← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

وجه الاستدلال: حديث أبي جهيم أفاد تحريم المرور، وحديث أبي سعيد أمر المصلي بمنعه من المرور، فإن أبى فليقاتله، فكان دفع المار فرعًا عن تحريم المرور، فإذا كان المرور محرمًا كان النهي عنه واجبًا؛ لأنه من باب النهي عن المنكر. وقول النبي ﷺ : (لا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع). [صحيح على شرط البخاري] (١). والحديث اشتمل على نهي وأمر، فنهاه عن تمكينه من المرور وأمر بدفعه بحدود استطاعته، والجمع بين الأمر والنهي في مسألة واحدة لا يعني إلا توكيد الأمر والنهي، وإلا فإن الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ ودلالة توكيدهما لا يعني إلا حمل النهي على التحريم، وحمل الأمر على الوجوب. • وأجيب: قال الخطيب في مغني المحتاج: «الصارف عن وجوبه شدة منافاته لمقصود الصلاة من الخشوع والتدبر، وأيضا للاختلاف في تحريمه» (٢). وسوف يأتي الرد على هذا الجواب ضمن أدلة القائلين بالاستحباب. • دليل من قال بالاستحباب: الدليل الأول: قال النووي: «لا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب» (٣).

стр. 5952

فكأنه يقول: الأصل عدم الوجوب. فتعقب ذلك الحافظ ابن حجر، فقال: «قد صرح بوجوبه أهل الظاهر، فكأن الشيخ لم يراجع كلامهم فيه، أو لم يعتد بخلافهم» (١). والراجح الاحتمال الثاني فقد صرح النووي في غير ما موضع أنه لا يعتد بخلافهم، وكأن النووي وابن حجر لم يقفا على الرواية الثانية عن الإمام أحمد، والتي تذهب إلى وجوب الدفع، وقد نقلها عنه من الحنابلة، ابن مفلح الكبير والصغير، والمرداوي محرر المذهب. الدليل الثاني: (ح-٢١٧٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (٢). وجه الاستدلال: قوله: (إن في الصلاة شغلًا) فإذا كان المصلي لا يشتغل برد السلام الواجب فلا يجب عليه أن يشتغل بغير صلاته. وكما سقطت الجماعة عن المصلي عند حضور الطعام، أومدافعة الأخبثين حتى يأتي الرجل إلى صلاته وقد فرغ قلبه، فيعطي الخشوع حقه، فإذا كان مراعاة الخشوع قد أسقط عنه وجوب الجماعة، فكذلك مراعاة خشوع الصلاة يجعل الدفع في حقه ليس لازمًا. فالواجبات إذا عارضها واجبات أخرى إما أن تكون هذه المعارضة سببًا في تخفيف الإلزام بالأمر من الوجوب إلى الاستحباب كما في مسألتنا، وكما في الأمر بالإبراد بالظهر لشدة الحر، فإن الأصل في الأمر الوجوب، إلا أنه لما عارض هذا

стр. 5953

فضيلة الصلاة في أول الوقت خف الإلزام في الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. وإما أن تكون هذه المعارضة سببًا في سقوط ما وجب تقديمًا لواجب أهم منه، كما سقط إنكار المنكر والإمام يخطب يوم الجمعة لمعارضته وجوب سماع الخطبة، وكما سقط رد السلام على المصلي لحرمة الكلام في الصلاة. فلما كان القيام بواجب دفع المار ينازعه القيام بمصلحة الصلاة خف الأمر من الإلزام إلى الاستحباب بالقدر الذي لا يفوت عليه خشوعه في صلاته، ولا تكثر فيها حركته، ومن باب أولى لا يفسد عليه صلاته. والأصل في الأمر الوجوب هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، إلا أنهم يتساهلون في الصوارف، ولا يتشددون فيها، فيصرف الأمر من الوجوب إلى الندب لأدنى صارف لأنك تجد أوامر في الشريعة قد صرفت عن الوجوب للندب ولا يعرف لها صارف إلا ما ينقدح في نظر المجتهد وفهمه، فحديث: (يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك) (١)، فالتسمية للأكل عند جمهور الفقهاء ليست للوجوب، والصارف ليست قرينة لفظية منعت القول بالوجوب، كما لو نقل ترك التسمية أحيانًا، أو أقر النبي ﷺ أحدًا على ترك التسمية، وإنما ظهر للمجتهد بأن هذا الأمر يتعلق بالآداب. ومثله حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) (٢)، فإن الأمر بالغمس ليس للوجوب، بل ولا للندب، وإنما هو للإرشاد، والصارف ليس قرينة لفظية، وإنما كون الأمر يتعلق بالصحة، وقل مثل ذلك لأحاديث كثيرة صرفت من الوجوب للندب لقرينة معنوية ظهرت لفهم المجتهد، وهذا ما جعل الشاطبي ﵀ يقول: إن دلالة الأمر والنهي وُكِلَت إلى أنظار المكلفين ليجتهدوا فيها (٣)، والله أعلم. • ويجاب على هذا من أكثر من وجه: الوجه الأول: لو صح القول بأن الدفع يتعارض مع مراعاة مصلحة الخشوع في الصلاة لقيل

стр. 5954

بسقوط الدفع، وليس باستحباب الدفع، فلما استحب الدفع فذلك يعني تقديمه على مصلحة الخشوع، فلم يكن التعليل وصفًا مطابقًا للحكم. فلنفرض أن واجب الخشوع زاحم واجب الدفع، فقدم الشارع واجب الدفع، فنهاه أن يدع المار يمر بين يديه، وأمره بدفعه قدر استطاعته فهذا نص في تقديم الدفع على مصلحة الخشوع. فإذا كان الدفع مطلوبًا إما على الوجوب كما هو ظاهر الأمر، وإما على الاستحباب كما هو قول الجمهور لم يصح أن يقال: تعارض الإنكار مع مصلحة الخشوع في الصلاة، فإذا بقي المصلي مطالبًا بالدفع كان حمله على الوجوب أولى من حمله على الاستحباب، نعم إذا تعارضا يجعل الدفع محرمًا كما لو أفضت المدافعة إلى فساد الصلاة؛ لأن مفسدة المرور أخف من بطلان الصلاة، إلا أن الدفع عمل قليل لا يفسد الصلاة، فلا يتعارض مع مصلحة الصلاة. الوجه الثاني: الدفع لا يذهب الخشوع؛ لأن الخشوع في جميع الصلاة عمل واحد لا يتجزأ، وإنما يُؤَثِّر العمل الأجنبي في الخشوع إذا فوت الخشوع بالكلية أو فوت أكثره، أما ذهاب قدر يسير منه لمصلحة الصلاة فلا يصح القول عنه بأن الدفع يذهب الخشوع، ولهذا أمر الشارع المصلي بقتل الحية والعقرب في الصلاة، وهو حين يشتغل بذلك قد فات قدر يسير من الخشوع، فلم يؤثر ذلك على صلاته، فكذلك كل عمل قليل يحتاج إليه لا يقدح في خشوع الصلاة. ولأن فوات مثل هذا القدر اليسير من الخشوع جاء امتثالًا لأمر الشارع بدفع المار فلا يقدح ألبتة في عمل الصلاة. ولأن فوات مثل هذا المقدار من الخشوع قد يفوت على المصلي غفلة وسهوًا، ولا يؤثر على صحة صلاته، وإن كان قد ينقص من أجرها إذا كان متعمدًا، فكيف إذا كان فوات مثل ذلك جاء امتثالًا للأمر الشرعي بالمدافعة. الوجه الثالث: الأئمة الأربعة على استحباب خشوع القلب في الصلاة، وحكي إجماعًا،

стр. 5955

والأمر بالمدافعة الأصل فيه الوجوب، فلا يترك الواجب لتحصيل مستحب. الوجه الرابع: يمكن للمصلي إذا وجد إصرارًا من المار على المرور أن يتقدم إلى القبلة، ويفسح له للمرور من ورائه كما فعل النبي ﷺ مع مرور البهيمة. (ح-٢١٨٠) فقد روى ابن خزيمة من طريق جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، والزبير بن خريت، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يصلي، فمرت شاة بين يديه فساعاها إلى القبلة حتى ألصق بطنه بالقبلة. [صحيح] (١). الدليل الثالث: قال بعضهم: إن النهي عن المنكر إنما يجب عند تحقق ارتكاب المفسدة للإثم وهنا لم يتحقق ذلك؛ لاحتمال كون المار ساهيًا، أو جاهلًا أو غافلًا، أو أعمى، أو لم يجد سبيلًا آخر، لهذا كان دفعه ليس بلازم لاحتمال قيام عذر المار. وهذا ليس بشيء؛ لأن الدفع في حديث أبي سعيد مطلق، لم يقيد بكون المار معتديًا بالمرور حتى يقال: إذا انتفى الإثم في حق المار سقط الدفع، ولأن مثل ذلك لا يمكن الوقوف عليه، ولأن الحديث أمر بالتدرج معه، فبدأ بمنعه دون مقاتلة؛ لاحتمال أن يكون غافلًا فيتنبه ويرجع، فإن أبى أمر المصلي بمقاتلته، فالمقاتلة لا تكون إلا في حق المعتدي. الدليل الرابع: قال بعضهم: إن إزالة المنكر إنما تجب إذا كان لا يزول إلا بالنهي، والمنكر هنا يزول بانقضاء مروره. وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن الرسول ﷺ أمر بمنع المار، وهو يعلم أنه يزول بالمرور.

стр. 5956

الدليل الخامس: المرور مختلف في تحريمه، ولا يجب الإنكار إلا فيما أجمع على تحريمه. والقول بأنه لا يجب الإنكار إلا فيما أجمع على تحريمه غير صحيح، خاصة إذا كانت الأدلة من السنة ظاهرة، فيعتذر للسلف بعدم العصمة، ولا يترك الإنكار، نعم ما اختلف فيه السلف لا يسوغ التبديع والتفسيق فيه، ولا الهجر عليه، ويكون البيان مع الحكمة والرفق وبيان وجه الحق من الأدلة. الراجح: أن دفع المار يجب على المصلي قدر استطاعته إلا أن يغلب أو يخشى على صلاته من الفساد فيتركه، والإثم على المار.

стр. 5957

الفرع الخامس في مقدار السترة المدخل إلى المسألة: • المقادير توقيفية، لا دخل للعقل فيها. • النصوص تنص على أن سترة المصلي بمقدار آخرة الرحل، وقدرها بعضهم بذارع، وبعضهم بثلثي ذراع. • الاختلاف في تقدير آخرة الرحل، يرجع إلى أن التقدير بها تقريب لا تحديد؛ لأن الصنعة في العصر الأول لم تكن بالتساوي الذي عليه الآن، فتارة تكون ذراعًا، وتارة تكون دونه. • قال النبي ﷺ : (إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود)، فإطلاقه يشمل ما إذا كان لم يتخذ شيئًا، أو اتخذ ما هو دون آخرة الرحل في القدر. • مفهوم الشرط في قول النبي ﷺ : إذا كان بينك وبين الطريق مثل مؤخرة الرحل فلا يضرك من مر عليك، أنه إذا لم يكن بينك وبين الطريق مثل مؤخرة الرحل فإنه يضر صلاتك من مر بين يديك. • لم يصح في الاستتار بالخط حديث صحيح، لا في سنة قولية، ولا في سنة فعلية، والأصل عدم المشروعية. • الأحاديث الضعيفة لا تبنى عليها أحكام على الصحيح، لا سيما إذا عارضت ظاهر الأحاديث الصحيحة. [م-٧٣٣] أجمع العلماء على أنه يجزئ من السترة قدر مؤخرة الرحل، وفي غلظ الرمح (١).

стр. 5958

واختلفوا في تقدير مؤخرة الرحل. فقيل: قدرها ذراع فما فوقها، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال عطاء والثوري (١). والذارع: من المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى. جاء في مسائل الكوسج للإمام أحمد: قلت: كم مؤخرة الرحل؟ قال: ذراع. قال إسحاق: كما قال (٢). واختلف الحنابلة في تقدير مؤخرة الرحل. فقال في الإقناع: قدر ذراع فأكثر (٣). وقال البهوتي في شرح المنتهى «قدر ذراع فأقل؛ لأن مؤخرة الرحل تارة تكون ذراعًا وتارة تكون دونه» (٤). وهذا أقرب. وقيل: مؤخرة الرحل: قدر عَظْمِ الذراع، وهذا نص الإمام مالك في المدونة،

стр. 5959

والشافعي ورواية عن أحمد (١). وقدر الشافعية عظم الذراع بثلثي ذراع، وهو المشهور في مذهب الشافعية (٢). جاء في المجموع: «فإن لم يكن حائط ونحوه غرز عصا ونحوها … ويكون ارتفاع العصا ونحوها ثلثي ذراع فصاعدا، وهو قدر مؤخرة الرحل على المشهور، وقيل: ذراع» (٣). وقيل: عظم الذارع: نحو من شبر، قاله ابن هارون من المالكية (٤). وقال قتادة: «مؤخرة الرحل: ذراع وشبر» (٥). وقال الأوزاعي: «قدر مؤخرة الرحل، ولم يحد ذراعًا، ولا عظم ذراع، ولا غير ذلك» (٦). وقال ابن حبيب: «يجوز دون مؤخرة الرحل ودون غلظ الرمح» (٧). وهذا الاختلاف في تقدير مؤخرة الرحل، يرجع إلى أن التقدير بها تقريب لا تحديد؛ لأن الصنعة في العصر الأول لم تكن بالتساوي الذي عليه الآن، فتارة تكون

стр. 5960

ذراعًا، وتارة تكون دونه، وهذا ما قاله ابن قدامة ورجحه البهوتي. قال ابن قدامة: «وقدر السترة في طولها ذراع أو نحوه. قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن آخرة الرحل كم مقدارها؟ قال: ذراع. كذا قال عطاء: ذراع. وبهذا قال الثوري، وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد، أنها قدر عظم الذراع. وهذا قول مالك، والشافعي. والظاهر أن هذا على سبيل التقريب لا التحديد؛ لأن النبي ﷺ قدرها بآخرة الرحل، وآخرة الرحل تختلف في الطول والقصر، فتارة تكون ذراعًا، وتارة تكون أقل منه، فما قارب الذراع أجزأ الاستتار به، والله أعلم» (١). فصار الراجح في مؤخرة الرحل أنها ذراع وما قارب الذارع يعطى حكمه، [م-٧٣٤] وهل يجزئ ما دون ذلك كما لو خطَّ خطًّا، اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: لا يجزئ الخط مطلقًا وجد السترة أو لم يجدها، وهو أحد القولين في مذهب الحنيفة، ومشى عليه أكثر مشايخهم، واختاره في الهداية، ونص عليه الإمام مالك، ونقله البويطي في مختصره عن الشافعي، ورجحه إمام الحرمين والغزالي في الوسيط والوجيز، وهو رواية عن أحمد (٢).

стр. 5961

وقيل: يستحب إذا لم يجد شاخصًا أن يخط خطًا، وهو مروي عن محمد بن الحسن، ورجحه ابن الهمام، ونص عليه الشافعي في القديم وفي سنن حرملة، ونقله الرافعي عن جمهور الشافعية، ونقل العمراني اتفاق أصحاب الشافعي عليه في عصره، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، وبه قال سعيد بن جبير والأوزاعي (١). قال النووي في المجموع: «فإن لم يجد شيئًا شاخصًا، فهل يستحب أن يخطَّ بين يديه نص الشافعي في القديم وسنن حرملة أنه يستحب، وفي البويطي لا يستحب» (٢). وقال الرافعي: «اتفقت كلمة الجمهور -يعني جمهور الشافعية- على الاكتفاء بالخط» (٣). وقال ابن قدامة في المغني: «فإن لم يجد سترة خطَّ خطًّا، وصلى إليه، وقام ذلك

стр. 5962

مقام السترة، نص عليه أحمد، وبه قال سعيد بن جبير والأوزاعي … » (١). • وسبب اختلافهم في المسألة: اختلافهم في صحة الحديث الوراد في الباب، فنسب ابن عبد البر تصحيحه إلى الإمام أحمد وابن المديني، ولا يثبت هذا عنهما، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وهو شاهد على تساهلهما في التصحيح، وذهب ابن حجر إلى تحسينه في البلوغ. قال ابن حجر في البلوغ: «ولم يصب من زعم أنه مضطرب؛ بل هو حسن» (٢). وعلى فرض عدم ثبوته فهو داخل ضمن العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. قال النفراوي المالكي في الفواكه الدواني: «قد تقرر جواز العمل بالأحاديث في فضائل الأعمال وإن فرض ضعفها» (٣). ولأن المقصود من الخط تحصيل أمرين مشروعين: أحدهما: تحصيل حريم للمصلِّي يمنع الناس من انتهاكه بالمرور. الثاني: وضع حدٍّ لانتشار البصر، حيث يكفه الخط عن الاسترسال، ويجمع خاطره عن الانتشار. • واختلف القائلون بمشروعية الخط في صفته: فقيل: يخطه عرضًا، وبه قال عطاء والثوري، وأحمد وإسحاق والأوزاعي، إلا أن أحمد، قال: يكون عرضًا متقوسًا كالهلال، واختاره بعض الحنفية ممن قالوا بالخط، واقتصر عليه الزيلعي (٤). جاء في كشاف القناع: وصفته كالهلال، لا طولًا، لكن قال في الشرح: وكيفما

стр. 5963

خط أجزأه (١). وقيل: يخطه طولًا، وهو مذهب الشافعية، قال النووي: وهو المختار، واختاره بعض الحنفية ممن قالوا بالخط (٢). وجهه: ليصير شبه ظل السترة. وقيل: بالتخيير بينهما، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (٣). ونقل حنبل عن الإمام أحمد أنه قال: إن شاء معترضًا، وإن شاء طولًا، قال ابن قدامة: لأن الحديث مطلق في الخط، فكيف ما أتى به فقد أتى بالخط، فيجزئه ذلك (٤). • حجة من قال: لا يجزئ الخط: الدليل الأول: لم يصح في الاستتار بالخط حديث صحيح، لا في سنة قولية، ولا في سنة فعلية، والأصل عدم المشروعية. قال مالك والليث: الخط باطل، ولم يثبت عندنا فيه حديث (٥). الدليل الثاني: (ح-٢١٨١) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن علية، عن يونس، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال:

стр. 5964

الكلب الأسود شيطان. فأفاد الحديث أن قدر آخرة الرحل سترة للمصلي تقيه من المرور بين يديه، ومن قطع صلاته، ومع أن مفهوم المخالفة يفيد أنه إذا لم يتخذ مثل ذلك كان عرضة للمرور بين يديه ولقطع صلاته إلا أن الحديث صرح في مفهوم المخالفة؛ ليكون من جملة منطوق الحديث، قال: (فإذا لم يكن بيد يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته المرأة … إلخ) فإطلاقه يشمل ما إذا كان لم يتخذ شيئًا، أو اتخذ ما هو دون آخرة الرحل في القدر؛ لأنه في الحالين يصدق عليه أنه لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، ففي هذه الحالة فإن صلاته يقطعها ما ذكر من امرأة أو حمار أو كلب أسود. وظاهره أن كل ما لا يقي من قطع الصلاة، فإنه لا يقي من ضرر المرور بين يديه، كما لو مر رجل أو دابة ونحوهما، وهذا دليل يدل على أن الخط ونحوه لا يقي من المرور، ولا من قطع الصلاة، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٢١٨٢) وروى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن أبي إسحاق قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول: إذا كان بينك وبين الطريق مثل مؤخرة الرحل فلا يضرك من مر عليك (١). [صحيح، وجهالة الصحابي اسم الصحابي لا تضر] (٢). ومفهوم الشرط: أنه إذا لم يكن بينك وبين الطريق مثل مؤخرة الرحل فإنه يضر صلاتك من مر بين يديك، وهذا الضرر قد يقطعها: إذا كان المار حمارًا أو كلبًا أسود، أو امرأة، وقد ينقص من أجرها إذا كان غير ذلك من إنسان، أو حيوان.

стр. 5965

الدليل الرابع: ومن النظر، فإن المقصود بالسترة الإعلام ليمتنع المار، وذلك لا يحصل بالخط، فلا بد من شيء مرتفع ظاهر ليقف المار عليه، فيعدل عن حريم صلاته (١). • دليل من قال: يجزئ الخط إذا لم يجد حربة أو عصا ونحوهما: (ح-٢١٨٣) ما رواه أبو داود من طريق بشر بن المفضل، حدثنا إسماعيل بن أمية، حدثني أبو عمرو بن محمد بن حريث، أنه سمع جده حريثًا يحدث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطًّا، ثم لا يضره ما مر أمامه (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 5966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5969

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5970

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5971

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5972

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5975

[م-٧٣٥] واختلفوا في مقدار عرض السترة: ففي الهداية: ينبغي أن تكون في غلظ الإصبع؛ لأن ما دونه لا يبدو للناظر (١). وقال المالكية: «أقل ما تكون في غلظ رمح، وهما بمعنى» (٢). وقيل: لا حد لها في العرض، ورجحه الكاساني من الحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣).

стр. 5976

قال النووي: «المعتبر في السترة أن يكون طولها كمؤخرة الرحل، وأما عرضها فلا ضابط فيه، بل يكفي الغليظ والدقيق عندنا. وقال مالك: أقله كغلظ الرمح تمسكًا بحديث العنزة» (١). (ح-٢١٨٤) واحتج الشافعية بما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد - يعني ابن الحباب- أخبرني عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، قال: رسول الله ﷺ إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته، ولو بسهم (٢). [ضعيف] (٣). (ح-٢١٨٥) وروى ابن خزيمة في صحيحه أخبرنا محمد بن معمر القيسي، أخبرنا محمد بن القاسم أبو إبراهيم الأسدي، أخبرنا ثور بن يزيد، عن يزيد بن يزيد ابن جابر، عن مكحول، عن يزيد بن جابر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: تجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل، ولو بدق شعرة. قال أبو بكر: «أخاف أن يكون محمد بن القاسم وهم في رفع هذا الخبر» (٤). [ضعيف جدًّا] (٥).

стр. 5977

• الراجح: أن السترة لا حد لها في العرض؛ لأن النبي ﷺ كان يستتر بالجدار، ويستتر في الأسطوانة، وفي الحربة والعنزة، وهذه الأشياء متفاوتة في العرض، وهي أفعال لا تدل على أن غيرها لا يجزئ، والله أعلم.

стр. 5978

الفرع السادس في حكم المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام المدخل إلى المسألة: • النصوص التي تنهى عن المرور بين يدي المصلي عامة، لا تفرق بين موضع وآخر. • العام جارٍ على عمومه، وكذلك المطلق، ولا يوجد دليل صحيح يخص المسجد الحرام، أو يخص مكة من هذه العمومات. • النصوص التي تنهى عن المرور لم تستثن إلا ما كان المرور فيه من وراء سترة المصلي، والاستثناء كما قال أهل الأصول معيار العموم أي أن ما عداه على المنع • جواز المرور من وراء سترة المصلي مفهومه منع المرور دون السترة في أي موضع كان. • حديث: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه … ) قوله: (بين يدي المصلي) اشتمل على عموم في المكان، وعموم في المصلي، فالظرف (بين) يدل على عموم في المكان، فيشمل المسجد الحرام كما يشمل غيره، و (أل) في قوله: (المصلي) دال على عموم المصلي، سواء أصلى إلى سترة أم لا، وسواء أكان له مندوحة أم لا. • القول بجواز المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام إن كانت علة الجواز كثرة الزحام فليكن الحكم مرتبطًا بالزحام في أي بقعة كان، وإذا خف الزحام في المسجد الحرام حرم المرور فيه، وإن كانت العلة شرف البقعة فلا يوجد في النصوص ما يدل على اعتبار هذه علة، ولذلك يحرم المرور بين يدي المصلي في مسجد النبي ﷺ مع شرف المكان، والنصوص العامة لا يخصصها إلا نص مثلها أو إجماع، ولا نص وإلا إجماع يقضي بالتخصيص. [م-٧٣٦] الرجل إذا صلى في المسجد الحرام فإما أن يصلي بلا سترة، أو يصلي إليها.

стр. 5979

فإن صلى بلا سترة فذهب جمهور العلماء إلى جواز المرور بين يديه، سواء أكان المار له مندوحة أم لا، وسواء أكان طائفًا أم لا، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، واختاره بعض الحنفية (١). وقيل: لا يجوز المرور بين يدي المصلَّي في الحرم، ولو صلى بلا سترة، وهو ظاهر مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (٢). جاء في حاشية ابن عابدين: «قوله: (ويدفعه) أي: إذا مر بين يديه، ولم تكن له سترة، أو كانت ومر بينه وبينها، كما في الحلية والبحر، ومفاده إثم المار، وإن لم تكن سترة كما قدمناه» (٣). وظاهر الإطلاق من غير فرق بين أن يكون في الحرم أو في غيره، له طريق آخر أم لا. جاء في البحر الرائق: «الظاهر كراهة ترك السترة فيما يخاف فيه المرور أي موضع كان» (٤). وعمومه: لا فرق بين الحرم وغيره، ولو كان المرور جائزًا لما استحب اتخاذ السترة في أي موضع يخاف المرور منه.

стр. 5980

وإن صلى في الحرم إلى سترة فاختلفوا في جواز المرور بين يديه: فقيل: يجوز في المسجد الحرام خاصة، وبه قال طاوس، وعطاء، ونص عليه أحمد في رواية ابن الحكم وغيره (١). وقيل: يجوز المرور في المسجد الحرام، وفي مكة كلها، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يجوز المرور في مكة، وفي الحرم كله، فدخل في ذلك منى ومزدلفة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: المسجد الحرام كغيره من المساجد يحرم فيه المرور بين يدي المصلي وبين سترته، إلا أن يكون المار من الطائفين بالبيت، وهذا مذهب الحنفية (٤). جاء في حاشية ابن عابدين: «ذكر في حاشية المدني لا يمنع المار داخل الكعبة وخلف المقام وحاشية المطاف؛ لما روى أحمد وأبو داود (عن المطلب بن أبي وداعة أنه رأى النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة) وهو محمول على الطائفين فيما يظهر» (٥). وقيل: يحرم المرور فيه إذا اتخذ المصلي سترة، سواء أكان له مندوحة أم لا، وهذا مذهب الشافعية (٦). قال الحافظ في الفتح: «هذا هو المعروف عند الشافعية وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها، واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون

стр. 5981

غيرهم للضرورة» (١). وقال المالكية: «إن صلى إلى سترة كره للطائف المرور بين يديه، وحرم على غيره إلا أن يكون المار لا مندوحة له، فيجوز له المرور» (٢). ولا يقصد المالكية بقولهم: لا مندوحة له: أي في حال الضرورة، فإنه لا محرم مع الضرورة، وإنما يقصدون أنه لا سبيل آخر يمكن له أن يسلكه، فجعلوا الحاجة إلى المرور في حكم الضرورة في إباحة المرور. إذا وقفت على الأقوال، ننتقل بعد ذلك إلى ذكر الأدلة. • دليل من قال: يحرم المرور إذا صلى إلى سترة، ويجوز إذا صلى بدونها: الدليل الأول: (ح-٢١٨٦) ما رواه الشيخان من طريق سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا حميد ابن هلال، قال: حدثنا أبو صالح السمان، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه [ولمسلم: فليدفع في نحره] فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان (٣). وجه الاستدلال: قوله: (إذا صلى إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز)، دل مفهوم المخالفة: أن من صلى إلى غير سترة فليس مأمورًا بدفع من يمر بين يديه. ومفهوم الشرط من أقوى دلالات المفهوم، فهو أقوى من مفهوم الصفة والعدد والاستثناء، والظرف، وغيرها (٤).

стр. 5982

وأما حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه) فهذا العموم والذي ظاهرُ منطوقه تحريمُ المرور مطلقًا، سواء أصلى إلى سترة أم لا، هذا العموم قد خُصِصَ بمفهوم المخالفة في حديث أبي سعيد (إذا صلى إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز) وتخصيص المنطوق بمفهوم المخالفة جائز على الصحيح، كما بينت في مسألة سابقة. كما فعل الجمهور مع منطوق حديث ابن عمر: (في أربعين شاةً شاةٌ) فإن منطوقه يدل على وجوب الزكاة في الغنم مطلقًا، سائمة كانت أم معلوفة، أم عاملة، إلا أنهم خصصوا هذا المنطوق بمفهوم المخالفة في قوله ﷺ : (في الغنم السائمة زكاة)، ومفهومه: لا زكاة في الغنم المعلوفة والعاملة، ولم يذهبوا إلى أن الغنم السائمة فرد من أفراد العام في قوله: (في أربعين شاة شاة)، فلا يقتضي تخصيصًا، فكذلك هنا. الدليل الثاني: (ث-٥٢٥) ما رواه أبو القاسم البغوي في الجعديات (حديث علي بن الجعد)، عن علي بن الجعد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله، عن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلي في جوف الكعبة فكان لا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإذا مر رجل جذبه حتى يرده (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: معلوم أن ابن عمر كان يتحرى المكان الذي كان قد صلى به النبي ﷺ داخل الكعبة، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فكانت صلاته إلى سترة.

стр. 5983

(ح-٢١٨٧) لما رواه البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله بن عمر، كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل، وجعل الباب قبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع صلى يتوخى المكان الذي أخبره به بلال، أن النبي ﷺ صلى فيه (١). (ث-٥٢٦) وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة نقلًا من فتح الباري لابن رجب، قال: ثنا جعفر بن برقان، عن يزيد الفقير، قال: كنت أصلي إلى جنب ابن عمر بمكة، فلم أر رجلًا أكره أن يمر بين يديه منه (٢). [حسن] (٣). الدليل الثالث: (ث-٥٢٧) ما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئًا، أو هيأ شيئًا يصلي إليه (٤). [صحيح] (٥).

стр. 5984

الدليل الرابع: ولأن الأصل إباحة المرور بين يدي المصلي، قام الدليل على تحريم المرور في حال صلى إلى سترة، وبقي ما عداه على الإباحة. • دليل من قال: يحرم المرور بين يدي المصلي مطلقًا ولو صلى بلا سترة: الدليل الأول: الاستدلال بعموم النصوص التي تنهى عن المرور بين يدي المصلي، فهي لا تفرق بين موضع وآخر، والعام جارٍ على عمومه، وكذلك المطلق، ولا يوجد دليل صحيح يخص المسجد الحرام، أو يخص مكة. والاستثناء الوحيد في هذه النصوص ما كان المرور فيه من وراء سترة المصلي، والاستثناء كما قال أهل الأصول معيار العموم أي أن ما عداه على المنع. فمن استثنى المسجد الحرام فقد خصص العام بلا مخصص، وتجاوز الاستثناء

стр. 5985

الذي حدده النص الشرعي، فإن جواز المرور من وراء السترة مفهومه منع المرور دون السترة في حال كان المصلي يصلي إليها في أي موضع كان، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢١٨٨) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ما ذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم: قال رسول الله ﷺ : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه. قال أبو النضر: لا أدري، أقال أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة (١). قوله: (بين يدي المصلي) الظرف (بين) يدل على عموم في المكان، فيشمل المسجد الحرام كما يشمل غيره. وقوله: (يدي المصلي) عموم في المصلي، أي سواء أصلى إلى سترة أم لا، وسواء أكان المار له مندوحة أم لا. ومن خص المسجد الحرام من هذا العموم فقد خصه بلا مخصص. والحديث دليل على تحريم المرور: فإن المعنى: أَنَّ المارَّ لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار وقوفه هذه المدة المذكورة على أن يلحقه ذلك الإثم، أو لكان وقوفه هذه المدة خيرًا له من أن يمر بين يديه، وظاهر الحديث يدل على أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر، وكونه لا مندوحة له لا يسوغ إباحة المرور حيث لم يعتبر الشارع مشقة الانتظار مبيحًا للمرور؛ لأنه فَضَّل الوقوف أربعين على مروره بين يديه. الدليل الثالث: (ح-٢١٨٩) ما رواه مسلم من طريق عن أبي الأحوص، عن سماك، عن موسى ابن طلحة،

стр. 5986

عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من مَرَّ وراء ذلك (١). وجه الاستدلال: منطوق الحديث: جواز المرور من وراء السترة إذا وضع مثل مؤخرة الرحل، ومفهومه: أنه إذا لم يضع مثل ذلك، ومَرَّ أحد بين يديه وكان يمكنه أن يمنعه فلم يمنعه ضرَّ ذلك صلاته، وذلك الحكم بمنطوقه ومفهومه في عموم المصلين، لقوله: (إذا وضع أحدكم) فكلمة أحد فيها عمومان: العموم الأول: أنها نكرة في سياق الشرط، فتعم كل أحد، من غير فرق بين المصلي في الحرم والمصلي في غيره. والعموم الثاني، قوله: (أحدكم) نكرة مضافة، والنكرة المضافة تدل على العموم، فالحكم يشمل كل واحد من الأمة، من غير فرق بين أهل الحل وأهل الحرم. • ويجاب: بأن العام إذا دخله التخصيص فالاحتجاج به لا يتناول الخاص؛ لخروجه من العموم بدليل خاص، وعليه فهذه العمومات لا تتناول الرجل الذي صلى إلى غير سترة، سواء أكان ذلك في الحرم أم في غيره من الأماكن؛ لتخصيص هذه العمومات بمفهوم حديث أبي سعيد الخدري (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه). فقد دل مفهوم المخالفة: أن من صلى إلى غير سترة فليس مأمورًا بدفع من يمر بين يديه. وتخصيص العموم بمفهوم المخالفة جائز على الصحيح على ما بينته فيما سبق. • دليل من قال: يجوز المرور للطائفين مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢١٩٠) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير، عن أبيه،

стр. 5987

عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي ﷺ حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطواف أحد (١). [حديث معلٌّ] (٢). وجه الاستدلال: أن المرور لو كان محرمًا لما صلى النبي ﷺ في مكان يعرض فيه صلاته للفساد، وأحقية الطائف في مكان عبادته عذر له بالمرور، وليس عذرا للمصلي، فلما صحت صلاته في هذا المكان علم أن المرور بين يديه ليس محرمًا. • وأجيب: بأن الحديث ضعيف، وسبق تخريجه، ولو صح لنوزع في دلالته على جواز المرور مطلقًا من الطائف؛ لأن المرور بين يدي المصلي ليس ممنوعًا مطلقًا، وإنما الممنوع منه المرور بينه وبين سترته إن صلى إلى سترة، أو المرور بينه وبين موضع سجوده إن صلى بلا سترة في أصح أقوال أهل العلم، فلا يلزم أن يكون المرور قد وقع من الطائفين بين النبي ﷺ وموضع سجوده حتى يكون دليلًا على جواز المرور من الطائف. الدليل الثاني: (ث-٥٢٨) روى الطبري في تهذيب الآثار من طريق يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن جريج،: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، قال: رأيت ابن الزبير يصلي، فمرت امرأة بين يديه تطوف بالبيت، فوضع جبهته في موضع قدمها (٣). [رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن أبيه، وهو المعروف، وأبوه فيه لين] (٤). وقد روي أثر ابن الزبير بسند أصح من هذا، ولكنه في المرور بين يدي المأموم، فلا حجة فيه على مسألتنا.

стр. 5988

فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن حنظلة الجمحي، عن سالم بن عبد الله، قال: صلى بنا ابن الزبير، فمرت بين أيدينا امرأة بعد ما قد صلينا ركعة، أو ركعتين، فلم يبال بها (١). [صحيح]. قوله: (فمرت بين أيدينا) أكان يعني: فمرت بين يدي الإمام أم أنه يقصد أنها مرت بين يدي المأموم، هذا مجمل، لكنه جاء مفسرًا في رواية ابن وهب. فقد رواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق ابن وهب، قال: حدثنا حنظلة، عن سالم، قال: صليت مع عبد الله بن الزبير بمكة، فمرت بين يدي الصف امرأة فما بالوها (٢). [صحيح]. فقوله: (فمرت بين يدي الصف)، فالمرور كان بين يدي المأموم، فلا تأثير له. الدليل الثالث: أن الطائف مُصَلٍّ فكانت حركته بمنزلة مصل يصلي بين يديه لا يقطع صلاته. قال اللخمي: لا بأس بالصلاة إلى الطائفين من غير سترة؛ لأنهم في معنى من هو في صلاة. • ويناقش: القول بأن الطائف مُصَلٍّ، إن كان المقصود بالصلاة الحقيقة اللغوية، فهذا لا نزاع فيه؛ لأن الطواف مشتمل على دعاء العبادة ودعاء المسألة، والصلاة في اللغة: هي الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. ولكن هذا لا يعطي الطائف حكم المصلي. وإن كان المقصود بالصلاة الحقيقة الشرعية، فهذا لا يصح؛ لاختلاف حقيقتهما الشرعية وأحكامهما، فلا يشترط للطواف استقبال القبلة، ولا تحريم

стр. 5989

الكلام، ولا شرب الماء، ولا تحريم الحركة والتي هي ركن في الطواف، ولا تسليم فيه، ولا دعاء استفتاح، ولا تجب له قراءة الفاتحة، وله أن يقطع طوافه لشهود جنازة، ثم يبني على طوافه، ولا صفوف فيه، ولا ترتيب بين الرجال والنساء إلخ الأحكام التي يفارق فيها الطواف حكم الصلاة. (ح-٢١٩١) وأما ما رواه الترمذي ﵀، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا، جرير، عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير (١). [ضعيف، والراجح وقفه على ابن عباس] (٢). وقوله: (مثل الصلاة) المثلية لا تقتضي المطابقة، لا في الأفعال، ولا في الأحكام، فيكفي اشتراكهما في صفة ما، كاشتراكهما في مطلق الدعاء والذكر. قال القرافي: «والمثلية في لسان العرب تصدق بين الشيئين بأي وصف كان من غير شمول، فإذا قلت: زيد مثل الأسد كفى في ذلك الشجاعة دون بقية الأوصاف، وكذلك زيد مثل عمرو يصدق ذلك حقيقة بمشاركتهما في صفة واحدة» (٣). ولو فرضنا صحة الحديث، فهو بمنزلة قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في البخاري: … ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة (٤). والذي ينتظر الصلاة لا يلزمه ما يلزم المصلي، فله أن يأكل، ويلتفت عن القبلة، فيكون الطواف صلاة من أجل أن الطواف إنما شرع لإقامة ذكر الله، كالصلاة. ورفع الإثم عن الطائف إذا مرَّ بين يدي المصلي ليس من جهة كون الطائف مصليًّا، بل لكونه أحق بالمكان، والمصلي هو المعتدي، وهذا لا يرفع الإثم عن المصلي إذا صلى في مكان يتعرض فيه للمرور بين يديه، كالصلاة في حاشية

стр. 5990

المطاف مع كثرة الطائفين، أو الصلاة في طريق الناس، أو الصلاة إلى باب مسجد، والناس يحتاجون للدخول، ونحو ذلك. • دليل من قال: يجوز المرور بين يدي المصلي في مكة وفي الحرم كله. الدليل الأول: (ح-٢١٩٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد (١). وجه الاستدلال: حملوا قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي يصلي إلى غير سترة. قال الشافعي في اختلاف الحديث: «قول ابن عباس (إلى غير جدار) يعني والله أعلم إلى غير سترة» (٢). وترجم البيهقي عليه باب من صلى إلى غير سترة. وجه الاستدلال: إذا صحت الصلاة في منى إلى غير سترة مع خوف المرور دل على أن المرور جائز، ولولا ذلك لاحتاط النبي ﷺ لحفظ صلاته عن المرور باتخاذ السترة، ومنى جزء من الحرم، وما صح في الحرم صح في المسجد الحرام؛ لأن المسجد الحرام جزء منه. ولأن الحرم كله يعبر عنه بالمسجد من غير فرق بين مسجد الكعبة، وبين بقية الحرم. قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، والمقصود بالمسجد الحرم كله. وقال تعالى عن المشركين: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨].
следующие страницы →