← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

الأصل عدم التأثيم، حتى يغلب على الظن القول بالوجوب. وإذا كانت الدلالة ليست صريحة فعلى الباحث أن يبحث في المرجحات وفي مقدمتها قول الصحابي إذا دلَّ قوله وليس فعله على الوجوب؛ لقربهم من الوحي، ولفضلهم على غيرهم. كما يأتي من المرجحات الاستئناس بقول الأئمة الأربعة إذا اتفقوا على مسألة في أدلة دلالتها ليست صريحة. وإذا طبقت هذا المسلك على مسألتنا وجدت أن جميع الأدلة التي فيها الأمر بالسترة لا تسلم من قادح، هذا من حيث الأدلة، ومن حيث الدلالة فالقول بوجوب السترة لا يعرف عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، ولا من الأئمة الأربعة إلا رواية عن أحمد خلاف المعتمد في مذهبه، وليس كلامه بالوجوب بأولى من كلامه الصريح بعدم بالوجوب، كل ذلك يقوي دلالة القول بالاستحباب، ولا يكفي حرص السلف على السترة للقول بأنها واجبة.

стр. 5917

الفرع الثاني في حكم المرور بين يدي المصلي إذا كان له سترة المدخل إلى المسألة: • قوله: (إذا صلى … فأراد أحد أن يجتاز بين يديه) فقوله: (أحد) نكرة في سياق الشرط، فتعم كل أحد، سواء أكان محتاجًا للمرور أم لا. • العام جارٍ على عمومه لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع. • عبر الشارع بأن الوقوف أربعين خير له من إثم المرور، إشارة إلى إلغاء اعتبار مشقة الوقوف مسوغًا لجواز المرور. • كل مشقة ألغاها الشرع، لا يمكن اعتبارها، ولا أثر لها. • لما أمر المصلي بدفع المار، مع ما في المدافعة من الانشغال عن الصلاة، وكونه حركة أجنبية فيها، دلَّ ذلك على تحريم المرور، فلولا أنه منكر لما أذن في فعله داخل الصلاة. [م-٧٢٩] اختلف العلماء في حكم المرور بين المصلي وبين سترته: فقيل: يكره المرور مطلقًا، اختار الغزالي من الشافعية، والقاضي أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة (١). وذهب الأئمة الأربعة إلى تحريم المرور بين يدي المصلي وبين سترته (٢)،

стр. 5918

على خلاف بينهم: فقيل: يحرم مطلقًا، سواء أكان المار له مندوحة أم لا، اختاره الملا علي القاري من الحنفية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١). وقيل: إن وجد سبيلًا آخر حرم المرور، وإلا لم يحرم، اختاره بعض المتأخرين من الحنفية، وهو مذهب المالكية، وبعض الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). جاء في الروض المربع: «ويسن له: أي للمصلي رد المار بين يديه … ما لم يغلبه

стр. 5919

أو يكون المار محتاجًا إلى المرور» (١). وقال التنوخي في شرح المقنع: «وهذا الرد إنما يكون إذا كان للمار سبيل غير ذلك فإن لم يجد سبيلاً لازدحام الناس ونحوه لم يشرع الرد، ولا يكره المرور» (٢). وينبغي أن يقيد الخلاف فيما إذا لم يقصر المصلي في مكان صلاته، فإن صلى على قارعة الطريق، أو درب يضيق، أو باب مسجد، أو في محل الطائفين فلا يحرم المرور؛ لأنه متعد في اختيار هذا المكان لصلاته. • دليل تحريم المرور مطلقًا للمحتاج وغيره: الدليل الأول: (ح-٢١٦٠) روى البخاري ومسلم من طريق حميد بن هلال العدوي، قال: حدثنا أبو صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، وفيه: .... فقال أبو سعيد: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان (٣). وجه الاستدلال من التحريم مطلقًا: قوله: (إذا صلى … فأراد أحد أن يجتاز بين يديه) فقوله: (أحد) نكرة في سياق الشرط، فتعم كل أحد، سواء أكان محتاجًا للمرور أم لا؛ لأن العام جارٍ على عمومه لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع، هذا من جهة الاستدلال بالمرفوع. وقوله في القصة: (فلم يجد مساغًا)، دليل على تحريم المرور حتى مع حاجة المار إلى المرور، وإن كان ذلك قد جرى في القصة، وهي ليست جزءًا من النص

стр. 5920

المرفوع، لكنها تطبيق عملي على صحة الاستدلال بالعام على جميع أفراده. قوله: (فليقاتله): يفيد التحريم؛ لأن المقاتلة مفاعلة، فهي تأتي في كل فعل مشترك بين اثنين أو طائفتين كالمضاربة، فلما أمر المصلي بدفع المار، فإن أبى فمقاتلته: كان ذلك دليلًا على تحريم المرور؛ وقد اغتفر ذلك بالرغم من قول النبي ﷺ : إن في الصلاة لشغلًا وهذا دليل على أن المرور منكر، فلولا أن الدفع لمنع محرم لما أذن في فعله داخل الصلاة. وقوله: (فإنما هو شيطان) فيه دلالة على تحريم المرور؛ لأنه جعله من عمل الشيطان، وأمر بالعقوبة عليه، وذلك لا يكون إلا فيما هو محرم. الدليل الثاني: (ح-٢١٦١) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ما ذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم: قال رسول الله ﷺ : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه. قال أبو النضر: لا أدري، أقال أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة (١). ف (أل) في (المار) يفيد العموم، فيشمل المحتاج إلى المرور وغيره، ومن أخرج المحتاج للمرور من العموم فقد خص النص بلا مخصص. وفي الحديث دلالة على تحريم المرور بين يدي المصلي: فإن المعنى أَنَّ المارَّ لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار وقوفه هذه المدة المذكورة على أن يلحقه ذلك الإثم، أو لكان وقوفه هذه المدة خيرًا له من أن يمر بين يديه، وظاهر الحديث يدل على أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر. الدليل الثالث: حكى بعض أهل العلم الإجماع على تحريم المرور بين يدي المصلي، قال ابن حزم: «واتفقوا على كراهية المرور بين المصلي وسترته، وأن

стр. 5921

فاعل ذلك آثم» (١). • دليل من قال: يكره المرور مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢١٦٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد (٢). وجه الاستدلال: قال الشافعي في اختلاف الحديث: «صلى يعني النبي ﷺ بمنى صلاة جماعة إلى غير سترة؛ لأن قول ابن عباس: (إلى غير جدار) يعني والله أعلم إلى غير سترة، ولو كانت صلاته تفسد بمرور شيء بين يديه لم يصلِّ إلى غير سترة» (٣). • ويجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: قد سبق لي اختلاف العلماء في دلالة قوله: (صلى إلى غير جدار): أهو نفي للسترة، أم نفي للجدار، ونقلت كلام العلماء في هذه المسألة، ورجحت أن ابن عباس أراد من نفي الجدار الإعلام بأن صلاة النبي ﷺ كانت في فضاء، لا بنيان فيها، ولم يتعرض لذكر السترة، لا نفيًا، ولا إثباتًا، فيلزم من نفي (الجدار) نفي البنيان، ولا يلزم من نفي البنيان نفي العنزة والحربة، فحتى يسلم الاستدلال من الاعتراض لابد من إثبات أنه كان يصلي إلى غير سترة، ليكون الاستدلال

стр. 5922

به متجهًا، وبالتالي لا أرى في هذا الدليل ما يصح في الاستدلال لأي من القولين: لا في نفي السترة، ولا على إثبات وجودها. وقيل: إن نفي الجدار لا يعني نفي السترة، وهذا توجه جماعة من أهل العلم منهم البخاري في صحيحه. جاء في شرح القسطلاني: «قوله: (إلى غير جدار) لفظ (غير) يشعر بأن ثمة سترة؛ لأنها تقع دائمًا صفة، وتقديره: إلى شيء غير جدار، وهو أعم من أن يكون عصا أو غير ذلك» (١). وانظر استكمال مناقشة الاستدلال في هذا الحديث في مسألة سابقة عند التعرض لحكم السترة، وانظر أيضًا ما فات هناك في المجلد الثاني عشر عند الكلام على مبطلات الصلاة بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود. الجواب الثاني: أما الجواب عن قول الإمام الشافعي عفا الله عنه: (لو كانت صلاته تفسد بمرور شيء بين يديه لم يصل إلى غير سترة). فيقال: القائلون بتحريم المرور لا يفسدون الصلاة بمجرد المرور، فلا تلازم بين تحريم المرور، وإفساد الصلاة، إلا أن يكون المار امرأة أو كلبًا أو حمارًا، ففي قطع الصلاة فيها خلاف، انظره في مبطلات الصلاة، والحمد لله. الدليل الثاني: (ح-٢١٦٣) ما رواه الشيخان من حديث أبي جهيم السابق: قال رسول الله ﷺ : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه. قال أبو النضر: لا أدري، أقال أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة (٢). وجه الاستدلال: قوله: (لكان أن يقف أربعين خيرًا له) قوله: (خيرًا) أفعل التفضيل يدخل على مشتركين في الفضل وأحدهما أرجح من الآخر، فكأنه قال: لكان أن يقف أربعين

стр. 5923

أفضل له من المرور، وهذا مشعر بالكراهة، وليس التحريم. • ويجاب: بأن أفعل التفضيل تارة يستعمل بين طرفين في كل واحد منهما فضل، إلا أن أحدهما أكثر من الآخر، وفي هذه الحال لا تدل هذه الصيغة على الوجوب، فيطلب حكمهما من دليل آخر. وتارة تقع المفاضلة بين طرفين، ويكون الفضل حصرًا في أحدهما دون الآخر فهذه الصيغة لا تنافي الوجوب، ولها أمثلة كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلقَى فِي النَّارِ خَيرٌ أَمْ مَنْ يَأتِي آمِنًا يَومَ القِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ [الجمعة: ١١]. وقول المؤذن الصلاة خير من النوم. وأي خير في النوم عن الصلاة. وحديث (لكان أن يقف أربعين خيرًا له) من هذا الباب: أي من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر منه أي خير، فلا ينافي تحريم المرور. الدليل الثالث: (ح-٢١٦٤) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي ﷺ حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطواف أحد (١). [حديث معلٌّ] (٢). وجه الاستدلال: أن المرور لو كان محرمًا لما صلى النبي ﷺ في مكان يعرض فيه صلاته للفساد، وأحقية الطائف في مكان عبادته عذر له بالمرور، وليس عذرا للمصلي، فلما صحت

стр. 5924

صلاته في هذا المكان علم أن المرور بين يديه ليس محرمًا. • وأجيب: بأن الحديث لو صح لكان له أكثر من جواب، ولكن إعلاله ألقى عنا مؤنة الجواب عنه، وقد سبق تخريجه. وبعض أهل العلم يرى أن المرور في الحرم المكي ليس محرمًا لمشقة الاحتراز، وسوف أبحث حكم المرور في الحرم في مسألة خاصة إن شاء الله تعالى. الدليل الرابع: (ح-٢١٦٥) ما رواه البزار من طريق ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الكريم، أن مجاهدًا أخبره، عن ابن عباس، ﵄، قال: أتيت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه (١). [أعله ابن خزيمة] (٢). الدليل الخامس: (ح-٢١٦٦) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: زار النبي ﷺ عباسًا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي ﷺ العصر، وهما بين يديه فلم تؤخرا ولم تزجرا (٣). [منكر] (٤). الدليل السادس: (ح-٢١٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن قيس، عن أمه،

стр. 5925

عن أم سلمة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله أو عمر، فقال: بيده هكذا، قال: فرجع، قال: فمرت ابنة أم سلمة، فقال بيده هكذا، قال: فمضت فلما صلى رسول الله ﷺ قال: هن أغلب (١). [ضعيف] (٢).

стр. 5926

وجه الاستدلال: أن المرور لو كان حرامًا لبينه النبي ﷺ ، فلما لم يبين علم أن المرور مكروه. • دليل من قال: يحرم المرور إلا مع الحاجة: قالوا: إن الرجل إذا لم يجد سبيلًا إلا المرور بين يدي المصلين، وكان في انتظار فراغه من صلاته مشقة كبيرة، فإن المشقة تجلب التيسير كما هو معلوم من قواعد الشريعة.

стр. 5927

قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ولأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة كما هو مقرر في القواعد الفقهية. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: الشرع لا يعلل الأحكام بالمشقة، فالفطر والقصر في السفر علق على السفر، ولم يعلق على المشقة؛ لأنها غير منضبطة، ولتفاوت الناس في تحملها. الوجه الثاني: كل مشقة ألغاها الشرع، لا يمكن اعتبارها، ولا أثر لها، وقد عبر الشارع بأن الوقوف أربعين خير له من إثم المرور، إشارة إلى إلغاء اعتبار مشقة الوقوف مسوغًا لجواز المرور. فالأربعون لو حملت على أقل تقدير بالأيام لكانت دالة على وجوب تحمل مشقة الانتظار والتي لا تتجاوز دقائق معدودة على إثم المرور، وإذا عَلِم الناس أنه لا رخصة لهم في المرور لم يتعجلوا القيام بعد انصراف الإمام خاصة في صلاة الجمعة، والله أعلم. • الراجح: القول بالتحريم مطلقًا، لصحة أدلته، وضعف القول الثاني إما لضعف الدلالة في بعض الأدلة، وإما لضعف الدليل، والله أعلم.

стр. 5928

الفرع الثالث في حكم المرور إذا لم يتخذ المصلي سترة المدخل إلى المسألة: • مفهوم المخالفة حجة بشرطه سوى مفهوم اللقب. • قوله ﷺ : (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه) منطوقه: يأمر المصلي بدفع المار إذا صلى إلى سترة، ومفهومه: يدل على أنه إذا لم يُصَلِّ إلى سترة فليس مأمورًا بدفعه. • حديث (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه)، عمومه يدل على دفع المار مطلقًا، سواء أصلى إلى سترة أم لا، إلا أن هذا العموم قد خصص بمفهوم المخالفة في حديث أبي سعيد (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه). • التخصيص بمفهوم المخالفة حجة على الصحيح ولهذا خصص الجمهور منطوق حديث ابن عمر (في أربعين شاةً شاةٌ)، والذي عمومه يدل على وجوب الزكاة في الغنم مطلقًا، سائمة كانت، أم معلوفة، أم عاملة، خصصوه بمفهوم المخالفة في قوله ﷺ : (في الغنم السائمة زكاة) خلافًا للمالكية. • المصلي إذا ترك السترة لا يستحق زيادة على مقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده؛ لأن تحريم ما وراءه تضييق على المارة من غير حاجة إليه. [م-٧٣٠] اختلف العلماء في حكم المرور إذا لم يتخذ المصلي سترة: فقيل: إذا لم يتخذ سترة، أو اتخذها وتباعد منها فلا يحرم المرور، وليس له ولاية الدفع، لكن الأولى ترك المرور، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في

стр. 5929

مذهب الحنابلة، وقال به ابن بطال من المالكية (١). وقيل: يحرم المرور في حريم المصلي، ولو لم يتخذ سترة، وهو مذهب الجمهور، ووجه في مذهب الشافعية، على خلاف بينهم في حدود ذلك (٢). فقيل: قدر ما يحتاج إليه في صلاته: ومنتهاه موضع سجوده مطلقًا، اختاره ابن العربي من المالكية، وقدمه الدردير في الشرح الكبير، وبه قال الخوارزمي من الشافعية، وبه قال الحنفية في المسجد الكبير والصحراء، ومنعوا المرور مطلقًا في المسجد الصغير (٣).

стр. 5930

قال ابن نجيم في البحر الرائق: «فحاصل المذهب على الصحيح أن الموضع الذي يكره المرور فيه: هو أمام المصلي في مسجد صغير، وموضع سجوده في مسجد كبير أو في الصحراء» (١). ورجح ابن العربي نقلًا من الشرح الكبير: «أن المصلي سواء صلى لسترة أم لا، لا يستحق زيادة على مقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده» (٢). قال الخوارزمي الشافعي في الكافي، نقلًا من تحرير الفتاوى للعراقي: «يحرم المرور في حريمه، وهو قدر إمكان السجود» (٣). وقيل: حريمه قدر شبر من موضع سجوده؛ وهو قول في مذهب المالكية (٤)، ونقل اللخمي عن شيخه أبي الطيب عبد المنعم أنه قدر شبر من موضع قدمه، فكان إذا قام دنا من الجدار ذلك القدر؛ لهذا الحديث، وإذا ركع تأخر (٥).

стр. 5931

وهو غلط، ويلزم منه حركة كثيرة في الصلاة بلا حاجة. وقيل: حريم المصلي ثلاثة أذرع من موضع قدمه؛ وهو قول في مذهب المالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١). وقيل: القرب والبعد في العرف، وهو قول عند المالكية، وقول في مذهب الحنابلة، وهذا راجع إلى القول بأن الشرع لم يُقَدِّر فيه حدًا (٢). قال ابن العربي وابن بطال: «لم يحد مالك في ذلك حدًّا» (٣). وقيل: ما له المشي إليه لقتل الحية في الصلاة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: لو صلى صلاة خاشعٍ لا يقع بصره على المار، اختاره بعض الحنفية (٥). وقيل: لا يمر بين يديه بقدر رمية حجر، وقيل: رمية سهم، وقيل: رمية رمح، وقيل بمقدار المضاربة بالسيف، حكاه ابن العربي، وقال: وهذا كله خطأ أوقعهم فيه قوله (فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتلْهُ) فحملوه على أنواع القتال، ولم يفهموا أن القتال: هو المدافعة لغة (٦). • دليل الشافعية على إباحة المرور إذا لم يتخذ سترة: (ح-٢١٦٨) ما رواه الشيخان من طريق سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا حميد بن هلال، قال: حدثنا أبو صالح السمان،

стр. 5932

عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه [ولمسلم: فليدفع في نحره] فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان (١). وجه الاستدلال: قوله: (إذا صلى إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز)، له منطوق ومفهوم: فمنطوقه: إذا صلى إلى سترة، وأراد أحد المرور فهو مأمور بدفعه. ومفهوم المخالفة: أن من صلى إلى غير سترة فليس مأمورًا أن يرد من مر بين يديه، ومفهوم الشرط من أقوى دلالات المفهوم، فهو أقوى من مفهوم الصفة والعدد والاستثناء وغيرها. ولأن التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلى فيه، وهو وغيره سواء، فلم يستحق أن يمنع شيئًا منه إلا ما قام الدليل عليه، وهو السترة التي وردت السنة بمنعها. • دليل الجمهور على تحريم المرور ولو لم يتخذ سترة: الدليل الأول: (ح-٢١٦٩) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال النبي ﷺ : إذا مر بين يدي أحدكم شيء وهو يصلي فليمنعه، فإن أبى فليمنعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان (٢). وروى مسلم من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان (٣).

стр. 5933

وجه الاستدلال: فإذا اختلف سليمان بن المغيرة، ويونس بن عبيد في حميد بن هلال، فرواه المغيرة بن سليمان بقيد السترة، ورواه يونس بن عبيد بدونها، وكلاهما ثقة، ومن البصرة، وشيخهما حميد بصري، وروايتهما في الصحيح، طلبنا مرجحًا من خارج طريق حميد بن هلال، فوجدنا رواية عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه في مسلم، ترجح رواية يونس بن عبيد؛ عن حميد؛ ولأن عبد الرحمن أعلم من غيره برواية أبيه، ولها شاهد من حديث ابن عمر ﵁ كما في الدليل التالي. الدليل الثاني: (ح-٢١٧٠) ما رواه مسلم من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا

стр. 5934

يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين (١). • ويجاب عن دليل الشافعية بجوابين: الجواب الأول: مفهوم المخالفة ليس بحجة لمعارضته منطوق حديث ابن عمر: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه) والمنطوق أقوى دلالة من المفهوم. كما أن مفهوم رواية سليمان بن المغيرة، عن حميد، تخالف منطوق رواية يونس ابن عبيد، عن حميد بن هلال، والمنطوق مقدم على الاحتجاج بالمفهوم. • الجواب الثاني: حديث: (إذا صلى إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز فليدفعه) من باب ذكر بعض أفراد العام بما يوافق حكم العام، فلا يقتضي ذلك تخصيصًا، والله أعلم. • ورد الشافعية: أنتم نظرتم إلى أن منطوق أحد الحديثين لا يعارض منطوق الحديث الآخر، وهذا لا إشكال فيه، ولكننا رأينا أن حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه) منطوق هذا الحديث قد خصص بمفهوم المخالفة في حديث أبي سعيد (إذا صلى إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز) وتخصيص المنطوق بمفهوم المخالفة جائز على الصحيح (٢). كما أن منطوق حديث ابن عمر: (في أربعين شاةً شاةٌ) يدل على وجوب الزكاة في الغنم مطلقًا، سائمة كانت أم معلوفة، أم عاملة، وقد ذهب الجمهور إلى تخصيصه بمفهوم المخالفة في قوله ﷺ : (في الغنم السائمة زكاة)، ومفهومه: لا زكاة في الغنم المعلوفة والعاملة، ولم يذهبوا إلى أن الغنم السائمة فرد من أفراد العام في قوله: (في أربعين شاة شاة)، فلا تقتضي تخصيصًا، فكذلك هنا. واطَّرد المالكية، فقالوا في وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة والعاملة. وهذا من أقوى أدلة الشافعية، ولا أجد جوابًا يخرجنا منه، فإن وجد أحد جوابًا

стр. 5935

عنه قلت بقول الجمهور، وإلا كان قول الشافعية أقوى، والله الهادي. • دليل من قدر حريم المصلي بموضع سجوده: لأن المصلي لما ترك السترة لا يستحق زيادة على مقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده؛ ولأن تحريم ما وراءه تضييق على المارة من غير حاجة إليه. قال ابن بطال: «والفرق بين ما يدرأ فيه المصلى من مر بين يديه وما لا يدرأ من المسافة، هو المقدار الذي ينال المصلي فيه المار بين يديه إذا مر ليدفعه، لإجماعهم أن المشي في الصلاة لا يجوز» (١). وبالغ ابن العربي فأبطل صلاته بالمشي. قال ابن العربي: «ولا يقاتل إلا من أدرك بيديه إذا مّدها، وما وراء ذلك لا يمد إليه يدًا ولا يمشي إليه قدمًا، فإن فعل أبطل صلاته» (٢). وقال ابن عبد البر: «وقد أجمعوا أيضا أنه إذا مر بين يديه ولم يدركه من مقامه الذي يقوم فيه أنه لا يمشي إليه كي لا يصير المصلي مثله» (٣). فإذا كان تقدير حريم المصلي بمقدار ما تصل إليه يد المصلي وهو قائم، فإن ذلك يعني تقديره بموضع سجوده. • ويتعقب: بأن حكاية الإجماع على تحريم المشي في الصلاة، إن قصد فيه تحريم المشي في الصلاة بلا سبب فهذا متجه، وإن كان المقصود تحريمه مع الحاجة إليه لتحصيل سترة أو دفع مار ففيه نظر، وهو مخالف للسنة، ومخالف لقول الإمام مالك. (ح-٢١٧١) أما السنة، فقد روى ابن خزيمة من طريق جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، والزبير بن خريت، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يصلي، فمرت شاة بين يديه فساعاها إلى

стр. 5936

القبلة حتى ألصق بطنه بالقبلة (١). [صحيح] (٢). وأما مخالفته لمذهب الإمام مالك، فقد استحب الإمام مالك كما في المدونة للمأموم إذا انصرف من الصلاة مع الإمام وكانت يمكنه السعي إلى سترة قريبة منه أن يمشي إليها، ولا تبطل صلاته (٣). وجاء في حاشية الدسوقي: «اعلم أن الذي في النقل جواز المشي إلى السترة، ولذهاب الدابة، ودفع المار إن قرب» (٤). ونقل ابن عبد البر في الاستذكار عن أشهب أنه قال: «إذا مر من قدامه فليرده

стр. 5937

بإشارة، ولا يمش إليه؛ لأن مشيه أشد من مروره بين يديه، قال: فإن مشى إليه، ورده لم تفسد بذلك صلاته» (١). وإذا جاز له المشي في تحصيل سنة كما لو مشى لسد فرجة في الصف، فلأن يجوز له المشي للقيام بواجب الدفع، ومنع المنكر من باب أولى، فأولى. • دليل من قال: حريم المصلي قدر شبر من موضع سجوده: (ح-٢١٧٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة (٢). • دليل من قدر حريم المصلي بنحو ثلاثة أذرع من قدمه: (ح-٢١٧٣) لما رواه البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله بن عمر، كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل، وجعل الباب قبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع، صلى يتوخى المكان الذي أخبره به بلال، أن النبي ﷺ صلى فيه (٣). وذكر اللخمي بأن هذا القول يرجع إلى حديث سهل؛ لأنه إذا كانت المسافة من قدم المصلي ثلاثة أذرع فإنه سيبقي بعد سجوده إلى الجدار نحو شبر (٤). • دليل من قال: حريم المصلي قدر ما يقع عليه بصره إذا كان خاشعًا: كأن هذا القول بناه على أن الحكمة من السترة هي حماية البصر عن الانتشار، لأن البصر إذا انتشر شغل ذلك المصلي عن التدبر والخشوع مما يؤدي إلى نقص الثواب، فإذا لم يضع سترة كان المرور ممنوعًا في حدود ما يقع عليه بصر الخاشع في صلاته، لأن المرور في حدود ذلك سوف يقع عليه بصر المصلي فيشوش عليه صلاته.

стр. 5938

• ونوقش: بأن هذا القول قد تفرد به بعض الحنفية، وانتقده ابن نجيم، بأنه يلزم منه أن يكون الموضع الذي يكره المرور فيه يختلف في حالة القيام عنه في حالة الركوع والجلوس، فلو مر إنسان بين يديه في موضع سجوده، وهو جالس لا يكره؛ لأن بصره لا يقع عليه حالة كونه خاشعًا، ولو مر في ذلك الموضع بعينه وهو قائم يكره؛ لأن بصره يقع عليه حالة خشوعه، وأنه لو مر داخل موضع سجوده وهو راكع لا يكره؛ لأن بصره لا يقع عليه حالة خشوعه. قال ابن نجيم: «وهذا كله بعيد عن المذهب؛ لعدم انضباطه كما لا يخفى، والاختلاف في موضع المرور إنما هو منشأ بين المشايخ؛ لعدم ذكره في الكتاب لمحمد بن الحسن كما في البدائع، وحيث لم ينص صاحب المذهب على شيء فالترجيح لما في الهداية لانضباطه وهو بإطلاقه يشمل الصحراء والمسجد» (١). وقد يقال: بأن مراد القائل: لا يقع بصره على المار لو صلى صلاة خاشع، يقصد به في حالة القيام؛ لأنه أكثر ما يمتد فيه البصر؛ فيكون حدًّا؛ لأنه يبعد أنه يقصد بأن يجعل في كل هيئة من الصلاة لها حدًّا مختلفًا عن الهيئة الأخرى، وإذا قدرناه في حالة القيام كان متفقًا مع ما في الهداية بتقدير ذلك بموضع السجود، والله أعلم. • دليل من قال: يقدر حريم المصلي بالعرف: هذا بناه على أنه لم يأت حدُّ له في الشرع، ولا حدَّ له في اللغة، وكل ما لم يأت له حد في الشرع ولا في اللغة فيرجع في تقديره إلى العرف. وأما حديث أن النبي صلَّى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، وحديث سهل أن بين مصلى النبي ﷺ والجدار ممر شاة، فهذا في استحباب محل السترة، والبحث إنما في تقدير حريم المصلى إذا لم يتخذ سترة، وقياس هذه على تلك ليس من قياس العلة، كما أنه حكاية فعل، لا يدل على تقدير لا يزاد عليه، ولا ينقص منه. • الراجح: أن المصلي إذا اتخذ سترة فحريم مصلاه ما بينه وبين سترته ما لم يتباعد عنها جدًا

стр. 5939

حتى لا تنسب السترة إلى صلاته، والمرور بينه وبين سترته محرم، وإذا لم يتخذ سترة فليس له إلا قدر ما يحتاج إليه في صلاته، ولا يحرم المرور بين يديه؛ لمفهوم حديث أبي سعيد الخدري، والله أعلم.

стр. 5940

الفرع الرابع في حكم دفع المار المدخل إلى المسألة: • دفع المار فرع عن تحريم المرور، فإن كان المرور محرمًا كان منعه واجبًا. • دفع المار يدخل في إنكار المنكر، ومنعه قبل حصوله من الواجبات. • كل حركة في الصلاة، ولو كانت من غير جنسها، إذا كان المصلي مأمورًا بها لا تبطل صلاته، كدفع المار، وقتل الحية والعقرب فيها، والصلاة حال المسايفة. • قول النبي ﷺ : (لا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع)، اشتمل على نهي وأمر: فالنهي عن تمكينه من المرور والأمر بدفعه بحدود استطاعته، والجمع بين الأمر والنهي في مسألة واحدة لا يعني إلا توكيدهما، وإلا فالأمر بالشيء نهي عن ضده؛ ودلالة التوكيد لا تعني إلا التحريم في النهي، والوجوب في الأمر. قوله ﷺ : (وليدرأه ما استطاع) مفهومه: أنه إذا لم يستطع بأن غلبه المار فلا إثم عليه. ولأن جميع التكاليف كلها مقيدة بالاستطاعة. • إذا دافعه المار، فخشي على صلاته من البطلان تركه؛ لأن الصلاة غاية، والمحافظة عليها أهم من المحافظة على بعض واجباتها، خاصة إذا كان هذا الواجب لها، وليس فيها، وما عدا ذلك فإنه يجب عليه دفعه. • الأصل أن دفع المار عمل قليل لا يفسد الصلاة. • الأئمة الأربعة على استحباب خشوع القلب، وحكي إجماعًا؛ وفواته سهوًا لا يجبر بسجود السهو، وفواته عمدًا لا يبطل الصلاة، وإن نقص من ثوابها. • الخشوع في الصلاة على القول بوجوبه هو واجب واحد. • فوات قدر يسير من الخشوع في الصلاة لمصلحتها بسبب دفع المار أو قتل الحية والعقرب في الصلاة امتثالًا للأمر الشرعي لا يعني ذهاب الخشوع بالكلية، ولا ذهاب أكثر الخشوع.

стр. 5941

[م-٧٣١] إذا كان الإمام أو المنفرد مصليًا إلى سترة، فليس عليه أن يدفع من يمر من وراء سترته، وحكاه ابن عبد البر إجماعًا (١). وليس لأحد من الناس المرور بين المصلي وبين سترته القريبة منه، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، واختلفوا في دفع المار، في مسائل منها: الأولى: في حكم دفع المار باليد: [م-٧٣٢] اختلف الفقهاء في المصلي يدفع المار بيده ليمنعه من المرور: فقال الحنفية: لا يرده بالمقاتلة، فإن هذا كان في بدء الإسلام حين كان العمل مباحًا في الصلاة، ثم نسخ، وإنما يرده بالإشارة أو بالتسبيح ولا يجمع بينهما، وترك الدرء أفضل، والدرء رخصة؛ كالأمر بقتل الأسودين، وهذا في حق الرجال، وأما النساء فإنهن يصفقن، وكيفيته: أن يضربن بظهور الأصابع اليمنى على صفحة الكف من اليسرى (٢). وقيل: يدفعه بيده على خلاف في صفته: فقيل: يدفعه دفعًا خفيفًا، لا يشغله، فإن كثر أبطل صلاته، وهذا مذهب المالكية ورواية عن أحمد (٣). قال خليل المالكي في التوضيح: «والمذهب أنه يدفعه دفعًا خفيفا لا يشغله

стр. 5942

عن الصلاة» (١). وقيل: يدفعه بالتدرج الأسهل فالأسهل ويزيد بحسب الحاجة كالصائل، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية (٢). جاء في مسائل ابن هانئ: سألت أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد- قلت: أيدفع الرجل من يمر بين يديه، وهو في الصلاة؟ قال: شديدًا، ورأيته دفع غير رجل، وهو يصلي مروا بين يديه، فلم يدعهم (٣). • وحجة من قال: يدفعه دفعًا شديدًا: (ح-٢١٧٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان (٤). وفي رواية لمسلم: فليدفع في نحره فالأمر النبوي تدرج مع المار، فبدأ بالدفع، فإن أبى قاتله، والمقاتلة: مفاعلة: بين

стр. 5943

طرفين: أي يقابل إصراره على المرور بدفعه بشدة وقوة وعنف. ووصف المصر على المرور بالشيطان، واستخدم الحصر: (إنما هو شيطان) أي هذا العمل لا يصدر إلا من شيطان، ليحمل المار على ترك المرور، حتى لا يوصف بالشيطنة. وهو من جهة المصلي تعليل للإذن في قتاله؛ لكراهة الناس للشيطان وعمله. واستحق المار هذا الوصف، إما لتمرده على الامتثال للحق، فيستحق أنه من شياطين الإنس، وهو الأقرب؛ لأنه لا يحتاج إلى تأويل، ولأن الشيطان في لغة العرب: كل عاتٍ من الإنس والجن والدواب فهو شيطان (١). وفي حديث أبي ذر في مسلم، قال: عن الكلب الأسود شيطان أي بالنسبة لسائر الكلاب لأذيته. وإما لأن هذا من عمل الشيطان، فحري بالمسلم أن يجتنبه كما قال تعالى عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. فيكون معنى الحديث: إنما هو شيطان: أي فاجتنبوه لبعده عن الخير. وكونه من عمل الشيطان لا يعفي الفاعل من الإثم: قال تعالى عن قتل موسى للقبطي: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٥]. وقيل: إن معناه أن معه الشيطان، أي القرين، فهو الذي يدفعه لفعل ذلك. (ح-٢١٧٥) لما رواه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين (٢). [تفرد بذلك الضحاك بن عثمان] (٣).

стр. 5944

• حجة من قال: يدفعه دفعًا خفيفًا: فسر أصحاب هذا القول: (المقاتلة) هي المدافعة بلطف؛ لأنهم أجمعوا على أنه لا يقاتله بسيف، ولا يخاطبه، ولأنه لو دافعه بشدة فقد يبلغ به مبلغًا يفسد صلاته؛ فيكون فعله أضر على نفسه من المار بين يديه (١). ولأنه لو دفعه فمات كان عليه ديته في أحد قولي العلماء، ولو كان مأذونًا له بالدفع الشديد لم يضمنه؛ لأن ما ترتب على المأذون فغير مضمون (٢). وقال الباجي: «وما ورد في الحديث: (فإن أبى فليقتله؛ فإنما هو شيطان) يحتمل أن يريد به فليلعنه؛ فإن المقاتلة تكون في اللغة والشرع بمعنى اللعن، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] وقال ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]. جاء في تهذيب اللغة عن قوله: (قاتلهم الله): ليس هذا من القتال الذي هو بمعنى المقاتلة والمحاربة بين اثنين؛ لأن قولهم: قاتله الله بمعنى لعنه الله، من واحد؛ فإذا قلت: قاتل فلان فلانًا فإنه لا يكون إلا بين اثنين» (٣). فكذلك قوله: (فليقاتله): تحتمل أن يراد بها اللعن. • ويرد هذا من وجهين: الوجه الأول: لا يفهم من لفظ (المقاتلة) لغة المدافعة بلطف، فالعبارة على ظاهرها، إنما خرج من ذلك المسايفة، والبلوغ بالمدافعة إلى الحد الذي تفسد به الصلاة، وبقي ما عداهما. الوجه الثاني: أن حديث أبي سعيد الخدري في مسلم جعل الدفع بحدود الاستطاعة، وهذا يبطل

стр. 5945

تأويل المقاتلة: بالدفع اللطيف، لقوله: (وليدرأه ما استطاع)، انظر تخريجه بعد قليل. فأمر أن يكون الدفع بحدود الاستطاعة، وكون المقاتلة لا تكون بالسيف لا يعني المنع من الدفع بما دونها من قوة وشدة بالقدر الذي لا يتمكن معه المار من المرور بين يدي المصلي، كما فعل أبو سعيد الخدري ﵁، وهو تطبيق عملي للحديث. وقوله: (وليدرأه ما استطاع) يؤخذ منها حكمان: أحدهما: أن يغلبه على المرور، فلا إثم عليه، لأن قوله: (فليدرأه ما استطاع) مفهومه أنه إذا لم يستطع سقط الدفع، ولأن جميع التكاليف مقيدة بالاستطاعة. الثاني: أن يخشى على صلاته من البطلان، فحينئذ يتركه لأن الصلاة غاية، والمحافظة عليها أولى من المحافظة على بعض واجباتها، خاصة إذا كان هذا الواجب لها، وليس فيها، وما عدا ذلك فإنه يجب عليه دفعه. وأما القول بأنه لمَّا ضمن الدافع ما يحصل من تلف بالمدافعة كان ذلك دليلًا على عدم الإذن بدفعه دفعًا شديدًا. فهذه مسألة خلافية، والضمان وعدمه كان راجعًا للاختلاف في تفسير قوله: (فليقاتله) أهو إذن بالدفع بشدة، أم لا؟ فمن قال: يدفعه بشدة قالوا: دمه هدر إذا لم يقصد قتله، كالشافعية والحنابلة، وأحد القولين عند المالكية، وقال به ابن حزم من الظاهرية (١). قال ابن تيمية كما في مطالب أولي النهى: «فإن مات من ذلك -أي من الدفع- فدمه هدر» (٢). قال البهوتي في كشاف القناع: «لأنه تسبب عن فعل مأذون فيه شرعًا، أشبه من مات في الحد» (٣).

стр. 5946

ومن قال: يدفعه بلطف قال: يضمن بالدية، فقيل: في ماله، وقيل: على عاقلته، وهو قول في مذهب المالكية (١). أما الحنفية فلا تتنزل هذه المسألة على مذهبهم لما علمت من أنهم لا يرون المدافعة باليد، ويقصرونه على الإشارة أو التسبيح. فإذا كان الخلاف في الضمان فرعًا عن تأويل المقاتلة، لم يكن الفرع حجة على إبطال الأصل. وأما تأويل المقاتلة باللعن، احتجاجًا بقوله تعالى: (قاتلهم الله) فهذا ضعيف، أولًا: لأن الآية فيها قرينة تمنع من إرادة ظاهر اللفظ، وهو أن المقاتلة بين العبد وربه، وهذا ممتنع فالعبد تحت قهر الله وإرادته، لا يمكنه مقاتلة الله ، فأين القرينة في الحديث التي تمنع من إرادة الظاهر لكي يسوغ التأويل. ثانيًا: قوله في رواية مسلم: (فليدفع في نحره). ثالثًا: فعل أبي سعيد الخدري راوي الحديث، وهو أعلم بما روى، حيث دفع الشاب حين أصر على المرور. رابعًا: (ح-٢١٧٦) ولما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ الصيام جنة، فلا يرفث، ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني امرؤ صائم (٢). ففرق بين المقاتلة وبين الشتم، والله أعلم. • دليل الحنفية على أن الدفع يكون بالإشارة أو بالتسبيح: (ث-٥٢٣) يستدل لهم بما رواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كنت أصلي فمر إنسان بين يدي، فمنعته، فأبى، فمر، قال: فأتيت

стр. 5947

عثمان، فسألته؟ فقال: يا ابن أخت لا يضرك (١). [صحيح] (٢). • ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا موقوف على عثمان، وهو مخالف للمرفوع من حديث أبي سعيد الخدري، ومخالف لفعل بعض الصحابة كأبي سعيد الخدري وابن عمر وغيرهما من الصحابة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر. (ث-٥٢٤) فقد روى عبد الرزق في المصنف عن مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان وهو يصلي لا يدع أحدًا يمر بين يديه (٣). [صحيح]. وروى عبد الرزاق في المصنف عن عبيد الله بن عمر [في المطبوع: عبد الله ابن عمر، والتصحيح من تغليق التعليق] (٤)، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا تدع أحدًا يمر بين يديك، وأنت تصلي، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله (٥). [صحيح]. وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان لا يترك شيئًا يمر بين يديه، وهو يصلي، ولا يمر هو بين يدي الرجال ولا النساء (٦). [صحيح].

стр. 5948

الوجه الثاني: أنه ليس صريح الدلالة، فيحتمل أنه أراد من نفي الضرر في قوله: (لا يضرك) نفي البطلان، وإن نقص ذلك من أجره، ومرور الرجل لا يقطع صلاة الرجل، وهذا بالاتفاق، وقد صح عن عثمان أنه قال: لا يقطع الصلاة شيء، ويأتي تخريجه في مبطلات الصلاة إن شاء الله تعالى، فحمله على قطع الصلاة أولى من حمله على مخالفة المرفوع، بترك دفع المار بين يدي المصلي، والله أعلم. وجواب الحنفية عن حديث أبي سعيد الخدري، وهو في الصحيحين أن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ، لا يتفق مع القصة التي حدثت لأبي سعيد الخدري حين وقعت، ومروان بن الحكم أمير على المدينة، فلو كان الأمر منسوخًا لما فعل ذلك أبو سعيد الخدري بعد وفاة النبي ﷺ ، ولم يعترض أحد على أبي سعيد بالنسخ، كما لا يتفق مع ما نقله نافع عن ابن عمر ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ ، ولا أعلم أحدًا اتفق مع الحنفية على دعوى النسخ، كما لا أعلم أثرًا مرفوعًا، ولا موقوفًا يصرح بالنسخ، والفهم غير معصوم. وموقف الحنفية في هذه المسألة متسق مع موقفهم من الحركة في الصلاة، ولا يخلو موقفهم من تشدد، فهم يمنعون من الصلاة حال المسايفة، مع أن هذا جاء بنص القرآن: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وسبق بحث هذه المسألة في شروط الصلاة. وإذا أراد المصلي قتل الحية والعقرب في الصلاة فعليه أن يستأنف الصلاة، على مذهبهم، وحملوا الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة على إباحة إفساد الصلاة من أجل قتلهما، ولولا الحديث لكان حرامًا. وسوف يأتينا موقفهم من الحركة في الصلاة في مبطلات الصلاة، ونناقش أدلتهم إن شاء الله تعالى بتوسع، فانظره في المجلد الذي يلي هذا المجلد، أعاننا الله بمنه وكرمه، ووفق وسدد. المسألة الثانية: اختلفوا في حكم الدفع: فقيل: يسن دفع المار مطلقًا، سواء أصلى إلى سترة أم لا، وهذا مذهب

стр. 5949

المالكية، والحنابلة (١). وقال الشافعية: «إذا صلى إلى سترة سن للمصلي -وقال الإسنوي: ولغيره- دفع المار، وإن صلى لغير سترة لم يرده، واختاره ابن بطال من المالكية» (٢). وقيل: يجب دفعه، وهو رواية عن أحمد وبه قال بعض أهل الظاهر، واختلف قول ابن عبد البر فمرة حكى الوجوب، ومرة حكى الاستحباب (٣). قال ابن عبد البر في الكافي: «ويلزم المصلي دفع المار بين يديه وبين سترته إذا كان إمامًا أو منفردًا» (٤). واللازم من جنس الواجب. المسألة الثالثة: ذهب الجمهور إلى أنه إذا مَرَّ، ولم يدفعه، أو غلبه على المرور لم يرده؛ لأن فيه إعادة للمرور. وخالف فيه بعض السلف، منهم ابن مسعود وسالم، فقالوا: يرده (٥). • دليل من قال: يجب دفعه باليد: (ح-٢١٧٧) روى الشيخان من حديث أبي جهيم السابق: قال رسول الله ﷺ :

стр. 5950

لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه. قال أبو النضر: لا أدري، أقال أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة (١). (ح-٢١٧٨) وروى الإمام البخاري من طريق يونس، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال النبي ﷺ : إذا مر بين يدي أحدكم شيء وهو يصلي فليمنعه، فإن أبى فليمنعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان (٢). وروى مسلم في صحيحه من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن ابن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان (٣).

стр. 5951

وجه الاستدلال: حديث أبي جهيم أفاد تحريم المرور، وحديث أبي سعيد أمر المصلي بمنعه من المرور، فإن أبى فليقاتله، فكان دفع المار فرعًا عن تحريم المرور، فإذا كان المرور محرمًا كان النهي عنه واجبًا؛ لأنه من باب النهي عن المنكر. وقول النبي ﷺ : (لا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع). [صحيح على شرط البخاري] (١). والحديث اشتمل على نهي وأمر، فنهاه عن تمكينه من المرور وأمر بدفعه بحدود استطاعته، والجمع بين الأمر والنهي في مسألة واحدة لا يعني إلا توكيد الأمر والنهي، وإلا فإن الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ ودلالة توكيدهما لا يعني إلا حمل النهي على التحريم، وحمل الأمر على الوجوب. • وأجيب: قال الخطيب في مغني المحتاج: «الصارف عن وجوبه شدة منافاته لمقصود الصلاة من الخشوع والتدبر، وأيضا للاختلاف في تحريمه» (٢). وسوف يأتي الرد على هذا الجواب ضمن أدلة القائلين بالاستحباب. • دليل من قال بالاستحباب: الدليل الأول: قال النووي: «لا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب» (٣).

стр. 5952

فكأنه يقول: الأصل عدم الوجوب. فتعقب ذلك الحافظ ابن حجر، فقال: «قد صرح بوجوبه أهل الظاهر، فكأن الشيخ لم يراجع كلامهم فيه، أو لم يعتد بخلافهم» (١). والراجح الاحتمال الثاني فقد صرح النووي في غير ما موضع أنه لا يعتد بخلافهم، وكأن النووي وابن حجر لم يقفا على الرواية الثانية عن الإمام أحمد، والتي تذهب إلى وجوب الدفع، وقد نقلها عنه من الحنابلة، ابن مفلح الكبير والصغير، والمرداوي محرر المذهب. الدليل الثاني: (ح-٢١٧٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (٢). وجه الاستدلال: قوله: (إن في الصلاة شغلًا) فإذا كان المصلي لا يشتغل برد السلام الواجب فلا يجب عليه أن يشتغل بغير صلاته. وكما سقطت الجماعة عن المصلي عند حضور الطعام، أومدافعة الأخبثين حتى يأتي الرجل إلى صلاته وقد فرغ قلبه، فيعطي الخشوع حقه، فإذا كان مراعاة الخشوع قد أسقط عنه وجوب الجماعة، فكذلك مراعاة خشوع الصلاة يجعل الدفع في حقه ليس لازمًا. فالواجبات إذا عارضها واجبات أخرى إما أن تكون هذه المعارضة سببًا في تخفيف الإلزام بالأمر من الوجوب إلى الاستحباب كما في مسألتنا، وكما في الأمر بالإبراد بالظهر لشدة الحر، فإن الأصل في الأمر الوجوب، إلا أنه لما عارض هذا

стр. 5953

فضيلة الصلاة في أول الوقت خف الإلزام في الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. وإما أن تكون هذه المعارضة سببًا في سقوط ما وجب تقديمًا لواجب أهم منه، كما سقط إنكار المنكر والإمام يخطب يوم الجمعة لمعارضته وجوب سماع الخطبة، وكما سقط رد السلام على المصلي لحرمة الكلام في الصلاة. فلما كان القيام بواجب دفع المار ينازعه القيام بمصلحة الصلاة خف الأمر من الإلزام إلى الاستحباب بالقدر الذي لا يفوت عليه خشوعه في صلاته، ولا تكثر فيها حركته، ومن باب أولى لا يفسد عليه صلاته. والأصل في الأمر الوجوب هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، إلا أنهم يتساهلون في الصوارف، ولا يتشددون فيها، فيصرف الأمر من الوجوب إلى الندب لأدنى صارف لأنك تجد أوامر في الشريعة قد صرفت عن الوجوب للندب ولا يعرف لها صارف إلا ما ينقدح في نظر المجتهد وفهمه، فحديث: (يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك) (١)، فالتسمية للأكل عند جمهور الفقهاء ليست للوجوب، والصارف ليست قرينة لفظية منعت القول بالوجوب، كما لو نقل ترك التسمية أحيانًا، أو أقر النبي ﷺ أحدًا على ترك التسمية، وإنما ظهر للمجتهد بأن هذا الأمر يتعلق بالآداب. ومثله حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) (٢)، فإن الأمر بالغمس ليس للوجوب، بل ولا للندب، وإنما هو للإرشاد، والصارف ليس قرينة لفظية، وإنما كون الأمر يتعلق بالصحة، وقل مثل ذلك لأحاديث كثيرة صرفت من الوجوب للندب لقرينة معنوية ظهرت لفهم المجتهد، وهذا ما جعل الشاطبي ﵀ يقول: إن دلالة الأمر والنهي وُكِلَت إلى أنظار المكلفين ليجتهدوا فيها (٣)، والله أعلم. • ويجاب على هذا من أكثر من وجه: الوجه الأول: لو صح القول بأن الدفع يتعارض مع مراعاة مصلحة الخشوع في الصلاة لقيل

стр. 5954

بسقوط الدفع، وليس باستحباب الدفع، فلما استحب الدفع فذلك يعني تقديمه على مصلحة الخشوع، فلم يكن التعليل وصفًا مطابقًا للحكم. فلنفرض أن واجب الخشوع زاحم واجب الدفع، فقدم الشارع واجب الدفع، فنهاه أن يدع المار يمر بين يديه، وأمره بدفعه قدر استطاعته فهذا نص في تقديم الدفع على مصلحة الخشوع. فإذا كان الدفع مطلوبًا إما على الوجوب كما هو ظاهر الأمر، وإما على الاستحباب كما هو قول الجمهور لم يصح أن يقال: تعارض الإنكار مع مصلحة الخشوع في الصلاة، فإذا بقي المصلي مطالبًا بالدفع كان حمله على الوجوب أولى من حمله على الاستحباب، نعم إذا تعارضا يجعل الدفع محرمًا كما لو أفضت المدافعة إلى فساد الصلاة؛ لأن مفسدة المرور أخف من بطلان الصلاة، إلا أن الدفع عمل قليل لا يفسد الصلاة، فلا يتعارض مع مصلحة الصلاة. الوجه الثاني: الدفع لا يذهب الخشوع؛ لأن الخشوع في جميع الصلاة عمل واحد لا يتجزأ، وإنما يُؤَثِّر العمل الأجنبي في الخشوع إذا فوت الخشوع بالكلية أو فوت أكثره، أما ذهاب قدر يسير منه لمصلحة الصلاة فلا يصح القول عنه بأن الدفع يذهب الخشوع، ولهذا أمر الشارع المصلي بقتل الحية والعقرب في الصلاة، وهو حين يشتغل بذلك قد فات قدر يسير من الخشوع، فلم يؤثر ذلك على صلاته، فكذلك كل عمل قليل يحتاج إليه لا يقدح في خشوع الصلاة. ولأن فوات مثل هذا القدر اليسير من الخشوع جاء امتثالًا لأمر الشارع بدفع المار فلا يقدح ألبتة في عمل الصلاة. ولأن فوات مثل هذا المقدار من الخشوع قد يفوت على المصلي غفلة وسهوًا، ولا يؤثر على صحة صلاته، وإن كان قد ينقص من أجرها إذا كان متعمدًا، فكيف إذا كان فوات مثل ذلك جاء امتثالًا للأمر الشرعي بالمدافعة. الوجه الثالث: الأئمة الأربعة على استحباب خشوع القلب في الصلاة، وحكي إجماعًا،

стр. 5955

والأمر بالمدافعة الأصل فيه الوجوب، فلا يترك الواجب لتحصيل مستحب. الوجه الرابع: يمكن للمصلي إذا وجد إصرارًا من المار على المرور أن يتقدم إلى القبلة، ويفسح له للمرور من ورائه كما فعل النبي ﷺ مع مرور البهيمة. (ح-٢١٨٠) فقد روى ابن خزيمة من طريق جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، والزبير بن خريت، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يصلي، فمرت شاة بين يديه فساعاها إلى القبلة حتى ألصق بطنه بالقبلة. [صحيح] (١). الدليل الثالث: قال بعضهم: إن النهي عن المنكر إنما يجب عند تحقق ارتكاب المفسدة للإثم وهنا لم يتحقق ذلك؛ لاحتمال كون المار ساهيًا، أو جاهلًا أو غافلًا، أو أعمى، أو لم يجد سبيلًا آخر، لهذا كان دفعه ليس بلازم لاحتمال قيام عذر المار. وهذا ليس بشيء؛ لأن الدفع في حديث أبي سعيد مطلق، لم يقيد بكون المار معتديًا بالمرور حتى يقال: إذا انتفى الإثم في حق المار سقط الدفع، ولأن مثل ذلك لا يمكن الوقوف عليه، ولأن الحديث أمر بالتدرج معه، فبدأ بمنعه دون مقاتلة؛ لاحتمال أن يكون غافلًا فيتنبه ويرجع، فإن أبى أمر المصلي بمقاتلته، فالمقاتلة لا تكون إلا في حق المعتدي. الدليل الرابع: قال بعضهم: إن إزالة المنكر إنما تجب إذا كان لا يزول إلا بالنهي، والمنكر هنا يزول بانقضاء مروره. وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن الرسول ﷺ أمر بمنع المار، وهو يعلم أنه يزول بالمرور.
следующие страницы →