← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

المبحث الثاني في سنن الصلاة المستحبة لها سنن الصلاة ثلاثة أقسام، سنن مستحبة لها، وسنن مستحبة فيها، وسنن مستحبة بعدها، وهذه الأخيرة قد ذكرتها في أول هذا المجلد، وحيث إنها لم تختلط بغيرها لا أجد حاجة إلى جمعها وإعادتها، أما السنن المستحبة لها، فمن ذلك: الأولى: الأذان والإقامة لها، والجمهور على استحبابه، والصحيح أنه فرض كفاية للجماعة، وللمصر، سنة للمنفرد، وخص المالكية الإقامة من سنن الصلاة دون الأذان. الثانية: الخروج إلى الصلاة متطهرًا وأن تتمحض نية الخروج خالصة لإرادة الصلاة، وهذا الأدب متفق عليه. الثالثة: أن يلبس من أحسن ثيابه، استحبه الجمهور لجميع الصلوات، واستحب مالك الزينة للجمعة والعيد، واستحب الرداء في مساجد القبائل من أجل الخروج للناس، لا من أجل الصلاة، فإن كان إمامًا في السفر، أو بموضع اجتمعوا فيه، أو في داره أو بستانه فلا بأس في الاقتصار على الإزار. والراجح أن الزينة خاصة في الجمعة والعيد، وأما سائر الصلوات فلا يتقصد الزينة، ولا يلبس ما يخالف عادة أهل بلده، فالمزارع في حرثه يصلي بثيابه إن صلى في بستانه، والعامل في مصنعه يصلي بثيابه إلا أن يكون في ثيابهما ما يؤذي الجماعة، ويصلي الرجل في جماعته بالثياب التي يخرج فيها للناس، وإن لم تكن من أحسن ثيابه (١).

стр. 5847

الرابعة: التبكير إلى الصلاة بسماع النداء، وهذا الأدب متفق على استحبابه، ويجب السعي لسماع الإقامة. الخامسة: الخروج إلى الصلاة بسكينة ووقار، وهذا الاستحباب متفق عليه. السادسة: الذهاب إلى الصلاة ماشيًا، وتفضيله على الركوب، استحبه بعض الفقهاء، والصحيح أن المشي تارة يكون عبادة بذاته، كالطواف والسعي، فهذا أفضل من الركوب، وتارة يكون وسيلة لغيره، كالمشي إلى المسجد لتحصيل الجماعة، فهذا لا فضيلة فيه في ذاته، ولا يفضل على الركوب، ولا يتقصد لكونه أشق، ولا يطلب المسجد الأبعد طلبًا لكثرة الخطا. السابعة: مقاربة الخطا استحبه الحنابلة وبعض أهل العلم؛ لتكثر حسناته خلافًا لقول الجمهور، وهو الصواب. الثامنة: المحافظة على سنن الصلاة القبلية، فإن هذه السنن مرتبطة بالفرائض، وهي من النفل المعين، وبعضها أفضل من بعض، فسنة الصبح أفضل من غيرها، وراتبة المغرب والعشاء أفضل من راتبة الظهر؛ لأن نفل الليل أفضل من نفل النهار في الجملة، وهي تكمل ما يحصل في الفرائض من نقص، وسبب لمحبة الله للعبد. التاسعة: الاستياك قبل الشروع في الصلاة، وهو من سنن الصلاة فرضًا كانت أم نفلًا، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، خلافًا لمن قال: السواك من سنن الوضوء، وعليه أكثر الحنفية، أو قال: لا يستاك إلا إن صلى بغير المسجد كالمالكية. وهذه السنة قبل شروع الإمام في الصلاة، فإذا شرع فيها فقد فات محل هذه العبادة، ولا ينبغي الاشتغال عنها بالسواك. العاشرة: القيام عند سماع قول المؤذن (قد قامت الصلاة) استحبه الإمام أحمد

стр. 5848

إذا أقيمت الصلاة، والإمام في المسجد. وليس في ذلك سنة مرفوعة، ولهذا اختلف الفقهاء: فاستحب الحنفية القيام عند جملة: حي على الصلاة وقيل: عند حي على الفلاح، وعدوا ذلك من الآداب. وقال الشافعية: يقوم عند الفراغ من الأذان. وأحسنها ما قاله الإمام مالك: وليس في ذلك حدِّ، بل على قدر طاقة الناس قوة وضعفًا، وخفة وثقلًا. الحادية عشرة: تسوية الصفوف، مستحب عند الأئمة الأربعة خلافًا للظاهرية، وبعض المتأخرين من الحنابلة حيث قالوا بالوجوب. الثانية عشرة: شروع الإمام في الصلاة عند قول المقيم: قد قامت الصلاة، استحبه الحنفية. وقال أبو يوسف، وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، قال مالك: وينتظر قليلًا بقدر ما تستوي الصفوف، ثم يكبر. الثالثة عشرة: وضع شيء من ثوبه على عاتقيه في الصلاة، وليس هذا من ستر العورة؛ ولكن لتوثيق الرداء من السقوط، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد، خلافًا للحنابلة حيث قالوا ستر جميع أحد العاتقين شرط في الفرض، ومستحب في النفل، وهو المشهور من المذهب، وفي رواية لهم: سترهما شرط مطلقًا في الفرض والنفل، في رواية ثالثة: سترهما واجب، والراجح قول الجمهور. الرابعة عشرة: إزالة النجاسة مع الذكر والقدرة، استحبه المالكية في قول، وهو من مفرداتهم، وقيل: إزالتها شرط، وهو مذهب الجمهور، وقيل: واجب، وهو الأصح. الخامسة عشرة: ستر العورة عند المالكية لا يختص بالصلاة، فقيل: سنة، وقيل: شرط، وقيل: واجب، وهو الأصح. قال ابن رشد: «قيل: إنه فرض من فرائض الصلاة مع القدرة عليه، وقيل: إنه فرض قائم بنفسه في الجملة، وسنة في الصلاة … » (١).

стр. 5849

قال ابن العربي: «وأما مالك فالمشهور من قوله أنها فرض إسلامي لا تختص بالصلاة؛ وهو أشهر أقوالنا» (١). وقال في الطراز نقلًا من مواهب الجليل: «ولا خلاف في وجوب ستر العورة مطلقًا في الصلاة وغير الصلاة، وإنما الخلاف في افتقار صحة الصلاة إلى ذلك» (٢). وقال الجمهور: ستر العورة فرض للصلاة من أجلها. وارجع إلى المسألة في المجلد الرابع، فقد خصصته لستر العورة. هذه جملة من السنن المشروعة للصلاة قبلها، وقد بحثت هذه السنن بشيء من التفصيل والاستدلال عليها في صفة الصلاة، فمن حب أن يراجع أدلتها التفصيلية وتوثيق ما قيل فيها فليرجع إلى المجلد السابع في النصف الأول منه.

стр. 5850

المبحث الثالث في سنن الصلاة المستحبة فيها الفرع الأول في السنن الفعلية [م-٧٢٧] سنن الصلاة منها قولية ومنها فعلية، وإنما قدمت الفعلية لأهمية الأفعال في الصلاة؛ ولهذا كانت أغلب أفعال الصلاة من قيام وركوع وسجود أركان، وأما الأقوال فأكثرها محسوب من السنن، وإنما يتفقون على ركنية التحريمة، والقراءة، والجمهور على تعين الفاتحة خلافًا للحنفية. وتتفاوت هذه السنن، فمنها ما هو معدود من السنن المؤكدة الذي واظب عليها النبي ﷺ ، ومنها ما فعله أحيانًا، ومنها ما هو خاص بالإمام والمنفرد، ومنها ما هو عام لهما وللمأموم، ولا أحتاج في ذكر هذه السنن أن أوثق النقل فيها؛ لأني سبق لي هذا في صفة الصلاة، وناقشت الراجح منها، والضعيف، فمن احتاج إلى التوثيق فليرجع إلى المسألة في صفة الصلاة. ومن هذه السنن: الأولى: رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، وبه قال الجمهور، وهي أشهر الروايات عن الإمام مالك على خلاف بينهم في منتهى الرفع: أهو إلى حذو المنكبين، أم إلى حذو الأذنين، والأولى أحاديثها أصح وعليه أكثر السلف، والثانية: أحاديثها صحيحة، وإن لم تكن بقوة الأولى، ولا يسقط الصحيح لثبوت الأصح، وقال الحنفي: حذاء الأذنين للرجل والأمة، وحذاء المنكبين للحرة، ولا أساس للتفريق (١).

стр. 5851

الثانية والثالثة: أن تكون بطون الكفين إلى القبلة ممدودة الأصابع، بلا ضم ولا تفريج على الصحيح. وهذه السنن الثلاث عامة للإمام والمنفرد، والمأموم، وللرجل والمرأة. وهذه الهيئة مستحبة عند الإحرام، والركوع، والرفع منه، وهذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم. الرابعة: مقارنة إحرام المأموم لإحرام إمامه. استحبه الحنفية، والصحيح أن إحرام المأموم بعد إمامه، ولا يوافقه في شيء من أقواله ولا أفعاله إلا بالتأمين. الخامسة: أن يرفع يديه مع ابتداء التكبير، وينتهي بانتهائه، وهذا قول الجمهور، والأصح أنه يستحب أن يرفع يديه حتى تكون حذاء منكبيه، ثم يكبر. السادسة: وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت السرة، استحبه الحنابلة، وهو من آداب الصلاة عند الحنفية. وقال الشافعية: تحت الصدر. وقيل: بالتخيير، وهو الأصح. وهذه السنة عامة في الفرض والنفل على الصحيح، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن الإمام مالك. والمقصود بوضع اليد اليمنى على اليسرى: ما يقابل الإرسال، لا ما يخالف القبض، فمن قبض شماله بيمينه فقد وضعها على الأخرى، فالوضع والقبض مردهما إلى معنى واحد، وهما صفة واحدة على الصحيح. السابعة: النظر في صلاته إلى موضع سجوده، استحبه الجمهور، وهو من آداب الصلاة عند الحنفية. قال الشافعية: إلا في التشهد فلا يجاوز بصره إشارته، واختاره بعض الحنابلة.

стр. 5852

واختار كثير من الحنفية النظر في الركوع إلى ظهر قدمية، وفي الجلوس إلى موضع حجره، وفي السجود إلى موضع أنفه. وقال المالكية: ينظر إلى قبلته، وهذا أقوى، واختار البخاري النظر إلى إمامه. ولم يرد في موضع نظر المصلي حال الركوع والسجود والجلوس نص يمكن الاعتماد عليه، والراجح فيما لم يرد في صفته نص ألا يتكلف المصلي في نظره إلى غير الموضع الذي يقع بصره عليه في هذه الأحوال. الثامنة: النظر إلى الكعبة إذا صلى في المسجد الحرام، استحبه بعض الشافعية والحنابلة، والصحيح أن المسجد الحرام كغيره. التاسعة: يستحب في القدمين حال القيام أن تكون على طبيعتهما، بلا تفريج، ولا إلصاق، وكره الحنفية والشافعية والمتقدمون من المالكية إلصاق إحدى القدمين بالأخرى. العاشرة: المراوحة بين القدمين، استحبه الحنفية مطلقًا، واختاره بعض الحنابلة. وقيل: مستحب مع الحاجة كما لو طال القيام، وهو مذهب الحنابلة. وقال المالكية والشافعية بالإباحة. واختار بعض المالكية إباحته مع طول القيام. الحادية عشرة: الفصل بين الفاتحة وبين آمين بسكتة لطيفة جدًّا؛ ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة، استحب ذلك الشافعية والحنابلة والراجح عدم الاستحباب. الثانية عشرة: سكوت الإمام بعد قراءة الفاتحة بقدر قراءة المأموم لها، استحبه الشافعية، والراجح أنه لا يشرع، وهو مذهب الجمهور، والمنصوص عن أحمد، ولم يصح دليل في مشروعية السكتة بعد الفاتحة، والأصل عدم المشروعية. الثالثة عشرة: السكوت بمقدار يسير للفصل بين القراءة والركوع. استحبه الشافعية والحنابلة خلافًا للحنفية والمالكية، والراجح ثبوتها، ومن أنكرها من الأئمة فإنما أنكرها لكونها يسيرة جدًّا حتى قدرها الشافعية بمقدار أن يقول المصلي: سبحان الله، وقدرها بعض الحنابلة بأن يرجع إليه نفسه قبل أن يركع. الرابعة عشرة: القيام لقراءة ما زاد على الفاتحة مستحب عند المالكية؛ لأنه

стр. 5853

وسيلة لقراءة السورة، وهي سنة، فيركع من عجز عن السورة إثر الفاتحة، ولا يقوم قدرها، وفائدة كون القيام للسورة سنة أنه يجوز الاستناد في قراءة ما زاد على الفاتحة دون الجلوس، فإن جلس بطلت صلاته؛ لإخلاله بهيئة الصلاة. الخامسة عشرة: ترتيل القراءة، مستحب بالاتفاق، وهو من الآداب عند الحنفية. السادسة عشرة: الخشوع في الصلاة، مستحب عند الأئمة الأربعة، وحكي إجماعًا، وهو معنى يقوم في النفس ويظهر أثره على الجوارح بالسكون. وقيل: بوجوبه، والأول أرجح؛ لأن فواته عمدًا ينقص من ثواب الصلاة، ولا يبطلها، وتركه سهوًا لا يوجب سجود السهو. السابعة عشرة: تخفيف الصلاة للإمام، والاقتداء بأضعفهم إلا لجماعة محصورة ورغبوا في الإطالة، وهذا بالاتفاق. الثامنة عشرة: إطالة الركعة الأولى على الثانية، وهذا بالاتفاق إلا ما ورد فيه السنة بإطالة الثانية. التاسعة عشرة: الجهر بالقراءة لغير المأموم، في ركعتي الصبح والجمعة، والأوليين من المغرب والعشاء، وهذه السنة بالاتفاق. ويسن الإسرار مطلقًا للإمام والمنفرد والمأموم في الظهر والعصر، وثالثة المغرب، والأخيرتين من العشاء. وقال الحنفية: يجب الجهر والإسرار في هذه المواضع. العشرون: جميع تكبيرات الانتقال في الصلاة سنة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، الشافعية، ورواية عن أحمد، ونسب القول به إلى الخلفاء الراشدين. الحادية والعشرون: أن تكون تكبيرة الانتقال من حين الشروع، لا قبله ولا بعده، استحبه الجمهور خلافًا للحنابلة حيث قالوا بوجوب ذلك، حتى قالوا: لو شرع فيه قبل انتقاله أو كمَّله بعد انتهائه لم يجزئه، وقول الجمهور هو الصواب، ولا نسلم أن التكبير إذا وقع جزء يسير منه قبل الشروع أو بعده أنه في حكم مَنْ أوقع التكبير كله في غير محله؛ فإذا أوقع أكثر التكبير في محله فللأكثر حكم الكل، واليسير مغتفر، المهم ألا يوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو يشرع فيه كله

стр. 5854

بعد الانتقال، فإن هذا التكبير في غير محله، فإن وقع ذلك منه لم يُعْتَدَّ به؛ لمخالفته السنة، وأما بطلان صلاته فإنه مبني على حكم تكبيرات الانتقال، والجمهور على أنها سنة، وهو الصواب لا سيما في حق المنفرد، والمأموم. الثانية والعشرون: تمكين اليدين من الركبتين مفرقة الأصابع، مستحب عند الجمهور، وعده الحنفية من الآداب، والمالكية من الفضائل، خلافًا لمن قال بوجوب ذلك، أو قال بشرطيته. الثالثة والعشرون: مد الظهر وبسطه حال الركوع بحيث لا يرفع رأسه، ولا يخفضه، متفق على استحبابه، كما اتفقوا على استحباب أن يجافي الرجل مرفقيه عن جنبيه حال الركوع إلا أن يؤذي من بجانبه خلافًا لمن قال بوجوب ذلك. الرابعة والعشرون: إرسال اليدين في القيام بعد الركوع، مستحب عند الجمهور، وهو الصواب، وقال الإمام أحمد بالتخيير؛ لأنه لا نص فيه، واختار ابن حزم: استحباب القبض، وهو قول في مذهب الحنفية، واختاره بعض المتأخرين من الشافعية، وعليه العمل في البلاد النجدية. الخامسة والعشرون: تمكين كل الجبهة من الأرض وكذلك كل أعضاء السجود. السادسة والعشرون: السجود على الأنف مستحب على الصحيح، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد. وقال الحنابلة في المعتمد: ركن، واختاره بعض المالكية، وقواه النووي، وقال به جماعة من المحدثين. السابعة والعشرون: رفع ذراعيه إذا سجد مستحب، ويكره افتراشهما تنزيهًا، وهو مذهب الجمهور، وقال الحنفية: يكره كراهة تحريم، وهو أقرب. الثامنة والعشرون: تقديم الركبتين ثم اليدين إذا هوى للسجود، ورفع اليدين أولًا في القيام، استحبه الجمهور، وهو رواية عن مالك. وقال مالك: يقدم يديه، وهو المعتمد في المذهب، وروى ابن عبد الحكم عن مالك: يقدم أيهما شاء، وروى ابن حبيب: لا تحديد. ولا يصح حديث في صفة الهوي إلى السجود، وقلة الأحاديث الواردة في

стр. 5855

الباب مع ضعفها دليل على أن الأمر واسع، وأن المصلي يعمل ما هو أهون عليه. التاسعة والعشرون: بسط الكفين في السجود، مضمومة الأصابع، وأن يستقبل بهما القبلة. الثلاثون: استحب بعض الفقهاء إذا سجد أن يضع يديه مرة حذاء أذنيه، ومرة حذاء منكبية، يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وقيل: لا حد في ذلك، وهو أحد القولين في مذهب مالك، ولعله أقرب لكون المسألة ليس فيها حديث صحيح مرفوع، ولو كان من صفة الصلاة المقصودة لحفظ فيه سنة عن النبي ﷺ ؛ لاهتمام الصحابة وعنايتهم بمكملات صلاتهم، وغياب النصوص الشرعية الصحيحة المرفوعة في حكم مسألة ما يقصد به التوسعة على الخلق. الحادية والثلاثون: يستحب للمصلي إذا نصب قدميه للسجود أن يوجه أطراف أصابعه إلى القبلة، وهو قول الأئمة الأربعة خلافًا لبعض الحنابلة حيث قالوا بالوجوب، وخلافًا لمن قال: يضع أطراف أصابعه على الأرض من غير أن يوجهها إلى القبلة، وهو قول عند الحنابلة، واختاره إمام الحرمين من الشافعية، وتبعه الغزالي. الثانية والثلاثون: استحب الجمهور مجافاة عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه. الثالثة والثلاثون: استحب الجمهور التفريق بين ركبتيه إذا سجد، واعتبره الحنفية من الآداب، وورد فيها أحاديث، ولا يصح منها شيء، وإذا لم يكن هناك سنة واضحة على الاستحباب فالأفضل أن تكون المسافة بينهما بما تقتضيه هيئة الساجد بلا تكلف، فلا يفرج بين فخذيه، ولا يتكلف ضمهما، والله أعلم. الرابعة والثلاثون: ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب التفريج بين القدمين تفريجًا وسطًا، قدره الشافعية بمقدار شبر، والأقرب ترك القدمين على طبيعتهما، بلا ضم ولا تفريج، وليس في المسألة سنة كاشفة. الخامسة والثلاثون: استحب الشافعية والحنابلة في الجلسة بين السجدتين والتشهد الأول الافتراش، وفي التشهد الأخير التورك، إلا أن الحنابلة قالوا:

стр. 5856

لا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان كالثلاثية والرباعية، وقال الشافعية يتورك في كل تشهد يعقبه سلام، ولو كانت ثنائية خلافًا للحنفية حيث قالوا: صفة الجلوس في الصلاة كلها الافتراش وعدوها من الآداب، وخلافًا للمالكية حيث قالوا: صفة الجلوس في الصلاة كلها التورك، وعدوها من الفضائل. السادسة والثلاثون: وضع اليدين على الفخذين مضمومتي الأصابع، متوجهة إلى القبلة في الجلوس والتشهد، ولا خلاف في استحباب هذه الصفة؛ لأن البديل إما أن يرسلهما إلى جنبيه، وإرسالهما لم يقل به أحد، فتعين وضعهما على الفخذين، ولا يتشدد في المحل، سواء كان في وسط الفخذين، أو على رأس الركبة؛ لأن غياب التفصيل في السنة يراد منه التوسعة على الخلق. السابعة والثلاثون: الأظهر أن جلسة الاستراحة لا تستحب إلا أن يحتاج إليها، وهو قول في مذهب الحنابلة خلافًا لمن قال: لا تشرع مطلقًا، وهم الجمهور، وخلافًا لمن قال: تستحب مطلقًا وهم الشافعية ورواية عن أحمد. الثامنة والثلاثون: استحب الحنفية والحنابلة أن ينهض إلى الركعة الثانية على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه بيديه خلافًا للمالكية والشافعية حيث قالوا: يقوم معتمدًا على يديه، ولا يصح حديث مرفوع في الاعتماد على صدور القدمين إذا نهض، والوارد في ذلك أثران صحيحان عن ابن مسعود وابن الزبير، والاعتماد على اليدين جاء من حديث مالك بن الحويرث في بعض طرقه، وصح من فعل ابن عمر بعد ما أسن، وسواء اعتمد على صدور قدميه أم على يديه لا يستطيع الباحث أن يقول في إحداهما: خلاف السنة، والله أعلم. التاسعة والثلاثون: التشهد الأول والجلوس له على الصحيح سنة عند الجمهور، خلافًا للحنابلة. الأربعون: التشهد الثاني استحبه المالكية. وقيل: واجب، وهو الأصح عند الحنفية. وقيل: ركن وهو مذهب الشافعية والحنابلة. الحادية والأربعون: تستحب الإشارة بالسبابة طيلة التشهد بلا تحريك خلافًا

стр. 5857

لمذهب المالكية حيث قالوا في المعتمد: يحركها طيلة التشهد. الثانية والأربعون: التفاته يمينًا وشمالًا في تسليمه. الثالثة والأربعون: التيامن في السلام (١). هذه أهم السنن الفعلية، ومن أراد النظر في أدلتها فليرجع إلى محلها من صفة الصلاة، والله أعلم.

стр. 5858

الفرع الثاني في السنن القولية سنن الصلاة القولية، منها: الأولى: الاستفتاح سرًّا لكل مصلٍّ، إمامًا كان أم مأمومًا أم منفردًا، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن مالك، وقال مالك في المشهور: يكره. ولا يستفتح المسبوق إذا جهر الإمام بالقراءة خلافًا للشافعية والحنابلة. الثانية والثالثة: الاستعاذة سرًّا في الصلاة مطلقًا للإمام، والمنفرد، والمأموم، والأحاديث الواردة في صفة الاستعاذة لا يصح منها حديث، وما صح منها خارج الصلاة فليس فيها ما يدل على قصر الاستعاذة على هذه الصفة. وقال مالك: يتعوذ في قيام رمضان، وقال أصحابه: يتعوذ في النفل، والراجح قول الجمهور. الرابعة والخامسة: البسملة سرًّا، وهو قول الحنفية، والحنابلة، وحكي قولًا عند المالكية، خلافًا لمن أوجبها كالشافعية، أو كره قراءتها في الفريضة كالمالكية. السادسة: التأمين جهرًا في الجهرية وسرًّا في السرية، للمنفرد وللإمام والمأموم في الأصح، واعتبر المالكية التأمين من فضائل الصلاة. السابعة: موافقة المأموم للإمام في التأمين في الجهرية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وهو الأصح خلافًا للحنفية والمالكية حيث قالوا: يسر الفذ والإمام والمأموم بالتأمين؛ لأنه دعاء، والمندوب فيه الإسرار. الثامنة: قراءة ما زاد على الفاتحة في الأوليين، خلافًا للحنفية حيث قالوا بوجوب قراءة ما زاد على الفاتحة فيهما. ويحصل أصل السنة بقراءة شيء من القرآن ولو آية تستقل بمعنى، ويستحب أن تكون سورة كاملة؛ لأنه الغالب من فعل الرسول ﷺ إلا لمأموم يسمع قراءة

стр. 5859

إمامه، فلا تشرع له القراءة، وهو مذهب الجمهور (١). التاسعة: إطالة القراءة في صلاة الصبح بما لا يشق على المأموم، وتقصير المغرب وهو مذهب الجمهور وعدهما المالكية من الفضائل (٢). العاشرة: قراءة سورتي السجدة والإنسان في فجر يوم الجمعة، وهو مذهب الجمهور، وبعض المالكية خلافًا لقول مالك في المشهور عنه. ولا تستحب المداومة على قراءتهما خلافًا للشافعية، وبعض الحنابلة. الحادية عشرة: إذا مرَّ في صلاة النافلة بآية رحمة سأل الله من فضله، أو بآية عذاب استعاذ؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، وما فعله في النافلة فقط، ولم ينه عنه في الفريضة لم يحرم فعله فيها على الصحيح؛ لعدم النهي، ولم يستحب فعله مع ترك النبي ﷺ له، فيبقى على الإباحة، هذا هو الصحيح خلافًا للشافعية والحنابلة حيث استحبوه مطلقًا للإمام والمنفرد، وللمأموم في الفرض والنفل؛ لأنه دعاء بخير فاستوى فيه الفرض والنفل. الثانية عشرة: جميع تكبيرات الانتقال في الصلاة وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، الشافعية، ورواية عن أحمد، ونسب القول به إلى الخلفاء الراشدين. الثالثة عشرة: التسميع والتحميد، وكذا قول: رب اغفر لي بين السجدتين، استحبه الجمهور من الحنفية، والمالكية، الشافعية، ورواية عن أحمد. الرابعة عشرة: التسبيح في الركوع والسجود للإمام والمنفرد والمأموم سنة عند الجمهور، واعتبره المالكية من فضائل الصلاة، وانفرد الحنابلة حيث قالوا التسبيح فيهما مرة واجب، وما زاد فهو مستحب، وقال الظاهرية: التسبيح من الأركان (٣). الخامسة عشرة: أقل الكمال في التسبيح ثلاثًا، وإليه ذهب الجمهور، وقال مالك: لا توقيت فيه بعدد معين، وهو الصواب؛ لأنه لم يرد في النصوص تقدير في

стр. 5860

أقل الكمال، ولا في أعلاه، والمقادير تحتاج إلى توقيف. السادسة عشرة: التسميع لإمام ومنفرد دون المأموم، وهو مذهب الجمهور خلافًا للحنابلة حيث قالوا بوجوبه، وهو من المفردات، واستحب الشافعية التسميع للمأموم، وهو رواية عن أحمد. السابعة عشرة: التحميد للإمام وللمنفرد على الصحيح، وهو مذهب الشافعية، خلافًا للإمام أحمد حيث قال بوجوبه، وخلافًا للحنفية والمالكية حيث قالوا بعدم مشروعيته للإمام، واستحب المالكية للمنفرد فقط الجمع بين التسميع والتحميد، وعدوه من الفضائل. الثامنة عشرة: التحميد للمأموم دون التسميع، وهو مذهب الجمهور، واعتبر المالكية التحميد للمأموم من الفضائل. التاسعة عشرة: تعظيم الرب في الركوع والدعاء في السجود، وهذا متفق على استحبابه، وعند المالكية ذلك من الفضائل (١). العشرون: قول ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، استحبه الإمام أحمد للإمام والمنفرد، ولا يسن ذلك للمأموم، وقال الحنفية والمالكية: لا تستحب الزيادة على قول: ربنا ولك الحمد، وبه قال الحنابلة في حق المأموم فقط، والصواب استحبابه للكل. وقيل: يستحب للإمام والمنفرد أن يزيد مع قوله: (وملء ما شئت من شيء بعد) أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد … إلخ أو غيرها مما ورد. وصحح ذلك في الإنصاف تبعًا للمغني والشرح، ونص عليه في الإقناع واتفق الشافعية على استحباب زيادة: أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد (٢)، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك

стр. 5861

الجد، للمنفرد وللإمام إذا صلى بجماعة محصورة ورضوا التطويل. واختلفوا في زيادة: (ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد)، والراجح الاستحباب في المذهب، واختلفوا: في زيادة (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، وجمهورهم على عدم الاستحباب. الحادي والعشرون: القنوت في صلاة الصبح، استحبه الشافعية، وعده المالكية من الفضائل، والراجح أنه لا يستحب، وهو مذهب الحنفية والحنابلة. الثاني والعشرون: الدعاء بين السجدتين، استحبه المالكية والشافعية ولا يتعين عندهم الدعاء بصيغة معينة، والوارد أفضل من غيره، وقال: الحنفية: لا يشرع الدعاء، وقال الحنابلة: سؤال المغفرة مرة واجب، وإن زاد عليه لم يكره، وعن الإمام أحمد أنه ركن، وعنه أنه سنة، وقول الشافعية والمالكية أقوى. الثالث والعشرون: تستحب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الثاني خلافًا للحنابلة حيث عدوا قول (اللهم صلَّ على محمد) من الأركان وما زاد عليها من السنن كالصلاة على آل النبي ﷺ ، والبركة على النبي ﷺ وعلى آله من السنن. الرابع والعشرون: التعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، وهو مذهب الأئمة الأربعة. الخامس والعشرون: الدعاء بعد التشهد في الصلاة في كل دعاء ممكن ومباح ولو في أمور الدنيا، وهو في مذهب المالكية من فضائل الصلاة، ومستحب عند الشافعية خلافًا للحنفية حيث حصروا الدعاء بألفاظ القرآن والسنة والأدعية المأثورة، وخلافًا للحنابلة حيث قالوا: يجوز الدعاء بغير ما ورد بشرط أن يكون بما يصلح آخرته كالرزق الحلال، والعصمة من الفواحش ونحوها. السادس والعشرون: التسليمة الثانية في الصلاة. السابع والعشرون: تستحب زيادة: (ورحمة الله) في التسليم وهو مذهب الحنفية والشافعية، خلافًا للحنابلة حيث قالوا بركنيتها، وخلافًا للمالكية حيث قالوا: ليست مشروعة، أومن قبيل المباح، والتزامها أحوط. هذه أهم الأمور المستحبة من السنن القولية في الصلاة، والله أعلم.

стр. 5862

وبقي من سنن الصلاة مما لم يبحث في صفة الصلاة، مسألتان: الأولى: استحباب اتخاذ السترة في الصلاة. الثانية: استحباب الصلاة في النعل. الثالثة: استحباب الخشوع في الصلاة. وسوف أتعرض لهذه المسائل بالبحث إن شاء الله تعالى قبل الانتقال إلى سجود السهو، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.

стр. 5863

المبحث الرابع في حكم اتخاذ السترة للصلاة الفرع الأول في حكم اتخاذ السترة للإمام والمنفرد المدخل إلى المسألة: • اتخاذ السترة في حق الإمام والمنفرد مجمع على مشروعيته. • كل حديث فيه الأمر بالسترة فهو معلٌّ. • مواظبة النبي ﷺ على فعلها حضرًا وسفرًا دليل على تأكد سنيتها، ولا ينهض ذلك دليلًا على الوجوب، كمواظبته على سنة الصبح والوتر. • لا يؤثر القول بوجوب السترة للصلاة في أقوال الصحابة، ولا في أقوال التابعين، ولا في أقوال تابعيهم، والأئمة الأربعة على الاستحباب إلا رواية عن أحمد، وهي خلاف المعتمد في مذهبه. • لا يلزم من ترك السترة قطع الصلاة حتى يقال: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لأن حديث أبي ذر رتب القطع على المرور وليس على ترك السترة. • قد يضع المصلي السترة، ويحصل المرور بينه وبين سترته، فالذي يمنع المرور، هو دفع المار ومنعه من المرور، وليس فعل السترة. • إذا قلنا: السترة مشروعة ولو أَمن المرور سقط القول بأن العلة في السترة منع قطع الصلاة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. • على القول بوجوب السترة للصلاة، فإن تركها لا يبطل الصلاة؛ لكونه واجبًا لها، لا فيها كترك الأذان والجماعة على القول بوجوبهما.

стр. 5864

• سئل الإمام مالك عن موعظة الذي يصلي لغير سترة، قال: لا أدري ما واجب، ولكنه حسن، والعلماء مختلفون في ذلك، فمنهم من يقوَى على أن يعظ الناس، ومنهم من لا يقوَى على ذلك (١). [م-٧٢٨] اختلف العلماء في حكم السترة في الصلاة. فقيل: تستحب مطلقًا، سواء أكان في الحضر أم في السفر، وسواء أخشي مارًا أم لا، وهو قول مالك في العتبية، واختاره اللخمي، ورجحه ابن حبيب، وهو مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٢). قال في الإقناع: «وتسن صلاة غير مأموم إلى سترة، ولو لم يخش مارًّا» (٣). وقال النووي في الروضة: «يستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار، أو سارية، أو غيرهما … وإن كان في صحراء غرز عصا ونحوها» (٤). فأطلق الاستحباب في المدينة والصحراء، فظاهره من غير فرق أَمِنَ المرور أم لا.

стр. 5865

وقال في المجموع: «السنة للمصلي أن يكون بين يديه سترة» (١). والمصلي: عام يشمل من خاف مرورًا وغيره. ولأن الشافعية ذكروا الحكمة من السترة، فقالوا: قصر مسافة البصر عن تجاوز حدود السترة، ومنع من يجتاز بقربه (٢). ومقتضى ذلك أن السترة مشروعة مطلقًا؛ لأنه وإن أمن المرور لم يأمن انتشار البصر. ثم وجدت نصًّا صريحًا عن ابن الملقن، يقول: ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن من المرور بين يديه … وعند الشافعي مشروعة مطلقًا؛ لعموم الأحاديث؛ ولأنها تصون البصر (٣). وقيل: السترة سنة إذا كان يخشى المرور بين يديه، وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، ونص عليه في المدونة، وبه قال ابن القاسم (٤).

стр. 5866

جاء في الهداية: «ولا بأس بترك السترة إذا أمن المرور ولم يواجه الطريق» (١). وجاء في المدونة: «قال مالك: ومن كان في سفر فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة، وأما في الحضر فلا يصلي إلا إلى سترة. قال ابن القاسم: إلا أن يكون في الحضر بموضع يأمن أن يمر بين يديه أحد» (٢). وقيل: تجب السترة مطلقًا، خرَّجه محمد بن عبد السلام من المالكية من تأثيم المار إذا كان له مندوحة؛ إذ لا يأثم إلا بترك الواجب، وهو خلاف المشهور من المذهب، قال به أحمد في رواية وهو خلاف المعتمد من مذهبه، وبه قال ابن خزيمة وأبو عوانة من المحدثين (٣). • وسبب الخلاف: اختلافهم في السترة: أجعلت السترة حريمًا للمصلي حتى يقف عندها البصر، فلا يتعداها أم هي لمنع المرور بين يديه. فعلى الأول: تستحب السترة مطلقًا. وعلى الثاني: تستحب إن خشي مارًّا بين يديه، وهناك من نزع إلى القول بوجوب السترة، لظاهر الأمر الشرعي بها، ومواظبة النبي ﷺ على فعلها. قال ابن العربي: «اعلم أن السترة من محاسن الصلاة ومكملاتها، وفائدتها قبض الخواطر عن الانتشار، وكف البصر عن الاسترسال حتى يكون العبد مجتمعًا للمناجاة

стр. 5867

التي حضرها والتزمها، وبه قال عامة الفقهاء» (١). ونقله القرافي وزاد: «ولهذا السر شرع الصلاة إلى جهة واحدة مع الصمت، وترك الأفعال العادية، ومنع من الجري إليها وإن فاتت الجماعة وفضيلة الاقتداء، ومن إقامتها مع الجوع المبرح أو غيره من المشوشات إن أمكن استدراك ذلك قبل خروج الوقت تحصيلًا لأدب القلب مع الرب أعاننا الله على ذلك في سائر الأحوال بمنه وكرمه» (٢). • دليل من قال بوجوب السترة: الدليل الأول: (ح-٢١٤٤) ما رواه ابن خزيمة، أخبرنا عبد الجبار بن العلاء، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن سهل بن أبي حثمة بلغ به النبي ﷺ : إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته (٣). [شاذ بهذا اللفظ، والمحفوظ من لفظه: إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها] (٤).

стр. 5868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5869

ولا يفيد الأمر بالدنو من السترة وجوب الدنو منها فضلًا عن وجوب السترة. لأن قوله: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها) ومفهومه: جواز الصلاة إلى غير سترة لأنه لم يأمره بالدنو منها إلا في حال أنه صلى إليها، كقوله ﷺ : (إذا دخل

стр. 5870

أحدكم المسجد فليصلِّ ركعتين قبل أن يجلس) ليس أمرًا بالدخول إلى المسجد، ولهذا كانت تحية المسجد ليست واجبة في قول الأئمة الأربعة. الدليل الثاني: (ح-٢١٤٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدًا يمر بينه وبينها، فإن جاء أحدٌ يمر فليقاتله فإنه شيطان (١). [شاذ بهذا اللفظ، وحديث أبي سعيد في الصحيحين، وليس فيه الأمر بالصلاة إلى سترة، ولا الأمر بالدنو منها] (٢).

стр. 5871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5875

الدليل الثالث: (ح-٢١٤٦) ما رواه الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء (١). وجه الاستدلال من هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ أمر بالحربة، والأصل في الأمر الوجوب. • ويناقش: بأن أمر النبي ﷺ للخادم بوضع الحربة، ليس أمرًا للأمة باتخاذ السترة، من حيث دلالة هذه الصيغة على الوجوب، فهو أمر بحملها ووضعها، والحمل والوضع ليسا واجبين، وأما الصلاة إليها فهو مجرد فعل، وفعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب ما لم يكن بيانًا لمجمل واجب، وهذا ليس منه، وإنما يدل على مشروعية السترة، وهذا أمر لا نزاع فيه، ولهذا قال ابن رجب في شرح البخاري: «وفي الحديث: دليل على استحباب السترة للمصلي وإن كان في فضاء، وهو قول الأكثرين» (٢).

стр. 5876

الوجه الثاني: في الحديث مواظبة النبي ﷺ على السترة حضرًا وسفرًا، في المدينة، وفي الصحراء، ولزوم الفعل من النبي ﷺ ومواظبته عليه تدل على الوجوب، كيف وقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (١). • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن مواظبة النبي ﷺ على الفعل دليل على أنه سنة مؤكدة، ولكن لا يدل ذلك وحده على الوجوب، فقد كان النبي ﷺ يواظب على سنن معلومة، لا يدعها لا حضرًا، ولا سفرًا، وليست واجبة، من ذلك سنة الصبح، والوتر. الوجه الثاني: أن الاستدلال بحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب فيه نظر كبير، وسبق لي أن بينت ذلك في صفة الصلاة، ذلك أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا بعيدًا عن سببه وسياقه فإنه يشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث: (لتأخذوا عني مناسككم)، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها الرؤية العلمية: أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي. وإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي ﷺ وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي ﷺ حين منصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية. ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ

стр. 5877

قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ لأن الخطاب لمالك بن الحويرث بالأصالة، وللأمة بالتبع، ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، والله أعلم. الدليل الرابع: (ح-٢١٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد - يعني ابن الحباب- أخبرني عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، قال: رسول الله ﷺ إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته، ولو بسهم (١). [ضعيف] (٢).

стр. 5878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5879

الدليل الخامس: (ح-٢١٤٨) روى ابن خزيمة في صحيحه من طريق أبي بكر يعني الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، حدثني صدقة بن يسار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : لا تصل إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله؛ فإن معه القرين (١). [شاذ بهذا اللفظ، وحديث الضحاك بن عثمان في مسلم وليس فيه الأمر بالسترة] (٢).

стр. 5880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5881

الدليل السادس: (ح-٢١٤٩) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان (١). وجه الاستدلال: قالوا: إن السترة تحافظ على الصلاة من القطع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. • ونوقش هذا الاستدلال من أكثر من وجه: الوجه الأول: النزاع في مدلول القطع، أهو بطلان الصلاة أم نقصها، وعلى القول بأنه محمول على البطلان، أهو حكم تعبدي أم معلل، وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن الصلاة لا يقطعها شيء، وسيتوجه البحث لهذه المسألة في مبطلات الصلاة إن شاء الله في المجلد الذي يلي هذا، فانظره هناك. الوجه الثاني: على القول بأن مرور هذه الثلاثة يقطع الصلاة، فإن السترة لم تتعين كسبيل وحيد للمحافظة على الصلاة؛ فالمصلي قد يضع السترة، ويحصل المرور بينه وبين سترته، كما أن الشرع قد أذن للمصلي بمنع المار من المرور، حتى ولو أدى ذلك إلى دفعه بشدة، وهذا طريق للمحافظة على الصلاة بغير السترة، فلم تتعين السترة.

стр. 5882

الوجه الثالث: لا يلزم من ترك السترة قطع الصلاة حتى يقال: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فحديث أبي ذر: (إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود)، فلم يرتب القطع على ترك السترة بل على المرور. فإذا لم يمر بين يديه أحد هؤلاء الثلاثة فإن صلاته محفوظة عن القطع، وعلى القول بأن السترة واجبة فإن الإخلال بها لا يلزم منه بطلان صلاته، فواجبات الصلاة قسمان: واجبات لها، وواجبات فيها، فما كان واجبًا فيها وترك عمدًا، فالصلاة تبطل بتركه خاصة ما كان من الأركان والشروط، وما كان واجبًا لها وليس جزءًا منها كالأذان والجماعة على القول بوجوبهما، فالصلاة لا تبطل بتركه، ولو كان متعمدًا، فلو قدرنا أن السترة واجبة للصلاة، ودفع المار واجب على المصلي، فإنها تعد من الواجبات لها، لا من الواجبات فيها، بدليل أنه لو صلَّى بلا سترة، ولم يقطع صلاته أحد كانت صلاته صحيحة، فلم تكن هذه جزءًا من حقيقة الصلاة، وسيأتي في مبطلات الصلاة مناقشة هذه المسألة بتوسع. الدليل السابع: (ح-٢١٥٠) ما رواه أبو يعلى في مسنده من طريق زائدة بن قدامة، عن سماك ابن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ﷺ : ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل ثم يصلي (١). [تفرد به سماك، عن موسى بن طلحة، واختلف عليه في لفظه] (٢).

стр. 5883

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5884

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5885

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →