الكراهة، ورجحه بعض المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة (١).
• تعليل من قال بكراهة الزيادة على الوارد:
التعليل الأول:
المقادير كلها توقيفية متلقاة من الشارع، يكره الزيادة عليها، والنقص منها إلا بإذن من الشارع.
التعليل الثاني:
الأذكار نوعان: ذكر مطلق يجوز للذاكر أن يذكر الله فيه متى شاء، بما شاء من الأذكار، بالقدر الذي يشاء، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١].
وذكر مقيد بسبب ووقت وهيئة، وعدد، وهذا على قسمين:
قسم ورد الإذن صريحًا بجواز الزيادة عليه، فهذا تستحب الزيادة عليه.
(ح-٢١٣١) لما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك (٢).
وقسم لم يرد إذن من الشارع بالزيادة عليه، فنقتصر عليه، كالأذكار التي تقال عقب الصلوات، فالزيادة عليه أقل أحوالها الكراهة؛ لمخالفتها السنة، ولأن تخصيص الشارع هذه الأذكار بعدد معين، تارة بعشر، وتارة بخمس وعشرين،
стр. 5812
وتارة بمائة مع الختم مرة بالتكبير، ومرة بالتوحيد، فالأذكار المتغايرة عددًا وثوابًا إذا طلب الإتيان منها بعدد مخصوص، ولم يأت إذن من الشارع بالزيادة دل على أن التخصيص بهذا العدد وبهذه الصفة مقصود، وله حكمة قد لا نعلمها، ويكفي العبد التسليم والامتثال كما يُسَلِّم العبد -وإن لم يعلم الحكمة- في كون صلاة الصبح ركعتين، والظهر أربعًا، ورمي الجمرات والطواف والسعي سبعًا، ونحو ذلك، والقول باستحباب الزيادة يلغي فائدة التخصيص، وجواز النقص إخلال بالسنة الواردة.
التعليل الثالث:
من يتعمد الزيادة على الوارد، ما الذي أراده من هذه الزيادة؟
فإما أن يريد زيادة الأجر، أو لا، فالأول استدراك على الشارع ينافي مقام العبودية، والثاني عبث لا يليق قصده بالعبادة ..
التعليل الرابع:
الأصح في قولي العلماء أنه لا يجمع هذه الصفات، فلا يشرع له أن يقول التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين، ويختم بالتهليل؛ فكما أنه لا يجمع بين صفتين لعدم وروده في السنة، فكذلك لا يشرع له الزيادة على الأعداد الواردة، لعدم وروده كذلك.
التعليل الخامس:
ولأنه كالدواء إذا زيد فيه على قانونه يصير داء، وكالمفتاح إذا زيد على أسنانه لا يفتح.
• تعليل من قال بجواز الزيادة:
التعليل الأول:
الذكر مشروع في الجملة، والمقصود من العدد ألا ينقص منه، وأما الزيادة فلا تضر شيئًا، لا سيما من غير قصد.
• ويناقش:
القول بأن الزيادة لا تضر دعوى في محل النزاع، فأين الدليل؟
والقول بأن الذكر مشروع في الجملة هذا من باب قياس الذكر المقيد على
стр. 5813
المطلق، فالألفاظ في الذكر المقيد مقصودة لا يجوز تبديلها، فكذلك العدد، والذكر المطلق لا تقييد في لفظه، ولا في عدده، ولا في وقته، ولا سبب له، بخلاف المقيد، فقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق.
التعليل الثاني:
أن الزيادة على الذكر يشبه الزيادة على المقدر الواجب في الزكاة (١).
• ويناقش:
هذا النوع من القياس والذي يسمى عند الأصوليين قياس الشبه قياس ضعيف؛ لكونه لا يبنى على علة جامعة، ولا حجة فيه على الصحيح، فالزيادة على المقدار الواجب في الزكاة قد رغب فيه الشارع إذا طابت به نفس المالك، بخلاف الزيادة في الأذكار المقيدة فلم يرد فيه الإذن الشرعي بالزيادة فضلًا أن يرد فيه الترغيب.
• الراجح:
لا يوجد نص من الشارع ينهى عن الزيادة في العدد حتى يمكن أن يلحق بالمكروهات؛ لأن حقيقة المكروه: ما نهي عنه شرعًا لا على سبيل الإلزام، ولكن الزيادة تكون من القسم الثاني من المكروهات، وهو ما يعبر عنه الأصوليون بخلاف الأولى، وهو ما خالف فيه الفاعل السنة المؤكدة، فالحكم بكونه خلاف الأولى لعله الأقرب، والله أعلم.
стр. 5814
الفرع العاشر في الجهر بالذكر بعد الصلوات
المدخل إلى المسألة:
• الجهر والإسرار صفة في أداء العبادة، وصفة العبادة توقيفية.
• البسملة آية من كتاب الله بالإجماع والسنة فيها الإسرار بالصلاة، والتأمين ليس من الفاتحة بالإجماع، ويجهر فيه بالصلاة على الصحيح، والعلة: هكذا تلقيناه من الشارع.
• الثابت أن الصحابة جهروا بالذكر بعد الصلاة في عصر التشريع فيستصحب هذا الحكم حتى يثبت أن الصحابة أمروا بترك الجهر به، ولم يثبت.
• ترك الجهر في عصر الصحابة، وعدم الإنكار على الترك يدل على جواز الترك، لا على نفي مشروعية الجهر إلا أن يكون هذا بأمر من الشارع.
[م-٧٢٦] اختلف الفقهاء في رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة:
فقيل: لا يستحب، نسبه ابن بطال للجمهور، ونسبه ابن رجب إلى قول أكثر العلماء.
وقال المرداوي الحنبلي: «الصواب الإخفات في ذلك، وكذا في كل ذكر» (١).
وفي وجه للحنابلة: يكره الجهر به مطلقًا (٢).
قال النووي في شرح مسلم: «نقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير … » (٣).
стр. 5815
وقال ابن رجب: «دل حديث ابن عباس على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة … وحكي عن أكثر العلماء خلاف ذلك، وأن الأفضل الإسرار بالذكر» (١).
وقيل: المختار إخفاء الذكر من الإمام والمأموم إلا إن احتيج إلى التعليم، فيجهر الإمام وحده حتى يُتَعَلَّمَ منه، ثم يسرَّ ذلك، وهو منصوص الإمام الشافعي، ووجه في مذهب الحنابلة (٢).
يقول النووي في شرح مسلم: « … وحمل الشافعي رحمه الله تعالى هذا الحديث -يعني حديث ابن عباس في رفع الصوت بالتكبير- على أنه جهر وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا، قال: فأختارُ للإمام والمأموم أن يذكر الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة ويخفيان ذلك إلا أن يكون إمامًا يريد أن يتعلم منه، فيجهر حتى يَعْلَمَ أنه قد تُعُلِّم منه، ثم يسر وحمل الحديث على هذا» (٣).
قال في الفروع: «ويتوجه تخريج واحتمال يجهر لقصد التعليم فقط، ثم يتركه، (وش) -أي وفاقًا للشافعي- وحمل الشافعي خبر ابن عباس على هذا» (٤).
وقيل: يستحب الجهر بالذكر مطلقًا، نسبه ابن الملقن والنووي وابن مفلح إلى بعض السلف، وبه قال ابن حزم الظاهري، ورجحه ابن تيمية إلا في آية الكرسي فاختار ابن تيمية قراءتها سرًّا، وقدمه في منتهى الإرادات وفي المبدع (٥).
стр. 5816
قال ابن مفلح: «وهل يستحب الجهر بذلك، كقول بعض السلف والخلف، وقاله شيخنا (يعني ابن تيمية)، أم لا، كما ذكر أبو الحسن بن بطال وجماعة أنه قول أهل المذاهب المتبوعة وغيرهم؟ ظاهر كلام أصحابنا مختلف» (١).
وقال في الإقناع: «قال الشيخ -يعني ابن تيمية-: ويستحب الجهر بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة» (٢).
وقال ابن خزيمة في صحيحه: «باب رفع الصوت بالتكبير والذكر عند قضاء الإمام الصلاة» (٣).
وقال ابن حبان: «ذكر إباحة تكبير المأمومين عند فراغ الإمام من الصلاة» (٤).
وقال ابن حزم: «ورفع الصوت بالتكبير إثر كل صلاة حسن» (٥).
وظاهر قوله: (إثر كل صلاة) استحباب التكبير والجهر به بعد النوافل.
واستحب أحمد الجهر بالاستغفار والتهليل والإسرار بالتسبيح والتحميد والتكبير، والدعاء.
قال ابن رجب في شرح البخاري: «والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة، ثم يسر بالباقي، ويعقد التسبيح والتكبير، والتحميد
стр. 5817
سرًّا، ويدعو سرًّا» (١).
واستحب ابن تيمية الإسرار بآية الكرسي (٢).
ولا أعلم وجهًا للتفريق في الجهر ببعض الذكر دون بعض، وحديث ابن عباس نص في الجهر بالتكبير، وفي رواية بالذكر، وعمومه يشمل جميع الذكر، وأما كونه لم ينقل الجهر بآية الكرسي من عمل الصحابة فذلك دليل على عدم مشروعية قراءتها؛ لأن الحديث الوارد فيها ليس محفوظًا، والله أعلم، وقد سبق بحثها.
فخلص الخلاف إلى خمسة أقوال:
فقيل: يستحب الإسرار بالذكر مطلقًا.
وقيل: يستحب الجهر بالذكر مطلقًا، وهذا قولان متقابلان.
وقيل: يكره الجهر بالذكر مطلقًا، والفرق بينه وبين القول باستحباب الإسرار؛ أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
وقيل: يستحب الإسرار إلا لإمام أراد أن يجهر بقصد التعليم، فيجهر حتى يتعلم الناس منه الذكر، ثم يسر، وحديث ابن عباس عام للإمام والمأموم.
وقيل: يستحب الجهر ببعض الذكر، والإسرار بالتسبيح والدعاء، وزاد بعضهم: وآية الكرسي، وقياسه وقراءة المعوذات على القول بمشروعية قراءتها.
إذا وقفت على الأقوال، نأتي على ذكر الأدلة ومناقشتها، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
• دليل من قال: يستحب الإسرار بالذكر:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].
стр. 5818
وجه الاستدلال:
فقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فالصلاة في الآية يقصد بها الدعاء، فنهاه عن الجهر بالدعاء.
(ث-٥١٢) لما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، في قوله : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قالت: أنزل هذا في الدعاء (١).
• ويجاب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن قوله: (بصلاتك) عامة؛ لكونها نكرة مضافة، وحديث ابن عباس في الجهر بالدعاء خاص في الذكر بعد الصلاة، والخاص مقدم على العام، فالنهي عن الجهر بالذكر يخص منه ما دل الدليل الخاص على استحباب الجهر فيه، كالذكر بعد الصلاة، والجهر بالتلبية، وبالتكبير في أيام العشر، وأيام التشريق بمنى، وحين الخروج إلى العيدين، لوجود أدلة خاصة.
الجواب الثاني:
على التنزل فإن الآية نهت عن المبالغة في الجهر، ولم تمنع من الجهر، لقوله في الآية: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.
الجواب الثالث:
أن حمل الآية على الدعاء هو أحد القولين في سبب النزول،
(ح-٢١٣٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﵄، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن
стр. 5819
أنزله، ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (١).
فإذا اختلف الصحابة في أسباب النزول طلب مرجح خارجي لأحد القولين، وما يرجح أثر ابن عباس أن الأصل في كلام الشارع حمله على الحقيقة الشرعية إلا أن يمنع من ذلك مانع، فيحمل الكلام على الحقيقة اللغوية، ولا يوجد مانع يمنع من حمل الكلام على الحقيقة الشرعية فلا يصار إلى غيرها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
وجه الاستدلال:
فأمر الله بالذكر حال كونه في نفسه تضرعًا وخيفة؛ ليكون الذاكر مسرًّا به، متذللًا خائفًا، وحتى لا يفهم أنه ذكر في النفس دون تحريك اللسان، فقال: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾، أي أسمع نفسك.
وأمر الله عباده بالدعاء في حال: التضرع المشتمل على التذلل والانكسار، والخفية: المنافية للجهر، وجعل الخروج من ذلك من الاعتداء به، فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، والذكر والدعاء في الآية مطلقان، فيشملان الذكر والدعاء بعد الصلاة.
قال القرطبي: دل هذا على أن رفع الصوت بالذكر ممنوع (٢).
• ويجاب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ الاستدلال بالآية على نفي مشروعية
стр. 5820
الجهر بالذكر استدلال بالمفهوم، والاستدلال بالمفهوم حجة عند الجمهور خلافًا للحنفية، إلا أنهم يشترطون للعمل به شروطًا منها، ألا يعارض المفهوم منطوقًا، وحديث ابن عباس في الجهر بالذكر بعد الصلاة من الاستدلال بالمنطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم.
الجواب الثاني:
أن الذكر في الآية مقيد بالغدو والآصال، والأذكار بعد الصلوات أعم من هذين الوقتين، فالدليل أخص من المدلول.
الجواب الثالث:
لو سلمنا أن الآية تدل على أن الأصل في الذكر والدعاء هو الإسرار، لم يمنع ذلك من تخصيص بعض المواضع باستحباب الجهر لدليل خاص، فكل دليل مطلق فهو قابل للتقييد، وكل دليل عام فهو مظنة التخصيص، كما صح تخصيص الآية باستحباب الجهر بالتلبية، وبالتكبير أيام العشر وأيام التشريق، فكذلك الذكر بعد الصلوات، كما أن الأصل في الدعاء رفع اليدين، وهذا لا يمنع أن يكون هناك مواضع من الدعاء لا يشرع فيها رفع اليدين لدليل خاص، فلا يجوز الاحتجاج بالمطلق على المقيد، ولا بالعام على الخاص، فالذي أُمِر أن يذكر ربه في نفسه تضرعًا وخيفةً هو الذي كان يجهر بالذكر خلف المكتوبة، وليس أحد أعلم بمراد الله من رسول الله ﷺ .
الدليل الثالث:
(ح-٢١٣٣) ما روه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري من طريق عاصم، عن أبي عثمان،
عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فكنا إذا أشرفنا على واد، هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ : «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أَصَمَّ ولا غائبًا، إنه معكم إنه
стр. 5821
سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جده (١).
وجه الاستدلال:
«قال الطبري: في هذا الحديث من الفقه كراهية رفع الصوت بالدعاء وهو قول عامة السلف من الصحابة والتابعين» (٢).
• وأجيب:
أن المراد بالحديث النهي عن المبالغة في رفع الصوت، ولهذا أمر بالرفق بالنفس ومطلق الجهر لا يكلف النفس شيئًا، وعلل ذلك بأن المنادى ليس أصمَّ ولا غائبًا بحيث يستدعي ذلك أن ينادي بأعلى صوته، فالإنسان إنما يشتد رفعه لصوته إذا كان من يسمعه أصم، أو كان بعيدًا غائبًا، فلا يفهم من الحديث النهي عن مطلق الجهر، فرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة ليس فيه مشقة، ولا إجهاد للنفس، والله أعلم.
الدليل الرابع:
أن في رفع الصوت تشويشًا على من يقضي صلاته من المصلين، وهذا أقل أحواله الكراهة.
• ويجاب:
بأن رفع الصوت يشوش على الشخص الذي يعتقد أن الجهر مناف للسنة، أما من يعتقد أن الجهر من السنة ينشرح صدره بذلك، فالرجل يدخل يوم الجمعة، والإمام يخطب، ويصلي ركعتين، ولا يرى أن جهر الخطيب بالخطبة يشوش عليه صلاته علمًا أن الخطيب يستخدم مكبر الصوت، ويجهر الإمام بالقراءة، ولا يمنع ذلك المأموم من قراءة الفاتحة خلف الإمام عند من يرى وجوب قراءتها على المأموم، ولا يرى في جهر الإمام بالقراءة تشويشًا عليه، فإذا حصل للمصلي تشويش فذلك لأنه لم يعتد على هذا الفعل، أو لأنه يرى عدم مشروعيته، فيتضايق من ذلك، ولو كان مثل ذلك يشوش على من يقضي صلاته من المصلين لما فعله النبي ﷺ وأصحابه، وقت التشريع.
стр. 5822
وعلى التنزل فإذا تحقق أنه يشوش كان يمكن خفض الصوت قليلًا حتى تندفع المفسدة، ولا تترك السنة، أما أن يترك الجهر مطلقًا حتى في الحال الذي لا يكون في المصلين من يقضي صلاته بحجة التشويش فهذه دعوى.
الدليل الخامس:
(ث-٥١٣) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عطاء بن السائب،
عن أبي البختري قال: إن عبيدة لآخذ بيدي، إذ سمع صوت المصعب بن الزبير وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، مستقبل القبلة بعدما سلم من الصلاة، فقال عبيدة: ما له قاتله الله نعار بالبدع (١).
[حسن] (٢).
• ويجاب بأجوبة منها:
الأول: ليس في قول عبيدة السلماني حجة يمكن يعارض بها السنة المرفوعة، فقول عبيدة يستدل له، لا يستدل به، وقول عبيدة وفعل مصعب بن الزبير يعرض على السنة المرفوعة، فما وافق منهما السنة كان قوله مقبولًا، وإلا كان قوله ردًا عليه.
الثاني: إن كان إنكار عبيدة السلماني متوجهًا إلى الجهر فما فعله مصعب بن الزبير هو السنة، وجاء إنكار عبيدة؛ لأن الناس إذا ألفوا هجر السنة أنكروها، ونسبوا فاعلها إلى البدعة، وهذه إحدى العقوبات على هجر السنن، وقد سبقه إنكار عكرمة على الإمام الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، ونسبه إلى الحمق، ولم يفعل إلا سنة متفقًا عليها، فإنكار عبيدة من هذا الباب.
وإن كان إنكار عبيدة متوجهًا إلى صفة الذكر وأنه يرى أنه مخالف للصفة الواردة في السنة، فهذا يمكن الجزم به لو أنه نقل لنا صفة الذكر الذي قاله مصعب بن الزبير، والقدر المذكور منه لا يظهر لي أنه مخالف للسنة.
وربما كان إنكار عبيدة؛ لأن مصعبًا كان إمامًا ولم ينحرف عن القبلة حال الذكر، وكانوا يكرهون استقبال القبلة للإمام بعد الفراغ من الصلاة إلا مقدار
стр. 5823
ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، وهو ما رجحه ابن رجب (١)، وفي الاحتمالين ليس في إنكار عبيدة حجة على رد الجهر بالذكر، والله أعلم.
• دليل من قال: يستجب الجهر بالذكر بعد الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٢١٣٤) ما رواه البخاري من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو، أن أبا معبد، مولى ابن عباس، أخبره:
أن ابن عباس ﵄، أخبره: أن رفع الصوت، بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ وقال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته (٢).
(ح-٢١٣٥) وروى البخاري ومسلم من طريق سفيان، حدثنا عمرو، قال: أخبرني أبو معبد،
عن ابن عباس ﵄، قال: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير.
زاد مسلم: قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد، فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا، قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك (٣).
وجه الاستدلال:
جاء في الرواية الأولى: (رفع الصوت، بالذكر) ف (أل) ب (الذكر) عام لجميع الذكر، من تهليل وتسبيح، وتحميد، وتكبير، وظاهره يدل على جهر الإمام والمأموم.
والرواية الثانية: ذكرت التكبير، فكان ذلك ردًا على من خص الجهر بالتهليل دون غيره، ولا يفهم من ذكر التكبير، تخصيص الجهر به دون غيره من الأذكار، بل هذا من باب إطلاق البعض على الكل، وهو أسلوب عربي فصيح، كإطلاق التسبيح على الصلاة؛ لاشتمالها عليه، وإطلاق السجدة على كامل الركعة.
стр. 5824
(ح-٢١٣٦) فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر، قبل أن تغرب الشمس، فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح، قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته (١).
(ح-٢١٣٧) وروى مسلم من حديث عائشة: قالت: قال رسول الله ﷺ : من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع، فقد أدركها، والسجدة إنما هي الركعة (٢).
• وأجيب عن الحديث بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن الجهر كان بغرض التعليم من النبي ﷺ ، ثم ترك الجهر بعد ذلك.
• ورد هذا الجواب بأمور منها:
أولًا: أن التعليم ليس متوقفًا على إحداث صفة غير مشروعة، فقد قام النبي ﷺ بالبلاغ عن طريق السنة القولية، بقوله (تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين) في أحاديث كثيرة، فلا حاجة فيه إلى فعل صفة غير مشروعة من أجل تعليم ما هو مشروع.
ثانيًا: الجزم بأنه جهر لغرض التعليم، هذا كلام عن نية النبي ﷺ ، ولا يمكن الاطلاع عليه إلا بتصريح من النبي ﷺ ، وأنه قصد بفعله تعليم الصحابة، ولم يقصد التشريع، وإلا كان ذلك رجمًا بالغيب.
ثالثًا: الأصل فيما يفعله النبي ﷺ التشريع، والانتقال عن هذا الأصل لا يجوز إلا بدليل، ولا دليل على أنه فعل ذلك بقصد التعليم، ولو فتح الباب لمجرد الاحتمال لتعطل كثير من الأحكام بالاعتراض عليها بالاحتمالات المجردة.
رابعًا: لو كان الجهر للتعليم لكان اقتصر الجهر من المعلم، وهو الرسول ﷺ ، أما أن يجهر جميع المصلين المعلم والمتعلم ولا ينهاهم النبي ﷺ عن الجهر،
стр. 5825
مع تصور أن جهرهم غير مشروع من المصلين، فهذا يؤدي إلى تعلم صفة غير مشروعة، وأن يلتبس المشروع بغيره، وترك الذكر جملة أخف من إحداث صفة فيه ليست مشروعة؛ لأن الأول ترك لأمر مستحب، وفعله ليس بلازم، وإحداث الجهر على الزعم بأنه غير مشروع بدعة فيه، فلا يكون فعل البدعة سبيلًا لتعليم السنة.
فلما أقرهم النبي ﷺ على الجهر بهذا الذكر، ولم يحفظ من النبي ﷺ نهي عن جهر المأموم علم أن الجهر سنة مقصودة.
خامسًا: لو كان الجهر للتعليم لكان في اللفظ ما يدل على أنه كان يفعله أحيانًا، كما قال أبو قتادة: كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب، وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحيانًا، متفق عليه (١).
فإذا قال ابن عباس (إن رفع الصوت بالذكر … كان على عهد النبي ﷺ )، فالفعل (كان) يفيد المواظبة.
وقوله: (ما كنا نعرف انقضاء صلاته إلَّا بالتكبير) (فصلاته) تعم جميع صلواته المكتوبة لا بعضها كما زعم، وظاهره التكرار والمداومة على ذلك.
الجواب الثاني:
قول ابن عباس (رفع الصوت بالذكر على عهد رسول الله ﷺ ) دليل على أنه لم يكن يفعل ذلك الصحابة حين حدث ابن عباس بهذا الحديث، وهو يدل على أنه لم يواظب عليه النبي ﷺ طوال حياته.
• ورد على هذا:
أولًا: القول بأن الصحابة لم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذكر في الوقت الذي قال فيه ابن عباس ما قال، عقب على ذلك الحافظ ابن حجر، فقال: «التقييد بالصحابة فيه نظر، بل لم يكن حينئذ من الصحابة إلا القليل» (٢).
باعتبار أن ابن عباس قاله حين تصدر للعلم والفتوى، وهو يومئذ كبير، وقد كان معدودًا في صغار الصحابة.
стр. 5826
ثانيًا: أن ابن عباس أضاف الجهر إلى عهد رسول الله ﷺ وكلمة (عهد رسول الله ﷺ ) نكرة مضافة، فتشمل جميع عهده، وليس بعضه، فإخراج بعض عهده من الجهر يحتاج إلى دليل.
ثالثًا: ترك الجهر بالتكبير في الصدر الأول، يدل على أن الجهر ليس بلازم، ولكن لا يدل على أن الجهر غير مشروع.
فقد ترك أكثر الناس في عهد الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ الجهر بالتكبير،
(ح-٢١٣٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق حماد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف بن عبد الله، قال:
صليت خلف علي بن أبي طالب ﵁ أنا وعمران بن حصين، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد ﷺ أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد ﷺ (١).
(ح-٢١٣٩) وروى البخاري من طريق همام، عن قتادة،
عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك؛ سنة أبي القاسم ﷺ (٢).
فلولا أن الجهر بالتكبير قد ترك من عامة المصلين لما قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ ، ولا أنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، ولا نسبه إلى الحمق.
فهل كان ترك الجهر بالتكبير في عصر الصحابة حجة للقول بأن الجهر ليس بسنة؟ نعم ترك السنة في عصر الصحابة، وعدم الإنكار على الترك يدل على جواز الترك، لا على نفي مشروعية الجهر.
الدليل الثاني:
(ح-٢١٤٠) روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق هشام، عن أبي الزبير
стр. 5827
(مولى لهم)، قال:
كان ابن الزبير، يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وقال: كان رسول الله ﷺ يُهَلِّلُ بهن دبر كل صلاة (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن رجب: «معنى: (يهل). يرفع صوته، ومنه: الإهلال في الحج، وهو رفع الصوت بالتلبية، واستهلال الصبي إذا ولد» (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٢١٤١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبدة بن أبي لبابة،
عن وراد مولى المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية، إلى المغيرة: اكتب إلي ما سمعت النبي ﷺ يقول خلف الصلاة، فأملى علي المغيرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول خلف الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد … (٣).
الدليل الرابع:
(ح-٢١٤٢) ما رواه النسائي من طريق يحيى بن أيوب قال: حدثني جعفر بن ربيعة،
أن عون بن عبد الله بن عتبة قال: صلى رجل إلى جنب عبد الله بن عمرو ابن العاصي، فسمعه حين سلم يقول: أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ثم صلى إلى جنب عبد الله بن عمر حين سلم فسمعه يقول مثل ذلك، فضحك الرجل، فقال له ابن عمر: ما أضحكك؟ قال: إني صليت إلى جنب عبد الله
стр. 5828
ابن عمرو فسمعته يقول مثل ما قلت، قال ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يقول ذلك.
قال النسائي: يحيى بن أيوب عنده أحاديث مناكير، وليس هو بذلك القوي في الحديث (١).
[تفرد بهذا الإسناد يحيى بن أيوب، وهو صدوق سيئ الحفظ، ورواه صلة بن زفر بسند فيه انقطاع، فكان حسنًا بالمجموع، وهو ثابت من حديث ثوبان وعائشة دون ذكر القصة] (٢).
стр. 5829
الدليل الخامس:
(ح-٢١٤٣) مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء،
عن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك (١).
[المحفوظ أن هذا الدعاء في أذكار النوم] (٢).
• وأجيب:
بأن الحديث ليس فيه أنه كان يجهر بذلك حتى يسمعه الناس، وإنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه، وكان يسمعه منه أحيانًا جليسه، كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحيانًا فِي صلاة النهار.
• ورد:
هذا التأويل مع أنه خلاف الظاهر إلا أنه يحتمل لو كانت السنة خفض الصوت بالذكر بعد الصلاة، فإذا جاء أثر يخالف هذه السنة حملناه على أنه سمع منه، ولم يقصد الجهر. أما إذا كانت السنة هو رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة كما هو صريح حديث ابن عباس المتفق عليه، فلا يقبل هذا التأويل؛ لأن القواعد الأصولية تقديم الظاهر على المؤول، فلا نذهب إلى التأويل إلا إذا وجد في النص قرينة تمنع من إرادة الظاهر، ولا قرينة، فكيف إذا كان الباعث على التأويل هو توهم أن الجهر بالذكر بعد الصلاة ليس مشروعًا فذلك يجعل التأويل من قبيل الوهم، والله أعلم.
• الراجح:
أن الجهر مستحب، وليس بلازم، فمن تركه لا ينكر عليه، ومن فعله فقد أصاب.
يقول الشيخ سليمان بن سحمان: « .... وهذه السنة الواردة في الجهر بالذكر عقب
стр. 5830
الفرائض، قد انقسم الناس فيها في هذه الأزمان على ثلاثة أصناف: طرفان، ووسط:
الأول: يلزمون الناس بها، ويغلظون في ذلك، ويعادون ويوالون على ذلك؛ ومن تركها فليس عندهم من أهل السنة.
والثاني: من لا يرى سنيتها، وبعضهم يقول: إنها من البدع، ويرون أن الفاعل لها مشوش على الناس، وبعضهم يدخل هذا الجهر في مسمى الرياء.
والثالث: - وهم الوسط - فهم يقولون: ثبت ذلك عن النبي ﷺ من فعله وتقريره؛ فكان الصحابة يفعلون ذلك على عهد رسول الله ﷺ بعد تعليمهم إياه، ويقرهم على ذلك، فعلموه بتعليم الرسول إياهم، وعملوا به، وأقرهم على ذلك العمل بعد العلم به، ولم ينكره عليهم. ثم ترك العمل به كما ترك العمل بكثير من سنن الأقوال والأفعال. وهذا الصنف من الناس يقولون: من فعله فقد أحسن، وفعل سنة يثاب عليها، ومن لا فلا حرج عليه ولا إثم، ولا عقاب على من ترك ذلك، لأنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله .... » (١).
стр. 5831
الباب السابع عشر في أركان الصلاة وواجباتها وسننها
تمهيد
بعد توفيق الله بإكمال أحكام صفة الصلاة حسب ترتيب أفعال الصلاة المفروضة ابتداء من تكبيرة الإحرام إلى التسليم والفراغ من الأذكار الملحقة بالصلاة، وقد اشتملت هذه الأحكام على أفعال مختلفة متفرقة، منها ما هو من أركان الصلاة، ومنها ما هو من واجباتها عند الحنفية والحنابلة، ومنها ما هو معدود في السنن، والسنن مراتب، منها ما هو في أعلى مراتب السنن، وتسمى السنن المؤكدة، وهي التي واظب عليها النبي ﷺ ومنها ما هو أقل من ذلك، وليس في سنة المصطفى ما هو قليل، ولكن فعله النبي ﷺ أحيانًا وتركه أحيانًا، ويسميه المالكية فضائل الصلاة، ويسميه الحنفية نوافل، ويسميه الشافعية هيئات، وهذه المسائل بعضها يتفق الفقهاء على حكمها، وبعضها يختلفون فيها على ما تم تفصيله مفصلًا في صفة الصلاة.
ولا أريد أن أعيد ما بحثته، وإنما أريد أن أذكر في هذا المبحث الأركان مجموعة على سبيل الإجمال، وكذا الواجبات والسنن، للوقوف عليها مجموعة بدلًا من كونها مبثوثة حسب ترتيب أفعال الصلاة، على ما جرت عليه عادة التصنيف في الكتب الفقهية، من غير تعرض للأدلة أو الراجح منها؛ لأن هذا أمر قد تم إنجازه، ولله الحمد في صفة الصلاة، وما لم يبحث من سنن الصلاة يستكمل بحثه قبل الانتقال إلى مكروهات الصلاة، ومبطلاتها، بلغني الله ذلك بمنه وكرمه.
стр. 5832
الفصل الأول في أركان الصلاة
فرائض الصلاة منها أقوال ومنها أفعال،
قال الدردير: «الصلاة مركبة من أقوال وأفعال، فجميع أقوالها ليست بفرائض إلا ثلاثة تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والسلام. وجميع أفعالها فرائض، إلا ثلاثة رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلوس للتشهد، والتيامن بالسلام» (١).
ورفع اليدين في الصلاة ليس من الفرائض بإطلاق لا مع تكبيرة الإحرام، ولا مع غيرها، وإنما نص الدردير على تكبيرة الإحرام؛ لأن المشهور في مذهب المالكية أن اليدين لا ترفع إلا مع تكبيرة الإحرام.
والجلوس للتشهد والسلام في ركنيتهما خلاف، سبق بيانه والحمد لله في صفة الصلاة، ويأتي التنبيه عليه عند سرد الأركان.
والأركان المجمع عليها سبعة:
قراءة القرآن.
والقيام بقدر القراءة.
والركوع.
والسجود.
والرفع منه بقدر ما يتحقق الفصل بين السجدتين.
والجلوس للسلام.
وترتيب أركانها.
يقول الناظم:
قد أجمعوا على الجلوس للسلام مع الركوع والسجود والقيام
стр. 5833
كذلك النية مع رفع السجود ترتيب تأديتها بلا جحود
والناظم مالكي لم يراع ترتيب الأركان بسبب ضرورة النظم، وقد رتبتها بحسب ترتيبها من الصلاة.
وقد ذكر النية من الفروض المتفق عليها، وفيها خلاف أهي معدودة من الأركان أم من الشروط.
وفات الناظم ذكر قراءة القرآن وهو من الفروض المتفق عليها، وإنما اختلفوا في تعين الفاتحة، وما عداها من الأركان فمختلف فيها على ما سبق بيانه في صفة الصلاة، وسأشير إلى الخلاف بإيجاز.
إذا علم ذلك نأتي على ذكر أركان الصلاة:
الأول: النية ركن عند المالكية، والمشهور عند الشافعية، ورواية عن أحمد.
وعند الحنفية والحنابلة، وبعض الشافعية شرط، وهو الراجح.
وقيل: النية قبل الصلاة شرط، وفيها ركن، وهو قول في مذهب الحنابلة.
الثاني: تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور، وشرط عند الحنفية، وهو وجه للشافعية.
قال في بدائع الصنائع: «أما التحريمة فليست بركن عند المحققين من أصحابنا، بل هي شرط» (١).
وقال الزيلعي: إنما ذكرت التحريمة مع الأركان لاتصالها بها (٢).
والفرض عند الجمهور: الله أكبر، وقال الحنفية: كل ذكر على وجه التعظيم.
الثالث: القيام في الفرض ركن بالاتفاق، وفي قدره خلاف يراجع في صفة الصلاة.
الرابع: قراءة القرآن في الصلاة فرض بالاتفاق، والجمهور على أن الركن منها قراءة الفاتحة للإمام والمنفرد.
وقال الحنفية: لا يتعين الفرض في الفاتحة، وقراءتها واجبة على غير المأموم.
الخامس: الركوع ركن بالاتفاق.
السادس: الرفع من الركوع ركن، وهو رواية عن أبي حنيفة، والمشهور من مذهب
стр. 5834
مالك، وقيل: سنة، وهو الأصح في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية.
وقيل: الرفع من الركوع واجب، وإذا تركه سهوًا جبره بسجود السهو، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، ورجحه ابن الهمام وابن نجيم.
وأدخله كثير من الشافعية والحنابلة في الاعتدال؛ لاستلزامه له، راجع الكلام عليه في صفة الصلاة لزامًا.
السابع: الاعتدال من الركوع فرض، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره أشهب، واللخمي وابن الجلاب وخليل، وابن عبد البر من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
وقيل: سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، ورجحه ابن القاسم وابن رشد.
وقيل: الاعتدال واجب، وعليه المتأخرون من الحنفية، فإن تركه سهوًا صحت صلاته، وجبر بسجود السهو.
الثامن: السجود، وهو ركن بالاتفاق.
التاسع: الرفع من السجود ركن؛ وهو مذهب الجمهور، ورواية عن أبي حنيفة؛ لأنه لا يتصور أن يقوم بسجدتين دون أن يرفع من الأولى.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «وأما الرفع من السجود فلا اختلاف أنه فرض؛ إذ لا يتم السجود إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (١).
وقال ابن ناجي: «اعلم أن الرفع من السجود فرض بلا خلاف» (٢).
والفرض منه عند الحنفية قولان:
أحدهما: الرفع إلى قرب القعود في الأصح عند أبي حنيفة، وأما إتمامه إلى القعود فسنة (٣).
وقيل: يكفي القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين.
стр. 5835
وفي قول آخر عند الحنفية: إن تمكن المصلي من الفصل بين السجدتين بلا رفع لم يجب الرفع على أحد القولين.
قال القدوري في التجريد: «فإن سجد على وسادة، ثم أزيلت، فَانْحَطَّ إلى الأرض جاز ذلك عن السجدة الثانية من غير رفع» (١).
وقال الزيلعي: « .... المقصود الانتقال، وقد يتحقق بدونه، بأن يسجد على الوسادة، ثم تنزع ويسجد على الأرض ثانيًا، ولكن لا يتصور هذا إلا عند من لا يشترط الرفع حتى يكون أقرب إلى الجلوس» (٢).
العاشر: الاعتدال من السجود (الجلوس بين السجدتين)، والخلاف فيه كالخلاف في الاعتدال من الركوع.
الحادي عشر: الطمأنينة: ركن وبه يقول أبو يوسف من الحنفية، وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة، وقال خليل في التوضح: على الأصح، واختاره ابن الحاجب والجلاب واللخمي من المالكية.
وقيل: الطمأنينة واجبة، وهو المشهور من مذهب الحنفية.
وقيل: سنة، وهو قول في مذهب الحنفية، وقال الدسوقي المالكي: والمشهور من المذهب: أنها سنة.
الثاني عشر: التشهد الأخير ركن عند الشافعية والحنابلة، وسنة عند المالكية وواجب عند المحققين من الحنفية.
الثالث عشر: القعدة الأخيرة بقدر التشهد فرض عند الجمهور.
وقال المالكية: الجلوس للسلام ركن، وللتشهد سنة، فلو رفع رأسه من السجود، واعتدل جالسًا، وسلم قام بالفرض وفاته سنة التشهد والجلوس له، ولو جلس، ثم تشهد كان آتيًا بالفرض والسنة.
الرابع عشر: السلام ركن عند الجمهور، وعند الحنفية: واجب.
الخامس عشر: الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة
стр. 5836
﵀، وعند صاحبيه ليس بفرض.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى القول بصحة صلاة من أحدث قبل السلام، كأبي يوسف ومحمد بن الحسن والثوري، وإسحاق بن راهويه، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، ومكحول، وغيرهم.
السادس عشر: ترتيب أركان الصلاة، بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام، ثم القراءة والقيام لها، ثم الركوع، ثم الاعتدال منه، ومنه الرفع، ثم السجود، ثم الاعتدال منه ومنه الرفع من السجود، ثم القعدة الأخيرة ثم السلام.
وهذا الترتيب ركن عند المالكية والشافعية والحنابلة.
وقال الحنفية ما شرع غير مكرر في ركعة كالقيام والركوع، أو في جميع الصلاة كالعقدة الأخيرة فالترتيب فيه فرض، حتى لو ركع قبل القيام أو سجد قبل الركوع لا يجوز، وكذا لو قعد قدر التشهد، ثم تذكر أن عليه سجدة أو نحوها بطل القعود؛ لأن الترتيب فيه فرض، وأما ما شرع مكررًا من الأركان كالسجدة الثانية فالترتيب بينها وبين السجدة الأولى ليس بفرض؛ بل واجب، حتى إن من ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى ساهيًا قضاها في آخر صلاته وسجد للسهو، ولو ترك الترتيب، والراجح قول الجمهور.
انتهى بيان أركان الصلاة، ولله الحمد.
стр. 5837
الفصل الثاني في واجبات الصلاة
هذا القسم من أفعال الصلاة اختلف الفقهاء في وجوده:
فذهب المالكية إلى تقسيم أفعال الصلاة إلى فروض، وسنن، وفضائل، ولم يذكروا واجبات الصلاة قسيمًا لهذا التقسيم.
وإن كان المالكية يختلفون في بعض الفروع فيأتون على ذكر الواجب، فرقًا بينه وبين الشرط، كاختلافهم في ستر العورة وإزالة النجاسة في الصلاة أهما سنة أم فرض (شرط) أم واجب، لكن هذا من قسم الواجب لها، وليس من قسم الواجب فيها، كما اختلف المالكية في بعض مسائل إعادة الصلاة في الوقت مع الحكم بصحتها، أذلك على سبيل الاستحباب أم على سبيل الوجوب، وهذا من جنس الذي قبله، فمثل هذا الاختلاف اليسير لبعض أصحاب المالكية لا يجعل من مثل هذا وجود قسيم اسمه واجبات الصلاة وأعني به ما يجب فيها، والذي هو جزء منها في مقابل الأركان والسنن، لا ما يجب لها فهو منفك عنها (١).
يقول أبو الوليد ابن رشد في مسائله: «وتحقيق القول في هذا: أن الصلاة تشتمل على أفعال وأقوال، منها فروض، ومنها سنن ومنها فضائل» (٢).
وقريب من مذهب المالكية مذهب الشافعية حيث ذهبوا إلى تقسيم أفعال الصلاة إلى فروض (أركان)، وسنن، والسنن قسموها إلى قسمين:
هيئات: لا تجبر بسجود السهو إذا تركت.
وأبعاض تجبر بسجود السهو، سواء أتركها عمدًا أم سهوًا، وهي ستة:
стр. 5838
الأول: القنوت في الصبح، وفي الوتر في النصف الثاني من رمضان.
الثاني: القيام للقنوت.
الثالث: التشهد الأول.
الرابع: الجلوس له.
الخامس: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول.
السادس: الجلوس لها.
يقول النووي في الروضة: «الصلاة تشتمل على أركان وسنن تسمى أبعاضًا، وسنن لا تسمى أبعاضًا» (١).
ويقول الرافعي: «للصلاة مفروضات ومندوبات، أما المفروضات فهي الأركان والشروط، وأما المندوبات فقسمان: مندوبات يشرع في تركها سجود السهو، ومندوبات لا يشرع فيها ذلك» (٢).
يقول ابن الملقن في الأشباه والنظائر: «وأما في الصلاة فقسموا السنن إلى أبعاض وهيئات لا الواجبات، فاعلمه» (٣).
يقول محمود السبكي في الدين الخالص: «قد علم أن الحنفيين وأحمد يفرقون بين الواجب والفرض في الصلاة، وأنهم قالوا: إنّ للصلاة واجبات. وخالفهم في ذلك المالكية والشافعية.
وذهب الحنفية والحنابلة إلى تقسيم الصلاة إلى فروض (أركان)، وواجبات، وسنن (٤).
وعليه سيكون ذكري لواجبات الصلاة مصدرًا بمذهبي الحنفية أو الحنابلة، مع الإشارة إلى حكم الجمهور في هذه الفروع، والله أعلم.
فمن واجبات الصلاة:
الأول: الأذان والإقامة، وهو واجب على الكفاية عند الحنابلة، وذكر محمد
стр. 5839
بن الحسن من الحنفية ما يدل على الوجوب، وذهب عامة الحنفية، وهو مذهب المالكية والشافعية أنهما من السنن.
الثاني: الجماعة لها، وهي واجبة للصلاة عند الحنفية والحنابلة، وسنة عند غيرهما. وهذان واجبان لها، وأما الواجبات فيها، فمن ذلك:
الثالث: افتتاح الصلاة بلفظ الله أكبر واجب عند الحنفية، وركن عند الجمهور.
الرابع: قراءة الفاتحة عند الحنفية، وعند الجمهور ركن، وهو الراجح.
الخامس: ضم سورة أو ثلاث آيات إلى الفاتحة، واجب عند الحنفية في الأوليين من الفرض، وفي جميع ركعات النفل والوتر، وعند الجمهور لا يجب.
السادس: تعيين القراءة في الأوليين من الثلاثية والرباعية، واجب عند الحنفية، وهو من مفرداتهم، سنة عند الجمهور.
السابع: تقديم الفاتحة على السورة واجب عند الحنفية، وقال الجمهور: لو قدمها لم يأت بالسنة، ويستحب له أن يعيد السورة.
الثامن: الجهر في الجهرية للإمام، والمخافتة في السرية مطلقًا للإمام والمنفرد واجب عند الحنفية، وسنة عند الجمهور.
التاسع: تكبيرات الانتقال تجب عند الحنابلة خلافًا للجمهور.
العاشر: كون تكبيرات الانتقال في محلها، واجب عند الحنابلة،
стр. 5840
فلو شرع فيها قبل انتقاله، أوكمَّلها بعد انتهائه لم يجزئه، وهو من المفردات، والصحيح أن بطلان صلاته مبني على حكم تكبيرات الانتقال، والجمهور على أنها سنة، وهو الصواب لا سيما في حق المنفرد، والمأموم، وكذا في حق الإمام إلا أن يتوقف عليه اقتداء المأموم بالإمام، فيجب لغيره.
الحادي عشر: التسميع (قول: سمع الله لمن حمده) للإمام والمنفرد واجب عند الحنابلة، خلافًا للجمهور.
الثاني عشر: التحميد (قول: ربنا ولك الحمد) للإمام والمأموم والمنفرد واجب عند الحنابلة خلافًا للجمهور.
الثالث عشر: التسبيح مرة واحدة في الركوع والسجود واجب عند الحنابلة، وسنة عند الجمهور، وهو الصواب.
الرابع عشر: قول رب اغفر لي واجب عند الحنابلة،، وغير مشروع عند الحنفية، وسنة عند المالكية والشافعية ولا تتعين صيغة معينة، بل يجزئ عنها كل دعاء.
الخامس عشر: الطمأنينة في الأركان واجبة عند الحنفية، وركن عند الشافعية والحنابلة، وبه قال أبو يوسف، وقال خليل في التوضح: على الأصح، واختاره ابن الحاجب والجلاب واللخمي من المالكية.
وقيل: سنة، وهو قول في مذهب الحنفية، وقال الدسوقي المالكي: والمشهور من المذهب: أنها سنة.
السادس عشر: القعدة الأولى واجب عند الحنفية والحنابلة، سنة عند غيرهما، وهو الراجح.
السابع عشر: التشهد في القعدة الأولى واجب عند الحنفية والحنابلة إلا على مأموم قام إمامه عنه سهوًا، وسنة عند المالكية والشافعية، وهو الراجح.
الثامن عشر: التشهد في القعدة الأخيرة واجب عند المحققين من الحنفية، وركن عند الشافعية والحنابلة، وسنة عند المالكية.
التاسع عشر: لفظ السلام في الصلاة واجب عند الحنفية.
وقال المالكية والشافعية الأولى ركن والثانية سنة.
وعند الحنابلة التسليمتان ركن.
العشرون: رعاية الترتيب في فعل مكرر في كل ركعة كالسجود، واجب عند الحنفية، حتى لو نسي سجدة من الركعة الأولى وقضاها في آخر صلاته جاز، ولو كان الترتيب فرضًا لما جاز.
وعند الجمهور رعاية الترتيب ركن من غير فرق بين فعل مكرر وغيره (١).
стр. 5841
الحادي والعشرون: قنوت الوتر واجب عند أبي حنيفة، سنة عند الجمهور.
الثاني والعشرون: تكبيرات صلاة العيدين، وهي المسماة بالزوائد، وهي واجبة في الصحيح من مذهب الحنفية، وعند أبي يوسف في رواية، وسنة عند الأئمة الثلاثة.
هذه واجبات الصلاة عند الحنفية والحنابلة ومقارنتها بالأئمة الآخرين، والله أعلم.
стр. 5842
الفصل الثالث في سنن الصلاة
المبحث الأول في تقسيم سنن الصلاة
قبل أن أدخل في سرد السنن التي تم بحثها على وجه التفصيل والاستدلال، أذكر القارئ الكريم بمصطلحات بعض المذاهب الفقهية في تقسيم سنن الصلاة، وهو تقسيم اصطلاحي، له أثر فقهي في باب سجود السهو، فهناك سنن يستحب إذا تُرِكت سهوًا أن يسجد لتركها، وهناك سنن لا يستحب لها السجود لكونها خفيفة، كما أن لهذا التقسيم أثرًا في قضاء بعض السنن، حيث يدخلها القضاء إذا تركت، وبعض السنن لا يدخلها القضاء لخفتها، وقد اختلف الفقهاء على هذا الاصطلاح إلى قولين، يؤول إلى ثلاثة:
القول الأول: ذهب أكثر الشافعية والحنابلة إلى أن السنة والمندوب والمستحب، والنافلة والتطوع والفضيلة ألفاظ مترادفة (١).
ونسبه البيضاوي في شرح المنهاج إلى جمهور الأصوليين (٢).
قال الطوفي في شرح الروضة: «المندوب: مرادف السنة، والمستحب … والمترادف هو اللفظ المتعدد لمسمى واحد» (٣).
فالأصل في السنة الطريقة لكن غلب استعمال السنة عند الفقهاء على العبادات
стр. 5843
غير الواجبة، فيقولون: هذا واجب، وهذا سنة أو مستحب أو مندوب.
وهذا ما اعتمدته في البحث؛ لكونه أسهل، ولا يمنع إذا كان الحكم يقتضي التمييز بين السنن، لكون بعضها آكد من بعض أن أبين ذلك من خلال البحث كما في الخلاف في دخول القضاء لبعض السنن، دون بعض، ولكن عندما نسرد سنن الصلاة إجمالًا فلا نتوقف عند الاختلاف الاصطلاحي مع اتفاقهم أن هذه العبادات لا تدخل في مسمى الواجب.
القول الثاني: ذهبوا إلى تقسيم السنن إلى أقسام، وهم الحنفية والمالكية على اختلاف بينهم في التقسيم:
فالحنفية قسموا السنن إلى ثلاثة أقسام:
الأول: سنة الهُدى، وتسمى سنة مؤكدة: وتركها يوجب إساءة وكراهية، كالجماعة والأذان، والإقامة، وسنة الفجر، ونحوها.
وحكمها: أنه يثاب على فعلها، وتاركها يستوجب اللوم والكراهية والإساءة، وفي هذا التقسيم لا يختلف معهم الجمهور فكون السنن بعضها آكد من بعض مما لا يختلف فيه في الجملة، وإن اختلفوا في آحاد السنن أهي من المؤكد أم لا.
الثاني: سنة الزوائد، وتركها لا يوجب ذلك، كهدي النبي ﷺ في لباس النعل والثوب والقيام والقعود والأكل والشرب (١).
الثالث: النفل، وهو دون سنن الزوائد.
قال ابن عابدين: ويرد عليه أن النفل من العبادات، وسنن الزوائد من العادات، وهل يقول أحد: إن نافلة الحج دون التيامن في التنعل والترجل.
ودفع ذلك بأن إطلاق بعض الحنفية على سنن الزوائد سنن العادات لا يقصدون نفي العبادة عنها، وإنما يريدون بأن النبي ﷺ واظب عليها حتى صارت
стр. 5844
عادة ولم يتركها إلا أحيانًا (١).
وذهب المالكية إلى تقسيم السنن أيضًا إلى ثلاثة، فقسموها إلى: سنن، وفضائل، ونوافل.
قال اللخمي: «الصلوات أربع: فرائض، وسنن، وفضائل، ونوافل» (٢).
فالسنن وهي عندهم: أعلى المندوبات، وهي: كل عبادة داوم النبي ﷺ على فعلها، أو أمر بفعلها، ولم يدل دليل على وجوبها، أو حض على فعلها، ورغب فيها، وأشاد بها وأشهرها، أو فعلها في جماعة، كالوتر، وصلاة العيد، والكسوف، والاستسقاء، واختلفوا في إلحاق ركعتي الفجر بالسنن (٣).
والنوافل: وهي ما قرر الشارع أن في فعله ثوابًا من غير أن يأمر النبي ﷺ به، أو يرغب فيه، كالتطوع المطلق غير المرتبط بوقت، ولا سبب، أو رغب فيه، ولم يداوم على فعله، ومثله كالنافلة قبل الظهر وبعده، وقبل العصر، وبعد المغرب، وقبل العشاء وبعده، وصلاة الضحى.
وما توسط بين هذين الطرفين أطلقوا عليه فضيلة أو رغيبة، وهي خمس صلوات: تحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، وقيام رمضان، وقيام الليل، وسجود التلاوة (٤).
وتتعجب كيف تكون تحية المسجد أفضل من راتبة الظهر والمغرب والعشاء، والأولى صلاة غير مقصودة، وإنما أمرنا ألا نجلس حتى نصلي ركعتين، سواء كانت هاتان الركعتان سنة وضوء، أو فريضة أو بأي نية كانت بخلاف راتبة الظهر والمغرب والعشاء فإنها ركعتان مقصودتان، والمهم في ذكر هذا التقسيم أن نعرف اصطلاحات
стр. 5845
المذاهب في تقسيم السنن، وأما بيان الراجح منها فهو بحسب نظر المجتهد، والذي يصح عندي في تقسيم السنن هو نوعان من التقسيم:
تقسيم السنن إلى: نفل معين: وهو ما ارتبط بوقت وسبب، ومقدار معين، ويحتاج فيه المصلي إلى نيتين: نية الصلاة، والتعيين كالوتر، والسنن الرواتب.
ونفل مطلق: لا يرتبط بشيء من ذلك، وتكفيه نية واحدة وهو نية الصلاة.
وتقسيم النفل أيضًا إلى قسمين: إلى سنن مؤكدة، وسنن غير مؤكدة.
هذا التقسيم لا ينبغي الاختلاف فيه، وما عداه فهو اصطلاح خاص، ولا مشاحة فيه.
وقسم الشافعية سنن الصلاة إلى قسمين:
أبعاض: تجبر بسجود السهو إن تركت.
وهيئات لا تحتاج إلى سجود السهو إن تركت، وهي الباقي من السنن. والله أعلم.
وقسم الحنابلة سنن الصلاة إلى أقوال، وأفعال وهيئات، وسميت هيئة؛ لأنها صفة في غيرها، والله أعلم.
стр. 5846
المبحث الثاني في سنن الصلاة المستحبة لها
سنن الصلاة ثلاثة أقسام، سنن مستحبة لها، وسنن مستحبة فيها، وسنن مستحبة بعدها، وهذه الأخيرة قد ذكرتها في أول هذا المجلد، وحيث إنها لم تختلط بغيرها لا أجد حاجة إلى جمعها وإعادتها، أما السنن المستحبة لها، فمن ذلك:
الأولى: الأذان والإقامة لها، والجمهور على استحبابه، والصحيح أنه فرض كفاية للجماعة، وللمصر، سنة للمنفرد، وخص المالكية الإقامة من سنن الصلاة دون الأذان.
الثانية: الخروج إلى الصلاة متطهرًا وأن تتمحض نية الخروج خالصة لإرادة الصلاة، وهذا الأدب متفق عليه.
الثالثة: أن يلبس من أحسن ثيابه، استحبه الجمهور لجميع الصلوات، واستحب مالك الزينة للجمعة والعيد، واستحب الرداء في مساجد القبائل من أجل الخروج للناس، لا من أجل الصلاة، فإن كان إمامًا في السفر، أو بموضع اجتمعوا فيه، أو في داره أو بستانه فلا بأس في الاقتصار على الإزار.
والراجح أن الزينة خاصة في الجمعة والعيد، وأما سائر الصلوات فلا يتقصد الزينة، ولا يلبس ما يخالف عادة أهل بلده، فالمزارع في حرثه يصلي بثيابه إن صلى في بستانه، والعامل في مصنعه يصلي بثيابه إلا أن يكون في ثيابهما ما يؤذي الجماعة، ويصلي الرجل في جماعته بالثياب التي يخرج فيها للناس، وإن لم تكن من أحسن ثيابه (١).
стр. 5847
الرابعة: التبكير إلى الصلاة بسماع النداء، وهذا الأدب متفق على استحبابه، ويجب السعي لسماع الإقامة.
الخامسة: الخروج إلى الصلاة بسكينة ووقار، وهذا الاستحباب متفق عليه.
السادسة: الذهاب إلى الصلاة ماشيًا، وتفضيله على الركوب، استحبه بعض الفقهاء، والصحيح أن المشي تارة يكون عبادة بذاته، كالطواف والسعي، فهذا أفضل من الركوب، وتارة يكون وسيلة لغيره، كالمشي إلى المسجد لتحصيل الجماعة، فهذا لا فضيلة فيه في ذاته، ولا يفضل على الركوب، ولا يتقصد لكونه أشق، ولا يطلب المسجد الأبعد طلبًا لكثرة الخطا.
السابعة: مقاربة الخطا استحبه الحنابلة وبعض أهل العلم؛ لتكثر حسناته خلافًا لقول الجمهور، وهو الصواب.
الثامنة: المحافظة على سنن الصلاة القبلية، فإن هذه السنن مرتبطة بالفرائض، وهي من النفل المعين، وبعضها أفضل من بعض، فسنة الصبح أفضل من غيرها، وراتبة المغرب والعشاء أفضل من راتبة الظهر؛ لأن نفل الليل أفضل من نفل النهار في الجملة، وهي تكمل ما يحصل في الفرائض من نقص، وسبب لمحبة الله للعبد.
التاسعة: الاستياك قبل الشروع في الصلاة، وهو من سنن الصلاة فرضًا كانت أم نفلًا، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، خلافًا لمن قال: السواك من سنن الوضوء، وعليه أكثر الحنفية، أو قال: لا يستاك إلا إن صلى بغير المسجد كالمالكية.
وهذه السنة قبل شروع الإمام في الصلاة، فإذا شرع فيها فقد فات محل هذه العبادة، ولا ينبغي الاشتغال عنها بالسواك.
العاشرة: القيام عند سماع قول المؤذن (قد قامت الصلاة) استحبه الإمام أحمد
стр. 5848
إذا أقيمت الصلاة، والإمام في المسجد.
وليس في ذلك سنة مرفوعة، ولهذا اختلف الفقهاء:
فاستحب الحنفية القيام عند جملة: حي على الصلاة وقيل: عند حي على الفلاح، وعدوا ذلك من الآداب.
وقال الشافعية: يقوم عند الفراغ من الأذان.
وأحسنها ما قاله الإمام مالك: وليس في ذلك حدِّ، بل على قدر طاقة الناس قوة وضعفًا، وخفة وثقلًا.
الحادية عشرة: تسوية الصفوف، مستحب عند الأئمة الأربعة خلافًا للظاهرية، وبعض المتأخرين من الحنابلة حيث قالوا بالوجوب.
الثانية عشرة: شروع الإمام في الصلاة عند قول المقيم: قد قامت الصلاة، استحبه الحنفية.
وقال أبو يوسف، وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، قال مالك: وينتظر قليلًا بقدر ما تستوي الصفوف، ثم يكبر.
الثالثة عشرة: وضع شيء من ثوبه على عاتقيه في الصلاة، وليس هذا من ستر العورة؛ ولكن لتوثيق الرداء من السقوط، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد، خلافًا للحنابلة حيث قالوا ستر جميع أحد العاتقين شرط في الفرض، ومستحب في النفل، وهو المشهور من المذهب، وفي رواية لهم: سترهما شرط مطلقًا في الفرض والنفل، في رواية ثالثة: سترهما واجب، والراجح قول الجمهور.
الرابعة عشرة: إزالة النجاسة مع الذكر والقدرة، استحبه المالكية في قول، وهو من مفرداتهم، وقيل: إزالتها شرط، وهو مذهب الجمهور، وقيل: واجب، وهو الأصح.
الخامسة عشرة: ستر العورة عند المالكية لا يختص بالصلاة، فقيل: سنة، وقيل: شرط، وقيل: واجب، وهو الأصح.
قال ابن رشد: «قيل: إنه فرض من فرائض الصلاة مع القدرة عليه، وقيل: إنه فرض قائم بنفسه في الجملة، وسنة في الصلاة … » (١).
стр. 5849
قال ابن العربي: «وأما مالك فالمشهور من قوله أنها فرض إسلامي لا تختص بالصلاة؛ وهو أشهر أقوالنا» (١).
وقال في الطراز نقلًا من مواهب الجليل: «ولا خلاف في وجوب ستر العورة مطلقًا في الصلاة وغير الصلاة، وإنما الخلاف في افتقار صحة الصلاة إلى ذلك» (٢).
وقال الجمهور: ستر العورة فرض للصلاة من أجلها.
وارجع إلى المسألة في المجلد الرابع، فقد خصصته لستر العورة.
هذه جملة من السنن المشروعة للصلاة قبلها، وقد بحثت هذه السنن بشيء من التفصيل والاستدلال عليها في صفة الصلاة، فمن حب أن يراجع أدلتها التفصيلية وتوثيق ما قيل فيها فليرجع إلى المجلد السابع في النصف الأول منه.
стр. 5850
المبحث الثالث في سنن الصلاة المستحبة فيها
الفرع الأول في السنن الفعلية
[م-٧٢٧] سنن الصلاة منها قولية ومنها فعلية، وإنما قدمت الفعلية لأهمية الأفعال في الصلاة؛ ولهذا كانت أغلب أفعال الصلاة من قيام وركوع وسجود أركان، وأما الأقوال فأكثرها محسوب من السنن، وإنما يتفقون على ركنية التحريمة، والقراءة، والجمهور على تعين الفاتحة خلافًا للحنفية.
وتتفاوت هذه السنن، فمنها ما هو معدود من السنن المؤكدة الذي واظب عليها النبي ﷺ ، ومنها ما فعله أحيانًا، ومنها ما هو خاص بالإمام والمنفرد، ومنها ما هو عام لهما وللمأموم، ولا أحتاج في ذكر هذه السنن أن أوثق النقل فيها؛ لأني سبق لي هذا في صفة الصلاة، وناقشت الراجح منها، والضعيف، فمن احتاج إلى التوثيق فليرجع إلى المسألة في صفة الصلاة.
ومن هذه السنن:
الأولى: رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، وبه قال الجمهور، وهي أشهر الروايات عن الإمام مالك على خلاف بينهم في منتهى الرفع: أهو إلى حذو المنكبين، أم إلى حذو الأذنين، والأولى أحاديثها أصح وعليه أكثر السلف، والثانية: أحاديثها صحيحة، وإن لم تكن بقوة الأولى، ولا يسقط الصحيح لثبوت الأصح، وقال الحنفي: حذاء الأذنين للرجل والأمة، وحذاء المنكبين للحرة، ولا أساس للتفريق (١).