← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (١). (ح-٢١٠) وروى البخاري من طريق كريب، عن أسامة بن زيد ﵄، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله من عرفة … وفيه: فجاء المزدلفة، فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى ولم يُصَلِّ بينهما (٢). سبق الجواب عنه، وأن الحديث لم يَنْفِ الأذان، وإنما سكت عنه، ومن روى الأذان كجابر في صحيح مسلم مقدم على هذا؛ لأن المُثْبِت مُقَدَّمٌ على النافي فكيف بالساكت، وقد تضمن زيادة علم، فوجب المصير إليه. * دليل من قال: يجمع في مزدلفة بإقامة واحدة بلا أذان: الدليل الأول: (ح-٢١١) بما رواه مسلم في صحيحه من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: جمع رسول الله ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة (٣). ورواه مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعًا، فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثم انصرف، فقال: هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ -في هذا المكان (٤). وقد سبق الجواب عنه في المسألة التي قبل هذه. الدليل الثاني: روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن مسهر، عن ابن أبي ليلى، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب قال: صلى رسول الله ﷺ -بالمزدلفة

стр. 597

المغرب والعشاء بإقامة. [ذكر الإقامة منكر] (١). الدليل الثالث: لا يشرع الأذان لهما؛ لأن الأولى منهما في غير وقتها، فأشبهت الفائتة، والثانية منها مبسوقة بصلاة فلا يشرع لها الأذان كالثانية من الفوائت، ذكره ابن قدامة (٢). * ويجاب: بأن هذا نظر مخالف للنص في المسألتين: أما المسألة الأولى: وهو الجمع في مزدلفة، فحديث جابر نَصٌّ في المسألة، وقد حفظ لنا فيها أذانًا وإقامتين. وأما المسألة الثانية: وهي قياس الصلاة الثانية على الصلاة الفائتة ففيه مخالفة من وجهين: الوجه الأول: أن الصلاة الثانية أداء، وليست فائتة. الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ -قد حفظ عنه الأذان للفائتة كما مر معنا في مبحث مستقل، ولله الحمد. * حجة من قال: يؤذن إن كان يرجو جماعة، وإلا صلى بإقامتين: كأن هذا القول نظر إلى المقصود من الأذان وهو دعاء الناس إلى الاجتماع للصلاة، فإذا كان لا يأمل حضور أحد إليها فلا يؤذن، بخلاف الإقامة فهي إعلام

стр. 598

بالقيام إليها، وهي موجهة للحاضرين فناسب أن يقيم لكل واحدة منهما. وهذا القول ضعيف؛ لأن المنفرد يشرع له الأذان، ولو كان لا يرجو أحدًا، وكذلك المسافر المنفرد. * الراجح: أرى أن الآثار عن ابن عمر مضطربة، وأن جابرًا ﵁ قد حفظ لنا صفة حج النبي ﷺ ، ولم يختلف عليه في أن الرسول ﷺ -جمع بمزدلفة بأذان وإقامتين كما فعل في عرفة، والله أعلم.

стр. 599

المبحث الثالث في الأذان والإقامة للصلوات المجموعة في غير النسك المدخل إلى المسألة: * الأذان لا يتعدد بتعدد الصلوات المجموعة، والفائتة، بخلاف الإقامة. * الأذان للصلوات المجموعة كالأذان للصلوات الفائتة. * الأذان وظيفة الوقت، فإذا أذن في وقت صلى به ما شاء من جمع أو فوائت، والإقامة وظيفة الصلاة، فتتعدد بتعددها. [م-٨٥] سبق لنا بيان الخلاف في مسألة الجمع في النسك، في جمع التقديم في عرفة، وفي جمع التأخير في مزدلفة، وأما الجمع في غير النسك كما لو جمع في سفر، أو مطر، أو غيرها من مسوغات الجمع فهذه الصور من صور الجمع المختلف فيها: فالحنفية يرون الجمع من أحكام النسك فقط، فلا يشرع إلا في عرفة، ومزدلفة (١). قال السرخسي: «ولا يجمع بين صلاتين في وقت إحداهما في حضر، ولا سفر ما خلا عرفة ومزدلفة» (٢). وأما الجمهور القائلون بالجمع في غير عرفة ومزدلفة فلم يختلفوا في مشروعية الإقامة لكل صلاة من الصلاتين المجموعتين، واختلفوا في الأذان على أقوال:

стр. 600

فقيل: يؤذن ويقيم لكل واحدة منهما، هو المشهور من مذهب المالكية (١). وقيل: يصليهما بإقامتين بلا أذان، وهو قول في مذهب المالكية (٢). وقيل: يؤذن للأولى، ويقيم لكل واحدة، وهو اختيار ابن الماجشون من المالكية، والمذهب عند الحنابلة والقديم من قولي الشافعي (٣). وقيل: بالتفريق بين جمع التقديم والتأخير: فإن كان الجمع جمع تقديم أذن للأولى، وأقام لكل صلاة، وإن كان الجمع جمع تأخير فهما بمنزلة الفائتتين؛ فلا يؤذن للفائتة، ويصليهما بإقامتين، وهذا هو الجديد من قولي الشافعي، وقول في مذهب الحنابلة (٤). * دليل من قال: يؤذن ويقيم لكل واحدة منهما: الدليل الأول: (ث-٥٢) روى البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجنا مع عبد الله ﵁، إلى مكة، ثم قدمنا جمعًا، فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما (٥).

стр. 601

ولم ينفرد أبو إسحاق، فقد تابعه إبراهيم النخعي. فرواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حججت مع عبد الله، فلما أتى جمعًا أذن، وأقام، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم تعشى، ثم أذن، وأقام، فصلى العشاء ركعتين (١). وروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن ابن الأسود، عن أبيه، أن عمر صنع مثل صنيع ابن مسعود (٢). [صحيح]. وقد أجبت عن هذا الدليل في مسألة الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، فأغنى ذلك عن إعادته. الدليل الثاني: إذا جُمِعَت الصلاتان في وقت واحد فإن الوقت يصير وقتًا لهما، فلم تكن إحداهما أولى بالأذان من الأخرى. * ويجاب عنه: بأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا. * حجة من قال: يصليهما بإقامتين بلا أذان: القياس على جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة، (ح-٢١٢) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (٣). (ح-٢١٣) وروى البخاري من طريق كريب،

стр. 602

عن أسامة بن زيد ﵄، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله من عرفة … وفيه: فجاء المزدلفة، فتوضأ، فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى، ولم يُصَلِّ بينهما (١). وقد أجبت عن هذا الدليل في مسألة الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، فأغنى ذلك عن إعادته. * دليل من قال: يؤذن للأولى، ويقيم لكل صلاة: (ح-٢١٤) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه: ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا (٢). هذا في جمع التقديم، وقال جابر في جمع التأخير في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه: (أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا) (٣). ومعلوم أن جابرًا ﵁ من أكثر الصحابة ضبطًا لصفة حج النبي ﷺ -حتى اشتمل حديثه على صفة حج النبي ﷺ -من حين انطلاقه من المدينة إلى حين رجوعه ﵊. * دليل من قال: يؤذن في التقديم في الأولى ويقيم لكل صلاة، ويكتفي بالإقامة لكل صلاة بالتأخير: القياس على جمع مزدلفة، حيث كان الجمع فيها جمع تأخير. (ح-٢١٥) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (٤).

стр. 603

(ح-٢١٦) وروى البخاري من طريق كريب، عن أسامة بن زيد ﵄، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله من عرفة … وفيه: فجاء المزدلفة، فتوضأ، فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى، ولم يُصَلِّ بينهما (١). ولأن الأولى منهما في غير وقتها، فأشبهت الفائتة، والثانية منها مبسوقة بصلاة فلا يشرع لها الأذان كالثانية من الفوائت. وسبق مناقشة هذه الأقوال وأدلتها في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها. * والراجح: أنه يؤذن للأولى، ويقيم لكل صلاة، ولا فرق بين جمع التقديم والتأخير، وهو ما حفظه لنا جابر ﵁ في صفة جمع النبي ﷺ -في عرفة ومزدلفة، والله أعلم.

стр. 604

الفصل السابع في الأذان والإقامة للصلوات الفائتة المبحث الأول في الأذان والإقامة للفائتة إذا كانت واحدة المدخل إلى المسألة: * الأذان تارةً يكون حقًّا للوقت كالأذان في الأمصار بقصد الإعلام بالوقت، وتارة يكون حقًّا للصلاة كالأذان للصلاة الفائتة، وفي البوادي والأسفار، وتارة يكون حقًّا للجماعة إذا كان هناك جماعة تُرْجَى إجابتها. [م-٨٦] لم أقف على خلاف في أن من قضى صلاته أنه يقيم لها، واختلفوا هل يؤذن لها؟ وسبب الخلاف اختلافهم. هل الأذان وظيفة الوقت، أو وظيفة الصلاة، أو وظيفة الجماعة، إذا علم ذلك نأتي للأقوال: فقيل: يستحب الأذان والإقامة للصلاة الفائتة، وهذا مذهب الحنفية (١)، وقول شاذ عند المالكية (٢)، والقديم من مذهب الشافعي، وهو الأظهر عندهم (٣)،

стр. 605

والمشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال ابن تيمية (١). وقيل: يقيم للفائتة ولا يؤذن لها. وهو المشهور من مذهب المالكية، والجديد من قولي الشافعي، ورواية عند الحنابلة، وقد نص المالكية على كراهة الأذان للفائتة (٢). وقيل: لا يؤذن إلا إذا كان يرجو اجتماع الناس بالأذان، وهو قول لبعض المالكية، وبعض الشافعية (٣). وقيل: هما فرض كفاية كالصلاة المؤداة، وهو رواية عن أحمد (٤). وقيل: يؤذن للفائتة، ويقيم إن كانوا جماعة، وإن كان منفردًا أقام، ولم يؤذن، وهو قول إسحاق (٥). وقيل: يؤذن، ويقيم للفائتة، إن كان في سفر، وإن كان في حضر أجزأته الإقامة، نقله حرب عن أحمد (٦).

стр. 606

* حجة من قال: يستحب الأذان والإقامة للفائتة إذا كانت واحدة: الدليل الأول: (ح-٢١٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: سرنا مع النبي ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة. قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي، وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ قال: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال، قم، فأذن بالناس بالصلاة، فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس وابياضت، قام فصلى. وفي رواية لمسلم، وفيه: «ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم» (١). وجه الاستدلال: قوله: (يا بلال قم فأذن للناس بالصلاة) دليل على أن الصلاة الفائتة يؤذن لها بعد وقتها عند فعلها. قال النووي: فيه استحباب الأذان للصلاة الفائتة (٢). * ويناقش: بأن النبي أمر بلالًا بالأذان، والأصل في الأمر الوجوب. الدليل الثاني: (ح-٢١٨) ما رواه البخاري من طريق أبي رجاء، عن عمران، قال: كنا في سفر مع النبي، وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس .... وفيه: فلما استيقظ -يعني: النبي - شَكَوْا إلى النبي الذي أصابهم، قال: لا ضير -أو لا يضير- ارتحلوا، فارتحل، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء، فتوضأ،

стр. 607

ونودي بالصلاة، فصلى بالناس .... الحديث (١). الدليل الثالث: أن الأذان تارة يكون للإعلام بوقت الصلاة، فيكون حقًّا للوقت كالأذان في الحضر، وتارة يكون الأذان حق الفريضة، كالأذان في البوادي والسفر، والفائتة قد خرج وقتها فبقي حق الفريضة في الأذان، ولذلك حين أراد بلال أن يؤذن في السفر قال له النبي: أَبْرِدْ، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أَبْرِدْ، فعل ذلك ثلاثًا حتى حان وقت فعل الصلاة، فأذن فصلى الظهر. * حجة من قال يقام للصلاة الفائتة ولا يؤذن لها: الدليل الأول: (ح-٢١٩) استدلوا بما رواه أحمد من طريق سعيد بن أبي سعيد -يعني المقبري صاحب أبي هريرة -عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هويًا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كفينا القتال، وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أمر النبي بلالًا فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب، فصلاها كما يصليها في وقتها (٢). [صحيح] (٣). وإذا كان هذا في الصلوات الفائتة، فالفائتة الواحدة مقيسة عليها. الدليل الثاني: (ح-٢٢٠) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة،

стр. 608

عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب، جاء يوم الخندق، بعد ما غربت الشمس فجعل يَسُبُّ كفار قريش، قال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر، حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي ﷺ : والله ما صليتها، فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. وجه الاستدلال: اُسْتُدِلَّ بالحديث على عدم مشروعية الأذان للفائتة. * ونوقش هذا: بأن المغرب كانت حاضرة، ولم يذكر الراوي الأذان لها وقد عرف من عادته ﷺ -الأذان للحاضرة، فدل على أن الراوي ترك ذكر ذلك، لا أنه لم يقع في نفس الأمر (١). * حجة من قال: لا يؤذن إلا إذا كان يرجو اجتماع الناس بالأذان: هذا القول بناه على أن الأذان ليس حقًّا الوقت، ولا حق الفريضة، وإنما هو حق الجماعة (٢). ويستدل لذلك بأن النداء إنما شرع ليجتمع الناس للصلاة، ولذلك رتب الله عليه السعي إلى الصلاة يوم الجمعة بسماع الأذان، فقال تعالى: ﴿ … إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقال في الحديث: أتسمع النداء؟ قال نعم. قال: فأجب. والمؤذن يرفع صوته قائلًا: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أي: أقبلوا، حتى إن الصحابة قد تشاوروا قبل مشروعية الأذان، كيف يدعون الناس إلى الصلاة؟ * ويناقش: بأن الرسول كان يؤذن بين يديه للصلاة في السفر، وصحابته معه، ولا يدعون غائبًا بالنداء، كما شرع الأذان للمنفرد بالصحراء مطلقًا حتى ولو غلب

стр. 609

على ظنه أنه لا يسمعه أحد، فكان حكم الأذان أعم من سببه. * حجة من قال: الأذان والإقامة فرض كفاية للصلاة الفائتة: الدليل الأول: (ح-٢٢١) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: سرنا مع النبي ليلة، فقال: بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة. قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي، وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال، قم فأذن بالناس بالصلاة، فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس وَابْيَاضَّتْ، قام فصلى. وفي رواية لمسلم، وفيه: «ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم». فحديث أبي قتادة دليل على الأمر بالأذان كما هي رواية البخاري، وأما الأمر بالإقامة فورد من حديث أبي هريرة. (ح-٢٢٢) فقد روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ -أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال. فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (١).

стр. 610

وجه الاستدلال من الحديثين: حديث أبي قتادة دليل على مشروعية الأذان للصلاة الفائتة، وحديث أبي هريرة دليل على مشروعية الإقامة لها، وترك الأذان في حديث أبي هريرة فإما أنه لم ينقل، أو أن هذا دليل على عدم وجوبه؛ إذ لو كان الأذان واجبًا لما ترك. * حجة من قال: يؤذن للفائتة إن كانوا جماعة، وإلا أقام فقط: هذا القول يرى بأن الأذان حق الجماعة، وليس حق الوقت، ولا الفريضة، بدليل أن الأحاديث الواردة في الأذان للفائتة كلها وردت في حق الجماعة، كما في حديث أبي قتادة، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، ولم ينقل في السنة الأذان لقضاء الفائتة إذا كان منفردًا (١). * وتعقب: بأنه إذا ثبت مشروعية الأذان للمنفرد لم يكن هناك فرق بين الحضر والسفر، وبين المؤداة والفائتة، فقد جاءت الأحاديث بأذان المنفرد، منها: حديث أبي سعيد الخدري في رفع الصوت في الأذان في البادية في البخاري. وحديث عقبة بن عامر في عجب الله لراعي غنم في شظية جبل يؤذن للصلاة ويصلي (٢). [صحيح]. وحديث أنس في مسلم، في سماع النبي أذان الراعي، فقال: على الفطرة. وأثر سلمان ﵁ في الأذان للصلاة في الأرض الخالية، فيصلي خلفه ما لا يرى طرفاه (٣). فإذا ثبت ما يدل على مشروعية الأذان للمنفرد، شمل ذلك الحاضرة والفائتة،

стр. 611

وثبت أن الأذان كما هو حق الجماعة، وهو حق الوقت، وحق الفريضة. * حجة من قال: يؤذن ويقيم للفائتة في السفر، وفي الحضر تكفيه الإقامة. في الحضر قلنا: تكفيه الإقامة؛ لأن مقصود الأذان حصل بغيره، ولو أذن في غير وقت الأذان لشوش ذلك على الناس، وقد يلبس على بعض الناس فيوهم دخول وقت صلاة أخرى قبل وقتها، فيصلي بأذانه النساء والعجزة ممن لا تجب عليهم الجماعة، بخلاف السفر. قال الشافعي: «لم أعلم مخالفًا في أنه إذا جاء المسجد، وقد خرج الإمام من الصلاة، كان له أن يصلي بلا أذان، ولا إقامة» (١). وإذا كان هذا في الصلاة المؤداة إذا فاتت مع الإمام، فالفائتة مثلها أو أولى. * الراجح: أن الأذان مشروع للصلاة الفائتة في السفر مطلقًا، إلا أنه في حق الجماعة واجب وفي حق المنفرد مستحب كالأذان للحاضرة. وأما الأذان في الحضر: فإن كان يمكنه الأذان دون رفع الصوت حتى لا يشوش على الناس شرع في حقه، ولا يجب ذلك، وإذا اجتمعت صلاة حاضرة وفائتة، وقدم الحاضرة -على القول بأن الترتيب لا يجب على الصحيح- أذَّن للحاضرة، ولا يؤذن للفائتة، كما لو جمع في وقت الأولى، فإنه لا يؤذن للثانية بلا خلاف، والله أعلم.

стр. 612

المبحث الثاني في الأذان والإقامة حال تعدد الفوائت [م-٨٧] لم يختلف الفقهاء في مشروعية الإقامة للصلاة الفائتة ولو كانت متعددة، فيقيم لكل صلاة. قال النووي: إذا أراد قضاء فوائت دفعة واحدة أقام لكل واحدة بلا خلاف (١). ولكن اختلفوا هل يؤذن للفوائت؟ فقيل: يؤذن للأولى من الفوائت، ويخير في الباقي، إن شاء أذن، وإن شاء تركه، والأفضل أن يؤذن للجميع، وهذا هو مذهب الحنفية (٢). وقيل: لا يؤذن للفائتة، وهو الجديد من قولي الشافعي، ورواية عند الحنابلة، ونص المالكية على كراهة الأذان للفائتة (٣). وقيل: يؤذن للأولى، وهذا هو القديم من قولي الشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤). * حجة من قال: يؤذن للأولى ويخير في الباقي والأفضل الأذان للجميع: الدليل الأول: ثبت أن الرسول أمر بالأذان والإقامة للفائتة كما في حديث أبي قتادة في

стр. 613

الصحيحين، وحديث أبي هريرة في مسلم، وما ثبت في حق صلاة واحدة ثبت في حق بقية الصلوات على اعتبار أن الأذان حق الصلاة، وليس حق الوقت فقط، ولا حق الجماعة فقط. * ويناقش: ليس البحث في ثبوت الأذان والإقامة للفائتة إذا كانت واحدة، وإنما البحث في تكرار الأذان بتكرار الفوائت، وإذا كانت الصلوات المجموعة يُكْتَفَى بالأذان للأولى منها، فالفوائت مقيسة عليها. الدليل الثاني: (ح-٢٢٣) ما رواه البزار، كما في كشف الأستار، من طريق مؤمل يعني: ابن إسماعيل، قال: حدثنا حماد يعني: ابن سلمة، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن مجاهد، عن جابر، أن النبي شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام، فصلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام، فصلى المغرب، ثم أمره، فأذن وأقام، فصلى العشاء، ثم قال: ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله غيركم. قال البزار: «لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا مؤمل، ولا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله» (١). [منكر] (٢). فالحديث ضعيف، وقد ذكر الحافظ ابن رجب بأن الأوزاعي رواه عن

стр. 614

أبي الزبير، يعني: عن جابر، وفي حديث: حتى إذا كان قريبا من نصف الليل قام رسول الله ﷺ ، فبدأ بالظهر فصلاها، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء بإقامة إقامة (١). الدليل الثالث: (ح-٢٢٤) ما رواه أبو يعلى الموصلي من طريق يحيى بن أبي أنيسة، عن زبيد الأيامي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عبد الله بن مسعود، قال: شغل المشركون رسول الله ﷺ عن الصلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى ذهب ساعة من الليل، ثم أمر رسول الله ﷺ بلالًا فأذن وأقام، ثم صلى الظهر، ثم أمره فأذن، وأقام، فصلى العصر، ثم أمره فأذن، وأقام، فصلى المغرب، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء (٢). [ضعيف جدًّا] (٣). الدليل الرابع: الأذان والإقامة مشروعان لأداء الصلاة، والقضاء يحكي الأداء. * ويناقش: بأن قياس القضاء على الأداء قياس في مقابل النص، فيكون مردودًا. * حجة من قال: لا يؤذن للفائتة: (ح-٢٢٥) استدلوا بما رواه أحمد من طريق سعيد بن أبي سعيد يعني المقبُريَّ صاحب أبي هريرة عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هويًا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كفينا القتال، وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أمر النبي بلالًا فأقام الظهر،

стр. 615

فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كما يصليها في وقتها. [صحيح] * حجة من قال: يؤذن للأولى من الفوائت: (ح-٢٢٦) استدلوا بما رواه أحمد عن هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، أن المشركين شغلوا النبي يوم الخندق عن أربع صلوات، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، قال: فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء (١). [رجاله ثقات، والمحفوظ فيه عدم ذكر الأذان] (٢).

стр. 616

* حجة من قال: إن رجا جماعة أذن: أن النداء إنما شرع ليجتمع الناس للصلاة، ولذلك رتب الله السعي إلى الصلاة يوم الجمعة على سماع الأذان، قال تعالى: ﴿ … إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]. والمؤذن يرفع صوته قائلًا حي على الصلاة، حي على الفلاح أي أَقْبِلُوا، حتى إن الصحابة قد تشاوروا قبل مشروعية الأذان، كيف يدعون الناس إلى الصلاة؟ * ويناقش: بأن الرسول قد أذن للصلاة الفائتة في السفر، وصحابته معه، ولا يَدْعُون

стр. 617

غائبًا بالنداء، كما شرع الأذان للمنفرد بالصحراء مطلقًا، حتى ولو غلب على ظنه أنه لا يسمعه أحد. * الراجح: أن الفوائت إذا كانت معها صلاة حاضرة، وأُذِّنَ للحاضرة فلا يُؤَذَّن للفوائت، ويقيم لكل صلاة، وإذا كانت الفوائت وحدها، ولا تصلى معها صلاة حاضرة، أذن للأولى منها، وأقيم لكل صلاة، ولم يثبت في النصوص تكرار الأذان بتكرار الفوائت. وقد يقال: إن الأذان من النبي للصلاة الفائتة الواحدة يعني صحته للأولى من الفوائت، وتركه يدل على عدم الوجوب، وهذا ليس ببعيد، وإن كان الأول أقوى، والله أعلم.

стр. 618

الفصل الثامن في الأذان والإقامة على جماعة النساء المدخل إلى المسألة: * الأصل في عقد الأذان أنه قام من أجل دعوة الناس لصلاة الجماعة، والنساء لا جماعة عليهن. * الأذكار نوعان، مطلق، والأصل فيه الإباحة، ومقيد والأصل فيه المنع إلا بدليل. * الأذان والإقامة أذكار مقيدة بوقت، وصفة، وعبادة معينة، فلا يشرعان إلا بدليل، ولا دليل على مشروعيتهما للنساء. * قياس النساء على الرجال في مشروعية الأذان والإقامة قياس مع الفارق، فالأذان إعلام بالوقت، ولا يتحقق إلا برفع الصوت، ورفع المرأة صوتها بالعبادة غير مشروع. * كل عبادة قام سببها على عهد النبي ﷺ ، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع فهي غير مشروعة. [م-٨٨] لم يختلف العلماء بأن الأذان لا يجب على النساء. وخلاف العلماء في أذان المرأة إنما هو في أذانها للنساء، وليس في أذان المرأة للرجال، إلا وجه شاذ بالجواز حكاه المتولي من الشافعية (١). وأما أذان المرأة للنساء وإقامتها، فاختلف في حكمهما: فقيل: يكرهان، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وللشافعية في قول:

стр. 619

لا يستحبان (١). وقيل: يستحبان، وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد ذكرها صاحب الإنصاف (٢). وقيل: يباحان مع خفض الصوت، وهو المنصوص عن أحمد (٣). وقيل: تستحب الإقامة دون الأذان، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية (٤).

стр. 620

وقيل: يحرمان من المرأة، وهو اختيار ابن حزم الظاهري (١). هذه مجمل الأقوال في المسألة. * حجة من قال: لا تؤذن المرأة ولا تقيم: الدليل الأول: وجاء في الجامع لابن وهب، قال: قرئ على ابن وهب: أخبرك عبد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أنه ليس على النساء أذان ولا إقامة. [ضعيف] (٢). وروى ابن عدي ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى من طريق الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن الحكم، عن القاسم، عن أسماء، قالت: قال رسول الله ﷺ : ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال جمعة، ولا تقدمهن امرأة ولكن تقوم في وسطهن. [موضوع] (٣). الدليل الثاني: أن الأذان إنما شرع لدعوة الجماعة للصلاة، والنساء ليس عليهن جماعة.

стр. 621

* ويناقش: بأن هذا في الجملة، وإلا فالأذان مشروع حتى للمنفرد في البادية ممن لا يرجو جماعة. الدليل الثالث: أنه لا يوجد دليل في مشروعية الأذان للنساء، ولو كان الأذان مشروعًا في حقهن لفعل؛ لحرص الصحابيات على فعل الخير، ولم ينقل فعله عن أزواج النبي ﷺ -وهُنَّ القدوة. الدليل الرابع: أن الأذان مشروع فيه رفع الصوت، والمرأة لا يستحب لها رفع صوتها، ولهذا تصفق في الصلاة إذا ناب الإمام شيء، ولا تسبح، ولا يشرع لها رفع صوتها بالتلبية بخلاف الرجال. الدليل الرابع: أن الأحاديث التي تأمر بالأذان إنما أمرت الرجال، ولم تأمر النساء، قال ﷺ -في الصحيح: فليؤذن لكم أحدكم، وسبق تخريجه. وقول بعض المتأخرين: ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء هذا صحيح في الجملة بشرط ألا يدل العمل على خلافه. * حجة من قال: يستحب الأذان والإقامة للنساء: الدليل الأول: (ث-٥٣) روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق ابن عجلان، عن وهب ابن كيسان، قال: سئل ابن عمر، هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذكر الله (١). وإسناده حسن.

стр. 622

* ويجاب عن أثر ابن عمر من وجوه: الوجه الأول: كونه ﵁ لا ينهى عن الشيء فهذا لا يعني أنه يأمر به، ولو كان في المسألة دليل خاص لاستشهد به ابن عمر ﵄. الوجه الثاني: أن الذكر نوعان مطلق، ومقيد، والأذان من الذكر المقيد، فهو مقيد بوقت، ومقيد بصفة، لا يجوز تغييرها بالزيادة أو النقص، ومقيد بنوع من الصلوات، وإذا كان الذكر ليس مطلقًا لم يدخل في عموم الأمر بالذكر، فيحتاج الأمر في مشروعيته إلى توقيف لاستحبابه للنساء. الوجه الثالث: أن الأذان لم يشرع للرجال باعتباره من الأذكار العامة، وإنما شرع في أوقات مخصوصة للدعوة للاجتماع على صلوات مخصوصة، ولذلك لو أن أحدًا أذن لغير الصلوات الخمس، كالعيد، والاستسقاء، أو أذن قبل الوقت في غير الفجر بحجة أنه ذكر لله لم يقبل منه. الدليل الثاني: (ث-٥٤) روى ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر في الأوسط، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: كنا نسأل أنسًا، هل على النساء أذان وإقامة؟ قال: لا، وإن فعلن فهو ذكر (١). [صحيح]. ويجاب عنه: بما أُجِيبَ عن الأثر السابق. الدليل الثالث: (ث-٥٥) روى ابن أبي شيبة من طريق ليث، عن عطاء، أن عائشة ﵂ كانت تؤذن وتقيم (٢).

стр. 623

[ضعيف، وسبق تخريجه] (١). * دليل من قال: يستحب للمرأة الإقامة دون الأذان: الدليل الأول: أن الأذان يطلب فيه رفع الصوت، وهو غير مشروع للمرأة، ولا يطلب ذلك في الإقامة. * ويناقش: بالإمكان أن تؤذن المرأة في مجتمع النساء ولا ترفع صوتها بذلك، ولا يسمعها الرجال، وإذا حدث ذلك دون قصد فصوت المرأة ليس بعورة، فهي منعت من الخضوع في القول، ولم تمنع من القول نفسه. * ويجاب: العبادات لا تثبت بفرض الإمكان، فهل كان ذلك سنة في مجتمع الصحابة، فما ترك في ذلك العصر فالمشروع تركه. الدليل الثاني: أن الإقامة تستحب؛ لأنها لاستفتاح الصلاة، واستنهاض الحاضرين فيستوي فيها الرجال والنساء بخلاف الأذان.

стр. 624

* ويناقش: بأن النداء قد يكون لمجموعة حاضرة، وليست غائبة كما كان ينادى بالصلاة للرسول ﷺ -في سفره، وهم حضور بين يديه. * الراجح. الذي أميل إليه أنه لا يشرع للمرأة أذان ولا إقامة، ولو كان مشروعًا لنقل الأمر بذلك، ولم ينقل فيه عمل، ومن أجازه من الصحابة استند إلى أنه من الذكر المطلق، وهذا لا ينطبق على الأذان والإقامة، ولو كان عندهم دليل خاص لاحتج به بدلًا من الاحتجاج بأنه من جملة الأذكار، والله أعلم.

стр. 625

الفصل التاسع الأذان والإقامة في السفر المبحث الأول في أذان الجماعة وإقامتهم في السفر المدخل إلى المسألة: * كل ما وجب في الحضر وجب في السفر إلا لدليل. * النصوص التي تدل على مشروعية الأذان والإقامة عامة مطلقة، وقصرها على الحضر تخصيص أو تقييد بلا دليل. * أمر النبي ﷺ -بالأذان، والتزمه حضرًا، وسفرًا، فلا فرق بين قرية ومصر، وحضر وبدو، وسفر وإقامة. ويمكن أن يقال: * المسافر سقطت عنه الجمعة، فكذلك الجماعة، وإذا لم تجب الغاية التي هي الجماعة، فلا معنى لوجوب الأذان، وهو وسيلة. [م-٨٩] علمنا حكم الأذان والإقامة في الحضر في أول الكتاب، فما حكم الأذان والإقامة على الجماعة في السفر؟ فقيل: يؤذن في السفر، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم (١). اه على خلاف بينهم في حكمه: فقيل: سنة، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وكره الحنفية ترك الإقامة (٢). وقيل: فرض كفاية وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال

стр. 626

داود الظاهري (١). وقال بعضهم: تجزئ الإقامة، إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، حكاه الترمذي في سننه، وقال: والقول الأول أصح (٢). وقيل: يقيم إلا في الفجر، فيؤذن ويقيم، وبه قال ابن عمر ﵄، ومن الفقهاء ابن سيرين (٣). هذه مجمل الأقوال في المسألة: * دليل من قال: الأذان والإقامة سنة في السفر: الدليل الأول: (ح-٢٢٧) روى البخاري ومسلم من طريق زيد بن وهب، عن أبي ذر الغفاري، قال: كنا مع النبي ﷺ -في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (٤). وكذلك ثبت الأذان في السفر من حديث أبي قتادة في الصحيحين (٥)، ومن حديث عمران فيهما (٦)، ومن حديث أبي هريرة في مسلم (٧).

стр. 627

ولم ينقل عن النبي ﷺ -أنه ترك الأذان والإقامة في السفر، فدل على مشروعيتهما فيه، وإنما لم نقل بوجوبهما في السفر؛ لأن الحضر هو المكان الذي يختص بإقامة الجماعات، ويُنَادَى لها الناس للاجتماع على إقامتها، ويرفع فيها شعائر الإسلام غالبًا بخلاف الصحراء. الدليل الثاني: (ح-٢٢٨) ما رواه أحمد وأبو داود، قالا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري، حدثه، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: دل الحديث على مشروعية الأذان للمنفرد في الصحراء، فجماعة المسافرين مثله أو أولى. قال في المستوعب: «والصحيح أنه لا فرق فيهما يعني الأذان والإقامة بين المصر والقرى، ولا بين الحاضرين والمسافرين، ولا بين الواحد والجماعة» (٣). الدليل الثالث: (ث-٥٦) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال: كنت مع عبد الله بن عمرو في سفر، فقلت له: أُؤَذِّن؟ قال: نعم، وارفع صوتك (٤). [عطاء العامري لم يوثقه إلا ابن حبان، ولم يرو عنه أحد غير ابنه يعلى، وفي

стр. 628

التقريب مقبول، أي حيث يتابع] (١). الدليل الرابع: كل دليل استدل به الجمهور على أن الأذان والإقامة سنة في الحضر، فهو دليل على سنية الأذان في السفر، لأن ما لا يجب في الحضر لا يجب في السفر من باب أولى؛ لأن السفر مظنة التخفيف، وقد سبق أن ذكرنا أدلة الجمهور على أن الأذان والإقامة سنة في الحضر، في المبحث السادس من التمهيد، فارجع إليها إن شئت. قال العراقي في طرح التثريب: «وجمهور العلماء على أنه غير واجب في الحضر، فالسفر الذي قصرت فيه الصلاة عن هيئتها أولى بذلك» (٢). * حجة من قال: الأذان والإقامة فرض كفاية: الدليل الأول: أن النبي ﷺ -أمر بهما مالك بن الحويرث ومن معه، وهم كانوا على سفر، والأصل في الأمر الوجوب. (ح-٢٢٩) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن أبي قِلَابَةَ، عن مالك بن الحويرث، قال أتى رجلان النبي يريدان السفر، فقال النبي: إِذَا أنتما خرجتما، فَأَذِّنا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثم لِيَؤُمَّكُمَا أكبرُكما (٣). ورواه الترمذي والنسائي من طريق وكيع، عن سفيان به، بلفظ: إذا سافرتما فأذنا وأقيما. [انفرد بهذا اللفظ خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وقد رواه أيوب عن أبي قلابة، وخالفه في لفظه، وظاهره أن النبي أمرهم بذلك في حال رجوعهم إلى أهلهم، فلا دلالة فيه على السفر].

стр. 629

الدليل الثاني: ثبت في الصحيح أن الرسول أمر بلالًا بالأذان والإقامة حال السفر، والأصل في الأمر الوجوب. فأمَّا أَمْرُه بالأذان في السفر: (ح-٢٣٠) فقد روى البخاري من طريق عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: سرنا مع النبي ﷺ -ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة. قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي ﷺ ، وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال، قم فأذن بالناس بالصلاة، فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس وَابْيَاضَّتْ، قام فصلى. وأمَّا أَمْرُه بالإقامة في السفر: (ح-٢٣١) فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ -حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ -وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ -أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال! فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (١).

стр. 630

وجه الاستدلال من الحديثين: ثبت الأمر بالأذان في حديث أبي قتادة، وثبت الأمر بالإقامة من حديث أبي هريرة، وإذا أمر بهما المسافر في حال القضاء، كان مأمورًا بهما في حال الأداء؛ لأن القضاء يحكي الأداء، والأصل في الأمر الوجوب. * ونوقش: بأن الكلام ليس في مشروعية الأذان للمسافرين، فهذا فيه نصوص صحيحة، مُجْمَعٌ على صحتها في البخاري ومسلم، وإنما النقاش في وجوبه عليهم، والاستدلال بأن الأصل في الأمر الوجوب فيه نزاع معلوم في كتب أصول الفقه، والقائلون به يصرفون الأمر عن الوجوب لأدنى صارف، والصارف هنا عن الوجوب: أن الجمعة إذا كانت لا تجب على المسافر، فكذلك الجماعة من باب أولى، وإذا لم تجب الجماعة لم يكن هناك معنى لوجوب التأذين، فإن أذنوا فحسن، كما يستحب لمن يصلي منفردًا أن يؤذن، ولا يقال بوجوبه عليه، وإنما الوجوب يكون حيث تجب الجماعة التي ينادى لها، والله أعلم. * ورد هذا: بأن الجمعة لا تجب على المسافر بنفسه، وأما وجوبها عليه في غيره إذا أقيمت، وكان في البلد، ولم يكن قد جد به السير فليس ممتنعًا؛ لعموم قوله: تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فعموم الآية يشمل الحاضر، كما يشمل المسافر. ولحديث: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب، وهو مطلق، ومن قَيَّده بالحاضر فقد قَيَّده بلا برهان، ومثل الجمعة الجماعة. الدليل الثالث: أن النصوص التي تأمر بالأذان عامة، أو مطلقة، والقول بأنها للحاضر فقط تخصيص، أو تقييد بلا دليل. * دليل من قال: لا يؤذن إلا في الفجر خاصة: (ث-٥٧) ما روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،

стр. 631

أن ابن عمر كان يقيم في السفر إلا في صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن ويقيم. [صحيح]. ولعل ابن عمر كان يؤذن للفجر خاصة في السفر؛ لأن صلاة الفجر يسبقها نوم، فيريد من الأذان لأصحابه أن يستيقظوا، ويستعدوا للصلاة، بخلاف غيرها من الصلوات، فإن المسافرين غالبًا ما يكونون مجتمعين، فلا حاجة إلى الدعوة لاجتماعهم. * ويجاب: بأن قول الصحابي لا يكون دليلًا مع مخالفته للسنة المرفوعة، فقد أمر النبي بلالًا بالأذان والإقامة في السفر، والأصل في الأمر الوجوب. كما أنه مخالف للقياس، فالتفريق بين صلاة الفجر وغيرها للمسافر يحتاج إلى دليل، ولم تكن السنة تُفَرِّق بين صلاة وغيرها. * الراجح: الخلاف في المسألة قوي، وليس في وجوب الأذان على المسافر دليل خاص، وحديث مالك بن الحويرث قد علمتَ ما فيه، وأقوى دليل في الباب: أن النصوص الدالة على وجوب الأذان في الحضر مطلقة، فيدخل فيها حال السفر، والأصل أن ما وجب في الحضر وجب في السفر إلا بدليل، والله أعلم.

стр. 632

المبحث الثاني في أذان المنفرد الفرع الأول الأذان على المنفرد في الحضر المدخل إلى المسألة: * ليس في النصوص ما يوجب الأذان على المنفرد، لا حضرًا، ولا سفرًا. * حفظت لنا السنة الفعلية استحباب الأذان للمنفرد، والإقامة مثله. * يستحب الأذان للمنفرد في الحضر إذا كان في موضع لم يُؤَذَّن فيه، وتستحب له الإقامة مطلقًا. [م-٩٠] عامة الفقهاء على مشروعية الإقامة للمنفرد في الحضر. [م-٩١] واختلفوا في مشروعية الأذان للمنفرد في الحضر. فقيل: يستحبان، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، واختاره ابن بشير وابن عبد البر من المالكية، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (١).

стр. 633

وقال المالكية في المختار: يكره الأذان، وتسن الإقامة (١). وقال الشافعية في وجه: إن بلغه أذان البلد لا يؤذن، ويقيم في أصح الوجهين (٢).

стр. 634

وقيل: يجبان مطلقًا، وهذا القول رواية عند الحنابلة (١). وقيل: إن رجا حضور جماعة أذن، وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢). * دليل من قال: يستحبان للمنفرد: الدليل الأول: (ح-٢٣٢) ما رواه أحمد وأبو داود، قالا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري، حدثه، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة. [صحيح] (٣). وجه الاستدلال: إذا ثبت أن الأذان أحيانًا يكون وظيفة الصلاة، وأن المنفرد في الصحراء الذي لا يرجو أن يجيبه أحد يشرع له الأذان، دل الحديث على مشروعية الأذان للمنفرد في الحضر قياسًا عليه. * ويناقش: بأن حديث عقبة بن عامر ثبت في الصحراء، ومن في الصحراء لا يسمع الأذان ولا الإقامة، فيشرعان في حقه، بخلاف المدن والقرى حيث ينادى بالصلاة فيها. * ورد هذا: بأن جماعة المصلين يشرع لهم الأذان، وإن سمعوا أذان غيرهم، فكذلك المنفرد يشرع له الأذان وإن سمع أذان غيره؛ لأن سنة الأذان باقية لكل مُصَلٍّ سواء أكان منفردًا أم جماعة، سمع أذان غيره أم لم يسمعه؛ لأن المشروعية لم تعلق على

стр. 635

السماع، ولذلك إذا أذن المؤذن للجماعة أجزأ عن كل من صلى معه، سمعه أو لم يسمعه، وسواء أكان من أهل البلد أم غريبًا قد قدم بعد أذانه، فدل هذا على أن الأذان إنما هو للصلاة، ولم يعلق على السماع. الدليل الثاني: حكى بعض العلماء الإجماع على أن الأذان لا يجب على المنفرد: قال الشافعي: «لم أعلم مخالفًا في أنه إذا جاء المسجد، وقد خرج الإمام من الصلاة، كان له أن يصلي بلا أذان، ولا إقامة» (١). وقال ابن قدامة: «وإن صلى مُصَلٍّ بغير أذان ولا إقامة، فالصلاة صحيحة … ولا أعلم أحدًا خالف في ذلك، إلا عطاء، قال: من نسي الإقامة يعيد، والأوزاعي قال مرة: يعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه. وهذا شذوذ، والصحيح قول الجمهور» (٢). الدليل الثالث (ث-٥٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن أبي عاصم الثقفي، قال: أخبرنا عطاء، قال: دخلت مع علي بن الحسين على جابر بن عبد الله ﵁، قال: فحضرت الصلاة، فأذن وأقام (٣). [صحيح]. الدليل الرابع: (ث-٥٩) روى ابن أبي شيبة في المصنف، عن إسماعيل بن علية، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس، أنه دخل المسجد، وقد صلوا. فأمر رجلًا، فأذن، وأقام. [سنده صحيح، وقد رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم] (٤).
следующие страницы →