← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

فعدوا سيئاتكم)، فرتب عد السيئات على جوابهم بالقول: (حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح) وليس في الأثر أنهم كانوا يسبحون جماعة بصوت واحد، وإنما كانوا حلقًا يسبح كل واحد منهم بمفرده، بدليل أن كل واحد منهم في يده حصى، فظاهره أنه يسبح منفردًا، ولو كان التسبيح بصوت واحد لاكتفوا بواحد منهم تكون الحصى في يده، ولم يأت أثر صحيح في التسبيح بغير الأنامل، وكل الآثار الواردة في التسبيح بغير الأنامل لا يصح منها شيء، ومن ثم اختلفوا في التسبيح بالمسبحة. • ويجاب: لا مانع من أن يكون الإنكار متوجهًا إلى تحلقهم للتسبيح قبل الصلاة، وهو لا يعرف من سنن الصلاة، وكونهم يتخذون واحدًا منهم يأمرهم بالتسبيح، واتخاذ الحصى لذلك، وهو شكل من التسبيح الجماعي؛ لتحلقهم له، وتجمعهم عليه، وإن لم يكن بصوت واحد، فاتخاذ هذه الهيئة هو ما أنكرها ابن مسعود ﵁، كما أنكر عمر في الأثر السابق اجتماعهم للدعاء للمسلمين وللأمير، ويقاس عليها التسبيح والتهليل الجماعي بصوت واحد بعد الصلاة من باب أولى؛ فإنكار ابن مسعود ﵁ لهذه الصورة مع تسبيحهم بشكل انفرادي دليل على إنكار ذلك لو كان بصوت واحد من باب أولى؛ لمنافاته آداب الذكر، من الإخفات فيما لم يرد فيه سنة الجهر، والتضرع والخشوع المأمور بهما في الذكر والدعاء. الدليل الخامس: (ث-٥٠٩) روى ابن وضاح في البدع، قال: حدثني عن موسى، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن عبد الله بن الخباب، قال: بينما نحن في المسجد، مع قوم نقرأ السجدة، ونبكي، فأرسل إليَّ أبي، فوجدته قد أحضر معه هراوة له، فأقبل عليَّ، فقلت: يا أبت، ما لي ما لي؟ قال: ألم أرك جالسًا مع العمالقة، ثم قال: هذا قرن خارج الآن (١). [صحيح] (٢).

стр. 5777

• وأجيب: بأن خباب أنكر على ابنه جلوسه مع أهل البدع بقوله: (ألم أرك جالسًا مع العمالقة) ولم ينكر عليه قراءة السورة من القرآن، وليس في الأثر ذكر للذكر الجماعي، وفي رواية وكيع ذكر جلوسه مع قاص، فهذا وصف آخر للعمالقة، ولهذا قال ابن الجوزي: لما أظهرت الخوراج القصص، وأكثرت منه كره التشبه بهم (١). وانفرد بذكر التسبيح قيس بن الربيع، مخالفًا لرواية الثوري، فهي رواية منكرة، والله أعلم. • دليل من قال: الذكر الجماعي مشروع في أذكار وأدعية الصلاة: الدليل الأول: القياس على مجالس الذكر المطلق، من ذلك: (ح-٢١١٦) ما رواه البخاري من طريق جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله ملائكة يطوفون في الطرق

стр. 5778

يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك ويحمدونك، ويمجدونك. قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك؟ قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا وتحميدًا، وأكثر لك تسبيحًا. قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة. قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب، ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشدَّ لها مخافة. قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم (١). وجه الاستدلال: قوله: (يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، ويسألونك الجنة، ويتعوذون بك من النار). فظاهر الحديث أنهم يذكرون ذلك ذكرًا جماعيًا. (ح-٢١١٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق مرحوم بن عبد العزيز، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي عثمان، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثا مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه،

стр. 5779

فقال: ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني، أن الله يباهي بكم الملائكة (١). (ح-٢١١٨) ومنها ما رواه الإمام البخاري ومسلم من طريق الأعمش، سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة (٢). (ح-٢١١٩) ومنها: ما رواه أبو داود في سننه من طريق موسى بن خلف العمى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة، حتى تطلع الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى، أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة. [أرجو أن يكون حسنًا بالمجموع] (٣).

стр. 5780

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5782

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5784

• ويناقش الاستدلال بهذه الأحاديث من وجوه: الوجه الأول: هذه الأحاديث عند الرجوع إلى فهم السلف لا تدل على استحباب الذكر الجماعي، وإنما تدل على استحباب الاجتماع على ذكر الله، وهناك فرق كبير بينهما، فالاجتماع على ذكر الله مستحب مندوب إليه بمقتضى الأحاديث الواردة في فضله على الوجه المشروع الذي كان يعمل به النبي ﷺ ، وفهمه الصحابة، لا على الصفة التي أنكرها الصحابة رضوان الله عليهم. ولقد كان للنبي ﷺ اجتماع يومي بعد صلاة الصبح إلى ارتفاع الشمس، يذكرون الله فيه بما أنعم عليهم من نعمة الإسلام، وبما كانوا عليه من أمر الجاهلية، فهل كان ذكرهم لله جماعيًا، أو كان أحدهم يدعو والبقية يؤمن؟. (ح-٢١٢٠) فقد روى مسلم من طريق سماك بن حرب، قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول ﷺ ؟ قال: نعم كثيرًا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، أو الغداة، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام،

стр. 5785

وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم (١). وفي رواية لمسلم: أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسنًا (٢). فلو كان يذكر الله جماعيًا، أو كان يدعو، والجماعة تؤمن لَفَعَلَه النبي ﷺ ، ولو فعله لنقل ذلك إلينا. قال ابن تيمية: «كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم يقرأ، والناس يستمعون .... وكان عمر يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا. فيقرأ، وهم يستمعون لقراءته .... » (٣). الوجه الثاني: لو صح أن هذه الأحاديث في الذكر الجماعي، فهو خاص في مجالس الذكر، ولا يصح قياس أذكار الصلوات عليها لسببين: السبب الأول: أن مجالس الذكر من الذكر المطلق، والإذن فيه أوسع وأذكار الصلوات من الذكر المقيد، المرتبط بوقت وسبب، ومقدار معين. السبب الثاني: من شروط القياس المجمع عليها أن يكون الفرع لا نص فيه، فيقاس على أصل فيه نص لعلة جامعة، وأذكار الصلاة وأدعيتها نصوصها صريحة أنها تقال بشكل انفرادي، فيبطل القياس، والصلاة يقاس عيلها، ولا تقاس هي على غيرها، فعبادة تفعل في اليوم خمس مرات ويجتمع عليها المسلمون، وقد تواتر النقل العملي في نقل معظم صفاتها، ما الحاجة أن نقيس ما يقال في أذكارها وهي تتكرر كل يوم، على ما يقال في مجالس الذكر العارضة، والتي تعقد بلا سبب، ولا وقت، ولا مقدار معين، فالقوي لا يقاس على الضعيف، واضطرارهم إلى القياس في

стр. 5786

الاستدلال اعتراف منهم أن أذكار الصلاة لا نص فيها عندهم في فعلها بشكل جماعي، وإلا لما استدلوا بالقياس، وتركوا النص، وقد وقفت في أدلة القول الأول على النصوص أنها تقال بشكل انفرادي، فبطل القياس. الوجه الثالث: التسبيح والتحميد والتمجيد أعم من قول: (سبحان الله، والحمد لله) فكل تنزيه لله فهو داخل في تسبيح الله، ولهذا سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله ﵎ وتنزيهه، وكل ثناء على الله بصفات الكمال فهو داخل في حمد الله، وكل تكرار لذلك، فهو داخل في تمجيد الله، كما في حديث أبي هريرة في مسلم: وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. الوجه الرابع: قوله ﷺ : (يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، ويسألونك الجنة، ويتعوذون بك من النار) لو فرضنا أن ظاهره أنهم يكبرون جماعة فإن ذلك اعتمادًا فقط على ظاهر اللفظ من حيث اللغة، وهل يكفي في فهم النصوص الشرعية الاعتماد على الدلالة اللغوية فقط، أم لا بد من الرجوع إلى فهم الصحابة لهذه النصوص، والناس منقسمون في الاعتماد على اللغة وحدها في فهم النصوص إلى ثلاثة أقسام: طرفان، ووسط. الطرف الأول: الباطنية ممن يزعم أن للنصوص دلالة باطنية لا يعرفها إلا الخواص منهم، وهؤلاء ليسوا من أهل الخلاف حتى يحكى خلافهم. والطرف الثاني: الظاهرية الذين يتمسكون بظاهر اللفظ، ويغلون في ذلك حتى أتوا بأقوال شاذة جدًا أنكرها عليهم حتى عوام الناس. وهناك طرف ثالث وسط يرى أن اللغة إحدى أدوات فهم النص، وليست الأداة الوحيدة، فلابد من استكمال أدوات فهم النص، ومن أهمها: كيف فهم الصحابة هذه النصوص من صاحب الشريعة، فإنهم أعرف باللسان، وأفقه بالمقصود، فقد تجد النصوص الشرعية دلالتها اللغوية واحدة، والموقف الفقهي منها مختلف، فحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وحديث: (لا صلاة بحضرة طعام)، كلاهما

стр. 5787

قد استعمل معه أداة النفي (لا صلاة)، فهل كانت دلالتهما الشرعية متفقة اعتمادًا على اتفاقهما في الدلالة اللغوية؟. وقل مثل ذلك في نفي القبول عن العمل: فحديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور)، ونفي القبول عن صلاة الآبق ومن أتى عرافًا فصدقه، كلاهما استعمل معه نفي القبول، فهل كانت دلالتهما الشرعية واحدة؛ لاتفاقهما في الدلالة اللغوية؟. وقد كنت ذكرت لكم عند الكلام على حكم تحية المسجد: أن على طالب العلم ألا ينزع الحكم من دليله حتى يكون محاطًا بنور من فهم الأئمة، ولا ترع سمعك لمن يقول لك: أقول لك قال رسول الله ﷺ وتقول: قال فلان وفلان، فإنما هذا رجل يدعوك لتقدِّم فهمه هو لكلام الرسول ﷺ على فهم الصحابة، والتابعين، والقرون المفضلة، فالسلف أعلم بدلالات النصوص، ومعاني الألفاظ وأحكم في معرفة مقاصد الشريعة، وإن طالب العلم أوثق لدينه، وأحكم لفقهه أن يقدم فهم الأئمة للأدلة على فهمه هو، أو فهم متأخر لم يتجاوز في نظره لحكم النص على دلالة النص اللغوية، ولم يكلف نفسه النظر إلى عمل الصحابة، وهم أهل اللسان، وفهم الأئمة من أصحاب القرون المفضلة، وهم أهل الفقه والاستنباط، وإن اللغة العربية هي إحدى الأدوات لفهم النص، وليست الأداة الوحيدة، فالمعنى الشرعي قد يكون أخص أو أعم من المعنى اللغوي، كما ذكرته لك عند الخلاف في معنى اشتمال الصماء، وكما أكدته لك عند كلامي على جراءة بعض المعاصرين في تحريم الأخذ من اللحية احتجاجًا بدلالة (أعفوا اللحى) اللغوية، وكما حصل انحراف المرجئة في تفسير الإيمان استنادًا إلى الحقيقة اللغوية، وكما وقع الخوراج في بدعتهم في تخليد صاحب الكبيرة لظواهر بعض النصوص القرآنية، بل إنك تجد لفظًا واحدًا في القرآن له أكثر من دلالة، كالفسق يطلق أحيانًا ويراد به الكفر،، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]. ولا يكذب بعذاب النار إلا القوم الكافرون. ويطلق أحيانًا ويراد به ما دون ذلك من المعاصي، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا

стр. 5788

إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. وانظر إلى حديث أم عطية ﵂ في الصحيحين: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا (١). فقول أم عطية: (ولم يعزم علينا) هذا الفهم الذي تتحدث عنه أم عطية ﵂ خارج دلالة النهي اللغوية، ولا يحيط به إلا من شاهد التنزيل، وسمع الخطاب من النبي ﷺ ، ولن يعطاه من تعامل مع دلالة النصوص اللغوية بمعزل عن فهم الصحابة رضوان الله عليهم، وعن فهم من أَخَذَ عنهم واتبعهم بإحسان، وهم التابعون ﵏. وقل مثل ذلك لو أن طالب علم جاء إلى لفظ (السفر) في اللغة وأراد أن يطبق أحكام القصر والفطر على دلالة النص اللغوية، فرخص في الفطر والقصر بمجرد الظهور عن البلد؛ باعتبار أن حقيقة السفر هو السفور والظهور، فلمَّا كان مضطرًا في فهم حقيقة السفر إلى الرجوع إلى عمل الصحابة وفهم السلف كان ذلك واجبًا في التعامل مع بقية النصوص الشرعية، والله أعلم. وليس هذا خاصًا بالعبادات، فالربا في اللغة الزيادة، ولا يمكن فهمه استنادًا إلى اللغة، فهناك زيادة محرمة، وهناك زيادة مباحة، واللغة لا تفرق بين هذا وذاك، وقل مثل ذلك في تفسير حديث: نهى عن بيعتين في بيعة، فإنه لا يمكن لك فهم النص بدلالة اللغة، وكل البدع والتأويلات الفاسدة جاءت من خلال هذا المسلك، فلا تجد بدعة ولا تأويلًا فاسدًا إلا وتجد أن أهلها أتوا من اعتمادهم على ظواهر بعض النصوص أو بعض العمومات، ولم يستوفوا أدوات فهم النص من خلال تناول النص بفهم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان، والله أعلم. وحين قال عطاء في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. قال: ما أراه إلا واجبًا. أخذ ذلك فقط من دلالة الأمر، والأصل فيه الوجوب، ولم يأخذ ذلك من فهم الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 5789

قال له تلميذه ابن جريج: أتأثره عن أحد؟ قال: لا (١). فأراد ابن جريج أن ينبه شيخه إلى أن القول بالوجوب يحتاج إلى أن يكون مأثورًا عن أحد من الصحابة، لأن ابن جريج لم يرد بسؤاله أن يكون مأثورًا عن أحد من التابعين لأن قول عطاء وهو إمام من التابعين كافٍ. فإذا كان ذلك في حق عطاء، وقد أدرك مائتين من الصحابة، فما ظنك بغيره من المتأخرين. الدليل الثاني: (ث-٥١٠) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله في صحيحه: وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد، فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا. وقال أبو عبد الله أيضًا: وكن النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق (٢). [صحيح] (٣).

стр. 5790

• ويجاب: الجواب الأول: الجواب عن أثر عمر كالجواب عن حديث أبي هريرة، فالمعنى واحد، وعلى التنزل أن يكون التكبير جماعيًا، فهو في غير أذكار الصلوات، وقد بينت أنه لا حجة في القياس في هذه المسألة. الجواب الثاني: كون جماعة الناس تكبر بسبب تكبير عمر حتى ترتج منى لا يعني أن التكبير جماعي بصوت واحد، حتى ولو اتفقت بعض الأصوات دون قصد لم يحسب ذلك من التكبير الجماعي، كما قالت أم عطية في خروج النساء لصلاة العيد حتى الحيض، وفيه: ( .. فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم … ) أي بسبب تكبيرهم، ولم تقل فيكبرن معهم، وكما كان جماعة الصحابة يلبون إذا أحرموا، ولم يكن ذلك بصوت واحد، وكانوا إذا علو شرفًا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا، ولم يكن ذلك بصوت واحد، ويبعد تصور أن يكبر كل أهل منى تكبيرًا بصوت واحد، فتكبير أهل منى أشبه ما إذا دخلت مسجدًا، فوجدت حلقة من حلق تحفيظ القرآن، وسمعت قراءة الطلبة يرتج منها المسجد، وإن كان كل طالب يقرأ وجهًا مختلفًا من القرآن، وكما قال ابن عباس: إنه يعلم انقضاء الصلاة على عهد رسول الله ﷺ بسماع التكبير، ولم يكن التكبير بصوت واحد. • الراجح: أن السنة في أذكار الصلوات أن تقال بشكل انفرادي، فمن خالف فقد ابتدع في دين الله ما لم يأذن به الله، والله أعلم.

стр. 5791

المسألة الثانية أن يدعو الإمام ويؤمن المصلون على دعائه المدخل إلى المسألة: • الدعاء وصفته إنما يفعلان على الوجه الذي كان يفعله رسول الله ﷺ ، وتلقاه عنه صحابته. وكل صفة تخالف ما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته فهو حدث في العبادة رد على صاحبه. • دعاء الصلاة على قسمين، أدعية يقوم بها المصلي بشكل انفرادي، كالأدعية والأذكار بعد الصلوات، وأدعية يدعو فيها الإمام ويؤمن المأموم كدعاء القنوت. • الذكر الجماعي بأن يدعو الإمام، ويؤمن المصلون، وهذا يتطلب الجهر بالأذكار، وهو خلاف مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والمعتمد عند الحنابلة حيث يرون استحباب الإخفات في أذكار الصلوات. [م-٧٢٤] الصفة الثانية من الذكر الجماعي: أن يدعو الإمام ويؤمن المصلون، وقد اختلف الفقهاء في هذا العمل على ثلاثة أقوال: فقيل: لا يشرع مطلقًا، وهو مذهب كل من يرى أن السنة في أدعية الصلاة الإخفات، وهو مذهب الجمهور، والمعتمد في مذهب الحنابلة (١).

стр. 5792

قال المرداوي الحنبلي: «الصواب الإخفات في ذلك، وكذا في كل ذكر» (١). قال الشيخ عبد الحق الدهلوي: «أما هذا الذي تُعورِفَ في بلاد العرب والعجم من أن أئمة المساجد والمؤتمِّين يدعون بعد السلام مجتمعين، يدعو الأئمة، ويُؤمِّنُ المؤتمُّون، فلم يكن ذلك من هدي النبي ﷺ ، ولم يرد في ذلك أي حديث، وإنما هي بدعة استحسنت» (٢). وقيل: يشرع للإمام أن يدعو ويؤمن الجماعة، اختار ذلك بعض متأخري الحنفية كالشيخ محمد هاشم بن عبد الغفور الحنفي التتوي، وبعض متأخري المالكية منهم أبو سعيد بن لب (٣). وقال ابن عرفة: «ما سمعت من ينكره إلا جاهل غير مقتدى به!!» (٤). وهذان قولان متقابلان. وقيل: إن كان إيقاعه الدعاء على هذه الصفة على نية أنه من سنن الصلاة، أو

стр. 5793

فضائلها فهو غير جائز، وإن كان مع السلامة من ذلك فهو باق على حكم أصل الدعاء، والدعاء عبادة شرعية، معلوم فضلها من الشريعة، اختار هذا بعض المالكية (١). وقول أبي سعيد بن لب وابن عرفة رحمهما الله لا يتفق مع مذهب الإمام مالك، ولا مع أصول وقواعد المذهب، وإنما هي أقوال لأصحابها، وقد كشف الشاطبي ﵀ بدعية هذه الصفة وحذر منها وتحمَّل في سبيل ذلك ما تحمَّل من علماء عصره حتى نسب إلى الجهل والحمق، واتُّهم بسبب ذلك أنه يقول: إن الدعاء لا فائدة منه، ونسب إلى الانتساب إلى الرافضة؛ بسبب أنه لا يرى من أذكار الصلاة الترضي على الصحابة، وهي قصة تتكرر في كل عصر يتعرض لها كل من يدعو إلى التمسك بالسنة، وإلى ترك ما ألفه الناس من العادات البدعية التي تنسب إلى الشريعة، وليست منها. وأجاز الإمام أحمد: أن يدعو شخص، ويؤمن الجماعة إذا لم يكن عن عمد، ولم يتخذ عادة. قال الكوسج للإمام أحمد: يكره أن يجتمع القوم يدعون الله ، ويرفعون أيديهم؟. قال: ما أكرهه للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يُكْثِروا. قال إسحاق بن راهويه كما قال، وإنما معنى: إلا أن يكثروا، يقول: أن لا يتخذونها عادة حتى يعرفوا به (٢). وقد ينتقد هذا: بأن الإمام أحمد ما قال هذا في دعاء الصلاة والتأمين عليه، وهو قد وردت السنة في صفته، وإنما قاله في الدعاء العارض، وهو يدخل في الذكر المطلق، والمطلق أوسع من الذكر المقيد، فتأمل. فخَلُص في المسألة أربعة أقوال: أحدها: لا يشرع مطلقًا، وهو قول أكثر الأمة. الثاني: يشرع مطلقًا، قاله بعض متأخري الحنفية، وبعض المالكية خلافًا

стр. 5794

للمعتمد في مذهبهما. الثالث: يشرع إذا لم يعتقد الفاعل أن ذلك من سنن الصلاة، أو من فضائلها. الرابع: يشرع إذا لم يكن عن عمد، ولم يتخذ عادة. وهذا القول قيل في الدعاء العارض، وليس في دعاء أدبار الصلاة، والله أعلم. • دليل من قال: لا يشرع دعاء الإمام وتأمين المأموم: الدليل الأول: لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن صحابته، ولا عن سلف هذه الأمة أن الدعاء بعد الصلاة يقع جَمَاعيًّا، بأن يدعو الإمام، ويؤمن المأموم، والشرط في صحة العبادات الاتباع، والأصل فيها المنع إلا بإذن من الشارع. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى: ٢١]. وقال رسول الله ﷺ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. متفق عليه (١). فمن أحدث صفة غير مشروعة في العبادة، كانت ردًا عليه. والأدعية المتلقاة من الشارع بالنسبة للتأمين على قسمين: القسم الأول: أدعية يقوم بها المكلف وحده بشكل انفرادي، كالأذكار والدعاء بعد الصلاة، وكذلك أدعية المناسك، فقد كان النبي ﷺ يدعو في الطواف، وعلى الصفا والمروة وفي السعي بينهما، وبعد رمي الجمرة الأولى والوسطى، وفي عرفة، وفي المشعر الحرام، وكان معه المسلمون في كل هذه المواضع، ولم ينقل في حديث صحيح، ولا ضعيف أنه حين دعا كان الصحابة يؤمنون على دعائه، بل كان كل منهم يدعو لنفسه، اقتداء بالنبي ﷺ فكان ذلك سنة الدعاء في هذه المواضع، ومن خالفها فقد وقع في البدعة. يقول ابن تيمية: «لم ينقل أحد أن النبي ﷺ كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمومون جميعًا، لا في الفجر، ولا في العصر، ولا في غيرهما من الصلوات .... » (٢).

стр. 5795

القسم الثاني: أدعية يقوم بها الإمام ويؤمن المأموم، كدعاء القنوت في الصلاة، فلقد تلقاه المسلمون عن الصحابة بحيث يدعو الإمام، ويؤمن الجماعة على خلافٍ، أيؤمن جهرًا أم سرًّا، وكذلك في دعاء القنوت في النوازل، فإنه لا حكمة من الجهر بدعاء القنوت في الصلاة السرية إلا من أجل تأمين المأموم، وكذا الحال في دعاء الخطيب يوم الجمعة، وفي صلاة الاستسقاء. فالدعاء وصفته إنما يفعلان على الوجه الذي كان يفعله رسول الله ﷺ ، وتلقاه عنه صحابته، وكل صفة تخالف ما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته فهو حدث في العبادة رد على صاحبه (١).

стр. 5796

• وتعقب هذا: ترك السلف لهذا العمل لا يدل إلا على جواز الترك، وإما أن يفيد التحريم أو الكراهة فلا، لا سيما فيما له أصل كالدعاء، فإن صح أن السلف لم يعملوا به فإنه بدعة حسنة، فقد عمل السلف بما لم يعمل به من قبلهم مما هو خير، كجمع المصحف، ثم نقطه وشكله، ثم نقط الآي … (١). • ويجاب: الاعتراض بجمع المصحف لا يصح، ذلك أن النبي ﷺ أمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا، أو مجموعًا، وكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف واحد، وأجمع الصحابة على ذلك، وكيف يقاس ما أجمع عليه الصحابة بما أنكروه كما سبق بيانه عن عمر ﵁، وابن مسعود وغيرهما، فهل لكم قدوة من الصحابة، أو من التابعين، أو من أصحاب القرون المفضلة، أو نقل مثل ذلك عن أحد من الأئمة الأربعة؟ فإذا لم تجدوا ذلك فاعلموا أن هذا حدث في العبادة، وبدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وقد أكمل الله لنا دينه. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا. ولو صح الاعتراض بمثل اعتراضكم لأمكن كل مبتدع أن يحتج بمثل هذه الاحتجاجات لبدعته، وأن يجعل من حدثه بدعة حسنة. وكذلك يقال في نقط المصحف وشكله، فإنه كان مسكوتًا عنه في زمانه ﵊؛ لعدم الحاجة إليه، لأن العرب قليل ويعرفون القراءة بلا نقط أو تشكيل فلما توسعت البلاد زمن التابعين ووقع اختلاف في القراءة صار نقط المصحف وتشكيله لصيانة القرآن من اللحن والتحريف، وهذا واجب شرعًا فكان ذلك من المصالح المرسلة والتي تحقق مقصودًا شرعيًا متفق عليه، بخلاف إحداث صفة في

стр. 5797

العبادة فإن من أحدثها يرى أنه على طريقة أفضل من طريقة النبي ﷺ وأصحابه، فلو كان يرى هديهم أكمل لما استبدل هديهم ببدعته، وهذا استدراك على الشارع قبيح بالمسلم أن يفعله، فلا هدي خير من هدي النبي ﷺ ، ولا وسع الله على من لم يسعه هدي النبي ﷺ وهدي صحابته، وشر الأمور محدثاتها، والله أعلم. الدليل الثاني: الأحاديث الواردة في الدعاء بعد الصلاة كان النبي ﷺ يخص به نفسه دون المصلين، ولو كان يدعو والجماعة تؤمن ما خص نفسه بالدعاء دونهم، من ذلك: (ح-٢١٢١) ما رواه مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك (١). ولو كان يدعو والجماعة تؤمن لوقع بصيغة الجمع: رب قنا عذابك … (ح-٢١٢٢) ومنها ما رواه مسلم من طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي عمار، اسمه شداد بن عبد الله، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام. قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله (٢). فواضح من الحديث أن النبي ﷺ كان يستغفر وحده بصيغة الإفراد. (ح-٢١٢٣) ومنها ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا المقرئ، حدثنا حيوة قال: سمعت عقبة بن مسلم التجيبي يقول: حدثني أبو عبد الرحمن الحبلي، عن الصنابحي، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ أخذ بيده يومًا، ثم قال: يا معاذ إني لأحبك. فقال

стр. 5798

له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك. قال: أوصيك يا معاذ لا تدعنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. قال: وأوصى بذلك معاذ: الصنابحي، وأوصى الصنابحي: أبا عبد الرحمن، وأوصى أبو عبد الرحمن: عقبة بن مسلم (١). [صحيح] (٢). فلو كان الدعاء بصيغة الجمع لقال: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. الدليل الثالث: أن هذه الأذكار والأدعية لم يعين الشارع لها مكانًا، فربما قام النبي ﷺ بعد الصلاة مباشرة، فيأتي بالأذكار بعد ما ينصرف. وربما مكث في مصلاه بعد انصرافه عن القبلة فيذكر الله في مصلاه، ولو كان الإمام يدعو، والمأموم يؤمن لم ينصرف من مصلاه حتى يفرغ من الأذكار. (ح-٢١٢٤) فقد روى البخاري، قال: حدثنا يحيى بن قزعة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم. ورواه البخاري، قال: حدثنا أبو الوليد، حدثنا إبراهيم بن سعد به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان إذا سلم يمكث في مكانه يسيرًا. قال ابن شهاب: «فنرى والله أعلم لكي ينفذ من ينصرف من النساء» (٣). ففي هذا الحديث دليل على أنه كان يفارق مكانه، ولا يصح حمله على تغير هيئة الجلوس بالانصراف عن القبلة، لقولها ﵂ كما في رواية البخاري: (قبل أن يقوم). ولأن من غير هيئة جلوسه فقط يصدق عليه أنه ما زال ماكثًا في مكانه. وقوله: (كان إذا سلم) دليل على أن هذا حاله دائمًا أو كثيرًا.

стр. 5799

(ح-٢١٢٥) وروى مسلم من طريق عاصم (هو الأحول)، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام (١). (ث-٥١١) وروى عبد الرزاق عن أيوب، عن ابن سيرين قال: قلت لابن عمر: إذا سلم الإمام انْصَرَفَ؟ قال: كان الإمام إذا سلم انْكَفَتَ وَانْكَفَتْنَا معه (٢). [صحيح] (٣). فلا يجتمع سرعة انصراف الإمام من مصلاه ودعاء الإمام وتأمين المأموم. وقد استحب الشافعي للإمام أن يقوم من مصلاه إذا فرغ من صلاته إن لم يكن خلفه نساء، وبه قال بعض السلف (٤). جاء في المجموع: «قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء، هكذا قاله الشافعي في المختصر، واتفق عليه الأصحاب … » (٥). وجاء في المدونة: «قال ابن وهب: عن يونس بن يزيد، أن أبا الزناد أخبره، قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت يعيب على الأئمة قعودهم بعد التسليم، وقال: إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تنقلع من مكانها. قال ابن وهب: وبلغني عن ابن شهاب أنها السنة» (٦). وقال الحنفية: إن كان بعد الصلاة تطوع لم يجلس إلا قدر ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيقوم من مقامه ليصلي النافلة، ولا يؤخرها عن أداء الفريضة. وإن كانت الفريضة لا تطوع بعدها كالفجر والعصر إن شاء الإمام قام، وإن شاء

стр. 5800

قعد في مكانه، إلا أنه يكره له المكث على هيئته مستقبل القبلة. وقال نحوه النخعي وأبو مجلز، وأحمد في رواية، وبه قال الماوردي من الشافعية (١). ونقل ابن رجب في شرح البخاري عن أحمد أنه إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس، فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يعجبني. قال القاضي أبو يعلى: «ظاهر كلامه أنه يستحب بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يستحب بعد غيرها. قال: وروى الخلال بإسناده عن عابد الطائي، قال: كانوا يكرهون جلوس الإمام في مصلاه بعد صلاة يصلي بعدها، فإذا كانت صلاة لا يصلى بعدها، فإن شاء قام، وإن شاء جلس» (٢). كل ذلك يدل على أن هذه الأذكار لا يتعين لها مكان، فإن شاء الإمام انصرف، وذكر الله، قال في تحفة المحتاج: «وانصرافه لا ينافي ندب الذكر له عقبها؛ لأنه يأتي به في محله الذي ينصرف إليه» (٣). وهذا يدل على أن الإمام يذكر الله وحده. وإن شاء الإمام مكث في مصلاه بعد أن ينفتل عن القبلة، ويذكر الله وحده. قال ابن حجر: « .... يتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعين له مكان، بل إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا» (٤). فلا تجد عن الأئمة المتبوعين من يقول: يدعو الإمام والجماعة تؤمن. ولم أذكر هذه الأقوال الفقهية في معرض الأدلة استدلالًا بها، وإنما لأبين ما فهمه السلف من حديث أم سلمة، وحديث عائشة في سرعة انصراف النبي ﷺ

стр. 5801

من صلاته إذا سلم، وما فهموه من أثر ابن عمر ﵄. • دليل من قال: يشرع الدعاء من الإمام والتأمين من المأموم: الدليل الأول: الدعاء بعد الصلاة والتأمين عليه أصله مشروع، فالأدلة تدل على أن المصلي إذا فرغ من الصلاة فإنه موضع للدعاء، كالاستغفار ثلاثًا، والدعاء بقول: اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك، وقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وكقول: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، والتأمين على الدعاء أصله مشروع أيضًا، كالتأمين في دعاء القنوت، والتأمين على دعاء الفاتحة، والتأمين على دعاء الخطيب في الجمعة والاستسقاء، ونحو ذلك، فإذا دعا الإمام بعد الفراغ من الصلاة وأمَّنَ المأموم كان أصل هذا الفعل مشروعًا في الجملة، فلا يدخل في حد البدعة. • ونوقش من وجهين: الوجه الأول: تنقسم البدعة إلى قسمين: البدعة الحقيقية: وهي كل بدعة لم يدل عليها دليل شرعي، لا من كتاب، ولا من سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا استدلال معتبر، لا جملة، ولا تفصيلًا، كاختراع عبادة ما أنزل الله بها من سلطان، كالطواف بالقبور. النوع الثاني: بدعة إضافية، كالدعاء الجماعي، أو دعاء الإمام وتأمين المأموم، فهذه لها شائبتان: إحداهما: بالنظر إلى أصل الدعاء فهو مشروع في الجملة، حيث تستند إلى أدلة عامة، فتكون من تلك الجهة ليست بدعة. والثانية: غير مشروع وذلك من جهة الكيفية أو الهيئة التي تؤدى بها العبادة، وتقييدها بوقت معين كالفراغ من الصلاة، والاجتماع عليها، حيث لم يستحبها الشارع على هذا الوجه، في هذا الموضع، فكانت بدعة من هذا الوجه، فلا يكفي

стр. 5802

في العبادة أن يكون أصلها مشروعًا حتى تكون على الوجه الذي استحبه الشارع (١). فيقال: أفعلها الرسول ﷺ على هذا الوجه أم ترك هذه الكيفية مع إمكان فعلها؟ فإن قالوا: فعلها: فعلى المدعي إثبات ذلك، وينقطع الخلاف، وينتفي عنها صفة البدعة جملة وتفصيلًا، ولا يستطيعون إثبات ذلك. وإن قالوا: ترك الرسول ﷺ وصحابته هذه الكيفية مع إمكان فعلها. فيقال: فلماذا تخالفونه وتفعلونها، أترون أنكم أهدى طريقًا، وأكمل عملًا من هديه ﷺ وطريقته، فمن اعتقد هذا كان على خطر عظيم. وإن قالوا: إن هدي الرسول ﷺ أكمل وطريقته أفضل، كان ذلك أدعى لالتزام هديه، وترك الإحداث في الدين، فالترك من النبي ﷺ سنة كالفعل. الدليل الثاني: قالوا: إن كثيرًا من المصلين لا يعرف ما يدعو به، وإذا دعا فقد يدعو بما لا يجوز، وقد يلحن بالدعاء، وقد لا ينشط على العبادة وحده، فإذا دعا الإمام كان أعلم منهم بالأدعية المشروعة، وبجوامع الدعاء، فإذا أمن المأموم كان كما لو دعا، لأن المؤمن داع. • ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن الجاهل يستحب تعليمه السنة، فكما استطاع تعلم قراءة الصلاة، ودعاء الاستفتاح، وأذكار التشهد والركوع والسجود، فكذلك يستطيع أن يتعلم أذكار الصلوات، وليس الجهل عذرًا لإحداث صفة غير مشروعة، فإذا لم يقدر على تعلم السنة كان هذا عذرًا في ترك هذه الأذكار؛ لأن العجز عذر في إسقاط الواجب، فكيف في ترك السنة، وترك المستحب أولى من الوقوع في البدعة، والدعاء بعد الصلاة مشروع بما ورد على الصحيح، وهي أدعية قليلة يقدر عليها عامة الناس، وعلى القول باستحباب مطلق الدعاء بعد الفراغ من الصلاة فإنه يكفي العبد أن

стр. 5803

يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ولو سأل الله الجنة واستعاذه من النار فقد سأل أمرًا عظيمًا عليه مدار السعادة. الجواب الثاني: الجهل بطرائق الدعاء كان قائمًا حتى في عصر الوحي، ولم يكن مسوغًا لإحداث صفة غير مشروعة. (ح-٢١٢٦) فقد روى الإمام أحمد من طريق زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال النبي ﷺ لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﷺ : حولها ندندن (١). [صحيح] (٢). الدليل الثالث: (ح-٢١٢٧) ما رواه أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، عن راشد بن داود

стр. 5804

عن يعلى بن شداد، قال: حدثني أبي شداد بن أوس، وعبادة بن الصامت حاضر يصدِّقه، قال: كنا عند النبي ﷺ ، فقال: هل فيكم غريب، يعني أهل الكتاب؟ فقلنا: لا، يا رسول الله، فأمر بغلق الباب، وقال: ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: الحمد لله، اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا، فإن الله، ، قد غفر لكم (١). [أرجو أن يكون حسنًا] (٢).

стр. 5805

• ويجاب من وجهين: الوجه الأول: مسألة البحث إنما هو في دعاء الإمام وتأمين المأموم في أذكار الصلاة، وهذا الحديث في غير مسألة النزاع، وقد ذكرت سابقًا امتناع صحة قياس أذكار الصلاة على غيرها؛ لأن من شروط القياس المجمع عليها أن يكون الفرع لا نص فيه، وأذكار الصلاة وأدعيتها نصوصها صريحة أنها تقال بشكل انفرادي، فبطل القياس. الوجه الثاني: أن رفع الأيدي في الذكر لا يعرف، وإنما يعرف في الدعاء، وليس في الحديث أن الرسول ﷺ دعا، ولا أن الحضور أَمَّنوا، فلا دلالة فيه على موضع البحث، ولعل طلب التوحيد مع رفع الأيدي محمول على إرادة البيعة أو تجديدها، كما ذكر ذلك بعض الباحثين، والله أعلم (١). الدليل الرابع: (ح-٢١٢٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، قال:

стр. 5806

أخبرنا علي بن زيد، عن عبد الله بن إبراهيم القرشي، أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دبر صلاة الظهر: اللهم خلص الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلًا (١). [ضعيف، وزيادة الدعاء في دبر الصلاة زيادة منكرة] (٢). • دليل من قال: يجوز فعله بشرط ألا يعتقد أنه من سنن الصلاة أو من فضائلها: الدعاء والتأمين عليه الأصل فيه الجواز. قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]. فالداعي كان موسى، ومع ذلك أضيفت إجابة الدعاء إلى الاثنين، فقالوا: كان موسى يدعو، وهارون يؤمن. والأصح في دعاء القنوت أن الإمام يدعو والمأموم يؤمن، فإذا دعا الإمام، وأمن المأموم، ولم يعتقد أنه من سنن الصلاة، ولا من فضائلها، دخل ذلك في أصل الإباحة. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: إذا كان شرط الجواز اعتقاد القلب، فما يدري الناس إذا استبدلنا المشروع بغيره أن هذا الفعل ليس من سنن الصلاة، ولا من فضائلها، فإذا رأى الناس أن هذا الفعل يفعل في مساجدهم بلا نكير ظنوا أن ذلك من سنن الصلاة. الوجه الثاني: ما الحامل على استبدال المشروع بغيره، أيكون غير المشروع أكثر أجرًا، وأهدى طريقًا من الصفة التي تلقيناها عن النبي ﷺ ، وعن صحابته، ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، فلا هدي أكمل ولا أنفع من هديه ﵊.

стр. 5807

• دليل من قال: يجوز بشرط ألا يتعمد، ولا يكثر: الدليل الأول: لا تستحب الجماعة لصلاة الليل، ولو أن المصلي صلاها أحيانًا جماعة دون أن يدعو لذلك، ولا يكثر منه جاز. فقد صلى حذيفة مع النبي ﷺ صلاة الليل جماعة، وكذلك فعل ابن مسعود وكذلك فعل ابن عباس، وأحاديثهم في الصحيح، فكان القياس على ذلك أن الإمام لو فعل ذلك أحيانًا دخل في الجواز. الدليل الثاني: (ح-٢١٢٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال: محمد بن عبد الرحمن، حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ ، عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبه (١). (ح-٢١٣٠) ما رواه البخاري معلقًا، قال: قال عبيد الله: عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح: بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني أحبها،

стр. 5808

فقال: حبك إياها أدخلك الجنة (١). [اختلف فيه في وصله وإرساله، وأعله الدارقطني بالإرسال] (٢). أَقَرَّ النبي ﷺ الرجل الذي كان يختم قراءته بقل هو الله أحد، وهو من الإقرار الجائز، وليس المستحب، فالنبي ﷺ أكمل الأمة محبة ومعرفة بصفة الرحمن، ولم يفعل ذلك ولو مرة واحدة، ولم يأمر الأمة بفعله، ولما كانت القراءة لم تخرج عن كونها قرآنًا لم يمنع النبي ﷺ من ذلك، فكذلك الدعاء والتأمين عليه، بالنظر إلى أن أصله مشروع، ففعله أحيانًا لا يدخل في المنع. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: الصحابة رضوان الله عليهم أنكروا على هذا الرجل فعلته، باعتباره فعل فعلًا لم يعرف عن النبي ﷺ ، ولا من فعل فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم، وأقرهم النبي ﷺ على هذا الإنكار حين قال النبي ﷺ للرجل: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وحين أخبر أنه فعل ذلك؛ لما قام في قلبه من محبة الرحمن ومحبة صفته، أَقرَّه النبي ﷺ على ذلك، وسواء كان الإقرار دالًا على استحبابه لمن قام في قلبه مثل ما قام في قلب هذا الصحابي، أو كان دالًا على إباحته؛ لكون النبي ﷺ لم يفعله، ولو مرة واحدة، ولم يأمر بفعله، فالحجة ليس في فعل هذا الرجل، وإنما الحجة في إقرار النبي ﷺ ، ولا نجد في مسألة دعاء الإمام، وتأمين المأموم هذا الإقرار من النبي ﷺ حتى نقول بالجواز، فكيف يجوز تبني القول بالجواز، والأصل في العبادات المنع. الوجه الثاني: أن استخدام القياس على بعض العبادات إنما يصح لو كان الفرع لا نص فيه، فيقاس على أصل فيه نص لعلة جامعة، أما والفرع فيه نصوص في صفته، فلا يصح استعمال القياس، والله أعلم.

стр. 5809

• الراجح: أنه لا يشرع في أدعية الصلاة وأذكارها أن يدعو الإمام ويؤمن المأموم مطلقًا، ولا يجوز فعله أحيانًا، ولا فعله مع اعتقاد أنه ليس من سنن الصلاة وفضائلها، والله أعلم.

стр. 5810

الفرع التاسع الزيادة على العدد الوارد في الأذكار [م-٧٢٥] استبدال لفظ أذكار الصلاة بغيرها لا يتحقق معه الامتثال، ولا يترتب عليه الثواب الخاص بالذكر، واعتقاد مشروعيته في هذا الوقت أو تحريه بدعة. وأما الزيادة في العدد على المشروع من التسبيح والتحميد والتكبير، فاختلف العلماء في حكمه: فقيل: يكره، حكاه بعض الحنفية، وعده القرافي من البدع المكروهة، ونقل العراقي عن بعض مشايخه، أنه قال: إذا رتب على العدد المحدد ثواب مخصوص، فزاد لم يحصل له الثوب المخصوص (١). وقيل: الزيادة حسنة، اختاره بعض الحنفية، حتى قال بعضهم: لا يحل اعتقاد

стр. 5811

الكراهة، ورجحه بعض المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة (١). • تعليل من قال بكراهة الزيادة على الوارد: التعليل الأول: المقادير كلها توقيفية متلقاة من الشارع، يكره الزيادة عليها، والنقص منها إلا بإذن من الشارع. التعليل الثاني: الأذكار نوعان: ذكر مطلق يجوز للذاكر أن يذكر الله فيه متى شاء، بما شاء من الأذكار، بالقدر الذي يشاء، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. وذكر مقيد بسبب ووقت وهيئة، وعدد، وهذا على قسمين: قسم ورد الإذن صريحًا بجواز الزيادة عليه، فهذا تستحب الزيادة عليه. (ح-٢١٣١) لما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك (٢). وقسم لم يرد إذن من الشارع بالزيادة عليه، فنقتصر عليه، كالأذكار التي تقال عقب الصلوات، فالزيادة عليه أقل أحوالها الكراهة؛ لمخالفتها السنة، ولأن تخصيص الشارع هذه الأذكار بعدد معين، تارة بعشر، وتارة بخمس وعشرين،

стр. 5812

وتارة بمائة مع الختم مرة بالتكبير، ومرة بالتوحيد، فالأذكار المتغايرة عددًا وثوابًا إذا طلب الإتيان منها بعدد مخصوص، ولم يأت إذن من الشارع بالزيادة دل على أن التخصيص بهذا العدد وبهذه الصفة مقصود، وله حكمة قد لا نعلمها، ويكفي العبد التسليم والامتثال كما يُسَلِّم العبد -وإن لم يعلم الحكمة- في كون صلاة الصبح ركعتين، والظهر أربعًا، ورمي الجمرات والطواف والسعي سبعًا، ونحو ذلك، والقول باستحباب الزيادة يلغي فائدة التخصيص، وجواز النقص إخلال بالسنة الواردة. التعليل الثالث: من يتعمد الزيادة على الوارد، ما الذي أراده من هذه الزيادة؟ فإما أن يريد زيادة الأجر، أو لا، فالأول استدراك على الشارع ينافي مقام العبودية، والثاني عبث لا يليق قصده بالعبادة .. التعليل الرابع: الأصح في قولي العلماء أنه لا يجمع هذه الصفات، فلا يشرع له أن يقول التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين، ويختم بالتهليل؛ فكما أنه لا يجمع بين صفتين لعدم وروده في السنة، فكذلك لا يشرع له الزيادة على الأعداد الواردة، لعدم وروده كذلك. التعليل الخامس: ولأنه كالدواء إذا زيد فيه على قانونه يصير داء، وكالمفتاح إذا زيد على أسنانه لا يفتح. • تعليل من قال بجواز الزيادة: التعليل الأول: الذكر مشروع في الجملة، والمقصود من العدد ألا ينقص منه، وأما الزيادة فلا تضر شيئًا، لا سيما من غير قصد. • ويناقش: القول بأن الزيادة لا تضر دعوى في محل النزاع، فأين الدليل؟ والقول بأن الذكر مشروع في الجملة هذا من باب قياس الذكر المقيد على

стр. 5813

المطلق، فالألفاظ في الذكر المقيد مقصودة لا يجوز تبديلها، فكذلك العدد، والذكر المطلق لا تقييد في لفظه، ولا في عدده، ولا في وقته، ولا سبب له، بخلاف المقيد، فقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق. التعليل الثاني: أن الزيادة على الذكر يشبه الزيادة على المقدر الواجب في الزكاة (١). • ويناقش: هذا النوع من القياس والذي يسمى عند الأصوليين قياس الشبه قياس ضعيف؛ لكونه لا يبنى على علة جامعة، ولا حجة فيه على الصحيح، فالزيادة على المقدار الواجب في الزكاة قد رغب فيه الشارع إذا طابت به نفس المالك، بخلاف الزيادة في الأذكار المقيدة فلم يرد فيه الإذن الشرعي بالزيادة فضلًا أن يرد فيه الترغيب. • الراجح: لا يوجد نص من الشارع ينهى عن الزيادة في العدد حتى يمكن أن يلحق بالمكروهات؛ لأن حقيقة المكروه: ما نهي عنه شرعًا لا على سبيل الإلزام، ولكن الزيادة تكون من القسم الثاني من المكروهات، وهو ما يعبر عنه الأصوليون بخلاف الأولى، وهو ما خالف فيه الفاعل السنة المؤكدة، فالحكم بكونه خلاف الأولى لعله الأقرب، والله أعلم.

стр. 5814

الفرع العاشر في الجهر بالذكر بعد الصلوات المدخل إلى المسألة: • الجهر والإسرار صفة في أداء العبادة، وصفة العبادة توقيفية. • البسملة آية من كتاب الله بالإجماع والسنة فيها الإسرار بالصلاة، والتأمين ليس من الفاتحة بالإجماع، ويجهر فيه بالصلاة على الصحيح، والعلة: هكذا تلقيناه من الشارع. • الثابت أن الصحابة جهروا بالذكر بعد الصلاة في عصر التشريع فيستصحب هذا الحكم حتى يثبت أن الصحابة أمروا بترك الجهر به، ولم يثبت. • ترك الجهر في عصر الصحابة، وعدم الإنكار على الترك يدل على جواز الترك، لا على نفي مشروعية الجهر إلا أن يكون هذا بأمر من الشارع. [م-٧٢٦] اختلف الفقهاء في رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة: فقيل: لا يستحب، نسبه ابن بطال للجمهور، ونسبه ابن رجب إلى قول أكثر العلماء. وقال المرداوي الحنبلي: «الصواب الإخفات في ذلك، وكذا في كل ذكر» (١). وفي وجه للحنابلة: يكره الجهر به مطلقًا (٢). قال النووي في شرح مسلم: «نقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير … » (٣).

стр. 5815

وقال ابن رجب: «دل حديث ابن عباس على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة … وحكي عن أكثر العلماء خلاف ذلك، وأن الأفضل الإسرار بالذكر» (١). وقيل: المختار إخفاء الذكر من الإمام والمأموم إلا إن احتيج إلى التعليم، فيجهر الإمام وحده حتى يُتَعَلَّمَ منه، ثم يسرَّ ذلك، وهو منصوص الإمام الشافعي، ووجه في مذهب الحنابلة (٢). يقول النووي في شرح مسلم: « … وحمل الشافعي رحمه الله تعالى هذا الحديث -يعني حديث ابن عباس في رفع الصوت بالتكبير- على أنه جهر وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا، قال: فأختارُ للإمام والمأموم أن يذكر الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة ويخفيان ذلك إلا أن يكون إمامًا يريد أن يتعلم منه، فيجهر حتى يَعْلَمَ أنه قد تُعُلِّم منه، ثم يسر وحمل الحديث على هذا» (٣). قال في الفروع: «ويتوجه تخريج واحتمال يجهر لقصد التعليم فقط، ثم يتركه، (وش) -أي وفاقًا للشافعي- وحمل الشافعي خبر ابن عباس على هذا» (٤). وقيل: يستحب الجهر بالذكر مطلقًا، نسبه ابن الملقن والنووي وابن مفلح إلى بعض السلف، وبه قال ابن حزم الظاهري، ورجحه ابن تيمية إلا في آية الكرسي فاختار ابن تيمية قراءتها سرًّا، وقدمه في منتهى الإرادات وفي المبدع (٥).
следующие страницы →