← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

الدليل السادس: (ح-٢١٤٩) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان (١). وجه الاستدلال: قالوا: إن السترة تحافظ على الصلاة من القطع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. • ونوقش هذا الاستدلال من أكثر من وجه: الوجه الأول: النزاع في مدلول القطع، أهو بطلان الصلاة أم نقصها، وعلى القول بأنه محمول على البطلان، أهو حكم تعبدي أم معلل، وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن الصلاة لا يقطعها شيء، وسيتوجه البحث لهذه المسألة في مبطلات الصلاة إن شاء الله في المجلد الذي يلي هذا، فانظره هناك. الوجه الثاني: على القول بأن مرور هذه الثلاثة يقطع الصلاة، فإن السترة لم تتعين كسبيل وحيد للمحافظة على الصلاة؛ فالمصلي قد يضع السترة، ويحصل المرور بينه وبين سترته، كما أن الشرع قد أذن للمصلي بمنع المار من المرور، حتى ولو أدى ذلك إلى دفعه بشدة، وهذا طريق للمحافظة على الصلاة بغير السترة، فلم تتعين السترة.

стр. 5882

الوجه الثالث: لا يلزم من ترك السترة قطع الصلاة حتى يقال: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فحديث أبي ذر: (إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود)، فلم يرتب القطع على ترك السترة بل على المرور. فإذا لم يمر بين يديه أحد هؤلاء الثلاثة فإن صلاته محفوظة عن القطع، وعلى القول بأن السترة واجبة فإن الإخلال بها لا يلزم منه بطلان صلاته، فواجبات الصلاة قسمان: واجبات لها، وواجبات فيها، فما كان واجبًا فيها وترك عمدًا، فالصلاة تبطل بتركه خاصة ما كان من الأركان والشروط، وما كان واجبًا لها وليس جزءًا منها كالأذان والجماعة على القول بوجوبهما، فالصلاة لا تبطل بتركه، ولو كان متعمدًا، فلو قدرنا أن السترة واجبة للصلاة، ودفع المار واجب على المصلي، فإنها تعد من الواجبات لها، لا من الواجبات فيها، بدليل أنه لو صلَّى بلا سترة، ولم يقطع صلاته أحد كانت صلاته صحيحة، فلم تكن هذه جزءًا من حقيقة الصلاة، وسيأتي في مبطلات الصلاة مناقشة هذه المسألة بتوسع. الدليل السابع: (ح-٢١٥٠) ما رواه أبو يعلى في مسنده من طريق زائدة بن قدامة، عن سماك ابن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ﷺ : ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل ثم يصلي (١). [تفرد به سماك، عن موسى بن طلحة، واختلف عليه في لفظه] (٢).

стр. 5883

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5884

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5885

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5886

• ويناقش: بأن لفظ الأمر (ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل) هذا لفظ زائدة بن قدامة، عن سماك، وزائدة قديم السماع عن سماك، لكن خالفه الثوري في لفظه، كما خالفه عمر بن عبيد الطنافسي وأبو الأحوص وإسرائيل وغيرهم ممن رواه عن سماك. ولو اعتبرنا لفظ الأمر محفوظًا فقد تبين لك من جمع طرقه أن الأمر خرج جوابًا عن سؤال من بعض الصحابة، والأمر إذا كان جوابًا عن سؤال لا تدل صيغته على الوجوب. الدليل الثامن: من الآثار. (ث-٥١٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا محمد بن يزيد، عن أيوب أبي العلاء، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، رآني عمر وأنا أصلي بين أسطوانتين، فأخذ بقفائي، فأدناني إلى سترة، فقال: صلِّ إليها (١). [علقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم] (٢).

стр. 5887

وينازع في دلالته على الوجوب فإن كان مأخوذًا من تحريك عمر ﵁ لقرة بن إياس ونقله من مكان صلاته إلى السترة، فليس كافيًا للجزم بالوجوب، فالحركة مباحة لتحصيل المستحب، كالانتقال لسد فرجة في الصف، ولا يقال: إن التحرك لسد الفرجة أمارة على وجوب ذلك، وقد يعكس، فيقال: ترك الصحابي قرة بن إياس للسترة دليل على عدم ظهور وجوب السترة، فلو كانت السترة واجبة للصلاة لم يكن ذلك ليغيب عن الصحابي قرة بن إياس؛ لأن الصلاة وواجباتها كانت تفعل جماعة في المساجد خمس مرات في اليوم، ويتعلم الناس واجبات الصلاة، وسننها بشكل عملي، فما غاب عن علم الواحد منهم تلقاه من عصبة المسجد، والصلاة محل عناية الصحابة واهتمامهم، ينشأ عليها الصغير، ويهرم

стр. 5888

عليها الكبير، فلما ترك قرة بن إياس السترة كان ذلك أمارة على أنه كان معلومًا أن السترة ليست واجبة، وأما فعل عمر فكان معروفًا عنه حرصه على مكملات الصلاة، ولو كان قرة قد ترك واجبًا لقرعه عمر على تقصيره فيما مضى، والله أعلم. الدليل التاسع: كل الأحاديث التي ورد فيها صريحًا أن النبي ﷺ صلى إلى غير سترة لا يصح منها شيء، وما صح منها فليس بصريح. • ويناقش: لو سلم هذا فغايته يدل على مواظبة النبي ﷺ على السترة، وهو يدل على المشروعية وتأكيد السنية، ولا يدل على الإلزام؛ لأنه قد يعكس أيضًا كما في الدليل الأول من أدلة القول الثاني. الدليل العاشر: خرج بعضهم القول بالوجوب على القول بتأثيم المصلي إذا صلى في مكان يتعرض فيه لمرور الناس ولم يتخذ سترة، فإن دفع الإثم من الواجبات. • ويناقش: على القول بالتأثيم، أهو مرتب على ترك السترة أم مرتب على المرور؟ فلو لم يتخذ سترة، ولم يمر به أحد لم يأثم، فسقط ترتب التأثيم على ترك السترة. قال ابن عرفة: «اتفاقهم على تعلق التأثيم بالمرور نص في عدم الوجوب، وإلا لزم التأثيم دون مرور» (١). • دليل من قال: اتخاذ السترة في الصلاة مستحب: الدليل الأول: كل الأحاديث التي ورد فيها الأمر بالسترة لا يصح منها شيء، والأصل عدم الوجوب، وليس البحث في مشروعيتها، فهذا أمر مجمع عليه، ومواظبة النبي ﷺ على فعلها حضرًا وسفرًا دليل على تأكد سنيتها، إلا أنه لا ينهض للاستدلال به على الوجوب.

стр. 5889

الدليل الثاني: (ح-٢١٥١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفعه أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان (١). وجه الاستدلال: قوله: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس) فيه دليل على عدم الإلزام بالسترة، وهذا هو شأن السنن، فأما الواجبات فلا خيار للمصلي في تركها، والحديث في غاية الصحة. هذان الدليلان من أقوى الأدلة على الاستحباب، وهناك أدلة استدل بها الجمهور، وفي دلالتها نزاع، سأذكرها فيما بقي من الأدلة إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: (ح-٢١٥٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد (٢).

стр. 5890

وجه الاستدلال: حملوا قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي يصلي إلى غير سترة. قال الشافعي في اختلاف الحديث: «قول ابن عباس (إلى غير جدار) يعني والله أعلم إلى غير سترة» (١). وترجم البيهقي عليه باب من صلى إلى غير سترة. وقال الحافظ في الفتح: قوله: (إلى غير جدار) أي إلى غير سترة، قاله الشافعي وسياق الكلام يدل على ذلك؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ: (والنبي ﷺ يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره) (٢). وقال أيضًا: «فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة» (٣) • ونوقش هذا من وجوه: الوجه الأول: لم يفهم الإمام البخاري من قوله: (صلى إلى غير جدار)، الصلاة إلى غير سترة، ولهذا بوب عليه في صحيحه، فقال: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه. وقال العراقي في طرح التثريب: «لا يلزم من قوله: (إلى غير جدار) ألا يكون ثم سترة، وإن كان الشافعي قد فسر قوله: (إلى غير جدار) أن المراد إلى غير سترة» (٤). وقال ابن دقيق العيد: «ولا يلزم من عدم الجدار عدم السترة» (٥). فالظاهر أن ابن عباس أراد من نفي الجدار الإعلام بأن صلاة النبي ﷺ كانت في فضاء لا بنيان فيها، ولم يتعرض لذكر السترة، لا نفيًا، ولا إثباتًا، فيلزم من نفي (الجدار) نفي البنيان، ولا يلزم من نفي البنيان نفي العنزة والحربة،

стр. 5891

فحتى يسلم الاستدلال من الاعتراض لابد من إثبات أنه كان يصلي إلى غير سترة، ليكون الاستدلال به متجهًا. جاء في شرح القسطلاني: «قوله: (إلى غير جدار) لفظ (غير) يشعر بأن ثمة سترة؛ لأنها تقع دائمًا صفة، وتقديره: إلى شيء غير جدار، وهو أعم من أن يكون عصا أو غير ذلك» (١). ومن ثم لا أرى في هذا الدليل ما يصح في الاستدلال لأي من القولين: لا في نفي وجوب السترة، ولا على إثبات وجوبها. الوجه الثاني: تفرد الإمام مالك بلفظ: (يصلي بالناس إلى غير جدار) مع الاختلاف عليه في ذكرها. قال ابن رجب: «لا نعلم أحدًا ذكر في حديث ابن عباس: (إلى غير جدار) غير مالك» (٢). وكان يمكن أن يعتبر تفرد الإمام مالك زيادة من ثقة لإمامته وضبطه لولا أن الإمام مالكًا نفسه قد اختلف عليه في ذكرها، فمن رواها عنه بلا ذكرها أكثر عددًا، وفيهم من يعد في الطبقة الأولى من أصحاب مالك، فروايتهم أولى أن تكون محفوظة لموافقتها سائر من رواه عن الزهري غير الإمام مالك، كابن عيينة ويونس، ومعمر وابن أخي ابن شهاب حيث رووا الحديث بلا ذكرها (٣).

стр. 5892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5893

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5894

وإذا لم يمكن الترجيح بين أصحاب الإمام مالك لكون الخلاف وقع بين أصحابه من الطبقة الأولى فإن ذلك يجعل التبعة على الإمام مالك نفسه، لا على الرواة عنه، وإمامة مالك وضبطه وندرة أوهامه لا يدفع احتمال اضطرابه؛ لتعذر الترجيح بين الرواة عنه، وما من إمام مهما علا كعبه في الحفظ والإتقان إلا يقع منه ما لا يعصم منه بشر، وكون الإمام البخاري قد صححها في صحيحه فهذا اجتهاده، والإمام مسلم قد تجنب تخريج هذا الحرف من الحديث، وإن كانت على شرطه، ولعل ذلك يعود للاختلاف في ذكرها، والله أعلم. الوجه الثالث: قول الحافظ: (لو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة)، فغير مسلم. فالفائدة من حديث ابن عباس تخصيص حديث أبي جهيم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه). فإن عمومه: يشمل الإمام والمنفرد والمأموم، فجاء حديث ابن عباس فخصَّه بالإمام والمنفرد، وأخرج المأموم من هذا العموم، فلا حرج بالمرور بين يديه. كما أن حديث أبي سعيد بدفع المار بين يديه ظاهره عموم الأمر لكل مصلٍّ أن يدفع من يمر بين يديه، فجاء حديث ابن عباس فخصَّ الأمر بالدفع في حق الإمام والمنفرد، وأخرج المأموم من الأمر بدفع المار. وأما ما احتج به الحافظ من رواية البزار، فهي من غير طريق الزهري، عن عبيد الله عن ابن عباس، وهي رواية منكرة، وهي في جملة أدلة من نفى وجوب السترة، لهذا سأذكرها دليلًا مستقلًا في الدليل التالي. الدليل الرابع: (ح-٢١٥٣) ما رواه البزار من طريق ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الكريم، أن مجاهدًا أخبره،

стр. 5895

عن ابن عباس، ﵄، قال: أتيت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه (١). [أعله ابن خزيمة] (٢). • ونوقش هذا: هذا الحديث كما تبين لك من تخريجه أنه معلٌّ، ومعارض بما هو أقوى منه. فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم يعني: ابن

стр. 5896

أبان، قال: سمعت عكرمة، يقول: قال ابن عباس: ركزت العنزة بين يدي النبي ﷺ ، بعرفات، فصلى إليها والحمار يمر من وراء العنزة (١). [تفرد به الحكم بن أبان عن عكرمة، وهو صدوق] (٢). ومعلوم أن النبي ﷺ ما صلى بالمسلمين في عرفة إلا صلاة واحدة، جمع فيها بين الظهر والعصر، فحديث ابن عباس من رواية عبد الكريم عن مجاهد، عنه، يفيد أنه صلى وليس شيء يستره يحول بينه وبين الناس. وحديث ابن عباس من رواية الحكم بن أبان، عن عكرمة، عنه، يفيد أنه صلى إلى عنزة، والحمار يمر من رواء العنزة، وهذا أولى أن يكون محفوظًا لموافقته ما عرف من عادة النبي ﷺ حضرًا وسفرًا. قال أبو بكر ابن خزيمة: «فهذا الخبر يضاد خبر عبد الكريم، عن مجاهد؛ لأن في هذا الخبر أن الحمار إنما كان وراء العنزة، وقد ركز النبي ﷺ العنزة بين يديه بعرفة، فصلى إليها، وفي خبر عبد الكريم، عن مجاهد، قال: (وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه). وخبر عبد الكريم، وخبر الحكم بن أبان، قريب من جهة النقل؛ لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره، وكذلك خبر الحكم بن أبان، غير أن خبر الحكم بن أبان تؤيده أخبار عن النبي ﷺ صحاح من جهة النقل، وخبر

стр. 5897

عبد الكريم، عن مجاهد، يدفعه أخبار صحاح من جهة النقل، عن النبي ﷺ » (١). فإن حملنا رواية عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس في قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي يصلي إلى شيء غير جدار، فيكون ما أجمل في رواية عبيد الله جاء مفسرًا في رواية الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس، فلا تعارض بينهما. (ح-٢١٥٤) ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري من طريق شعبة، عن الحكم، عن أبي جحيفة، قال: خرج رسول ﷺ بالهاجرة، فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين، ونصب بين يديه عنزة وتوضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه (٢). وفي رواية لمسلم نحوه، وفيه: .. ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة (٣). وهذا كان بالأبطح في حجة الوداع، وإذا لم يترك النبي ﷺ السترة في حجة الوداع، فصلاته في منى أو في عرفة على اختلاف الرواة، والمحفوظ الأول، ليست استثناء، فلو أراد ابن عباس من نفي الجدار نفي السترة لعبر بنفي العنزة والحربة ومؤخرة الرحل ليدل نفي الأقل على نفي الأعلى، وليس العكس. وإن فسرنا قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي إلى غير سترة، فإن رواية عبيد الله في الصحيحين أصح مما تفرد به الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس والله أعلم. والتفسير الأول أقوى؛ لأن النبي ﷺ لم يكن ليترك السترة، وقد أمر بها أمته، وكانت تحمل له في صلاة العيد، وكانت تضرب له العنزة في السفر ليصلي إليها. (ح-٢١٥٥) فقد روى الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه؛ فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر (٤). فهذا الحديث مقطوع بصحته، ومن أصح الأسانيد، وعبيد الله في نافع مقدم حتى

стр. 5898

على الإمام مالك مع جلالته وقدره، وقد نص على أن هذا فعله ﷺ في الحضر والسفر، ولفظ: (كان) مشعر بالدوام والاستمرار. وإذا كانت رواية عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس تحتمل أن يكون صلى إلى سترة غير جدار، وتحتمل أن يكون أراد من نفي الجدار نفي السترة بالكلية كان حمله على المعروف من عادته ﷺ ، أولى من حمله على النادر، وهذا ما جعل البخاري يُبَوِّب عليه في صحيحه، فقال: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه. قال ابن حجر: «وكأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته ﷺ أنه كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ثم أيد ذلك بحديثي ابن عمر وأبي جحيفة، وفي حديث ابن عمر ما يدل على المداومة، وهو قوله بعد ذكر الحربة: وكان يفعل ذلك في السفر» (١). ومع القول بأن الراجح أن نفي الجدار لا يدل على نفي السترة، فكذلك ليس فيه دلالة على وجوب السترة؛ لأننا حتى لو قطعنا أن حديث ابن عباس قد ثبت أن النبي ﷺ قد صلى إلى سترة غيرِ جدارٍ؛ فهو مجرد فعل، غايته أن يدل على مشروعية السترة، وهذا خارج محل النزاع. الدليل الخامس: (ح-٢١٥٦) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: زار النبي ﷺ عباسًا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي ﷺ العصر، وهما بين يديه فلم تؤخرا ولم تزجرا (٢). [منكر] (٣).

стр. 5899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5901

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5902

الدليل السادس: (ح-٢١٥٧) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: رأيت النبي ﷺ حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطواف أحد (١). [حديث معلٌّ] (٢).

стр. 5903

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5904

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5907

• وأجيب من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن الحديث لم يصح؛ لأن المحفوظ أنه من رواية كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض أهله، عن جده، ففي الإسناد إبهام الواسطة بين كثير وبين جده، وسبق تخريجه. الوجه الثاني: على فرض صحته، فالعلماء مختلفون في استثناء الحرم من تحريم المرور بين يدي المصلي، وهو قول طاوس، وعطاء، ونص عليه أحمد في رواية ابن الحكم وغيره (١) وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة. الوجه الثالث: حاول الشوكاني أن يرد الاستدلال بهذا الحديث بجعل ترك السترة من خصائصه ﵊ اعتمادًا على أصل ضعيف تقرر عنده، أن فعل النبي ﷺ إذا تعارض مع قوله، حمل الفعل على أنه خاص به، والقول خاص بأُمَّته (٢). • ورد هذا القول: بأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فالأمر بمتابعة النبي يشمل فعله كما يشمل قوله، فيشرع الاقتداء بالنبي ﷺ في كل ما فعله إلا أن ينص على الخصوصية بذاتها، وليس لمجرد تعارض الفعل مع القول. وقال : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. هذا نص صريح على الخصوصية. وجاء في حديث أبي هريرة مرفوعًا، قال رسول الله ﷺ : إياكم والوصال

стр. 5908

مرتين، قيل: إنك تواصل، قال: إني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني (١). فنص على خصوصية وصال الصيام. ولذلك لما رغب بعض الصحابة عن سنته في النكاح وقيام الليل وصيام الدهر، بحجة أن النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، غضب النبي ﷺ ، وقال: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكن أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (٢). ولم يأت حديث صريح في أن ترك السترة كان عن خصوصية، فالأصل الاقتداء. فإذا نهى النبي ﷺ عن شيء وفعله كان ذلك قرينة على أن النهي ليس للتحريم، وإذا أمر بشيء وتركه أحيانًا كان ذلك قرينة على أن الأمر ليس للوجوب، فيحمل على الاستحباب إن كان من القُرَب، أو على الإباحة إن لم يكن منها، وأما دعوى أن الفعل خاص به، إذا خالف قوله ويجعل القول خاصًّا بأمته فهذا من أضعف الأصول الذي تبناها الشوكاني عليه رحمة الله، ولو صح حديث المطلب لكان ذلك دليلًا إما على استحباب السترة وهو الأظهر، وإما على خصوصية الحرم، للمشقة، ولكن الحديث قد وقفت على علته، والله أعلم (٣). الدليل السابع: من الآثار. (ث-٥١٥) ما رواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كنت أصلي فمر إنسان بين يدي، فمنعته، فأبى، فمر، قال: فأتيت عثمان، فسألته؟ فقال: يا ابن أخت لا يضرك (٤). [صحيح] (٥).

стр. 5909

• ونوقش: بأنه ليس صريح الدلالة، فيحتمل أنه لا يضره؛ أي لا إثم عليه إذا حاول منعه فغُلِب، ويحتمل أنه لا يضره؛ أي لا يبطل صلاته، وإن نقص ذلك من أجره. • ويجاب: أما تفسير نفي الضرر، بنفي الإثم إذا حاول منعه فغلب، فهذا يصح لو أنه لم يثبت عن عثمان أنه كان يقول: لا يقطع الصلاة شيء، وقد جاء في طريق عبد الله ابن صالح كاتب الليث، وفي طريق ابن جريج أن الصلاة لا يقطعها شيء، وسبق تخريجه، ولله الحمد.

стр. 5910

(ث-٥١٦) وروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن علي وعثمان، قالا: لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوهم ما استطعتم. [صحيح] (١). (ث-٥١٧) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن حنظلة الجمحي، عن سالم بن عبد الله، قال: صلى بنا ابن الزبير، فمرت بين أيدينا امرأة بعد ما قد صلينا ركعة، أو ركعتين، فلم يبال بها (٢). ورواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق ابن وهب، قال: حدثنا حنظلة، عن سالم، قال: صليت مع عبد الله بن الزبير بمكة، فمرت بين يدي الصف امرأة فما بالوها (٣). [صحيح]. وقد يقال: إن الإجمال في رواية وكيع في قوله: (فمرت بين أيدينا) أكان يعني فمرت بين يدي الإمام أم أنه يقصد أنها مرت بين يدي المأموم، قد قطع ذلك ما جاء مفسرًا في رواية ابن وهب في قوله: (فمرت بين يدي الصف)، ولا تأثير للمرور بين يدي المأموم. وأما ما رواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن جريج،: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، قال: رأيت ابن الزبير يصلي، فمرت امرأة بين يديه تطوف بالبيت، فوضع جبهته في موضع قدمها (٤).

стр. 5911

[رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن أبيه، وهو المعروف، وأبوه فيه لين] (١). هذا ما وقفت عليه في آثار الصحابة فيما يتعلق بالمرور، وإن كان قد ثبت عن بعضهم القول بأنه لا يقطع الصلاة شيء، ولكن هذا بحث آخر. وأما ما جاء عن التابعين، وإن كان لا حجة فيه، لكنه يؤكد جواز الصلاة من غير سترة عن جماعة منهم، ولا يعرف لهم مخالف من التابعين ليؤكد على صحة القول أنه لا يؤثر القول بوجوب السترة عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين، ولا عن أحد من أتباع التابعين في عصر الإمام أبي حنيفة والإمام مالك وطبقتهم. (ث-٥١٨) فقد روى مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، أن أباه كان يصلي في الصحراء إلى غير سترة (٢). [صحيح] (٣). (ث-٥١٩) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن مهدي بن ميمون، قال: رأيت الحسن يصلي في الجبانة إلى غير سترة (٤). [صحيح]. (ث-٥٢٠) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال:

стр. 5912

رأيت محمد بن الحنفية، يصلي في مسجد منى، والناس يصلون بين يديه، فجاء فتى من أهله فجلس بين يديه. [صحيح]. (ث-٥٢١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معن بن عيسى، عن خالد بن أبي بكر، قال: رأيت القاسم، وسالمًا، يصليان في الصحراء إلى غير سترة (١). [خالد بن أبي بكر في حفظه شيء إلا أن الرجل ينقل ما شاهده فهو أقرب إلى الضبط من الألفاظ التي تعتمد على الحفظ]. (ث-٥٢٢) وروى ابن أبي شيبة من طريق حجاج بن أرطاة، قال: سألت عطاء عن الرجل يصلي في الفضاء، ليس بين يديه شيء، قال: لا بأس به (٢). [حجاج متكلم في حفظه]. • دليل من قال: السترة مشروعة ولو أمن المرور: (ح-٢١٥٨) ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا صفوان بن سليم، قال: أخبرني نافع بن جبير بن مطعم، عن سهل بن أبي حثمة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته. [صحيح] (٣). وجه الاستدلال: بَيَّن الحديث أن العلة في اتخاذ السترة ليس لمنع المرور فحسب، بل العلة أيضًا لمنع الشيطان أن ينقص من أجر الصلاة، فالعلماء قد ذكروا أن علة اتخاذ السترة مركبة من أمرين: إحداهما: منع المرور بين المصلي وبين سترته.

стр. 5913

الثاني: قصر البصر إلى حدود موضع السترة فلا يتجاوزه؛ لأن البصر إذا انتشر شغل ذلك المصلي عن التدبر والخشوع مما يؤدي إلى نقص الثواب، وهذا هو المعنى الذي أضافه الحديث إلى فعل الشيطان، وأطلق عليه القطع، والمقصود: إنقاص الثواب؛ لأن وسوسة الشيطان والتي جاءت بسبب انتشار البصر لا تفسد الصلاة، حتى ولو غلبت على المصلي فلم يدر كم صلى. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: إن حملنا: (الشيطان) بأنه من شياطين الجن، كان الأمر بالدنو منها تعبديًا، وكان تفسيركم متجهًا بأن السترة مشروعة مع أمن المرور، ولكن هذا التفسير غير مسلم للأمور التالية: الأمر الأول: أن الشيطان علة في قطع الكلب الأسود للصلاة، كما في حديث أبي ذر في مسلم، وإذا كان الكلب معللًا بالشيطنة فالظاهر أن المرأة والحمار كذلك؛ لأن تساويهما في الحكم يعني تساويهما في العلة. كما وصف الرجل الذي يمنع من المرور ويأبى في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان (١). فأطلق الحديث على الرجل الذي يأبى الامتناع إذا منع بأنه شيطان. وليس المراد بأن الشيطان يتمثل بالكلب، وإن قال به ابن هبيرة في الإفصاح (٢)، وإنما المقصود بالشيطان: ما جاء في تعريفه في الصحاح: كل عاتٍ من الإنس والجن والدواب فهو شيطان (٣). فالشيطنة في الكلب وصف متعد إلى المصلي بالأذية. فإطلاق الشيطان أيراد به العموم، أم أنه من العام الذي يراد به الخصوص، فيحمل

стр. 5914

الشيطان المطلق في حديث سهل بن أبي حثمة على الشيطان المفسر في حديث أبي ذر، وحديث أبي سعيد، ويكون اتخاذ السترة معللًا، أي معقول المعنى، مرتبطًا بالمرور، فإذا أمن المرور فلا بأس من الصلاة إلى غير سترة. والذي يرجح أن المقصود من الشيطان شيطان خاص، وليس مطلق الشيطان أن الدنو من السترة معلل كي لا يقطع الصلاة، والدنو من السترة لا يمنع شيطان الجن من الوسوسة، وإنما الدنو من السترة يُمَكِّن المصلي من دفع شيطان الإنس والدواب من المرور، فإذا ابتعد المصلي عن سترته لم يتمكن المصلي من منع المتمرد المصر على المرور من قطع صلاته إلا بالمشي إليه، فتكون علة الدنو منها لأجل التمكن من دفعه حتى لا يقطع عليه صلاته، فيكون هذا وجهًا في تفسير الشيطان بشيطان الإنس والدواب، دون شيطان الجن، فإن هذا دفعه يكون بالاستعاذة من شره، ولا تأثير للدنو من السترة عليه، والله أعلم. الأمر الثاني: أن الأحاديث ربطت بين الأمر بالسترة وبين تأثير المرور بين يدي المصلي، مما يجعل المرور علة في حكم اتخاذ السترة. (ح-٢١٥٩) فقد روى مسلم من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصلِّ، ولا يبالي من مر وراء ذلك. ورواه مسلم من طريق عمر بن عبيد الطنافسي، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: كنا نصلي، والدواب تمر بين أيدينا، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: مثل مؤخرة الرحل تكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه (١). الوجه الثاني: لو سلمنا أن السترة لقطع الشيطان من الوسوسة، فلا يكفي ذلك للقول بوجوب

стр. 5915

السترة؛ لأن السترة إذا كانت وسيلة لتحصيل الخشوع في الصلاة، فالخشوع قسمان: الأول: خشوع القلب، وهو المعني باتخاذ السترة من أجله على هذا التفسير، وحكمه ليس بواجب عند الأئمة الأربعة، وحكي إجماعًا، ولو كان واجبًا لكان تفويته عمدًا يبطل الصلاة، وسهوًا يوجب السهو، وإن كان ذلك ينقص من ثوابها، فإذا كان الخشوع ليس واجبًا كانت وسيلة تحصيله على القول بأن السترة من وسائل تحصيل الخشوع ليست واجبة كذلك؛ لأن وسائل تحصيل الواجب واجبة، ووسائل تحصيل المستحب مستحبة. القسم الثاني من الخشوع: خشوع الجوارح، وهذا ليس له علاقة بالسترة، وحكمه راجع إلى حكم الحركة في الصلاة، والفقهاء طرفان فيه ووسط، والصواب فيه أن الحركة الكثيرة إذا تفرقت حتى كانت آحادها يسيرة، أو كانت لحاجة لا تبطل الصلاة، وقد بحثت الحركة في الصلاة في مبطلات الصلاة، وأتيت على أنواع الحركة، وما يبطل الصلاة فارجع إليه. • الراجح: أريد أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى المنهج عند الكلام على حكم هذه المسألة الفقهية أو على غيرها من المسائل من حيث الأدلة ومن حيث الدلالة. فمن حيث الأدلة: الحكم لما تقتضيه الصنعة الحديثية، فإن صح الأمر بالسترة في حديث صحيح سالم من الشذوذ ومن العلة، أو صح النهي عن الصلاة بلا سترة، قضي الأمر، وتعين على الباحث القول بوجوب السترة، ولم ينظر للكثرة والقلة من العلماء، إلا أن يكون هناك اتفاق بين أهل القرون المفضلة على فهم لهذه النصوص فإنه يتعين. ومن حيث الدلالة: فإن القول بالوجوب تحكمه دلالات الألفاظ، وما يقتضيه أدلة أصول الفقه، فلا يكفي مواظبة النبي ﷺ على السترة، وحرصه عليها حضرًا وسفرًا ولا حرص الصحابة ﵃ عليها لا يكفي ذلك للقول بالوجوب؛ لأن هذه الأمور من حيث الدلالة لا تُبَلِّغ الوجوب. وإذا كانت الدلالة ليست صريحة وكانت متجاذبة بين القول بالوجوب وعدمه، فإن ذلك ينبغي أن يكون في مصلحة من يقول بعدم الوجوب؛ لأنه هو الأصل، ولأن

стр. 5916

الأصل عدم التأثيم، حتى يغلب على الظن القول بالوجوب. وإذا كانت الدلالة ليست صريحة فعلى الباحث أن يبحث في المرجحات وفي مقدمتها قول الصحابي إذا دلَّ قوله وليس فعله على الوجوب؛ لقربهم من الوحي، ولفضلهم على غيرهم. كما يأتي من المرجحات الاستئناس بقول الأئمة الأربعة إذا اتفقوا على مسألة في أدلة دلالتها ليست صريحة. وإذا طبقت هذا المسلك على مسألتنا وجدت أن جميع الأدلة التي فيها الأمر بالسترة لا تسلم من قادح، هذا من حيث الأدلة، ومن حيث الدلالة فالقول بوجوب السترة لا يعرف عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، ولا من الأئمة الأربعة إلا رواية عن أحمد خلاف المعتمد في مذهبه، وليس كلامه بالوجوب بأولى من كلامه الصريح بعدم بالوجوب، كل ذلك يقوي دلالة القول بالاستحباب، ولا يكفي حرص السلف على السترة للقول بأنها واجبة.

стр. 5917

الفرع الثاني في حكم المرور بين يدي المصلي إذا كان له سترة المدخل إلى المسألة: • قوله: (إذا صلى … فأراد أحد أن يجتاز بين يديه) فقوله: (أحد) نكرة في سياق الشرط، فتعم كل أحد، سواء أكان محتاجًا للمرور أم لا. • العام جارٍ على عمومه لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع. • عبر الشارع بأن الوقوف أربعين خير له من إثم المرور، إشارة إلى إلغاء اعتبار مشقة الوقوف مسوغًا لجواز المرور. • كل مشقة ألغاها الشرع، لا يمكن اعتبارها، ولا أثر لها. • لما أمر المصلي بدفع المار، مع ما في المدافعة من الانشغال عن الصلاة، وكونه حركة أجنبية فيها، دلَّ ذلك على تحريم المرور، فلولا أنه منكر لما أذن في فعله داخل الصلاة. [م-٧٢٩] اختلف العلماء في حكم المرور بين المصلي وبين سترته: فقيل: يكره المرور مطلقًا، اختار الغزالي من الشافعية، والقاضي أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة (١). وذهب الأئمة الأربعة إلى تحريم المرور بين يدي المصلي وبين سترته (٢)،

стр. 5918

على خلاف بينهم: فقيل: يحرم مطلقًا، سواء أكان المار له مندوحة أم لا، اختاره الملا علي القاري من الحنفية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١). وقيل: إن وجد سبيلًا آخر حرم المرور، وإلا لم يحرم، اختاره بعض المتأخرين من الحنفية، وهو مذهب المالكية، وبعض الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). جاء في الروض المربع: «ويسن له: أي للمصلي رد المار بين يديه … ما لم يغلبه

стр. 5919

أو يكون المار محتاجًا إلى المرور» (١). وقال التنوخي في شرح المقنع: «وهذا الرد إنما يكون إذا كان للمار سبيل غير ذلك فإن لم يجد سبيلاً لازدحام الناس ونحوه لم يشرع الرد، ولا يكره المرور» (٢). وينبغي أن يقيد الخلاف فيما إذا لم يقصر المصلي في مكان صلاته، فإن صلى على قارعة الطريق، أو درب يضيق، أو باب مسجد، أو في محل الطائفين فلا يحرم المرور؛ لأنه متعد في اختيار هذا المكان لصلاته. • دليل تحريم المرور مطلقًا للمحتاج وغيره: الدليل الأول: (ح-٢١٦٠) روى البخاري ومسلم من طريق حميد بن هلال العدوي، قال: حدثنا أبو صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، وفيه: .... فقال أبو سعيد: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان (٣). وجه الاستدلال من التحريم مطلقًا: قوله: (إذا صلى … فأراد أحد أن يجتاز بين يديه) فقوله: (أحد) نكرة في سياق الشرط، فتعم كل أحد، سواء أكان محتاجًا للمرور أم لا؛ لأن العام جارٍ على عمومه لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع، هذا من جهة الاستدلال بالمرفوع. وقوله في القصة: (فلم يجد مساغًا)، دليل على تحريم المرور حتى مع حاجة المار إلى المرور، وإن كان ذلك قد جرى في القصة، وهي ليست جزءًا من النص

стр. 5920

المرفوع، لكنها تطبيق عملي على صحة الاستدلال بالعام على جميع أفراده. قوله: (فليقاتله): يفيد التحريم؛ لأن المقاتلة مفاعلة، فهي تأتي في كل فعل مشترك بين اثنين أو طائفتين كالمضاربة، فلما أمر المصلي بدفع المار، فإن أبى فمقاتلته: كان ذلك دليلًا على تحريم المرور؛ وقد اغتفر ذلك بالرغم من قول النبي ﷺ : إن في الصلاة لشغلًا وهذا دليل على أن المرور منكر، فلولا أن الدفع لمنع محرم لما أذن في فعله داخل الصلاة. وقوله: (فإنما هو شيطان) فيه دلالة على تحريم المرور؛ لأنه جعله من عمل الشيطان، وأمر بالعقوبة عليه، وذلك لا يكون إلا فيما هو محرم. الدليل الثاني: (ح-٢١٦١) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ما ذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم: قال رسول الله ﷺ : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه. قال أبو النضر: لا أدري، أقال أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة (١). ف (أل) في (المار) يفيد العموم، فيشمل المحتاج إلى المرور وغيره، ومن أخرج المحتاج للمرور من العموم فقد خص النص بلا مخصص. وفي الحديث دلالة على تحريم المرور بين يدي المصلي: فإن المعنى أَنَّ المارَّ لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار وقوفه هذه المدة المذكورة على أن يلحقه ذلك الإثم، أو لكان وقوفه هذه المدة خيرًا له من أن يمر بين يديه، وظاهر الحديث يدل على أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر. الدليل الثالث: حكى بعض أهل العلم الإجماع على تحريم المرور بين يدي المصلي، قال ابن حزم: «واتفقوا على كراهية المرور بين المصلي وسترته، وأن
следующие страницы →