← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

القول الثالث: يقدم من يختاره جيران المسجد أو أكثرهم، فإن تساووا أقرع بينهم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١). * وأما الحجة في تقديم اختيار الجيران على القرعة: فقد بنوا حكمهم هذا بالقياس على الإمامة، فإنهم لو تَشَاحُّوا في الإمامة، وتساووا في الصفات، ورضي الجيران أحدهما، قدم على الآخر، ولا يذهبان إلى القرعة؛ لأن ذلك أقرب لرضاهم، وانتظام أمرهم، فكذلك الأذان. * وأما الحجة في تقديم أحدهما بالقرعة، ولا يشرع ترتبهما: (ح-١٨٧) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن سُمَيِّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ -قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه (٢). فلو كان السبيل أن يؤذنوا واحدًا بعد واحد لكان ذكر الاستهام في الحديث لغوًا لا فائدة منه. وقال ابن عبد البر: هذا موضع لا أعرف فيه سنة ثابتة، ولا قولًا صحيحًا يعني الاستهام في الأذان عند التشَاحِّ. وأما حديث: (لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا). متفق عليه. فالهاء في قوله: (عليه) عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وحق الكلام أن يرجع الضمير إلى أقرب مذكور، ولا يرد إلى غير ذلك إلا بدليل (٣). * ورد هذا: لو قيل الضمير يرجع إلى أقرب مذكور لم يكن هناك أي فائدة من ذكر الأذان

стр. 562

في الحديث، وأصبح ذكر الأذان لغوًا لا فائدة منه، بل الضمير يعود إلى جميع ما ذكر، وهو طريقة عربية، قال تعالى: ﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، واسم الإشارة (ذا) للمفرد، وهو عائد إلى جميع ما ذكر. وذكر القاضي عياض في إكمال المُعْلِم في شرح مسلم أن ذكر الاستهام ليس على الحقيقة، وإنما هو على المجاز والتمثيل؛ لأنه لو كان لهما جميعًا لقال في الحديث: ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليهما .. (١). وسبق الجواب عنه. القول الرابع: إذا استووا في الأذان وفي الصلاح قدم أعمرهم للمسجد، وأتمهم له مراعاة، وأقدمهم تأذينًا. وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). * الراجح: أرى أن القرعة إنما يصار إليها عند التعذر، ولا تعذر عند التساوي في الأذان، فإنه يمكنهم أن يتناوبوا على الأذان، سواء أكانت القسمة بالمواقيت، كان يؤذن بعضهم وقت الفجر، والآخر وقت الظهر، وهكذا، أم يقسم عليهم بحسب الأيام، كأن يؤذن أحدهما أسبوعًا أو شهرًا، والآخر بعده مثله، وهكذا كل منهم يأخذ نصيبًا من فضل الأذان. قال صاحب الإنصاف نقلًا من المبهج: «وإن تشاحَّ اثنان في الأذان، أذن أحدهما بعد الآخر، ولم يزد عليه. والله أعلم» (٣). وتبقى القرعة فيما لو تنازعا من الأول، والله أعلم.

стр. 563

المبحث الثالث في أحقية من بنى المسجد على غيره [م-٨٠] اختلف الفقهاء في تقديم من بنى المسجد على غيره في الأذان: القول الأول: أن الباني أحق بالإمامة والأذان، وولده من بعده، وعشيرته أولى بذلك من غيرهم، وبه قال الحنفية، وطائفة من الشافعية (١). جاء في خزانة المفتين: «وولاية الأذان والإقامة لمن بنى المسجد وإن كان فاسقًا، والقوم كارهون له» (٢). قال الروياني من الشافعية: إن من بنى المسجد فهو أحق بأذانه وإمامته، كما أن من أعتق عبدًا فله ولاؤه (٣). وهذا التشبيه لا يصح؛ لأن ثبوت الولاء على العبد المُعْتَق لا يستفيد به الولاية عليه في حياته، والحجر عليه، والانتفاع بماله، وإنما يستفيد به رجوع ماله إليه بعد موته؛ لأنه لا بد من انتقال المال عنه حينئذٍ، فالمعتق أحق به من غيره من المسلمين؛ لاختصاصه بإنعامه عليه. وأما المسجد، فالمقصود من بنائه انتفاع المسلمين به في صلواتهم، واعتكافهم، وعباداتهم، والباني له كبقية المسلمين في ذلك من غير زيادة.

стр. 564

القول الثاني: لا يعد اختيار من بنى المسجد، نص عليه أحمد، معللًا بأن المسجد لله، ليس للذي بناه، وهو المشهور عن الشافعية بأن باني المسجد ليس أحق بإمامته وأذانه من غيره (١). وجاء في الدر المختار في كتاب الوقف: «الباني للقوم أولى من القوم بنصب الإمام والمؤذن في المختار إلا إذا عين القوم أصلح ممن عينه الباني، قال ابن عابدين: لأن منفعة ذلك ترجع إليهم» (٢). القول الثالث: إن شرط باني المسجد عند وقفه له، قبل مصيره مسجدًا بالفعل، أنه وولده أحق بإمامته وأذانه صح شرطه، واتبع، وان كان غيرهم أقرأ منهم وأندى صوتًا، نص على ذلك: عبيد الله بن الحسن العنبري. وهو قياس قول أحمد في العمل بشرط الواقف (٣). وكأنه استحق هذا بالشرط، فهو لم تطب نفسه بالوقف إلا بهذا الشرط، وشرط الواقف كنص الشارع. وقد ناقشت الموقف من شرط الواقف في عقد الوقف من كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، فانظره هناك.

стр. 565

الفصل الرابع في إقامة غير من أذَّن المدخل إلى المسألة: * الكفاية والأعيان كما يُتَصَوَّران في الواجبات يتصوران في المندوبات. * إذا قصد الشارع عين المأمور كانت العبادة عينية، وإذا قصد حصول الفعل بقطع النظر عن الفاعل كانت على الكفاية. * يكفي في سقوط المأمور به على الكفاية وقوع الفعل بصرف النظر عن الفاعل. * الأذان والإقامة كل منهما عبادة مستقلة لا ترتبط بالأخرى، فربما صلى الرجل بالإقامة وحدها، وربما صلى بأذان وإقامة، وربما أذن شخص، وأقام آخر. [م-٨١] لم يختلف العلماء في جواز أن يؤذن رجل ويقيم آخر، وإنما الخلاف في الأفضل. قال النووي: «اتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز، واختلفوا في الأولوية» (١). فقيل: لا بأس أن يؤذن رجل، ويقيم آخر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن حزم. إلا أن الحنفية قيدوا ذلك بأن يكون ذلك في غيبة المؤذن، أو بإذنه، فإن كان

стр. 566

يتأذى بذلك كُرِه (١). قال مالك كما في المدونة: «لا بأس أن يؤذن رجل، ويقيم غيره» (٢). وقيل: لا يجوز، نسب ابن رشد في بداية المجتهد هذا القول إلى بعض العلماء دون تسميتهم. قال ابن رشد: «فأما اختلافهم في الرجلين يؤذن أحدهما، ويقيم الآخر، فأكثر فقهاء الأمصار على إجازة ذلك، وذهب بعضهم إلى أن ذلك لا يجوز» (٣). وهذا يطعن في الإجماع المنقول. وقيل: يستحب لمن أذن أن يقيم، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (٤). وقيل: تكره الإقامة لغير المؤذن، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥). * دليل من قال: من أذن فهو يقيم: الدليل الأول: (ح-١٨٨) ما رواه أحمد، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، حدثنا الأفريقي، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن زياد بن الحارث الصدائي، قال: قال رسول الله ﷺ : أذن يا أخا صداء، قال: فأذنت، وذلك حين أضاء الفجر، قال: فلما توضأ رسول الله ﷺ -قام إلى الصلاة، فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ : يقيم أخو صداء، فإن من أذن، فهو يقيم (٦).

стр. 567

[ضعيف] (١). الدليل الثاني: (ح-١٨٩) ما رواه عبد بن حميد كما في المنتخب، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا سعيد السماك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: أبطأ بلال يومًا بالأذان، فأذن رجل، فجاء بلال، فأراد أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ : يقيم من أذن (٢). [ضعيف جدًّا] (٣).

стр. 568

الدليل الثالث: (ح-١٩٠) روى ابن عدي في الكامل من طريق محمد بن الفضل عن مقاتل ابن حيان، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ -قال: من أذن فهو الذي يقيم (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الرابع: (ح-١٩١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الفزاري، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: قال النبي ﷺ : إنما يقيم من أذن (٣).

стр. 569

[ضعيف مع كونه مرسلًا] (١). هذه أدلة القائلين بالاستحباب، وتصلح أدلة للقائلين بالوجوب، وللقائلين بكراهة أن يقيم غير من أذن، ولضعف هذه الأدلة فإنها لا ترقى إلى الاستحباب فضلًا أن تصل إلى الوجوب، وعلى التسليم بالاستحباب فإنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فذكر الله يستحب له الطهارة، ولا يلزم من ذلك كراهة ذكر الله إلا على طهارة، بقي أدلة من قال: يجوز أن يقيم غير من أذن، وهو ما سوف نتعرض له إن شاء الله تعالى في الكلام التالي. * دليل من قال: يجوز أن يؤذن رجل ويقيم آخر: الدليل الأول: الإقامة عند الفقهاء ليست من الفروض العينية بالاتفاق، فهي إما فرض كفاية، أو سنة على الكفاية، وكل عبادة كانت مشروعيتها على الكفاية من سنة أو فرض فإن المقصود هو إيجاد الفعل مع قطع النظر عن الفاعل، ومن ذلك الأذان والإقامة، ورد السلام، ونحوها، فلا فرق بين كون الإقامة حصلت من المؤذن، أو حصلت من غيره، فالمقصود أن تقام الصلاة، ويحصل الإعلام بها، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-١٩٢) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب أبو الحسين العكلي، قال: أخبرني أبو سهل محمد بن عمرو (٢)، قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن زيد، عن عمه عبد الله بن زيد، رائي الأذان، قال: فجئت إلى رسول الله ﷺ -فأخبرته، فقال: أَلْقِهِ على بلال، فألقيته، فأذن، قال: فأراد أن يقيم، فقلت: يا رسول الله، أنا

стр. 570

رأيت، أريد أن أقيم، قال: فأقم أنت، فأقام هو، وأذن بلال (١). [ضعيف] (٢).

стр. 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 573

* ونوقش: بأن الحديث ضعيف، وربما كان لبيان الجواز، ويحتمل أن يكون لتطييب قلب عبد الله بن زيد؛ لأنه هو من رأى الأذان؛ ولأن حديث الصدائي متأخر عنه، والعمل للمتأخر. الدليل الثالث: (ث-٤٥) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، عن حجاج، عن شيخ، من أهل المدينة، عن بعض بني مؤذني النبي ﷺ ، قال: كان ابن أم مكتوم يؤذن، ويقيم بلال، وربما أذن بلال، وأقام ابن أم مكتوم (١). [ضعيف] (٢). الدليل الرابع: أن الإقامة عبادة مستقلة بنفسها عن الأذان، وكلاهما مقصود للشارع، فجائز أن يقع من شخصين، كالإقامة، والإمامة. * الراجح: أرى أن الأمر واسع، ولا بأس من أن يتولى الأذان شخص، ويقيم غيره، لكن إن كان مع حضور المؤذن، فلا بد من أن تَطِيبَ نفسه بذلك؛ لأنه قد سبق إلى الأذان، إلا أن يكون المقيم هو المؤذن الراتب، فله أن يقيم، ولو لم يستأذن المؤذن الطارئ، والله أعلم.

стр. 574

الفصل الخامس في الفصل بين أذان المغرب والإقامة المدخل إلى المسألة: * لا موالاة بين الأذان والإقامة في شيء من الصلوات بما في ذلك المغرب. * الصلاة من الواجبات الموسعة بما في ذلك صلاة المغرب. * ليس للمغرب سنة راتبة قبلية. * الفصل بين الأذان والإقامة بمقدار ما يتوضأ الرجل، أو يصلي المتوضئ ركعتين خفيفتين لا ينافي تعجيل المغرب. * يستحب للإمام ألا يصلي قبل صلاة المغرب أسوة برسول الله ﷺ . [م-٨٢] جاء في إمامة جبريل بالنبي ﷺ -أنه صلى به المغرب في اليومين في وقت واحد، بخلاف بقية الصلوات حيث صلى في اليوم الأول في أول الوقت، وصلى في اليوم الثاني في آخره، كما في حديث جابر، وابن عباس، وسيأتي تخريجهما إن شاء الله في مباحث مواقيت الصلاة. كما ثبت عن النبي ﷺ -أنه كان يصلي المغرب إذا وجبت (١). وحديث رافع بن خديج ﵁، قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ -فينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نبله (٢).

стр. 575

ومن هنا اختلف الفقهاء في الفصل بين أذان المغرب وإقامتها بصلاة، ونحوها: فقيل: لا يفصل بينهما لا بصلاةٍ، ولا جلوسٍ، وهذا مذهب المالكية (١)، جاء في النوادر والزيادات: «قال أشهب: وأحب إلي في المغرب أن يصل الإقامة بالأذان، ولا يفعل ذلك في غيرها» (٢). وقيل: يستحب أن يفصل بينهما بسكتة، بقدر ما يقرأ ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، أو قدر ثلاث خطوات أو أربع، ولا يفصل بينهما بصلاة، ولا جلوس، وبه قال أبو حنيفة (٣). وقيل: يستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة بمقدار صلاة ركعتين خفيفتين، وإن لم يكونا من الرواتب، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، ورجحه النووي، وقال به بعض الحنابلة (٤).

стр. 576

وقيل: يستحب أن يفصل بينهما بمقدار جلسة خفيفة، كقعود يسير، وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والمشهور من مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). * دليل من قال: لا يفصل بين أذان المغرب وإقامته: الدليل الأول: (ح-١٩٣) ما رواه البزار، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث قال: أخبرنا حيان بن عبيد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، ﵁، أن النبي ﷺ -قال: بين كل أذانين صلاة إلا المغرب. قال البزار: «هذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه إلا بريدة، ولا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة إلا حيان بن عبيد الله، وحيان رجل من أهل البصرة مشهور ليس به بأس» (٢). [شاذ أو منكر سندًا ومتنًا] (٣).

стр. 577

الدليل الثاني: (ح-١٩٤) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحَجاج، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي ﷺ -يصلي الظهرَ بالهاجرة، والعصرَ، والشمسُ نقيةٌ، والمغربَ إذا وجبت … (١). (ح-١٩٥) ورواه الشيخان من حديث سلمة: كنا نصلي مع النبي ﷺ -المغرب إذا توارت بالحجاب (٢). وجه الاستدلال: دل الحديثان على أن الصحابة كانوا يصلون المغرب إذا سقطت الشمس أي غابت، وهو معنى قوله: (إذا توارت بالحجاب)، وهو أوان دخول وقتها، والجلوس والصلاة ركعتين بعد الأذان يؤخران ذلك. الدليل الثالث: (ح-١٩٦) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق غندر، عن شعبة، عن عمرو بن عامر الأنصاري، عن أنس بن مالك، قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ

стр. 578

يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ -وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء (١). وجه الاستدلال: فقوله: (إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ … ) وقوله: (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء) فحتى لا ينقض آخر الحديث أوله، فإن معنى: إذا أذن ليس معنى ذلك: إذا فرغ من أذانه، وإنما إذا شرع في الأذان، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ … ﴾ الآية [النحل: ٩٨]. ومنه حديث أنس: كان النبي ﷺ -إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث (٢). أي إذا أراد الدخول. فإذا شرع في الأذان صلى ناس من أصحاب النبي ﷺ -ركعتين حتى إذا فرغ من أذانه أقام الصلاة، وقد فرغوا من صلاتهم. (ح-١٩٧) ويؤيد هذا ما أخرجه الإسماعيلي من حديث عثمان بن عمر: ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان المؤذن إذا أخذ في أذان المغرب قام لباب أصحاب رسول الله ﷺ -فابتدروا السواري، فكان رسول الله ﷺ -يخرج إليهم وهم يصلون، وكان بين الأذان والإقامة قريب. قال ابن رجب: «هذه الرواية صريحة في صلاتهم في حال الأذان، واشتغالهم حين إجابة المؤذن بهذه الصلاة» (٣). قال ابن حجر: «حمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره، فقال: دل قوله (ولم يكن بينهما شيء) على أن عموم قوله: (بين كل أذانين صلاة) مخصوص بغير المغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء

стр. 579

الأذان، ويفرغون مع فراغه» (١). * وأجيب: بأن البخاري روى معلقًا، عن عثمان بن جبلة، وداود، عن شعبة، أي به، من قوله: (ولم يكن بينهما إلا قليل). وهو لا يعارض في المعنى ما رواه أبو عامر العقدي وغندر عن شعبة: (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء)؛ لأن المقصود من نفي الشيء أي الشيء الكثير. قال الحافظ في الفتح عن قوله: (ولم يكن بين الإقامة والأذان شيء): «قوله: (شيء) التنوين فيه للتعظيم: أي لم يكن بينهما شيء كثير، وبهذا يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة، بل هي مبينة لها، ونفي الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد أخرجها الإسماعيلي موصولة من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة، بلفظ: (وكان بين الأذان والإقامة قريب)، ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر، عن شعبة نحوه. وقال ابن المنير: يجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات للقليل على الحقيقة» (٢). * دليل من قال: يستحب الفصل بركعتين: الدليل الأول: (ح-١٩٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الوارث، عن الحسين (المعلم)، عن عبد الله بن بريدة، قال: حدثني عبد الله المزني، عن النبي ﷺ -قال: صلوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة (٣). [روي بهذا اللفظ، وروي بلفظ: بين كل أذانين صلاة، ومطلقه يشمل المغرب] (٤).

стр. 580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 581

* وأجيب من وجهين: الوجه الأول: أن هذا اللفظ غير محفوظ. * ورد هذا: بأن الحديث على فرض أن يكون غير محفوظ، فإن المحفوظ منه: (بين كل أذانين صلاة)، ومطلق هذا اللفظ يشمل المغرب. الوجه الثاني: على فرض أن تكون محفوظة، فإن الأمر بها إطلاق من محظور، فلا يفيد أكثر من الإباحة، وقد تأكد ذلك بكون النبي ﷺ -لم يثبت أنه صلاها. * وقد يرد على ذلك: بأن النهي ينتهي بغروب الشمس، فلا يكون هناك حاجة إلى الأمر بالصلاة للعود إلى الأصل، ولذلك كل أوقات النهي الأخرى لم يَأْتِ أمر بالصلاة بعد انتهاء وقت النهي، فلا يقال: إن الأمر بسنة الضحى للإباحة؛ لأنها تأتي بعد انتهاء وقت النهي، وكذلك لا يقال في السنة الراتبة للظهر. الدليل الثاني: (ح-١٩٩) ما رواه البخاري من طريق غندر، عن شعبة، قال: سمعت عمرو ابن عامر الأنصاري، عن أنس بن مالك، قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ -يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ -وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل ........................

стр. 582

المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء. قال عثمان بن جبلة، وأبو داود: عن شعبة، لم يكن بينهما إلا قليل (١). ورواه مسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، وفيه: حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما (٢). تابعه ثابت البناني عند الدارقطني. الدليل الثالث: (ح-٢٠٠) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن أبي حبيب، قال: سمعت مرثد بن عبد الله اليزني، قال: أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب؟ فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل (٣). * دليل من قال: يفصل بسكوت أو جلسة خفيفة: الدليل الأول: أن الرسول ﷺ -لم يثبت عنه أنه صلى قبل المغرب ركعتين، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وكان النبي ﷺ -قد أقر الصحابة على صلاة ركعتين قبل المغرب، ومواظبته على تركها يدل على أن الأفضل الترك، وما اختاره رسول الله ﷺ -لنفسه مقدم على غيره، وأن من صلى قبل المغرب ففعله مباح، ولا يقال بالاستحباب، وإنما المستحب الفصل اليسير بغير صلاة. جاء في مسائل أبي داود: «سمعت أحمد، وسئل عن الركعتين قبل المغرب، قال: أنا لا أفعله، فإن فعله رجل لم يكن به بأس، وقد سمعته قبل ذلك بزمان، يستحسنه ويراه» (٤). وفي الحديث، قال ﷺ : صلوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء

стр. 583

كراهية أن يتخذها الناس سنة. وكراهية اتخاذها سنة، يدل على الإذن والإباحة. * ويناقش: بأن كون النبي ﷺ -لم يفعله، لا يعارض أنه أمر به، ولم يكتف بالإقرار، فقال: صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة لمن شاء، فإن قيل: لعله غير محفوظ، يقال: المحفوظ كاف في الاستدلال فيه، كقوله: (بين كل أذانين صلاة) فمطلقه يشمل المغرب، نعم يدل تركها منه ﷺ -على أنها ليست من السنن الرواتب، ولا يحافظ عليها محافظته على السنن الرواتب، وهو معنى قوله: كراهية اتخاذها سنة: أي سنة راتبة. الدليل الثاني: «أجمع العلماء على أن تعجيل المغرب في أول وقتها أفضل، ولا خلاف في ذلك مع الصحو في الحضر» (١). لهذا إذا كان الفاصل يسيرًا بمقدار جلسة خفيفة تحقق تعجيلها أكثر، فكان أفضل، وكلما عجل كلما أصاب السنة. * ويجاب: بأن التعجيل لا ينافي الفصل القليل بمقدار الوضوء، أو بمقدار ركعتين خفيفتين لمن كان على وضوء، حتى يجتمع الناس لها. * الراجح: أنه يستحب الفصل بين الأذان والإقامة بمقدار ما يتوضأ الناس، أو بمقدار ما يصلي المتوضئ منهم ركعتين خفيفتين، وهذه الصلاة ليست سنة راتبة، وإنما يصليها المرء أحيانًا، ولو ترك الإمام فعلها كان أحسن، فقد قال ابن القيم في الهدي: «وأما الركعتان قبل المغرب فإنه لم ينقل عنه ﷺ -أنه كان يصليهما، وصح عنه أنه أقر أصحابه عليهما، وكان يراهم يصلونها، فلم يأمرهم ولم ينههم … » (٢). اه ولو كان النبي ﷺ -يصليها بالبيت لحفظ ذلك، ونُقِلَ لنا، إلا أن يصليها الإمام

стр. 584

رغبة منه باكتمال حضور المصلين، وأما المأموم فإذا حضر للصلاة، ولم تقم بعد فإنه سوف يصلي ركعتين، سواء أكان ذلك بنية النافلة بين الأذان والإقامة، أم كان بنية تحية المسجد، أم كان بنية سنة الوضوء، والله أعلم.

стр. 585

الفصل السادس في صفة الأذان والإقامة في الجمع بين الصلوات المبحث الأول في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة المدخل إلى المسألة: * الأذان لا يتعدد بتعدد الصلوات المجموعة، والفائتة، بخلاف الإقامة. * الأذان للصلوات المجموعة كالأذان للصلوات الفائتة. * الأذان وظيفة الوقت، فإذا أذن في وقت صلى به ما شاء من جمع أو فوائت، والإقامة وظيفة الصلاة، فتتعدد بتعددها. [م-٨٣] الجمع منه ما هو متفق عليه، ومنه ما هو محل خلاف، فلنعرض أقوالهم في الأذان والإقامة في الجمع المتفق عليه، ثم نعرج إلى الجمع المختلف فيه: من ذلك: الجمع بين الظهر والعصر يوم عرفة. هذا جمع متفق عليه بين أهل العلم، على خلاف بينهم، هل الجمع في ذلك اليوم من أحكام المناسك، أو من رخص السفر؟ وليس هذا موضع بحثها، والذي يعنينا في هذه المسألة تحرير الخلاف في صفة الأذان والإقامة في عرفة وقد اختلفوا فيها على أقوال: فقيل: يجمع بأذان واحد وإقامتين، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب المالكية.

стр. 586

وسبب الجمع عند الحنفية أن ذلك من أحكام النسك. وسبب الجمع عند الجمهور أن ذلك من رخص السفر (١). وقيل: يؤذن ويقيم لكل صلاة، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، ورواية عند الحنابلة (٢). وقيل: يقيم لكل صلاة بلا أذان، اختاره بعض المالكية، وهو رواية عند الحنابلة (٣). وقيل: يقيم إقامة واحدة للصلاتين بلا أذان، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (٤). * دليل من قال: يجمع بأذان واحد وإقامتين: الدليل الأول: (ح-٢٠١) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه: ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا (٥). الدليل الثاني: الأذان إنما هو للوقت، والجمع في هذه الصورة جعل وقت الصلاتين وقتًا

стр. 587

واحدًا، فكان يكفيه أذان واحد للصلاتين، والإقامة إنما هي للصلاة، فكانت تتكرر بتكرارها. * دليل من قال: يؤذن ويقيم لكل صلاة: الدليل الأول: القياس على الجمع في مزدلفة. (ث-٤٦) فقد روى البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجنا مع عبد الله ﵁، إلى مكة، ثم قدمنا جمعًا، فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعَشَاءُ بينهما (١). ولم ينفرد أبو إسحاق، فقد تابعه إبراهيم النخعي. فرواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حججت مع عبد الله، فلما أتى جمعًا أَذَّن، وأقام، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم تعشى، ثم أذن، وأقام، فصلى العشاء ركعتين (٢). (ث-٤٧) وروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن عمر صنع مثل صنيع ابن مسعود (٣). [صحيح]. * ويجاب: بأن هذا موقوف على صحابي، والموقوف لا يعارض به المرفوع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لعله يحمل على من لم يجمع الصلاة إلى أختها، فربما كان الجمع في مزدلفة في حق من وصل إليها في وقت العشاء، أما إذا وصل في وقت المغرب فإنه يصلي المغرب، ثم ينتظر إلى حين دخول وقت العشاء ثم يؤذن للعشاء، ويصليها في وقتها بأذان وإقامة، والذي يدل على ذلك أن ابن مسعود قد

стр. 588

فصل بين الصلاتين بالعشاء، والسنة في الصلاتين المجموعتين ألا يفصل بينهما بفاصل، وإذا لم يكن جمع فقد خرج النص عن الاستدلال به في هذه المسألة. الدليل الثاني: إذا جمعت الصلاتان في وقت واحد فإن الوقت يصير وقتًا لهما، فلم تكن إحداهما أولى بالأذان من الأخرى. * ويجاب على هذا: بأن هذا نظر في مقابل النص، فلا يعتبر. * دليل من قال: يقيم لكل صلاة بلا أذان: القياس على جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة. (ح-٢٠٢) فقد روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (١). (ح-٢٠٣) وروى البخاري من طريق كريب، عن أسامة بن زيد ﵄، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ -من عرفة … وفيه: فجاء المزدلفة، فتوضأ، فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى، ولم يُصَلِّ بينهما (٢). * ويجاب بجوابين: الجواب الأول: لا يصار إلى القياس مع وجود نص، وهذه قاعدة متفق عليها، وقد ورد في صفة الأذان والإقامة في الجمع بعرفة نص في صحيح مسلم. الجواب الثاني: أن حديث ابن عمر ﵁ لم يتعرض لنفي الأذان، وإنما سكت عن

стр. 589

ذكره، والسكوت لا يعني النفي. (ح-٢٠٤) وقد روى مسلم من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه: «أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا» (١). وهذا موافق لفعله بعرفة، كما أنه يتفق مع بقية النصوص في صفة الأذان والإقامة للصلوات المجموعة في غير المناسك. * دليل من قال: يقيم إقامة واحدة للصلاتين بلا أذان: قياس جمع عرفة على جمع مزدلفة، (ح-٢٠٥) فقد روى مسلم من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: جمع رسول الله ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة (٢). ورواه مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعًا، فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثم انصرف، فقال: هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ -في هذا المكان (٣). * ويجاب من وجوه: الوجه الأول: أن ابن عمر قد اختلف النقل عنه في هذه المسألة، فجاء عنه ثلاث روايات. إحداها: هذه الرواية أنه جمع بينهما بإقامة واحدة، وهذه الرواية شاذة معارضة لما في الصحيحين من طريق سالم، عن ابن عمر، وسأذكر نصها إن شاء الله تعالى.

стр. 590

الرواية الثانية: أنه جمع بينهما بإقامتين: (ح-٢٠٦) فقد روى البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (١). وهذه هي الرواية المحفوظة عن ابن عمر في الجمع في مزدلفة، ولم يخرج البخاري غيرها من حديث ابن عمر، وهي موافقة لحديث أسامة بن زيد في الصحيحين، وكونه لم يذكر الأذان، فإن السكوت عنه لا ينفيه، فقد حُفِظ ذكر الأذان في حديث جابر ﵁. الرواية الثالثة: أنه جمع بينهما، بلا أذان، ولا إقامة. (ث-٤٨) روى ذلك ابن حزم من طريق البغوي، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس بن عبيد، عن طلق بن جبير، أن ابن عمر جمع بين المغرب بجمع، قال: الصلاة للمغرب، ولم يؤذن ولم يُقِم، ثم قال أيضًا: للعشاء، ولم يؤذن ولم يقم .... (٢). [ورجاله ثقات، إلا طلق بن جبير فإنه صدوق، وهو موقوف على ابن عمر]. (ث-٤٩) وفي أخبار مكة للأزرقي، قال: قال ابن جريج: أخبرني عامر بن مصعب، عن سعيد بن جبير، قال: دفعت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب من عرفة حتى إذا وَازَنَّا بالشعب الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب، دخله ابن عمر، فتنفض فيه، ثم توضأ، وركب، فانطلقنا حتى جاء جمعًا، فأقام هو بنفسه الصلاة ليس فيها أذان، ولا إقامة بالأولى، فصلى المغرب، فلما سلم التفت إلينا، فقال: الصلاة، ولم يؤذن بالأولى، ولم يقم لها (٣). قال ابن القيم بعد أن ذكر هذه الروايات: «والصحيح في ذلك كله الأخذ بحديث جابر، وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين اثنين:

стр. 591

أحدهما: أن الأحاديث سواه مضطربة مختلفة، فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب كما تقدم، فروي عن ابن عمر من فعله: الجمع بينهما بلا أذان، ولا إقامة، وروي عنه الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا إلى النبي ﷺ -الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه مرفوعًا الجمع بينهما بإقامتين، وعنه أيضًا مرفوعًا الجمع بينهما بأذان واحد، وإقامة واحدة لهما، وعنه مرفوعًا الجمع بينهما دون ذكر أذان، ولا إقامة، وهذه الروايات صحيحة عنه، فيسقط الأخذ بها؛ لاختلافها واضطرابها ..... الوجه الثاني: أنه قد صح من حديث جابر في جمعه ﷺ -بعرفة أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين، ولم يَأْتِ في حديث ثابت قط خلافه، والجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة، لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير، فلو فرضنا تدافع أحاديث الجمع بمزدلفة جملة لأخذنا حكم الجمع من جمع عرفة» (١). وقال ابن حزم: «وأشد الاضطراب في ذلك عن ابن عمر فإنه قد روي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضًا الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه أيضًا مسندًا إلى النبي ﷺ -الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه أيضًا مسندًا إلى النبي ﷺ -الجمع بينهما بأذان واحد، وإقامة واحدة لهما معًا» (٢). * الراجح: أن الجمع في عرفة بأذان واحد وإقامتين، كما حفظه لنا جابر بن عبد الله ﵁ في نقله لنا صفة حج النبي ﷺ .

стр. 592

المبحث الثاني الأذان والإقامة في الجمع بمزدلفة المدخل إلى المسألة * الأذان لا يتعدد بتعدد الصلوات المجموعة، والفائتة، بخلاف الإقامة. * الأذان للصلوات المجموعة، كالأذان للصلوات الفائتة. * الأذان وظيفة الوقت، فإذا أذن في وقت صلى به ما شاء من جمع أو فوائت، والإقامة وظيفة الصلاة، فتتعدد بتعددها. [م-٨٤] لم يختلف الفقهاء في أن المشروع للحاج أن يجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة على خلاف بينهم، هل هذا الجمع من أحكام المناسك، أو من رخص السفر؟ واختلفوا في صفة الأذان والإقامة لهما على أقوال: فقيل: يؤذن ويقيم للأولى فقط، وهو مذهب الحنيفة (١). وقيل: يجمع الإمام بأذانين، وإقامتين، ولغيره إقامة لكل صلاة، وهو المشهور من مذهب المالكية (٢). وقيل: يجمع بأذان واحد وإقامتين، وهو قول زفر والطحاوي من الحنفية، وبعض المالكية، والقول القديم للشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).

стр. 593

وقيل: يجمع بإقامتين دون أذان، وهو قول في مذهب المالكية، والجديد من مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة (١). وقيل: يصلي بإقامة واحدة بلا أذان، وهو قول عند الحنابلة (٢). وقيل: إن كان يرجو اجتماع الناس صلى بأذان وإقامتين، وإلا صلى بإقامتين بلا أذان، وهو وجه عند الشافعية (٣). * حجة من قال: يؤذن ويقيم للأولى فقط: (ث-٥٠) ما رواه أبو داود من طريق أبي الأحوص، حدثنا أشعث بن سليم، عن أبيه، قال: أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة فلم يكن يفتر من التكبير والتهليل، حتى أتينا المزدلفة، فأذن، وأقام، أو أمر إنسانًا فأذن، وأقام، فصلى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا، فقال: الصلاة، فصلى بنا العشاء ركعتين، ثم دعا بعشائه. قال: وأخبرني عِلَاجُ بن عمرو بمثل حديث أَبِي، عن ابن عمر، قال: فقيل لابن عمر في ذلك، فقال: صليت مع رسول الله ﷺ -هكذا (٤).

стр. 594

[إسناد أشعث عن أبيه رجاله ثقات، وأما إسناده الآخر ففيه علاج بن عمرو، وفيه جهالة، وهو صالح في المتابعات]. * ويجاب: دلت هذه الرواية من فعل ابن عمر على مشروعية الأذان للصلاة المجموعة في مزدلفة، وهو صحيح، وقد جاء ذلك مرفوعًا من حديث جابر في مسلم. وأما الإقامة للصلاة الثانية، فالحديث لم يذكرها، فإما أن نعتبر سكوته عنها ليس نفيًا لها، وقد جاء ذكر الإقامة محفوظًا للصلاة الثانية من حديث ابن عمر نفسه مرفوعًا، ولا يظن بابن عمر ﵄ أن يخالف ما روى. وإما أن نعتبر سكوته عنها نفيًا لها، فيكون الحجة في رواية ابن عمر المرفوعة؛ لأن الموقوف لا يعارض به المرفوع. (ح-٢٠٧) فقد روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (١). فرواية الأشعث عن أبيه، أثبتت الأذان للصلاة الأولى من المجموعتين من فعل ابن عمر ﵄ موقوفًا عليه. ورواية سالم، عن أبيه مرفوعًا أثبتت الإقامة لكل صلاة، ومجموعهما يدل على أن السنة الأذان للأولى، والإقامة لكل صلاة، وهذا هو الموافق لرواية جابر ﵁ في مسلم، وكل رواية تخالف ذلك فهي إما شاذة أو منكرة. * حجة من قال: يجمع الإمام بأذانين وإقامتين، وغيره بإقامة لكل صلاة. قد ذكرنا أدلتهم في الجمع بعرفة، في الباب الرابع، وهم لا يفرقون بين الجمع بعرفة ومزدلفة، وبين الجمع بغيرهما؛ لأن الجمع من رخص السفر. * حجة من قال: يجمع بأذان واحد وإقامتين: الدليل الأول: (ح-٢٠٨) ما رواه مسلم من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ ،

стр. 595

وفيه: أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا (١). ومعلوم أن جابرًا ﵁ من أكثر الصحابة ضبطًا لحج النبي ﷺ -حتى اشتمل حديثه على صفة حج النبي ﷺ -من حين انطلاقه من المدينة إلى حين رجوعه ﵊ إليها. الدليل الثاني: (ث-٥١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن مسعر، عن عبد الكريم قال: صليت خلف سالم المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامتين، فلقيت نافعًا فقلت له: هكذا كان يصنع عبد الله؟ قال: هكذا، فلقيت عطاء فقلت: قد كنت أقول لهم: لا صلاة إلا بإقامة (٢). [رواه ابن أبي شيبة عن أبي نعيم بذكر الأذان، وهو مخالف لما في كتاب أبي نعيم نفسه في كتاب الصلاة، ولولا هذه المخالفة لأمكن أن يقال: إن عبد الكريم ابن أبي المخارق وإن كان ضعيفًا إلا أنه يذكر واقعة حدثت له، فلا يدخلها ما يدخل الرواية التي تعتمد على الضبط] (٣). * حجة من قال: يجمع بإقامتين دون أذان: (ح-٢٠٩) روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع،

стр. 596

كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (١). (ح-٢١٠) وروى البخاري من طريق كريب، عن أسامة بن زيد ﵄، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله من عرفة … وفيه: فجاء المزدلفة، فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى ولم يُصَلِّ بينهما (٢). سبق الجواب عنه، وأن الحديث لم يَنْفِ الأذان، وإنما سكت عنه، ومن روى الأذان كجابر في صحيح مسلم مقدم على هذا؛ لأن المُثْبِت مُقَدَّمٌ على النافي فكيف بالساكت، وقد تضمن زيادة علم، فوجب المصير إليه. * دليل من قال: يجمع في مزدلفة بإقامة واحدة بلا أذان: الدليل الأول: (ح-٢١١) بما رواه مسلم في صحيحه من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: جمع رسول الله ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة (٣). ورواه مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعًا، فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثم انصرف، فقال: هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ -في هذا المكان (٤). وقد سبق الجواب عنه في المسألة التي قبل هذه. الدليل الثاني: روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن مسهر، عن ابن أبي ليلى، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب قال: صلى رسول الله ﷺ -بالمزدلفة

стр. 597

المغرب والعشاء بإقامة. [ذكر الإقامة منكر] (١). الدليل الثالث: لا يشرع الأذان لهما؛ لأن الأولى منهما في غير وقتها، فأشبهت الفائتة، والثانية منها مبسوقة بصلاة فلا يشرع لها الأذان كالثانية من الفوائت، ذكره ابن قدامة (٢). * ويجاب: بأن هذا نظر مخالف للنص في المسألتين: أما المسألة الأولى: وهو الجمع في مزدلفة، فحديث جابر نَصٌّ في المسألة، وقد حفظ لنا فيها أذانًا وإقامتين. وأما المسألة الثانية: وهي قياس الصلاة الثانية على الصلاة الفائتة ففيه مخالفة من وجهين: الوجه الأول: أن الصلاة الثانية أداء، وليست فائتة. الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ -قد حفظ عنه الأذان للفائتة كما مر معنا في مبحث مستقل، ولله الحمد. * حجة من قال: يؤذن إن كان يرجو جماعة، وإلا صلى بإقامتين: كأن هذا القول نظر إلى المقصود من الأذان وهو دعاء الناس إلى الاجتماع للصلاة، فإذا كان لا يأمل حضور أحد إليها فلا يؤذن، بخلاف الإقامة فهي إعلام

стр. 598

بالقيام إليها، وهي موجهة للحاضرين فناسب أن يقيم لكل واحدة منهما. وهذا القول ضعيف؛ لأن المنفرد يشرع له الأذان، ولو كان لا يرجو أحدًا، وكذلك المسافر المنفرد. * الراجح: أرى أن الآثار عن ابن عمر مضطربة، وأن جابرًا ﵁ قد حفظ لنا صفة حج النبي ﷺ ، ولم يختلف عليه في أن الرسول ﷺ -جمع بمزدلفة بأذان وإقامتين كما فعل في عرفة، والله أعلم.

стр. 599

المبحث الثالث في الأذان والإقامة للصلوات المجموعة في غير النسك المدخل إلى المسألة: * الأذان لا يتعدد بتعدد الصلوات المجموعة، والفائتة، بخلاف الإقامة. * الأذان للصلوات المجموعة كالأذان للصلوات الفائتة. * الأذان وظيفة الوقت، فإذا أذن في وقت صلى به ما شاء من جمع أو فوائت، والإقامة وظيفة الصلاة، فتتعدد بتعددها. [م-٨٥] سبق لنا بيان الخلاف في مسألة الجمع في النسك، في جمع التقديم في عرفة، وفي جمع التأخير في مزدلفة، وأما الجمع في غير النسك كما لو جمع في سفر، أو مطر، أو غيرها من مسوغات الجمع فهذه الصور من صور الجمع المختلف فيها: فالحنفية يرون الجمع من أحكام النسك فقط، فلا يشرع إلا في عرفة، ومزدلفة (١). قال السرخسي: «ولا يجمع بين صلاتين في وقت إحداهما في حضر، ولا سفر ما خلا عرفة ومزدلفة» (٢). وأما الجمهور القائلون بالجمع في غير عرفة ومزدلفة فلم يختلفوا في مشروعية الإقامة لكل صلاة من الصلاتين المجموعتين، واختلفوا في الأذان على أقوال:

стр. 600

فقيل: يؤذن ويقيم لكل واحدة منهما، هو المشهور من مذهب المالكية (١). وقيل: يصليهما بإقامتين بلا أذان، وهو قول في مذهب المالكية (٢). وقيل: يؤذن للأولى، ويقيم لكل واحدة، وهو اختيار ابن الماجشون من المالكية، والمذهب عند الحنابلة والقديم من قولي الشافعي (٣). وقيل: بالتفريق بين جمع التقديم والتأخير: فإن كان الجمع جمع تقديم أذن للأولى، وأقام لكل صلاة، وإن كان الجمع جمع تأخير فهما بمنزلة الفائتتين؛ فلا يؤذن للفائتة، ويصليهما بإقامتين، وهذا هو الجديد من قولي الشافعي، وقول في مذهب الحنابلة (٤). * دليل من قال: يؤذن ويقيم لكل واحدة منهما: الدليل الأول: (ث-٥٢) روى البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجنا مع عبد الله ﵁، إلى مكة، ثم قدمنا جمعًا، فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما (٥).
следующие страницы →