] نص الشافعية والحنابلة على أنه إذا وجد متطوع فلا يجوز للإمام أن يدفع له رزقًا من بيت المال؛ لأن الولي يتصرف نيابة عن عامة المسلمين، وتصرفه بالإجماع مقيد بالمصلحة، ولا مصلحة في دفع مال من بيت المال مع وجود من يتطوع بالأذان (١).
أما إذا لم يوجد متطوع، فهل يجوز أن يُدْفَع رزقٌ من بيت المال لمن يتولى الأذان؟
وللجواب نقول: أما من قال بجواز دفع الأجرة للمؤذن من بيت المال فلن يمنع من دفع الرزق من باب أولى، لأنه إذا جازت الأجرة، وهي عقد معاوضة جاز الرزق من باب أولى، وهو معروف وإحسان، وليس عقدًا.
وقد سبق لنا في المسألة السابقة أن مذهب الشافعية والمالكية على جواز دفع
стр. 542
الأجرة على الأذان، وبه يقول المتأخرون من الحنفية، وعليه الفتوى عندهم (١).
وأجاز ابن تيمية أخذ الأجرة مع الحاجة، ومنعها مع الغنى.
وأما من قال بتحريم الأجرة على الأذان، كالمتقدمين من الحنفية، والحنابلة، فهل يختلف الحكم عندهم في أخذ المؤذن الرزق من بيت مال المسلمين؟
فقيل: يجوز الرزق مطلقًا، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
وقال الحنفية: إن عرف القوم حاجته، فأعطوه شيئًا جاز أخذه من غير شرط (٣).
ونسب الماوردي الشافعي إلى أبي حنيفة القول بالمنع، ولم أقف عليه في كتب الحنفية (٤).
ولو صح ما نسب لأبي حنيفة فربما يحمل على حال الغنى، فمع الحاجة يجوز أخذ الرزق بالاتفاق.
وقد تكلم الحنفية في رزق القاضي مع الغنى، فحكوا فيه قولين في الأفضل، أصحهما القول بالأخذ، وقيل: الأفضل تركه؛ لأن الرزق مقدر بالكفاية (٥).
والمؤذن مقيس عليه بجامع أن كلًّا منهما يقوم بمصلحة عامة للمسلمين، ولا يجوز أخذ العوض عليهما عند الحنفية.
стр. 543
[م-٧٥] واختلفوا من أي سهم يُرْزَق المؤذن؟:
فقال ابن قدامة: «يرزقه الإمام من الفيء؛ لأنه المعد للمصالح، فهو كأرزاق القضاة، والغزاة» (١).
وقال الشافعي: يرزق من خمس الخمس سهم النبي ﷺ -ولا يرزق من غيره من الفيء، ولا من الصدقات؛ لأن لكلٍّ مالكًا موصوفًا، وبه قال أصبغ من المالكية (٢).
قال الماوردي: «رزق المؤذن، والإمام، والقاضي يكون من أموال المصالح، والمال المعد للمصالح هو خمس الخمس من الفيء، والمغانم، سهم النبي ﷺ ، فإنه مُرْصَدٌ لمصالح المسلمين العامة، فأما أربعة أخماس الغنيمة، فلا يجوز أن يعطوا منها؛ لأنها مال الغانمين، وأما أربعة أخماس الفيء، فعلى قولين:
أحدهما: أنها للجيش خاصة، فلا يجوز أن تصرف في غيرهم.
والثاني: أنها لمصالح المسلمين العامة، فعلى هذا القول يجوز أن تصرف في أرزاق المؤذنين، والأئمة، والقضاة، وأما أموال الزكاة، والكفارات فذلك لمستحقيها من الفقراء، وأهل السهم المذكورين لها لا يجوز أن تصرف في غيرهم» (٣).
إذا علم ذلك ننتقل بحول الله إلى عرض الأدلة، فإن الأقوال بلا حجة، لا نور لها.
* الأدلة على جواز دفع الرزق مطلقًا حتى مع الغنى:
الدليل الأول:
الإجماع على جواز أخذ الرزق على الأذان، قال ابن قدامة: «لا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه» (٤).
وقال القرافي: «الأرزاق مجمع على جوازها؛ لأنها إحسان، ومعروف، وإعانة
стр. 544
لا إجارة، وإنما وقع الخلاف في الإجارة؛ لأنها عقد مُكَايَسَةٍ، وَمُغَابَنَةٍ، فهي من باب المعاوضات التي لا يجوز أن يحصل العوضان فيها لشخص واحد، فإن المعاوضة إنما شرعت لينتفع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له، وأجر الصلاة له، فلو أخذ العوض عنها لاجتمع له العوضان، والأرزاق ليس بمعاوضة الْبَتَّة؛ لجوازه في أضيق المواضع المانعة من المعاوضة، وهو القضاء، والحكم بين الناس» (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٦) ما رواه أحمد عن روح بن عبادة، ومحمد بن بكر، كلاهما عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد الله ابن محيريز أخبره - وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة حتى جهزه إلى الشام، قال: فقلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أُسْأَل عن تأذينك،
فأخبرني أن أبا محذورة، قال له: نعم خرجت في نفر فكنا ببعض طريق حنين، مقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله بالصلاة عند رسول الله، فسمعنا صوت المؤذن، ونحن متنكبون فصرخنا نحكيه، ونستهزئ به، فسمع رسول الله ﷺ -الصوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إلي، وصدقوا، فأرسل كلهم، وحبسني، فقال: قم فأذن بالصلاة، فقمت، ولا شيء أكره إلي من رسول الله ﷺ ، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ ، فألقى إلي رسول الله ﷺ -التأذين هو نفسه، فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر … وذكر الأذان بالترجيع، وقال: ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة … الحديث.
[انفرد عبد العزيز بن عبد الملك في ذكر صرة الفضة، وأخشى ألا يكون ذلك محفوظًا] (٢).
стр. 545
قال اليعمري نقلًا من نيل الأوطار: «ولا دليل فيه لوجهين:
الأول: أن قصة أبي محذورة أول ما أسلم؛ لأنه أعطاه حين علمه الأذان، وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص الراوي لحديث النهي، فحديث عثمان متأخر.
الثاني: أنها واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال، وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف؛ لحداثة عهده بالإسلام، كما أعطى حينئذٍ غيره من المؤلفة قلوبهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من الإجمال» (١).
* ويجاب عن هذا:
الأول: بأن ما يعطيه الإمام ليس من قبيل الأجرة، بل هو رزق، فلا حاجة للبحث عن التاريخ بينه وبين حديث عثمان بن أبي العاص، والذي أمره النبي ﷺ -بأن يتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا.
الثاني: على التسليم بأنه أجرة، فقد قال الشوكاني: أنت خبير بأن هذا الحديث لا يرد على من قال: إن الأجرة إنما تحرم إذا كانت مشروطة، لا إذا أعطيها بغير مسألة (٢).
الدليل الثالث:
القياس على أرزاق القضاة والغزاة، وهو مجمع عليها.
الدليل الرابع:
القياس على عامل الزكاة والخراج، فإنه يجوز له أخذ الرزق مع الغنى.
الدليل الخامس:
أن الحاجة داعية إليه، فإذا لم يوجد متطوع تعطلت المصلحة.
стр. 546
الدليل السادس:
(ث-٤٤) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الأسلمي بن محمد، عن إسحاق بن محمد،
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: أول من رزق المؤذنين عثمان (١).
[ضعيف جدًّا، الأسلمي متروك] (٢).
* وجه من قال: الأفضل عدم الأخذ إلا لحاجة.
الوجه الأول:
من أجل أن يبقى مال في بيت المال للمصالح الأخرى، ولا يضيق عليهم الصرف.
الوجه الثاني:
القياس على ولي اليتيم، فالله تعالى أمره بالاستعفاف مع الغنى، وأباح له الأكل بالمعروف مع الفقر، فالمؤذن فرع متردد بين أصلين: عامل الزكاة، وناظر اليتيم.
قال عمر بن الخطاب ﵁: «إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم، إن احتاج أكل بالمعروف، وإن استغنى ترك» (٣).
فإذا كان هذا في الخليفة، فنائبه بمنزلته.
والراجح جواز أخذ الرزق مطلقًا، والله أعلم.
стр. 547
المبحث الثالث في دفع الجعالة على الأذان
[م-٧٦] نص الشافعية والحنابلة على جواز أخذ الجعالة على الأذان (١).
وهو مقتضى مذهب المالكية حيث أجازوا الإجارة مطلقًا؛ ومقتضى مذهب بعض المتأخرين من الحنفية؛ حيث أجازوا الإجارة للضرورة، فالجعالة تجوز للضرورة أيضًا (٢).
وقيل: لا يجوز أخذ الجعالة، وهو مقتضى مذهب المتقدمين من الحنفية حيث منعوا الجعالة على تعليم القرآن (٣).
وأدلة المسألة هي أدلة مسألة الإجارة على الأذان؛ لأن الجعالة نوع من الإجارة، فهي دفع عوض في مقابل عمل آدمي، إلا أنها تفترق عن الإجارة ببعض الفروق، وكل هذه الفروق لا تعود إلى الاختلاف في توصيف العقد، وقد ذكرت الفروق بين الجعالة والإجارة في كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، فارجع إليه إن شئت، منها: أن الجعالة عقد جائز، ولا يلزم العقد إلا بتمام العمل، ومنها جواز الجهالة في عقد الجعالة كجهالة العمل والعامل والمدة (٤).
стр. 548
الفصل الثاني في تعدد المؤذنين
المدخل إلى المسألة
* ما اتخذ للحاجة فإنه يقدر بقدرها، ويزول بزوالها.
* الأصل في تعدد المؤذنين أذان ابن أم مكتوم مع أذان بلال للصبح في وقتين مختلفين، ثم قاسوا عليهما بقية الصلوات للحاجة.
* الاستئناس بزيادة عثمان في الجمعة أذانًا ثانيًا حين اتسعت المدينة، وكثر الناس.
* تعدد المؤذنين قائم على الحاجة إلى تعدد الأذان لاستكمال الإعلام إلا في الفجر والجمعة لكون التعدد فيهما في أوقات مختلفة.
* لا توجد حاجة إلى تعدد المؤذنين في مسجد واحد في وقت واحد مع وجود مكبرات الصوت إلا في الفجر والجمعة لاختلاف وقت الأذانين.
* إذا تزاحم المؤذنون على الأذان، ولم يوجد في أذان أحدهم ما يدعو لتفضيله استهموا عليه.
[م-٧٧] ذهب الفقهاء إلى جواز تعدد المؤذنين في المسجد الواحد، وقال باستحبابه الشافعية والحنابلة (١).
стр. 549
والمستند في هذا حديث ابن عمر وعائشة في الصحيحين:
إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم.
والحديث دليل على استحباب اتخاذ مؤذنَيْنِ اثنين، وأما الزيادة عليهما فليس في الحديث تعرض لها.
والاقتصار على مؤذن واحد غير مكروه، لحديث مالك بن الحويرث: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم.
ونص الجمهور على تعدد المؤذنين في جميع الصلوات.
وقال ابن مفلح في الفروع: «ويتوجه في الفجر فقط كبلال وابن أم مكتوم» (١).
قلت: ويؤيده أن النبي ﷺ -لم يكن له إلا مؤذن واحد يوم الجمعة قبل أن يزيد فيه عثمان ﵁ في عصره حين اتسعت المدينة، مما يدل على أن اتخاذ مؤذنين كان في الليل خاصة، أحدهما قبل الفجر، والآخر عند طلوع الفجر.
والمستحب عند الشافعية ألا يزيد عن اثنين إلا أن تدعو الحاجة إلى الزيادة عليهما.
والمستحب في مذهب الحنابلة ألا يزيد عن اثنين على الصحيح (٢).
وذهب الرافعي إلى أنه لا يستحب الزيادة على أربعة.
قال الرافعي في فتح العزيز: «الأحب أنه لا يزاد على أربعة فقد اتخذ عثمان ﵁ أربعة من المؤذنين، ولم يزد الخلفاء الراشدون على هذا العدد» (٣).
وتعقبه النووي، فقال: «هذا الذي ذكره من استحباب عدم الزيادة على أربعة، قاله أبو علي الطبري، وأنكره كثيرون من أصحابنا، وقالوا: إنما الضبط بالحاجة، ورؤية المصلحة، فإن رأى الإمام المصلحة في الزيادة على أربعة فعله، وإن رأى
стр. 550
الاقتصار على اثنين لم يزد، وهذا هو الأصح المنصوص، والله أعلم» (١).
وفي شرح صحيح مسلم: «قال أصحابنا: يستحب أن لا يزاد على أربعة إلا لحاجة ظاهرة» (٢).
وفي الإنصاف: «قال القاضي: لا يستحب الزيادة على أربعة لفعل عثمان إلا من حاجة» (٣).
قلت: قيد الحاجة معتبر، ويدل على ذلك حديث (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه).
فدل الحديث على أن المؤذنين إذا تزاحموا على الأذان، ولم يكن هناك ما يدعو إلى تقديم أحدهم على الآخر احتاجوا إلى القرعة لمعرفة الأحق، ولو كان تعدد المؤذنين مفتوحًا لم يكن هناك حاجة إلى التزاحم عليه والاستهام لمعرفة الأحق.
فهذا كالنص على أن تعدد المؤذنين إنما يكون بقدر الحاجة، والله أعلم.
وقد كان أبو محذورة يؤذن في مكة، وسعد بن عائذ يؤذن بقباء، ولم يكن معهم أحد يؤذن، والله أعلم.
فالقصد من الأذان إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، فربما كان المسجد واسعًا فإذا أذن مؤذن في ناحية من المسجد لم يبلغ ذلك أهل الناحية الأخرى، فَيُتَّخَذُ مؤذنٌ آخر من أجل الإعلام.
وهذا كان محتاجًا إليه في الزمن الماضي، أما اليوم فإن مكبر الصوت يتوزع على كل الجهات الأربع، فيبلغ أهلها بما لم يكن يبلغه تعدد المؤذنين.
وأما الكلام على صفة أذانهم، فهل يؤذنون في وقت واحد، أو يؤذن الواحد تلو الآخر؟
فالمالكية يختلف عدد المؤذنين عندهم باختلاف أوقات الصلاة سعة وضيقًا،
стр. 551
فوقت المغرب يختلف عن الأذان للفجر قبل وقته، والذي يبدأ عندهم من السدس الأخير من الليل حسب المشهور من المذهب.
والسنة عند المالكية الترتيب، وذلك بأن يؤذنوا واحدًا بعد واحد إلا في المغرب فلا يؤذن لها إلا واحد.
فإن كثر المؤذنون، وكان ذلك منهم ابتغاء الثواب، وخافوا إن أذنوا واحدًا بعد آخر أن يخرج الوقت فمن سبق منهم كان أولى، فإن تزاحموا فيجوز أن يؤذنوا جماعة بشرط أن يؤذن كل واحد منهم لنفسه من غير أن يمشي على صوت غيره.
قال ابن الحاج المالكي في المدخل: «أما ما اعتاده المؤذنون اليوم من الأذان جماعة متراسلين نسقًا واحدًا مجتمعين فلم يعرف عن أحد جوازه، وها هو اليوم هو المعهود المعمول به، ومن فعل غيره أو تكلم به كأنه ابتدع بدعة في الدين، وأتى بشيء لا يعرف، ولا يعهد» (١).
ولأنهم لو أذنوا بصوت واحد، لا بد أن يتنفس أحدهم، فيجد غيره قد سبقه، فيحتاج أن يمشي على صوت من تقدمه، فيترك ما فاته من الأذان، فلا يأتي به كاملًا (٢).
وجاء في النوادر والزيادات: «قال ابن حبيب: … رأيت بالمدينة ثلاثة عشر مؤذنًا، وكذلك مكة، يؤذنون معًا في أركان المسجد، إلا أن كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه. ولا بأس أن يؤذن واحد بعد واحد، مثل الخمسة والعشرة، فيما وقته واسع، كالصبح، والظهر، والعشاء، وفي العصر مثل الثلاثة إلى الخمسة، ولا يؤذن في المغرب إلا واحد» (٣).
وقال نحوه ابن الحاج في المدخل (٤).
стр. 552
وهذا الذي ذكره المالكية هو مذهب الشافعية، والحنابلة.
جاء في مختصر المزني: «فإن كان المؤذنون أكثر أذنوا واحدًا بعد واحد» (١).
وقال الشيرازي: في المهذب: «والمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد، كما فعل بلال، وابن أم مكتوم، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام» (٢).
وقال النووي: «وإذا ترتب الأذان اثنان فصاعدًا، فالمستحب أن لا يتراسلوا، بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه، فإن تنازعوا الابتداء أُقْرعَ بينهم، وإن ضاق الوقت، فإن كان المسجد كبيرًا أذنوا متفرقين في أقطاره.
وإن كان صغيرًا وقفوا معًا، وأذنوا، وهذا إذا لم يُؤَدِّ اختلاف الأصوات إلى تهويش، فإن أدى لم يؤذن إلا واحد» (٣).
قال ابن رجب: «إن كان المسجد صغيرًا أذن واحد منهم بعد واحد، وإن كان كبيرًا أذنوا جملة؛ لأنه أبلغ في التبليغ والإعلام» (٤).
وفي الإنصاف: «الأولى أن يؤذن واحد بعد واحد، ويقيم من أذن أولًا» (٥).
فخرجنا من هذه الأقوال بما يلي:
الأول: الأصل أن تعدد المؤذنين قائم على الحاجة إلى تعدد الأذان لاستكمال الإعلام، إلا في الفجر، فيستحب اتخاذ مؤذنين، أحدهما قبل الوقت، والآخر عند طلوع الفجر.
الثاني: مع وجود المكبرات لم تعد هناك حاجة إلى تعدد المؤذنين لاستكمال الإعلام، فتوزيع مكبرات الصوت على الجهات الأربع مغنٍ عن تكرار الأذان من أجل الإعلام.
الثالث: تكرار الأذان في الفجر والجمعة لاختلاف وظائفهما، فالأذان قبل
стр. 553
الفجر من أجل استعداد الناس للصلاة، حيث يأتي عليهم الفجر، وهم نائمون، والناس منهم السريع والبطيء، وأما أذان الجمعة الأول فمن أجل رجوع الناس من أسواقهم، واستعدادهم للصلاة، ولم يكن تكرار الأذان بسبب أن أحدهما لا يكفي لإعلام الناس.
الرابع: لا يؤذنون بنسق واحد، وصوت واحد، فإن هذه الصفة بدعة.
الخامس: إن كان المسجد واسعًا، أذنوا في وقت واحد كل واحد منهما في ناحية ما لم يشوش أحدهما على الآخر، وإن كان المكان ضيقًا أذن الواحد منهم بعد الآخر إن اتسع الوقت، وكان هناك حاجة.
стр. 554
الفصل الثالث إذا تَشَاحَّ رجلان في الأذان
المبحث الأول إذا تشاحُّوا وكانوا غير مُتَسَاوِيَيْنِ
المدخل إلى المسألة:
* كل من يختار لغيره فتصرفه مقيد بالمصلحة.
* جهات الأوقاف عليها أن تختار الأصلح عند التَّشاحِّ في الأذان.
[م-٧٨] إذا تَشَاحَّ رجلان فأكثر في الأذان، فإن كان أحدهما مؤذنًا راتبًا فيه فليس لأحد منازعته، ويقدم على كل من ينازعه ما لم يكن هناك خلل ملحوظ.
قال النووي في المجموع: «إذا كان هناك راتب ونازعه غيره، فيقدم الراتب» (١).
وقال ابن رجب: «والظاهر: أن مراد أحمد: التنازع في طلب الأذان ابتداء، فأما من ثبت له حق في المسجد، وهو مؤذن راتب فيه، فليس لأحد منازعته، ويقدم على كل من نازعه» (٢).
فإن تشاحُّوا عند طلب الأذان ابتداء، وكانوا غير مُتَسَاوِيَيْنِ فإنه يقضى للأفضل، ولذلك لو جاء إلى الصف جماعة من المسلمين قُدِّمَ أولو الأحلام والنهى على غيرهم، قال النبي ﷺ : ليلني منكم أولو الأحلام والنهى. فكانوا أحق بالقرب من الإمام من غيرهم إذا تساووا في الحضور، ولا حاجة إلى استهام، إذا علم ذلك، فقد اختلفوا في الصفات التي توجب تقديم أحدهما على الآخر.
стр. 555
فقيل: يقضى للأفضل في الأذان من جهة الصفات المعتبرة في التأذين، من حسن الصوت، وسلامة الأداء من اللحن، والعلم بالوقت، فإن تساووا قدم الأصلح في دينه وعقله، وهذا مذهب الجمهور (١).
ولهذا قدم النبي ﷺ -بلالًا على عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وعلل هذا بأنه أندى صوتًا منه، ويقاس باقي الخلال على حسن الصوت.
واختار النبي ﷺ -أبا محذورة دون أصحابه لحسن صوته.
وقيل: يقدم الأصلح في دينه وعقله على الأفضل في الأذان، وهو رواية عن أحمد (٢)، وبه قال الجوزجاني. وأجاب عن تقديم بلال لصوته؛ بأنهما كانا متقاربين بالفضل والأمانة (٣).
جاء في الهداية على مذهب أحمد: «وإذا تشاحَّ نفسان في الأذان، قدم أكملهما في دينه وعقله، وفضله … » (٤).
ونقل ابن رجب في شرح البخاري: «قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن مسجد فيه رجلان يدعيان أنهما أحق بالمسجد، هذا يؤذن فيه، وهذا يؤذن فيه، فقال: إذا استويا في الصلاح، والورع أقرع بينهما .... ومعنى هذا: أنه إذا تشاحَّ في الأذان اثنان، فإن امتاز أحدهما بمزيد فضل في نفسه فإنه يقدم، وهو مراد أحمد بقوله: (إن كان أحدهما أصلح في دينه فينبغي لهم ألا يختصموا) يعني: أن الأصلح أحق (٥).
стр. 556
ولأن مراعاة الدين والعقل أولى من مراعاة الصوت؛ لأن ضرر فقد الدين والعقل أشد حيث يتعدى ذلك إلى جماعة المصلين، وجيران المسجد.
وهاتان الصفتان هما ركنا كل عمل: القوة والأمانة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين﴾ [القصص: ٢٦].
فبلال وعبد الله بن زيد ﵄ قد توفرت فيهما الأمانة، وفاق بلال أخاه عبد الله بجانب القوة (أندى صوتًا)، وهو ما جعله يُقَدَّم على عبد الله بن زيد.
فصارت المسألة ترجع إلى قولين: أحدهما يقدم الأصلح في دينه، والآخر يقدم الأفضل فيه.
قال شيخنا ابن عثيمين: «الصحيح حسب ما يقتضيه العمل، فبعض الأعمال تكون مراعاة الأمانة فيه أولى، وبعضها تكون مراعاة القوة أولى، فمثلًا القوة في الإمارة قد تكون أولى بالمراعاة، والأمانة في القضاء قد تكون أولى بالمراعاة» (١).
وفي الأذان أرى أن الأولى بالمراعاة هي الصفات المعتبرة في الأذان، من جهة الصوت، والسلامة من اللحن، والعلم بالوقت، فإن هذا يستفيد منه الناس أكثر من مؤذن قد يكون أكثر صلاحًا، ولكنه ذو صوت غليظ ينفر الناس من صوته، وقد لا يسلم من لحن ونحوه، وقد لا يكون عالمًا بالوقت بنفسه. والله أعلم.
стр. 557
المبحث الثاني إذا تشاحوا مع التساوي في الصفات
المدخل إلى المسألة:
* متى تساوت الحقوق أو المصالح حكَّمنا القرعة عند التنازع دفعًا للضغائن والأحقاد، ورضا بما جرت به الأقدار، وقضى به الملك الجبار.
* القرعة ذكرت في كتاب الله في شرع من قبلنا، وجاءت السنة بها في شريعتنا.
* القرعة ليست قمارًا، فالقمار نقل الحق من مستحقه إلى من لا يحق له، بخلاف القرعة فهي تعيين الحق لأحد المستحِقَّيْنِ لتعذر اشتراكهما، فهي إفراز، وتمييز للحق.
* إذا أمكن اشتراك المستحقين لم يذهب إلى القرعة إلا برضاهما.
[م-٧٩] إذا تنازعوا في الأذان، وقد تساووا في الصلاح، وفي الصفات المعتبرة في الأذان، فاختلف الفقهاء على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى التحاكم للقرعة عند التساوي على اختلاف بينهم في تفصيل ذلك:
فمنهم من يقول يتحاكم إلى القرعة عند التساوي مطلقًا، وهو رواية عن أحمد.
قال أبو داود في مسائله لأحمد: رأيت رجلين، تشاحنا في الأذان عند أحمد، فقالا: نجمع أهل المسجد، فينظر من يختارون.
قال أحمد: لا، ولكن اقترعا فمن أصابته القرعة أذن، كذلك فعل سعد بن
стр. 558
أبي وقاص (١).
فهذا واضح أن أحمد لا يرى أن يؤذنا واحدًا بعد آخر.
ومنهم من ذهب إلى التحاكم إلى القرعة إذا لم يمكن أن يترتبوا في الأذان واحدًا بعد آخر، إما بسبب كثرتهم فلا يستوعبهم الوقت لو ترتبوا، أو لضيق المسجد بحيث لو أذنوا جميعًا أدى ذلك إلى تشويش بعضهم على بعض، أو كان يمكنهم أن يترتبوا، ولكن تنازعوا في الأول، فهذه الحالات يصار فيها إلى القرعة.
أما إذا أمكن أن يترتبوا، ولم يتنازعوا في الأول، فلا حاجة إلى القرعة، وكذلك لو كان المسجد كبيرًا، وأذن كل واحد منهم بناحية لم يذهبوا إلى القرعة، وكذلك لو كان المسجد صغيرًا، فأذنوا جميعًا، ولم يُؤَدِّ ذلك إلى تشويش بعضهم على بعض، فلا يصار إلى القرعة، هذا ملخص مذهب الشافعية (٢)، ومذهب المالكية قريب منه، وبه قال ابن حزم إلا أنه منع أن يؤذنوا معًا (٣).
والقرعة عند المالكية لا تُتَصَوَّرُ إلا في موضعين:
الأول: في أذان المغرب؛ فليس له عندهم إلا مؤذن واحد؛ لأنه ليس له إلا وقت واحد، ووقت المغرب وامتداده إلى غياب الشفق موضع نزاع بين الفقهاء.
الموضع الثاني: إذا أمكن ترتيبهم، وتنازعوا في المؤذن الأول، ويسمونه (أمين الوقت) يعني الذي يعتمد عليه في دخول الوقت، والإمساك والصيام، فإذا تعين بالقرعة عند التزاحم كان أحق من غيره، بحيث يكون أول المؤذنين، ثم بعد ذلك يؤذن من يشاء بلا حَجْرٍ.
قال ابن حبيب: «رأيت في المدينة ثلاثة عشر مؤذنًا، وكذلك بمكة يؤذنون معًا في أركان المسجد، كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه، فأما المسجد الكبير فيجوز أن يؤذن في كل ناحية رجل يُسْمِعُ من يليه؛ لأن كل جماعة يحتاجون للإعلام، وأما
стр. 559
الصغير فتوالي الأذان فيه أبلغ من جمعه بحسب الوقت» (١).
القول الثاني:
ذهب الحنفية إلى أن القرعة ليست حجة لإثبات حق بعض المؤذنين، وإبطال حق بعضهم، وإنما هي لدفع التهمة، كإقراع المسافر بين نسائه؛ لإخراج من يسافر بها منهن دفعًا لتهمة الميل عن نفسه، وإن كان له أن يسافر بمن شاء (٢).
وقال العيني في نخب الأفكار: «القرعة إذا أريد بها تطييب القلوب، ودفع التهمة كان ذلك حسنًا، ونحن نقول به أيضًا، وإذا أريد بها وجوب حكم، أو قطع حق فلا نقول بها حينئذٍ؛ لأن هذا إنما كان، ثم نُسِخَ، فافهم» (٣).
وقال ابن الهمام: وحديث القرعة كان في ابتداء الإسلام وقت إباحة القمار، ثم نسخ بحرمة القمار (٤).
وإذا كان الحنفية لا يرون حجية القرعة ينظر في قولهم في مسألة التنازع في الأذان.
* ويناقش:
لا يصح دعوى نسخ القرعة بتحريم القمار، فإن هناك فرقًا بين القرعة المشروعة، والقمار المحرم.
وقد ذكر المُعَلِّمِي في التنكيل: أربع صور للقرعة
الصورة الأولى: أن يقصد بها إبطال حق صاحب الحق، وجعله لمن لا يحق له، كأن يقول الرجل لصاحبه: أَلْقِ خاتمك، وألقي خاتمي، ونقترع عليهما، فأينا خرج سهمه استحق الخاتمين، أو يقول أحدهما: أقارعك على خاتمي هذا، فإن خرج سهمك أخذته أنت، أو يتداعيا دارًا في يدهما، فيقال: أقرعوا بينهما، فإن خرج سهم المدعي أخذ الدار.
الصورة الثانية: أن يتنازعا حقًّا أن يكون لهما معًا، ولا دليل يرجح جانب
стр. 560
أحدهما، كأن يتنازعا دارًا بيدهما معًا، ولا دليل لأحدهما، وحلف كل منهما أنها جميعها له ليس لصاحبه منها شيء.
فالصورة الأولى لا نزاع أن القرعة إذا استعملت فيها فهي قمار، وكذلك الصورة الثانية.
الصورة الثالثة: أن يختص الحق بأحدهما بعينه، ويتعذر تعيينه، كمن طلق بائنًا إحدى امرأتيه، وتعذر تعيينها، فاستعمال القرعة في مثل هذه الصورة فيها نظر، وقد قال بعض الأئمة بصحة القرعة فيها.
الصورة الرابعة: أن يكون الحق في الأصل ثابتًا لكل منهما، لكن اقتضى الدليل أن يخص به أحدهما لا بعينه.
فهذا هو مورد القرعة، والفرق بينه وبين الصور السابقة بغاية الوضوح، فإنه إذا اقتضى الدليل أن يخص به أحدهما لا بعينه، فما بقي إلا طلب طريق للتعيين، لا ميل فيه، ولا حيف، فإذا ظفرنا بطريق كذلك لم يكن فيه إبطال حق ثابت، ولا إثبات حق باطل، فما هو هذا الطريق؟ من كانت له امرأتان، واحتاج إلى السفر، واستصحاب إحداهما فقط، فقد ثبت بالدليل باعتراف أبي حنيفة أن له ذلك، وبقي التعيين، ومن مات عن ابنين، فقسم القاضي المال نصفين، فقد ثبت الدليل باعتراف أبي حنيفة أنه ينبغي تخصيص أحدهما بأحد النصفين، والآخر بالآخر، وبقي التعيين، فأبو حنيفة يقول: يعين الزوج والقاضي، ومخالفوه يقولون: الزوج والقاضي منهيان عن الميل وعن كل ما يظهر منه الميل، ولا ريب أن تعيينهما برأيهما ميل، أو يظهر منه الميل والأصل في ذلك التحريم، فإباحته لهما مخالف للأصول والقياس، وفتح لباب الهوى، ومنافٍ للحكمة، وإذا عين الزوج برأيه إحدى امرأتيه ظنت الأخرى أنه إنما عينها ميلًا إلى هواه، فأحزنها ذلك، وأدى ذلك إلى مفاسد، وإذا عين القاضي أحد النصفين لزيد، وكان بكر يريده ظن بكر أن القاضي إنما مال مع هواه، وساءت ظنون الناس بالقاضي، وجر ذلك إلى مفاسد، فلا مخلص إلا بالقول بالقرعة (١).
стр. 561
القول الثالث:
يقدم من يختاره جيران المسجد أو أكثرهم، فإن تساووا أقرع بينهم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
* وأما الحجة في تقديم اختيار الجيران على القرعة:
فقد بنوا حكمهم هذا بالقياس على الإمامة، فإنهم لو تَشَاحُّوا في الإمامة، وتساووا في الصفات، ورضي الجيران أحدهما، قدم على الآخر، ولا يذهبان إلى القرعة؛ لأن ذلك أقرب لرضاهم، وانتظام أمرهم، فكذلك الأذان.
* وأما الحجة في تقديم أحدهما بالقرعة، ولا يشرع ترتبهما:
(ح-١٨٧) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن سُمَيِّ، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ -قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه (٢).
فلو كان السبيل أن يؤذنوا واحدًا بعد واحد لكان ذكر الاستهام في الحديث لغوًا لا فائدة منه.
وقال ابن عبد البر: هذا موضع لا أعرف فيه سنة ثابتة، ولا قولًا صحيحًا يعني الاستهام في الأذان عند التشَاحِّ.
وأما حديث: (لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا). متفق عليه. فالهاء في قوله: (عليه) عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وحق الكلام أن يرجع الضمير إلى أقرب مذكور، ولا يرد إلى غير ذلك إلا بدليل (٣).
* ورد هذا:
لو قيل الضمير يرجع إلى أقرب مذكور لم يكن هناك أي فائدة من ذكر الأذان
стр. 562
في الحديث، وأصبح ذكر الأذان لغوًا لا فائدة منه، بل الضمير يعود إلى جميع ما ذكر، وهو طريقة عربية، قال تعالى: ﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، واسم الإشارة (ذا) للمفرد، وهو عائد إلى جميع ما ذكر.
وذكر القاضي عياض في إكمال المُعْلِم في شرح مسلم أن ذكر الاستهام ليس على الحقيقة، وإنما هو على المجاز والتمثيل؛ لأنه لو كان لهما جميعًا لقال في الحديث: ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليهما .. (١). وسبق الجواب عنه.
القول الرابع:
إذا استووا في الأذان وفي الصلاح قدم أعمرهم للمسجد، وأتمهم له مراعاة، وأقدمهم تأذينًا. وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
* الراجح:
أرى أن القرعة إنما يصار إليها عند التعذر، ولا تعذر عند التساوي في الأذان، فإنه يمكنهم أن يتناوبوا على الأذان، سواء أكانت القسمة بالمواقيت، كان يؤذن بعضهم وقت الفجر، والآخر وقت الظهر، وهكذا، أم يقسم عليهم بحسب الأيام، كأن يؤذن أحدهما أسبوعًا أو شهرًا، والآخر بعده مثله، وهكذا كل منهم يأخذ نصيبًا من فضل الأذان.
قال صاحب الإنصاف نقلًا من المبهج: «وإن تشاحَّ اثنان في الأذان، أذن أحدهما بعد الآخر، ولم يزد عليه. والله أعلم» (٣).
وتبقى القرعة فيما لو تنازعا من الأول، والله أعلم.
стр. 563
المبحث الثالث في أحقية من بنى المسجد على غيره
[م-٨٠] اختلف الفقهاء في تقديم من بنى المسجد على غيره في الأذان:
القول الأول:
أن الباني أحق بالإمامة والأذان، وولده من بعده، وعشيرته أولى بذلك من غيرهم، وبه قال الحنفية، وطائفة من الشافعية (١).
جاء في خزانة المفتين: «وولاية الأذان والإقامة لمن بنى المسجد وإن كان فاسقًا، والقوم كارهون له» (٢).
قال الروياني من الشافعية: إن من بنى المسجد فهو أحق بأذانه وإمامته، كما أن من أعتق عبدًا فله ولاؤه (٣).
وهذا التشبيه لا يصح؛ لأن ثبوت الولاء على العبد المُعْتَق لا يستفيد به الولاية عليه في حياته، والحجر عليه، والانتفاع بماله، وإنما يستفيد به رجوع ماله إليه بعد موته؛ لأنه لا بد من انتقال المال عنه حينئذٍ، فالمعتق أحق به من غيره من المسلمين؛ لاختصاصه بإنعامه عليه.
وأما المسجد، فالمقصود من بنائه انتفاع المسلمين به في صلواتهم، واعتكافهم، وعباداتهم، والباني له كبقية المسلمين في ذلك من غير زيادة.
стр. 564
القول الثاني:
لا يعد اختيار من بنى المسجد، نص عليه أحمد، معللًا بأن المسجد لله، ليس للذي بناه، وهو المشهور عن الشافعية بأن باني المسجد ليس أحق بإمامته وأذانه من غيره (١).
وجاء في الدر المختار في كتاب الوقف: «الباني للقوم أولى من القوم بنصب الإمام والمؤذن في المختار إلا إذا عين القوم أصلح ممن عينه الباني، قال ابن عابدين: لأن منفعة ذلك ترجع إليهم» (٢).
القول الثالث:
إن شرط باني المسجد عند وقفه له، قبل مصيره مسجدًا بالفعل، أنه وولده أحق بإمامته وأذانه صح شرطه، واتبع، وان كان غيرهم أقرأ منهم وأندى صوتًا، نص على ذلك: عبيد الله بن الحسن العنبري.
وهو قياس قول أحمد في العمل بشرط الواقف (٣).
وكأنه استحق هذا بالشرط، فهو لم تطب نفسه بالوقف إلا بهذا الشرط، وشرط الواقف كنص الشارع.
وقد ناقشت الموقف من شرط الواقف في عقد الوقف من كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، فانظره هناك.
стр. 565
الفصل الرابع في إقامة غير من أذَّن
المدخل إلى المسألة:
* الكفاية والأعيان كما يُتَصَوَّران في الواجبات يتصوران في المندوبات.
* إذا قصد الشارع عين المأمور كانت العبادة عينية، وإذا قصد حصول الفعل بقطع النظر عن الفاعل كانت على الكفاية.
* يكفي في سقوط المأمور به على الكفاية وقوع الفعل بصرف النظر عن الفاعل.
* الأذان والإقامة كل منهما عبادة مستقلة لا ترتبط بالأخرى، فربما صلى الرجل بالإقامة وحدها، وربما صلى بأذان وإقامة، وربما أذن شخص، وأقام آخر.
[م-٨١] لم يختلف العلماء في جواز أن يؤذن رجل ويقيم آخر، وإنما الخلاف في الأفضل.
قال النووي: «اتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز، واختلفوا في الأولوية» (١).
فقيل: لا بأس أن يؤذن رجل، ويقيم آخر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن حزم.
إلا أن الحنفية قيدوا ذلك بأن يكون ذلك في غيبة المؤذن، أو بإذنه، فإن كان