← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

ذلك، فكيف ينقل الدعاء نفسه، ولا ينقل رفع الأيدي وهو أخص صفاته، بل كيف ينقل الصحابة إشارة الأصبع إذا دعا في التشهد، ثم يتجاهلون رفع الكفين إذا دعا بعد الصلاة، فمثل ذلك يغلب على ظن الباحث أن الأيدي لم تكن ترفع فيه، والله أعلم، ولو رفع الإنسان أحيانًا مع الاعتقاد بعدم سنيته، فأرجو ألا يكون بذلك بأس، لكن لا يتخذه دائمًا، وكأنه سنة. (ح-٢٠٧٨) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد في قصة ذهاب الرسول ﷺ إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وصلاة أبي بكر بالناس حين تأخر، فجاء رسول الله ﷺ ، والناس في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق، التفت أبو بكر فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله … الحديث. وهذا الرفع ليس بسنة، وإنما يدخل في الرفع المباح، لفعل أبي بكر ﵁، وإقرار الرسول ﷺ له على ذلك، فكذلك لو رفع الإنسان يديه أحيانًا كما لو وجد من نفسه نشاطًا في الدعاء، ولم يعتقد أن هذا الفعل سنة، ولم يداوم على ذلك فأرجو ألا يكون بذلك بأس، وأما أن يفعل ذلك دائمًا حتى يكون سنة من سنن الصلاة، فهذا أقل أحواله الكراهة، والله أعلم. القسم السادس: الدعاء المطلق الذي لم يرتبط بسبب، ولا وقت، فيستحب فيه رفع الأيدي بالدعاء، وكذلك يستحب الإشارة بالأصبع كما يفعله الإمام في دعاء الجمعة، وهو يخطب، أو يفعله المصلي في دعاء التشهد، والله أعلم. فقد نقل الحافظ ابن رجب في شرحه للبخاري، عن أبي هريرة، أنه قال: إذا دعا أحدكم -فهكذا- ورفع إصبعه المشيرة-وهكذا-ورفع يديه جمعيًا، قال الحافظ ابن رجب: خرجه الوليد بن مسلم في كتاب الدعاء. وذكر ابن رجب طائفة من الآثار عن ابن عباس وعائشة وغيرهما (١). ولم يذكر أسانيدها للنظر فيها، لكن يغني عنها.

стр. 5707

(ح-٢٠٧٩) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها (١). فقوله: (رفع إصبعه اليمنى .. فدعا بها) يشير إلى مشروعية الإشارة بالإصبع عند الدعاء، ولا يفهم منه اختصاص ذلك في التشهد بدليل أنه كان يفعل ذلك في دعاء خطبة الجمعة، والله أعلم.

стр. 5708

الفرع الرابع في الأذكار التي تقال بعد الصلوات المفروضة المدخل إلى المسألة: • الأذكار نوعان، مطلق: لا حدَّ في قدره وجنسه ووقته، وليس مرتبطًا بسبب، ولا مخصوصًا بوقت. ومقيد جنسًا وقدرًا وكيفية، وزمنًا، وسببًا. • الأذكار بعد الصلوات من الأذكار المقيدة المرتبطة بأسبابها. • كل ذكر مقيد لا تشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه إلا من عذر، ولا استبداله بغيره، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي ﷺ للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي ﷺ : قل: وبنبيك الذي أرسلت. [م-٧١٩] الأذكار التي تقال بعد الصلوات كثيرة، منها: الأول: قول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. (ح-٢٠٨٠) لما رواه الإمام مسلم من طريق عاصم (هو الأحول)، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام. وفي رواية لمسلم: يا ذا الجلال والإكرام (١). الثاني: قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون،

стр. 5709

اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، جاء بعضه من حديث المغيرة، وبعضه من حديث ابن الزبير. (ح-٢٠٨١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق المسيب بن رافع، عن ورَّاد مولى المغيرة بن شعبة، قال: كتب المغيرة، إلى معاوية بن أبي سفيان: أن رسول الله ﷺ -كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلَّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (١). (ح-٢٠٨٢) وروى الإمام مسلم في صحيحه من طريق هشام، عن أبي الزبير (مولى لهم)، قال: كان ابن الزبير، يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وقال: كان رسول الله ﷺ يُهَلِّلُ بهن دبر كل صلاة (٢). الثالث - لا يصح زيادة: وهو حي لا يموت، بيده الخير. (ح-٢٠٨٣) فقد روى الطبراني في الكبير، قال: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن ابن عمرو الدمشقي، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان، عن منصور، عن المسيب ابن رافع، عن وراد، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ كان يقول في دبر الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد

стр. 5710

منك الجد (١). [زيادة: (وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير) زيادة شاذة] (٢).

стр. 5711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5712

الرابع: استحب بعض المتأخرين من فقهاء الحنفية والمالكية، والحنابلة زيادة (وتعاليت) بعد قوله، وتباركت، ولا تثبت هذه الزيادة (١). (ح-٢٠٨٤) لما رواه ابن سمعون الواعظ في أماليه، قال: حدثنا أحمد ابن سليمان بن زَبَّانَ الدمشقي، بدمشق، قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عتبة بن حميد، عن خالد الحذاء، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام (٢). [ضعيف جدًّا] (٣). الخامس: التسبيح ثلاثًا وثلاثين والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير ثلاثًا وثلاثين. (ح-٢٠٨٥) لما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبي عبيد المذحجي -قال مسلم: أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك- عن عطاء بن يزيد الليثي،

стр. 5713

عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر (١). وقد ورد لبعض الأذكار صفات أخرى من باب تنوع العبادة، وسوف أتعرض لها إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل. السادس: قول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك. (ح-٢٠٨٦) لما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا المقرئ، حدثنا حيوة قال: سمعت عقبة بن مسلم التجيبي يقول: حدثني أبو عبد الرحمن الحبلي، عن الصنابحي، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ أخذ بيده يومًا، ثم قال: يا معاذ إني لأحبك. فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك. قال: أوصيك يا معاذ لا تدعنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. قال: وأوصى بذلك معاذ: الصنابحي، وأوصى الصنابحي: أبا عبد الرحمن، وأوصى أبو عبد الرحمن: عقبة بن مسلم (٢). [صحيح] (٣).

стр. 5714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5716

وقوله: (دبر الصلاة) مجمل، يحتمل أنه أراد الدبر المنفصل، أي بعد السلام، وعليه أكثر العلماء؛ لحديث: (تسبحون دبر كل صلاة .. ) (١)، فإن هذا بعد السلام قولًا واحدًا. وحديث أبي أمامة: في قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة … الحديث، فإن المقصود به الدبر المنفصل، وسيأتي تخريجه في الفصل التالي لهذا المبحث. وحديث كعب بن عجرة في مسلم: (معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة … ) الحديث (٢). وحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ -كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (٣). فكذلك هذا الحديث قياسًا عليها، فلو عنى به قبل السلام لجاء في النصوص ما يقيد ذلك. ويحتمل أنه عنى به الدبر المتصل، أي الدعاء بعد الفراغ من التشهد، وقبل السلام من الصلاة، ورجح ذلك ابن تيمية؛ لأن عامة الأدعية المأثورة كانت قبل السلام، فكذلك هذا (٤). فالنصوص تحمل على الغالب، لا على القليل. لكن غالب هذه الأدعية العامة المأثورة جاء في النصوص ما يدل على أن ذلك كان قبل السلام، فتقيدت به، بخلاف هذا الحديث. والموضعان يشرع فيهما الدعاء، إلا أن الدعاء بعد السلام هو من الدعاء المقيد الوارد بالسنة بلا زيادة، ولا نقص. والدعاء قبل السلام يشرع فيه المقيد والمطلق، لقوله ﷺ : (ثم ليتخير من

стр. 5717

الدعاء أعجبه إليه). واختار شيخنا محمد بن عثيمين أن القاعدة في تفسير الدبر: أن ما كان من قبيل الأذكار، فإنه يكون بعد السلام، وما كان من جنس الدعاء، فإنه قبل السلام. لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فذكر بعد قضاء الصلاة الذكر ولم يذكر الدعاء. والذي يظهر أن الآية ليست في سياق الأذكار المقيدة في أدبار الصلوات، بل فيه تنبيه لأهمية الذكر، وأنه لا ينتهي بالفراغ من الصلاة، فكما شرعت الصلاة لإقامة ذكر الله، فإن سبب الذكر لا ينقطع بالفراغ من الصلاة، بل يشرع للعبد إذا قضى الصلاة ألا يغفل عن الذكر بمعناه المطلق، فيذكر الله في كل أحواله، قائمًا وقاعدًا، وعلى جنب، فذكره لأحوال الذاكر من قيام وقعود واضطجاع دليل على أنه عنى الذكر المطلق. وعلى التسليم بالقاعدة التي ذكرها شيخنا ﵀، فأرى أن القاعدة أغلبية وليست كلية، فالاستغفار ثلاثًا بعد السلام، وقوله: (رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك) إن ثبت حديث البراء، فهو من الدعاء بعد السلام. (ح-٢٠٨٧) ومنه ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي، قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عبد الله بن الحسن، يقول: أخبرني جابر بن عبد الله السلمي، قال: كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: إذا هَمَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك .... الحديث (١). فإن قوله: (فليركع ركعتين … ثم ليقل) ظاهره بعد الصلاة. إذا عرفت ذلك نرجع إلى حديث معاذ بن جبل، فإن قوله في الحديث: (لا تدعنَّ في دبر كل صلاة) إما أن نعتبر (الدبر) من المجمل، أو من العام: فإن اعتبرناه من المجمل فحكم المجمل التوقف حتى يرد في النصوص

стр. 5718

ما يفسره، وإلا كان من قبيل المشكل، إلا أنه هنا لا يعتبر مشكلًا فلو دعا به المصلي قبل وبعد السلام فلا إشكال؛ لأنه إن كان الراجح في الدبر هو المنفصل كان ذكره قبل السلام في جملة الدعاء المطلق المأذون فيه، وإن كان الدبر هو المتصل فقد أصاب موضعه، والله أعلم. وإن اعتبرناه من قبيل العام باعتبار لفظ (دبر) نكرة مضافة إلى معرفة وهي (الصلاة)، والنكرة إذا أضيفت إلى معرفة عمَّت فيشمل الدبر المتصل والمنفصل، وليس هذا ببعيد، خاصة أن الموضعين محل للدعاء، والعام جارٍ على عمومه حتى يرد ما يخصصه، ولا أعلم مخصصًا من النصوص، وإذا كان النص صالحًا لأفراده فلا مانع من العمل بعمومه، والله أعلم. وأحيانًا يطلق الدبر، ويكون نسبيًا، ولو كان في أثناء الصلاة. كما في حديث ابن عباس، قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وصلاة الصبح في دبر كل صلاة، إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من بني سليم، على رعل، وذكوان، وعصيه، ويؤمن من خلفه (١). وهناك أذكار أخرى تركتها اقتصارًا على ما تقدم، ولعل بعض المباحث القادمة تستدعي تخريج بعضها كالصفات المتنوعة في الأذكار الواردة بعد الصلاة إن شاء الله تعالى، فسوف أعقد فصلًا مستقلًا إن شاء الله تعالى لبيان التنوع الوارد في هذه العبادة، أسأل الله وحده العون والتوفيق.

стр. 5719

الفرع الخامس في قراءة بعض السور والآيات بعد الصلاة المدخل إلى المسألة: • لا يصح الحديث الوارد في قراءة آية الكرسي بعد الصلاة. • لو كان الحديث محفوظًا، وهو يختص بأذكار عبادة من أعظم العبادات، وهي الصلاة، وأكثرها تكرارًا، واجتماع الناس لها علانية، وللصحابة عناية خاصة بنقل كل ما يتعلق بها، ورتب على هذا الذكر الأجر العظيم، في كونه موجبًا لدخول الجنة، لو كان ذلك محفوظًا لتوفرت الهمم على نقله، ولخرَّجه أصحاب الأمهات، فقد تجنبه أصحاب الكتب التسعة، ولم ينقل تصحيحه عن الأئمة المتقدمين، وتجنب النسائي ذكره في المجتبى من سننه، وإن أودعه الكبرى، ولو كان قويًّا عنده لاجتباه. • لا يحفظ آثار عن الصحابة بالعمل به، وهم أحرص الناس على الاتباع. • يقول ابن تيمية: لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها، فلا يمكن أن يثبت به حكم شرعي، ولم يكن النبي ﷺ وأصحابه وخلفاؤه يجهرون بعد الصلاة بقراءة آية الكرسي، ولا غيرها. • قراءة المعوذات رواه عن عقبة بن عامر ثمانية رواة بألفاظ مختلفة، بعضهم في فضلها، وهي رواية مسلم، وبعضهم في فضل قراءتها في الصلاة، وانفرد علي بن رباح في ذكر قراءتها في دبر الصلوات، فإن اعتبرنا هذه الروايات حديثًا واحدًا، وهو الظاهر والأصل، فإن رواية مسلم هي المحفوظة، وما عداها شاذ، ويكون في الحديث علتان: المخالفة، والتفرد، وإن كانت أحاديث متعددة، وهذا خلاف الأصل كان فيه علة واحدة، وهي التفرد، والحمل فيها على من رواه عن علي بن رباح، والله أعلم.

стр. 5720

قدمت الأذكار على القرآن لسببين: الأول: أن الأذكار ثبتت بأحاديث لا نزاع في ثبوتها، وأما قراءة آية الكرسي والمعوذات فالأحاديث الواردة فيها قد اختلف في ثبوتها. الثاني: أن قراءة آية الكرسي والمعوذات على القول بثبوت قراءتها فإن محلها بعد الفراغ من الأذكار، فاقتضى ذلك تقديم الأذكار؛ لتقدمها في الذكر، وإن كان القرآن أشرفَ وأَجَلَّ. إذا عرفت ذلك نأتي إلى الدخول في البحث. [م-٧٢٠] رُوي قراءة بعض الآيات دبر الصلوات، ولا يصح منها شيء. (١ - ) من ذلك قراءة آية الكرسي. (ح-٢٠٨٨) فقد روى الإمام النسائي في السنن الكبرى، قال: أخبرنا الحسين بن بشر، بطرسوس، كتبنا عنه، قال: حدثنا محمد بن حمير، قال: حدثنا محمد بن زياد، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت (١). [ضعيف] (٢).

стр. 5721

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5723

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5724

(٢ - ) ومنها قراءة المعوذات دبر الصلاة، (ح-٢٠٨٩) فقد روى الإمام أحمد من طريق ابن وهب، حدثني الليث، عن حنين بن أبي حكيم، حدثه عن علي بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة (١).

стр. 5725

[تفرد به علي بن رباح، عن عقبة من رواية بعض الضعفاء عنه، ورواه جماعة في القراءة بها في الصلاة، لا في دبرها، وبعضهم في فضل المعوذتين، وهي رواية مسلم، وهو المحفوظ] (١).

стр. 5726

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5729

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5732

هذا هو ما ظهر لي من حيث الرواية، فلا يصح قراءة شيء من القرآن بعد الصلوات، لا آية الكرسي، ولا سورة الإخلاص ولا المعوذتين، وإنما المشروع في القراءة أن تكون في الصلاة، لا بعد الفراغ منها. وقد ذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية وبعض الحنابلة إلى مشروعية قراءة آية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين (١). وقيل: يقرأ آية الكرسي والمعوذتين، اختاره بعض المالكية، وهو المعتمد عند المتأخرين من الحنابلة (٢). واقتصر مالك في الموطأ على التسبيح، والتحميد والتكبير، ولم يذكر قراءة آية الكرسي، ولا المعوذات، واعتمده القيرواني في الرسالة، كما لم يذكر أكثر الحنابلة ذلك فيما نقله ابن مفلح في الفروع (٣).

стр. 5733

• دليل من اقتصر على التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير: اعتمد أصحاب هذا القول على أن الثابت الصحيح عن النبي ﷺ ، هو الذكر بالتسبيح والتحميد والتكبير في أحاديث مقطوع بصحتها، ذكرت بعضها في فصل سابق، ولم ير هؤلاء صحة الأحاديث الواردة في آية الكرسي، ولا في المعوذات. ولو كان التعبد بقراءة آية الكرسي والمعوذات دبر الصلاة مشروعًا لجاءت سنة صحيحة فيها كما جاءت في شأن الذكر بعد الصلوات، ولاشتهر ذلك من فعل الصحابة رضون الله عليهم؛ لحرصهم على السنن، خاصة فيما يتعلق بالصلوات، فلم أقف على أثر واحد ينقل لنا أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. فكون هذه الأحاديث في قراءة القرآن دبر الصلوات متكلمًا فيها، ولا توجد آثار واردة عن الصحابة في العمل بها دليل، كل ذلك دليل على عدم ثبوتها. ولو ثبتت هذه الأحاديث لجاء تقديم القرآن على سائر الأذكار؛ لشرفه، ولجاء الجهر بآية الكرسي والمعوذات كما يجهر في الذكر بعد الصلوات، أيجهر بالتسبيح والتحميد والتكبير، ولا يجهر بأشرف الذكر؟ فالقول بأن المعوذات تقرأ سرًّا دليل على عدم ثبوت قراءتها، وقد اضطر إلى القول بالإسرار بها لعدم النقل؛ ولأنه لو كان يجهر بها لكان ذلك مدعاة لنقله من فعل الصحابة رضوان الله عليهم، والآثار في قراءتها شحيحة فضلًا عن الجهر بها، والله أعلم. • دليل من قال: تشرع آية الكرسي والمعوذتان فقط: لم يرد حديث صحيح في قراءة سورة الإخلاص. وورد حديث عقبة بن عامر في قراءة المعوذات بالجمع، وهذا ليس صريحًا في مشروعية قراءة سورة الإخلاص، فقد قد يكون الجمع باعتبار الآيات، أو باعتبار أن أقل الجمع اثنان.

стр. 5734

• ويناقش: لا يوجد في الدلالة اللغوية إطلاق الاثنين على الجمع، وأما إعطاء الاثنين حكم الجمع في بعض الأحكام الشرعية كالجماعة في الصلاة فهذا من حيث الحكم، وهناك فرق بين إعطاء الاثنين حكم الجمع، وبين اعتبار الاثنين جمعًا من حيث الدلالة اللفظية. • دليل من قال: تشرع آية الكرسي، والإخلاص والمعوذتان: أما آية الكرسي فقد علمت ما رود فيها بخصوصها. وأما الدليل على قراءة سورة الإخلاص مع المعوذتين: (ح-٢٠٩٠) فلما رواه الإمام أحمد من طريق ابن وهب، حدثني الليث، عن حنين بن أبي حكيم، حدثه عن علي بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة. [سبق تخريجه في صدر المسألة] (١). فقوله: (أَقْرَأ بالمعوذات) فلما جمع المعوذات علم أنه أراد معها سورة الإخلاص، وإنما أطلق المعوذات على السور الثلاث تغليبًا. قال الحافظ في الفتح: «والمراد بالمعوذات سورة قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، وجمع: إما باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو باعتبار أن المراد الكلمات التي يقع التعوذ بها من السورتين. ويحتمل أن المراد بالمعوذات هاتان السورتان مع سورة الإخلاص وأطلق ذلك تغليبًا، وهذا هو المعتمد» (٢). فإن قيل: قد جاء تفسير المعوذات في كثير من طرق حديث عقبة بالمعوذتين، فلا يصح إدخال سورة الإخلاص في لفظ الجمع.

стр. 5735

فالجواب: ما جاء فيه التصريح بالمعوذتين، أو بالفلق وحدها في حديث عقبة إنما جاء في فضل التعوذ بهما، أو في قراءتهما في الصلوات، فلا يصح الحمل مع اختلاف محل القراءة، كما لا يصح الاحتجاج بقراءة سورة الإخلاص في أدبار الصلوات على ورود قراءتها في حديث عقبة مع المعوذتين في الصباح والمساء؛ لاختلاف موضع القراءة. وقد جاء إطلاق المعوذات في السنة الصحيحة وأراد مع المعوذتين سورة الإخلاص، (ح-٢٠٩١) فقد روى البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عروة، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه، وقرأ بالمعوذات، ومسح بهما جسده (١). وفي رواية للبخاري من طريق عقيل به، أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات (٢). وهذا القول صحيح لو صحت قراءة المعوذات دبر كل صلاة، وقد وقفت على تخريج الحديث، ورأيت أن قراءتها في دبر الصلاة، شاذ، ولله الحمد. • الراجح: أن الإنسان يكتفي بالدعاء والذكر الصحيح في أدبار الصلوات، ولم يصح في قراءة آية الكرسي، ولا المعوذات حديث، والأصل عدم المشروعية.

стр. 5736

الفرع السادس في محل أدعية وأذكار الصلاة بعد السلام المدخل إلى المسألة: • السنة تقديم أذكار الصلوات المفروضة على السنة البعدية. • السنة صريحة أن محل أذكار الصلوات المفروضة في دبر الصلوات، وهذا يعني وقوعها بعدها من غير فصل. • لا يوجد دليل من النصوص في استحباب وصل السنة بالفريضة، بل الثابت عكس ذلك. • العلماء متفقون على أن صلاة السنة في البيت أفضل منها في المسجد. • إذا صلى السنة البعدية في البيت لزم منه وجود فاصل بين السنة والفريضة أبلغ من الفصل بالأذكار المشروعة. [م-٧٢١] اتفق الفقهاء على أن هذه الأذكار تقال في دبر الصلوات التي ليس لها سنة بعدية كالعصر والفجر. واختلفوا في محل هذه الأذكار في الصلوات التي لها سنة بعدية كالظهر والمغرب والعشاء: فقال الحنفية: الاشتغال بالسنة قبل الأذكار أفضل؛ حتى لا يفصل بين الفريضة والسنة بفاصل، ولو تكلم بين السنة والفرض لم تسقط السنة على الأصح، ولكن ينقص ثوابها، وكذا كل عمل ينافي التحريمة. وقيل: تسقط (١).

стр. 5737

وقال الحلواني من الحنفية: «لا بأس بقراءة الأوراد بين الفريضة والسنة، ورجحه ابن الهمام من الحنفية» (١). جاء في مراقي الفلاح: «القيام إلى السنة متصلًا بالفرض مسنون، وعن شمس الأئمة الحلواني: لا بأس بقراءة الأوراد بين الفريضة والسنة» (٢). وحمل بعض الحنفية قول الحلواني: «لا بأس على الجواز والمذاهب على الأفضل، فلا تعارض» (٣). وقال الجمهور: يقدم الأذكار على السنة البعدية (٤). جاء في كفاية الطالب الرباني: «(ويستحب الذكر بأثر الصلوات) المفروضات من غير فصل بنافلة .. » (٥). • دليل الحنفية على أن الأذكار تقال بعد السنة البعدية: الدليل الأول: (ح-٢٠٩٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى بن قزعة، قال: حدثنا إبراهيم ابن سعد، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم.

стр. 5738

ورواه البخاري، قال: حدثنا أبو الوليد، حدثنا إبراهيم بن سعد به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان إذا سلم يمكث في مكانه يسيرًا. قال ابن شهاب: فنرى والله أعلم لكي ينفذ من ينصرف من النساء (١). ورواه الطيالسي عن إبراهيم بن سعد به، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم من الصلاة لم يلبث في مقعده إلا قليلًا حتى يقوم (٢). فحملوا سرعة قيامه عليه الصلوات والسلام من أجل المبادرة بوصل السنة بالفريضة بخلاف صلاة الصبح والعصر حيث لا سنة بعدها فكان يستقبل بوجهه جموع المصلين. الدليل الثاني: (ح-٢٠٩٣) روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق عاصم (هو الأحول)، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام. وفي رواية لمسلم: يا ذا الجلال والإكرام (٣). الدليل الثالث: (ث-٤٩٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، والثوري، عن حماد، وجابر، وأبي الضحى، عن مسروق، أن أبا بكر كان إذا سلم عن يمينه وعن شماله قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم انفتل ساعتئذٍ كأنما كان جالسًا على الرَّضَف (٤). [أخشى أن تكون رواية مسروق عن أبي بكر مرسلة] (٥).

стр. 5739

(ث-٤٩٨) وروى عبد الرزاق عن أيوب، عن ابن سيرين قال: قلت لابن عمر: إذا سلم الإمام انْصَرَفَ؟ قال: كان الإمام إذا سلم انْكَفَتَ وَانْكَفَتْنَا معه (١). [صحيح] (٢). وهناك أحاديث وآثار أخرى سبق ذكرها، ومناقشتها. • وأجاب الجمهور عنها: بأن هذه الأدلة ليس فيها دلالة على استحباب وصل السنة بالفريضة، فالأحاديث محمولة على حرصه ﵊ على سرعة الانحراف عن القبلة، فإذا قام أو انحرف عن القبلة جاء بالأذكار المشروعة بعد الصلوات، ولا يستحب الفصل بين الفريضة وأذكارها بصلاة. (ث-٤٩٩) ويؤيده ما رواه ابن أي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: كان عبد الله -يعني ابن مسعود- إذا قضى الصلاة انفتل سريعًا، فإما أن يقوم، وإما أن ينحرف (٣). [صحيح]. ولأن العلماء متفقون على أن صلاة السنة في البيت أفضل منها في المسجد، وإذا صلى السنة البعدية في بيته لزم من ذلك وجود فاصل بين السنة والفريضة أبلغ من الفصل بالأذكار المشروعة. • دليل الجمهور على أن الأذكار تقال قبل السنة البعدية: الدليل الأول: استحباب وصل السنة بالفريضة حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ولا يوجد في الأدلة ما يدل على هذا الاستحباب، والأصل عدم الاستحباب.

стр. 5740

الدليل الثاني: (ح-٢٠٩٤) ما رواه البخار ومسلم من طريق المسيب بن رافع، عن وراد مولى المغيرة بن شعبة، قال: كتب المغيرة، إلى معاوية بن أبي سفيان: أن رسول الله ﷺ -كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (١). (ح-٢٠٩٥) وروى الإمام مسلم في صحيحه من طريق هشام، عن أبي الزبير (مولى لهم)، قال: كان ابن الزبير، يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وقال: كان رسول الله ﷺ يُهَلِّلُ بهن دبر كل صلاة (٢). (ح-٢٠٩٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبي عبيد المذحجي -قال مسلم: أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك- عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر (٣). فقوله: (دبر كل صلاة) أي مفروضة، والدبر هو آخر كل شيء، فإذا فَصَلَ بين الفريضة وأذكارها بصلاة لم تقع هذه الأذكار دبر المكتوبة، وصارت نسبة هذه

стр. 5741

الأذكار إلى النافلة أولى من نسبتها إلى الفريضة. الدليل الثالث: (ح-٢٠٩٧) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عمر بن عطاء ابن أبي الخوار، أن نافع بن جبير، أرسله إلى السائب -ابن أخت نمر- يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصِلْهَا بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، ألا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج (١). فقوله: (ألا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) فيه النهي عن وصل السنة بالفريضة إلى غاية نص عليها الحديث، وهو الكلام، أو الانتقال عن مكان الفريضة، فكان هذا الحديث دليلًا على استحباب الفصل بالأذكار باعتباره من جنس الكلام المشروع الذي يستحب فيه الفصل بين الفريضة والنافلة. وفي الحديث رد على مذهب الحنفية القائلين باستحباب الوصل بين الفريضة والنافلة، وأن الكلام بينهما إما يبطل السنة البعدية أو ينقص ثوابها. (ح-٢٠٩٨) وروى أبو داود من طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن نافع، أن ابن عمر رأى رجلا يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه، وقال: أتصلي الجمعة أربعا؟ وكان عبد الله يصلي يوم الجمعة ركعتين في بيته، ويقول: هكذا فعل رسول الله ﷺ (٢). [صحيح] (٣).

стр. 5742

ورواه مسلم من طريق الليث، عن نافع به وليس فيه قصة دفع الرجل (١). قال العراقي في طرح التثريب: «وفي ذلك رد على من يبادر من الحنفية وغيرهم إلى فعل التطوع متصلًا بالفرض» (٢). وحمله الحنفية على النهي عن التطوع في مكان الفرض، وليس عن وصل النافلة بالفريضة. (ث-٥٠٠) لما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن عطاء، أن ابن عباس وابن الزبير، وأبا سعيد وابن عمر كانوا يقولون: لا يتطوع حتى يتحول من مكانه الذي صلى فيه الفريضة (٣). [صحيح]. (ث-٥٠١) وقد روى البيهقي من طريق يعلى بن عبيد، حدثنا عبد الملك، عن عطاء، قال: رأيت ابن عمر ﵁ دفع رجلًا من مقامه الذي صلى فيه المكتوبة، وقال: إنما دفعتك لتقدم أو تأخر (٤). • ويجاب: بأنه قد روي عن ابن عمر خلافه. (ث-٥٠٢) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وفعله القاسم (٥). والجمع بينهما: إما أن يحمل فعل ابن عمر إذا صلى في مكانه باعتبار أنه ربما

стр. 5743

يكون قد تكلم، فإذا تكلم بعد الفريضة لم يكره صلاته في مكانه الذي صلى فيه، ويدخل في جنس الكلام الأذكار التي تقال بعد الصلاة المشروعة. ويحمل نهيه عن الصلاة بعد الفريضة إذا لم يتكلم، وهذا الشرط مستفاد من حديث معاوية ﵁ السابق ذكره. فإن صح هذا الجمع وإلا كان العمل بالترجيح بين الأثرين، فما رواه نافع عن ابن عمر مقدم على ما رواه عطاء عنه؛ لاختصاص نافع به. ولأنه قد رواه عن ابن عمر وحده، بينما رواية عطاء عن ابن عمر جاءت من طريقين، أحدهما: قرن فيه ابن عمر بابن الزبير وابن عباس. والرواية الثانية من رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عمر، وعبد الملك بن أبي سليمان ثقة يخطئ، وانتقد برفعه أحاديث عن عطاء، وقال فيه الحافظ: صدوق له أوهام. وحمله بعض العلماء على أنه خاص بالجمعة. وبعضهم خَصَّ هذا الحكم بالإمام دون المنفرد والمأموم، وأثر ابن عمر في دفعه للرجل لا يساعد على هذا الحمل. ولو تجاوزنا أثر ابن عمر، والاختلاف عليه فإن استحباب الحنفية وصل النافلة بالفريضة لا دليل عليه، والأصل عدم الاستحباب، فالمطالب بالدليل من قال باستحباب وصل النافلة بالفريضة، وليس العكس. الراجح من الخلاف قول الجمهور، والله أعلم.

стр. 5744

الفرع السابع في تنوع الأذكار المشروعة بعد الصلاة المدخل إلى المسألة: • تنوع الأدعية من كمال الشريعة، وله حكمه وفوائده وأسراره البليغة. • الصفات المتنوعة في العبادة إذا صحت لا يكره شيء منها، ومنها الأذكار المشروعة بعد الصلاة، وصيغ التحميد، وأدعية الاستفتاح، وتنوع الأذان، والتشهد في الصلاة. • الصفات المتنوعة يشرع الأخذ بكل ما ورد، بشرط ثبوتها، وعدم قيام مانع يمنع من القول بالتنوع، كما لو كانت الحادثة لم تقع إلا مرة واحدة، واختلفت الروايات في صفتها، فلا سبيل إلى إثبات التنوع فيها. • يلزم من التزام نوع واحد هجر السنن الباقية، وفيه ذريعة لاندراس بعض السنن المتنوعة كتنوع الأذان والاستفتاحات والتشهد، بخلاف التنوع فإن فيه إحياءً لجميع السنن الواردة في العبادة، وإصابةً للسنة من جميع وجوهها. • تفضيل بعض الصيغ على بعض إذا لم يكن مبنيًّا على تفضيل شرعي اقتضاه تقديم الرسول ﷺ لبعضها على بعض، أو لأنه ثبت أن بعضها كان أكثر استعمالًا، أو كان التفضيل عائدًا لكمال المعنى، أو لأن الآخر إنما فعل في حالات قليلة، أو لداعي الحاجة، أو لبيان الجواز، فالأصل التسوية بينها. [م-٧٢٢] جاءت الأذكار المشروعة بعد الفراغ من الصلوات على صفات متنوعة. الصفة الأولى: أن يسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمده مثل ذلك، ويكبره مثل ذلك، ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

стр. 5745

(ح-٢٠٩٩) لما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبي عبيد المذحجي -قال مسلم: أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك- عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر (١). (ح-٢١٠٠) وروى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق عبيد الله، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا، والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: ألا أحدثكم إن أخذتم أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعا وثلاثين، فرجعت إليه، فقال: تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثًا وثلاثين (٢). قال مسلم: وزاد غير قتيبة في هذا الحديث، عن الليث، عن ابن عجلان، قال سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وهمت، إنما قال: تسبح الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين. فرجعت إلى أبي صالح فقلت له ذلك، فأخذ بيدي فقال: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله. الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثة وثلاثين. قال ابن عجلان: فحدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة، فحدثني بمثله، عن أبي صالح، عن
следующие страницы →