← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من مَرَّ وراء ذلك (١). وجه الاستدلال: منطوق الحديث: جواز المرور من وراء السترة إذا وضع مثل مؤخرة الرحل، ومفهومه: أنه إذا لم يضع مثل ذلك، ومَرَّ أحد بين يديه وكان يمكنه أن يمنعه فلم يمنعه ضرَّ ذلك صلاته، وذلك الحكم بمنطوقه ومفهومه في عموم المصلين، لقوله: (إذا وضع أحدكم) فكلمة أحد فيها عمومان: العموم الأول: أنها نكرة في سياق الشرط، فتعم كل أحد، من غير فرق بين المصلي في الحرم والمصلي في غيره. والعموم الثاني، قوله: (أحدكم) نكرة مضافة، والنكرة المضافة تدل على العموم، فالحكم يشمل كل واحد من الأمة، من غير فرق بين أهل الحل وأهل الحرم. • ويجاب: بأن العام إذا دخله التخصيص فالاحتجاج به لا يتناول الخاص؛ لخروجه من العموم بدليل خاص، وعليه فهذه العمومات لا تتناول الرجل الذي صلى إلى غير سترة، سواء أكان ذلك في الحرم أم في غيره من الأماكن؛ لتخصيص هذه العمومات بمفهوم حديث أبي سعيد الخدري (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه). فقد دل مفهوم المخالفة: أن من صلى إلى غير سترة فليس مأمورًا بدفع من يمر بين يديه. وتخصيص العموم بمفهوم المخالفة جائز على الصحيح على ما بينته فيما سبق. • دليل من قال: يجوز المرور للطائفين مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢١٩٠) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير، عن أبيه،

стр. 5987

عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي ﷺ حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطواف أحد (١). [حديث معلٌّ] (٢). وجه الاستدلال: أن المرور لو كان محرمًا لما صلى النبي ﷺ في مكان يعرض فيه صلاته للفساد، وأحقية الطائف في مكان عبادته عذر له بالمرور، وليس عذرا للمصلي، فلما صحت صلاته في هذا المكان علم أن المرور بين يديه ليس محرمًا. • وأجيب: بأن الحديث ضعيف، وسبق تخريجه، ولو صح لنوزع في دلالته على جواز المرور مطلقًا من الطائف؛ لأن المرور بين يدي المصلي ليس ممنوعًا مطلقًا، وإنما الممنوع منه المرور بينه وبين سترته إن صلى إلى سترة، أو المرور بينه وبين موضع سجوده إن صلى بلا سترة في أصح أقوال أهل العلم، فلا يلزم أن يكون المرور قد وقع من الطائفين بين النبي ﷺ وموضع سجوده حتى يكون دليلًا على جواز المرور من الطائف. الدليل الثاني: (ث-٥٢٨) روى الطبري في تهذيب الآثار من طريق يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن جريج،: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، قال: رأيت ابن الزبير يصلي، فمرت امرأة بين يديه تطوف بالبيت، فوضع جبهته في موضع قدمها (٣). [رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن أبيه، وهو المعروف، وأبوه فيه لين] (٤). وقد روي أثر ابن الزبير بسند أصح من هذا، ولكنه في المرور بين يدي المأموم، فلا حجة فيه على مسألتنا.

стр. 5988

فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن حنظلة الجمحي، عن سالم بن عبد الله، قال: صلى بنا ابن الزبير، فمرت بين أيدينا امرأة بعد ما قد صلينا ركعة، أو ركعتين، فلم يبال بها (١). [صحيح]. قوله: (فمرت بين أيدينا) أكان يعني: فمرت بين يدي الإمام أم أنه يقصد أنها مرت بين يدي المأموم، هذا مجمل، لكنه جاء مفسرًا في رواية ابن وهب. فقد رواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق ابن وهب، قال: حدثنا حنظلة، عن سالم، قال: صليت مع عبد الله بن الزبير بمكة، فمرت بين يدي الصف امرأة فما بالوها (٢). [صحيح]. فقوله: (فمرت بين يدي الصف)، فالمرور كان بين يدي المأموم، فلا تأثير له. الدليل الثالث: أن الطائف مُصَلٍّ فكانت حركته بمنزلة مصل يصلي بين يديه لا يقطع صلاته. قال اللخمي: لا بأس بالصلاة إلى الطائفين من غير سترة؛ لأنهم في معنى من هو في صلاة. • ويناقش: القول بأن الطائف مُصَلٍّ، إن كان المقصود بالصلاة الحقيقة اللغوية، فهذا لا نزاع فيه؛ لأن الطواف مشتمل على دعاء العبادة ودعاء المسألة، والصلاة في اللغة: هي الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. ولكن هذا لا يعطي الطائف حكم المصلي. وإن كان المقصود بالصلاة الحقيقة الشرعية، فهذا لا يصح؛ لاختلاف حقيقتهما الشرعية وأحكامهما، فلا يشترط للطواف استقبال القبلة، ولا تحريم

стр. 5989

الكلام، ولا شرب الماء، ولا تحريم الحركة والتي هي ركن في الطواف، ولا تسليم فيه، ولا دعاء استفتاح، ولا تجب له قراءة الفاتحة، وله أن يقطع طوافه لشهود جنازة، ثم يبني على طوافه، ولا صفوف فيه، ولا ترتيب بين الرجال والنساء إلخ الأحكام التي يفارق فيها الطواف حكم الصلاة. (ح-٢١٩١) وأما ما رواه الترمذي ﵀، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا، جرير، عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير (١). [ضعيف، والراجح وقفه على ابن عباس] (٢). وقوله: (مثل الصلاة) المثلية لا تقتضي المطابقة، لا في الأفعال، ولا في الأحكام، فيكفي اشتراكهما في صفة ما، كاشتراكهما في مطلق الدعاء والذكر. قال القرافي: «والمثلية في لسان العرب تصدق بين الشيئين بأي وصف كان من غير شمول، فإذا قلت: زيد مثل الأسد كفى في ذلك الشجاعة دون بقية الأوصاف، وكذلك زيد مثل عمرو يصدق ذلك حقيقة بمشاركتهما في صفة واحدة» (٣). ولو فرضنا صحة الحديث، فهو بمنزلة قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في البخاري: … ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة (٤). والذي ينتظر الصلاة لا يلزمه ما يلزم المصلي، فله أن يأكل، ويلتفت عن القبلة، فيكون الطواف صلاة من أجل أن الطواف إنما شرع لإقامة ذكر الله، كالصلاة. ورفع الإثم عن الطائف إذا مرَّ بين يدي المصلي ليس من جهة كون الطائف مصليًّا، بل لكونه أحق بالمكان، والمصلي هو المعتدي، وهذا لا يرفع الإثم عن المصلي إذا صلى في مكان يتعرض فيه للمرور بين يديه، كالصلاة في حاشية

стр. 5990

المطاف مع كثرة الطائفين، أو الصلاة في طريق الناس، أو الصلاة إلى باب مسجد، والناس يحتاجون للدخول، ونحو ذلك. • دليل من قال: يجوز المرور بين يدي المصلي في مكة وفي الحرم كله. الدليل الأول: (ح-٢١٩٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد (١). وجه الاستدلال: حملوا قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي يصلي إلى غير سترة. قال الشافعي في اختلاف الحديث: «قول ابن عباس (إلى غير جدار) يعني والله أعلم إلى غير سترة» (٢). وترجم البيهقي عليه باب من صلى إلى غير سترة. وجه الاستدلال: إذا صحت الصلاة في منى إلى غير سترة مع خوف المرور دل على أن المرور جائز، ولولا ذلك لاحتاط النبي ﷺ لحفظ صلاته عن المرور باتخاذ السترة، ومنى جزء من الحرم، وما صح في الحرم صح في المسجد الحرام؛ لأن المسجد الحرام جزء منه. ولأن الحرم كله يعبر عنه بالمسجد من غير فرق بين مسجد الكعبة، وبين بقية الحرم. قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، والمقصود بالمسجد الحرم كله. وقال تعالى عن المشركين: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨].

стр. 5991

والتحريم عام في الحرم كله، فعبر عن الحرم بالمسجد. وقال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. والمقصود بالغ الحرم. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، والمراد به الحرم، ففي أي مكان بالحرم نحر هديه أجزأه. وقال تعالى: ﴿رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧]. ومعلوم أن ذلك كان في الحديبية، فأطلق الله تعالى أنها عند المسجد الحرام، وإنما هي عند الحرم. • ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: قد سبق لي اختلاف العلماء في دلالة قوله: (صلى إلى غير جدار): أهو نفي للسترة، أم نفي للجدار، ونقلت كلام العلماء في هذه المسألة، ورجحت أن ابن عباس أراد من نفي الجدار الإعلام بأن صلاة النبي ﷺ كانت في فضاء، لا بنيان فيه، ولم يتعرض لذكر السترة، لا نفيًا، ولا إثباتًا، فيلزم من نفي (الجدار) نفي البنيان، ولا يلزم من نفي البنيان نفي العنزة والحربة، فحتى يسلم الاستدلال من الاعتراض لابد من إثبات أنه كان يصلي إلى غير سترة، ليكون الاستدلال به متجهًا، وبالتالي لا أرى في هذا الدليل ما يصح في الاستدلال لا في نفي السترة، ولا على إثبات وجودها. وقيل: إن نفي الجدار لا يعني نفي السترة، وهذا توجه جماعة من أهل العلم منهم البخاري في صحيحه. جاء في شرح القسطلاني: «قوله: (إلى غير جدار) لفظ (غير) يشعر بأن ثمة سترة؛ لأنها تقع دائمًا صفة، وتقديره: إلى شيء غير جدار، وهو أعم من أن يكون عصا أو غير ذلك» (١). وانظر استكمال مناقشة الاستدلال في هذا الحديث في مسألة سابقة عند التعرض لحكم السترة، وانظر أيضًا ما فات هناك في المجلد الثاني عشر عند

стр. 5992

الكلام على مبطلات الصلاة بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود. الجواب الثاني: أن إطلاق المسجد على الحرم كله هذا من باب التغليب، ولا يعني إعطاء الحرم كله حكم المسجد، وإلا لشرعت لدخوله تحية المسجد، ونهي عن البيع في الحرم، والتبول فيه، وغيرها من الأحكام التي ينهى عن فعلها في المسجد، وتباح خارجه. وقد قال سبحانه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فأطلق المسجد الحرام هنا وأراد به الكعبة خاصة لمن هو في المسجد، ولو استقبل المصلي في الحرم حائط المسجد المحيط بالكعبة لم تصح صلاته. (ح-٢١٩٣) وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام … الحديث (١). ولا يجوز شد الرحال إلى مساجد مكة، فقصد بالمسجد الحرام مسجد الكعبة خاصة. فصار المسجد الحرام يطلق ويراد به الكعبة خاصة كما في آية استقبال القبلة، ويطلق ويراد به مسجد الكعبة كما في حديث النهي عن شد الرحال، ويطلق، ويراد به الحرم كله تغليبًا كما في الآيات السابقة. وكما كان الاستقبال خاصًّا بالكعبة، فكذلك جواز المرور بين يدي المصلي على القول بصحة استثناء المسجد الحرام من المنع فهو خاص بمسجد الكعبة؛ لأن سبب التخفيف ليس راجعًا لشرف البقعة وإلا لدخل في هذا الحرم النبوي؛ لشرفه وفضله، وإنما سبب التخفيف؛ لما في منع المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام من الحرج والمشقة بسبب كثرة الزحام، ولا يوجد مثل هذا في سائر مساجد مكة شرفها الله، ولا في مساجد باقي الحرم، فإذا كان الراجح أن المسجد الحرام كغيره من المساجد لا يجوز المرور فيه بين يدي الإمام والمنفرد الذي يصلي فيه إلى سترة، فكذلك سائر الحرم من باب أولى.

стр. 5993

الدليل الثاني: (ح-٢١٩٤) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت يحيى بن الجزار، عن ابن عباس، قال: جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار، فمررنا بين يدي النبي ﷺ ، وهو يصلي، فنزلنا عنه، وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض، أو قال: من نبات الأرض، فدخلنا معه في الصلاة، فقال رجل: أكان بين يديه عنزة؟ قال: لا (١). [منقطع، ونفي العنزة تفرد به علي بن الجعد، عن شعبة، وهو حرف شاذ] (٢).

стр. 5994

وجه الاستدلال: كالاستدلال من الحديث السابق باعتبار أن ذلك جرى في الحرم، والمسجد الحرام جزء من الحرم، فما صح فعله في الحرم صح في المسجد الحرام. • ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: مع نكارة هذا الحديث وضعفه فإنه قد اختلف في لفظه، أهو بالمرور أمام الصف أم بالمرور بين يدي رسول الله ﷺ ، وإذا كان بالمرور بين يدي النبي ﷺ ، أهو بمرور الغلامين والجاريتين -ومثلهم لم يبلغ الحلم- دون الحمار، أم بمرور الحمار، وعليه الغلامان؟ فيكون هذا الفعل معارضًا لحديث أبي ذر في مسلم، انظر تخريج ألفاظ الحديث في مبطلات الصلاة في المجلد الثاني عشر. الجواب الثاني: لا نسلم في إعطاء الحرم كله حكم مسجد الكعبة، وقد بينت ذلك في الدليل السابق، والله أعلم. الجواب الثالث: أن الأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي ﷺ لم يكن يدع السترة في الحرم. (ح-٢١٩٥) فقد روى الشيخان واللفظ للبخاري من طريق شعبة، عن الحكم، عن أبي جحيفة، قال: خرج رسول ﷺ بالهاجرة، فصلى بالبطحاء الظهر

стр. 5995

والعصر ركعتين، ونصب بين يديه عنزة وتوضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه (١). وفي رواية لمسلم نحوه، وفيه: .. ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة (٢). الدليل الثالث: قال ابن قدامة: «ولأن الحرم كله محل المشاعر والمناسك، فجرى مجرى مكة في ما ذكرناه» (٣). • ويناقش: إن كانت العلة في جواز المرور في الحرم هو الزحام في المشاعر، فليكن الحكم مرتبطًا بالزحام في أي بقعة كان، وقياس الحرم كله على المسجد الحرام قياس مع الفارق، فالحرم يزدحم فيه الناس طيلة العام، وأما باقي الحرم كمزدلفة وعرفة فلا يتواجد الناس فيها إلا في يوم واحد من العام، وأربعة أيام في منى فليقيد جواز المرور عند كثرة الزحام، ومشقة الدفع على القول بأن المسجد الحرام مستثنى من تحريم المرور، والصحيح خلافه، وإذا بطل الحكم في الأصل بطل في الفرع. وإن كانت العلة شرف البقعة، فلا يوجد في النصوص ما يدل على اعتبار هذه علة، ولذلك يحرم المرور بين يدي المصلي في مسجد النبي ﷺ مع شرف المكان، والنصوص العامة لا يخصصها إلا نص مثلها، أو إجماع، ولا نص، ولا إجماع يقضي بالتخصيص، والله أعلم. • الراجح: أن المسجد الحرام كغيره من المساجد لا يجوز فيه المرور بين يدي المصلي إذا صلى إلى سترة، وكان إمامًا أو منفردًا، وإذا أراد الإنسان الصلاة فعليه أن يتحرى مكانًا لا يقطع صلاته أحد، ويتخذ سترة حتى يقلل من مرور الناس بينه وبين سترته، وأن يدفع المار بحسب استطاعته، فإذا غلب فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 5996

ولقوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (١). وإن كان المصلي مأمومًا فلا تأثير للمرور بين يديه، وإن كان الأولى عدم المرور حتى لا يشغله ذلك عن صلاته، والله أعلم.

стр. 5997

المبحث الخامس في استحباب الصلاة في النعل المدخل إلى المسألة: • صلى النبي ﷺ حافيًا ومنتعلًا. • ثبت أن النبي ﷺ خير المصلي بين الصلاة بالنعال وبين الصلاة حافيًا، والتخيير دليل الإباحة. • حديث الأمر بالصلاة في النعال مخالفة لليهود حديث معلٌّ. • التخيير بين الصلاة في النعال أو خلعها ووضعها بين رجليه وإن كان لا ينافي الاستحباب، لكنه ينافي الأمر بمخالفة اليهود، كما لا يتصور أن يقول النبي ﷺ أعفوا اللحى مخالفة للمشركين، ثم يخير بين إعفائها وحلقها، فكذلك الصلاة في النعال. • على فرض صحته فإن ذلك ينزل على ما كان عليه الحال وقت العهد النبوي. • أمر النبي ﷺ المصلي إذا بصق أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى فإذا كان ذلك لا يشمل ما إذا صلى على الفرش، فكذلك الصلاة في النعال. • يتوسع على الأرض ما لا يتوسع على الفرش، ولهذا كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ ، وما كانوا يرشون شيئًا من ذلك، ولم تكن هذه السنة في الفرش والثياب. • الأمر بالصلاة في النعال في حديث أبي سعيد: إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما

стр. 5998

لا يدل على الاستحباب؛ لأن الأمر بالصلاة في النعل جاء على إثر توهم المنع حيث خلع الصحابة نعالهم في الصلاة، فأمرهم النبي ﷺ بما أمرهم فيه، وذلك من قلب النعل؛ لينظر في طهارته، وصفة تطهيره إن تطلب الأمر، ثم الصلاة فيه، فالحديث سيق للتحرز من النجاسة لمن أراد الصلاة بالنعل. [م-٧٣٧] اتفق العلماء على جواز الصلاة في النعل إذا كانت طاهرة. قال أبو عبد الله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: «لم يختلف العلماء في جواز الصلاة في النعل إذا كانت طاهرة» (١). وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «قول أنس: كان النبي ﷺ يصلي في النعلين، هذا يدل على جواز الصلاة فيهما، وهو أمر لم يختلف فيه إذا كان النعل طاهرة من ذكيٍّ» (٢). وقال ابن تيمية: «إذا علمت طهارتها لم تكره الصلاة فيها باتفاق المسلمين» (٣). واعتبر الطحاوي الأحاديث الدالة على مشروعية الصلاة في النعال من الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ (٤). واختلفوا في مسألتين: الأولى: الاختلاف في الصلاة في النعل أيلحق بالمشروعات، فيكون مستحبًا، أم يلحق بالرخص، فيكون مباحًا. الثانية: على القول بالاستحباب، أهو مستحب مطلقًا، ولو صلى على الفرش، أم أن الاستحباب فيما إذا صلى على الأرض، كما كان ذلك في العهد النبوي، فإذا صلى على الفرش، وخشي من اتساخ الفرش بالنعل لم يُصَلِّ فيها، وإن كانت النعل

стр. 5999

طاهرة؛ حماية للفرش من الوسخ، وهي من الوقف العام، ولأن الإنسان لا يقبل أن يدوس أحد بنعاله على فراشه وعلى تكرمته، فكذلك ما كان من الملك العام. ولأن فرش المساجد في الحرمة كالمسجد تحفظ عن القذر، ولو كان طاهرًا؟ فإذا صلى على الأرض، أو صلى على فراشه الخاص صلى بالنعل الطاهرة. قال الباجي: «فأما دخول الحرم والمسجد الحرام بالنعلين فمباح؛ لأنه لا وطء عليهما، وإنما فيهما تراب، أو حصباء وكذلك مسجد المدينة (١). إذا علم ذلك نأتي إلى ذكر خلاف العلماء: فقيل: يستحب الصلاة في النعل والخف إذا تأكد من طهارتها، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، واختاره ابن تيمية وابن القيم، وبه قال إسحاق بن راهويه، إلا أن المتأخرين من الحنفية قالوا: إذا صلى على الفرش فخشي اتساخها فلا تستحب الصلاة فيها، وإن كانت طاهرة (٢). قال النخعي في الذين يخلعون نعالهم: وددت لو أن محتاجًا جاء إليها فأخذها منكراً لخلع النعال. وترجم البيهقي في سننه، فقال: سنة الصلاة في النعلين (٣). قال ابن القيم: «ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة في النعال وهي سنة رسول الله ﷺ فعلًا منه وأمرًا» (٤). جاء في حاشية ابن عابدين: «قوله: (وصلاتهما فيهما) أي في النعل والخف الطاهرين أفضل مخالفة لليهود .... قلت (القائل ابن عابدين): لكن إذا خشي

стр. 6000

تلويث فرش المسجد بها ينبغي عدمه -يعني عدم الصلاة فيهما- وإن كانت طاهرة، وأما المسجد النبوي فقد كان مفروشًا بالحصى في زمنه ﷺ بخلافه في زماننا، ولعل ذلك محمل ما في عمدة المفتي من أن دخول المسجد متنعلًا من سوء الأدب تأمل» (١). وقيل: الصلاة فيهما مباحة، وهو مذهب المالكية والشافعية، وظاهر كلام الطحاوي من الحنفية (٢). قال الطحاوي: «جاءت الآثار متواترة عن رسول الله ﷺ بما قد ذكرنا عنه من صلاته في نعليه … ومن إباحة الناس الصلاة في النعال» (٣). وقال الإمام مالك: «لا بأس بالصلاة في النعلين قد صلى فيهما رسول الله ﷺ » (٤). والتعبير بنفي البأس دليل الإباحة.

стр. 6001

وقال القاضي عياض: «الصلاة في النعلين رخصة مباحة، فعلها النبي ﷺ وأصحابه» (١). وقال النووي في المجموع: «الصلاة في النعل الطاهرة جائزة» (٢). ونقل ابن رجب في شرح البخاري عن الشافعي أن خلع النعلين في الصلاة أفضل؛ لما فيه من مباشرة المصلي بأطراف القدمين إذا سجد عليهما، ووافقهم على ذلك القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا (٣). • دليل من قال: يستحب لبس النعلين في الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢١٩٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن هلال بن ميمون الرملي، عن يعلى بن شداد بن أوس، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم (٤). [الأمر بالصلاة بالنعال مخالفة لليهود منكر] (٥).

стр. 6002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6004

الدليل الثاني: (ح-٢١٩٧) ما رواه البخاري من طريق شعبة. ومسلم من طريق بشر بن المفضل، كلاهما عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة، قال: سألت أنس بن مالك، أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم (١). • ونوقش: هذا الحديث يدل على عدم كراهة الصلاة في النعلين، وهو أمر متفق عليه، وقد نقل الإجماع فيه ابن تيمية، ولكن لا يتوجه الاستدلال به على الاستحباب إذا علم أن حديث الأمر بالصلاة في النعال حديث معلٌّ، وأن النبي ﷺ كان يخير

стр. 6005

المصلي بين الصلاة فيهما أو خلعهما كما سيأتي ذكره في أدلة القول الثاني، فالنبي ﷺ لم يكن يتقصد الصلاة فيهما بل إن كان منتعلًا صلى بهما، وإن كان حافيًا صلى كذلك، ولم يطلبهما. قال ابن دقيق العيد في الإحكام تعليقًا على حديث أنس، قال: «الحديث دليل على جواز الصلاة في النعال، ولا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحباب؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة. فإن قلت: لعله من باب الزينة، وكمال الهيئة، فيجري مجرى الأردية والثياب التي يستحب التجمل بها في الصلاة؟ قلت: هو -وإن كان كذلك- إلا أن ملامسته للأرض التي تكثر فيها النجاسات مما يقصر به عن هذا المقصود، ولكن البناء على الأصل، إن انتهض دليلًا على الجواز، فيعمل به في ذلك. والقصور الذي ذكرناه عن الثياب المتجمل بها يمنع من إلحاقه بالمستحبات إلا أن يرد دليل شرعي بإلحاقه بما يتجمل به فيرجع إليه، ويترك هذا النظر، ومما يقوي هذا النظر -إن لم يرد دليل على خلافه- أن التزين في الصلاة من الرتبة الثالثة من المصالح، وهي رتبة التزيينات والتحسينات، ومراعاة أمر النجاسة: من الرتبة الأولى وهي الضروريات، أو من الثانية وهي الحاجيات على حسب اختلاف العلماء في حكم إزالة النجاسة. فيكون رعاية الأولى بدفع ما قد يكون مزيلًا لها أرجح بالنظر إليها. ويعمل بذلك في عدم الاستحباب» (١). الدليل الثالث: (ح-٢١٩٨) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد

стр. 6006

فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: قوله: (ثم ليصل فيهما) أمر، وإذا لم يمكن حمل الأمر على الوجوب، فعلى الأقل يحمل على المتيقن، وهو الاستحباب. ونوقش من وجهين: الوجه الأول: الأمر المجرد يدل على الوجوب، وقد يدل على الاستحباب لقرينة، وقد يدل على الإرشاد إذا وقع جوابًا لسؤال، أو كان لرفع توهم المنع، فهنا الأمر بالصلاة في النعل جاء على إثر توهم المنع حيث خلع الصحابة نعالهم في الصلاة، فأمرهم النبي ﷺ بما أمرهم فيه، وذلك من قلب النعل لينظر في طهارته، وأرشدهم إلى صفة تطهيره إن تطلب الأمر، قبل الصلاة فيه، فالحديث سيق للتحرز من النجاسة لمن أراد الصلاة بالنعل، وليس سياق الحديث في أمر الصحابة ابتداء بالصلاة بالنعل حتى يستفاد منه استحباب الصلاة بالنعل. والله أعلم. الوجه الثاني: لو سلم جدلًا أن الحديث سيق ابتداء للصلاة بالنعل فدلالة هذا الحديث يسميها أهل الأصول دلالة اقتضاء، بمعنى أن الكلام يقتضي تقدير كلام محذوف لصحة دلالته الشرعية، فهو على تقدير: إذا جاء أحدكم المسجد، فأراد أن يصلي في نعليه فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما، ولولا هذا التقدير لكانت الصلاة في النعل واجبة؛ لأنه مقتضى الأمر، ويمثل الأصوليون لدلالة الاقتضاء بالأمثلة المشهورة كقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية) تقديره: فحلق ففدية. ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

стр. 6007

[البقرة: ١٨٤] والتقدير: فأفطر، فعدة من أيام أخر، والله أعلم. الدليل الرابع: (ح-٢١٩٩) ما رواه الحاكم في المستدرك، وعنه البيهقي في السنن من طريق عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لم يخلع نعليه في الصلاة إلا مرة، فخلع الناس، فقال: ما لكم؟ قالوا: خلعت، فخلعنا، فقال: إن جبرائيل ﵇ أخبرني أن فيهما قذرًا. قال البيهقي في السنن: تفرد به عبد الله بن المثنى (١). [إسناده حسن] (٢).

стр. 6008

قال ابن رجب: «وهذا يدل على أن عادة النبي ﷺ المستمرة الصلاة في نعليه» (١). • ويناقش: قوله: (لم يخلع نعليه في الصلاة إلا مرة) النفي متوجه لخلع النعل في الصلاة، بسبب الأذى، ولا يفهم من النفي أنه لم يصل حافيًا إلا مرة واحدة حتى يفهم منه أن عادة النبي ﷺ المستمرة الصلاة في نعليه، فقد كان النبي ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلًا، وكان النبي ﷺ إذا صلى في نعليه لم ينظر في أسفلهما مستصحبًا طهارة نعليه إلى حين أخبره جبريل مرة أن فيهما أذى، فخلعهما في الصلاة، وهذه الحادثة لم تقع إلا مرة واحدة. هذا ما يدل عليه حديث أنس؛ لأن النبي ﷺ بعد ذلك أرشد صحابته إلى النظر في النعلين قبل الصلاة بهما، وكان النبي ﷺ إذا أمر بشيء كان أول من يعمل به، وبهذه الطريقة لن يحتاج النبي ﷺ إلى خلع نعليه في الصلاة مرة أخرى، ولا أدري كيف فهم الإمام ابن رجب من قول أنس: (لم يخلع النبي ﷺ نعليه في الصلاة إلا مرة واحدة حين أخبره جبريل بأن النعلين فيهما أذى)، كيف فهم منه أنه كان يصلي دائمًا منتعلًا، فهذا لا يدل عليه الحديث، وتخالفه الأحاديث الأخرى التي تفيد أنه كان يصلي هكذا وهكذا، ولا تعرف مواظبته ﵊ على لبس النعل في الصلاة، بل لو حمل حديث أنس على ما فهمه ابن رجب لما احتمل أن يتفرد بمثل ذلك عبد الله بن المثنى؛ لأن حديث أنس في الصحيحين لا يدل على المواظبة، وأين الصحابة عن نقل هذه المواظبة من هديه عليه الصلاة

стр. 6009

والسلام، وهو يخير المصلي بين لبس النعلين في الصلاة أو خلعهما، والله أعلم. الدليل الخامس: (ث-٥٢٩) ما رواه عبد الرزاق، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود أن أبا موسى أمَّهم، فخلع نعليه، فقال له عبد الله: لم خلعت نعليك أبالوادي المقدس أنت؟ [صحيح] (١).

стр. 6010

• ويناقش: أنكر ابن مسعود على أبي موسى تقصده لخلع نعله من أجل الصلاة، حيث

стр. 6011

كان أبو موسى لابسًا نعليه حتى إذا أراد الصلاة خلعهما، مما جعل ابن مسعود ﵁ يقول: أبالوادي المقدس أنت؟ يعني حتى تتعبد بخلع نعليك، وليس فيه ما يدل على أنه أمره ابتداء بالصلاة بالنعل حتى يفهم منه استحباب الصلاة فيهما، وعلى التسليم بأنه يدل على استحباب الصلاة في النعل، فهو موقوف على ابن مسعود ﵁، وقد خير النبي ﷺ المصلي بين الصلاة في النعل أو خلعهما، والتخيير دليل التسوية بينهما، والقول بأن التخيير لا ينافي الاستحباب فهذا صحيح بشرط أن يسلم دليل الاستحباب، وهو محل النزاع، فالمخالف لا يسلم أن هناك دليلًا صحيحًا في استحباب الصلاة في النعل. الدليل السادس: (ح-٢٢٠٠) ما رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان من طريق محمد بن المصفى، حدثنا بقية بن الوليد، عن محمد بن عجلان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : خذوا زينة الصلاة، قالوا: وما زينة الصلاة؟ قال: البسوا نعالكم، وصلوا بها (١). [ضعيف جدًّا، لم يسمعه بقية من ابن عجلان] (٢).

стр. 6012

والقول بأن الصلاة في النعل من الزينة المطلوبة للصلاة إن كان من جهة الأثر فلا يصح في الباب شيء، وإن كان من جهة النظر، فلا يسلم، وطلب الزينة في الثياب قول الجمهور خلافًا للمالكية، وقول المالكية هو الصواب، فالزينة لا تطلب في الصلوات الخمس، فلا يشرع للمصلي فيها أن يتقصد أن يلبس أحسن ثيابه إلا في الجمعة والعيد، فإذا صلى الرجل في المسجد لبس من سائر ثيابه مما يلبسه إذا خرج للناس أو للسوق، ولو لم تكن من أحسن ثيابه، وإذا صلى في بيته كما لو صلى السنن الراتبة أو صلاة الليل صلى في الثياب التي يلبسها في بيته من قميص ونحوه، ولا يتكلف زينة خاصة للصلاة، وإذا خرج لصلاة الجمعة أو العيد لبس من أحسن ثيابه، وقد تكلمت على هذه المسألة في مبحث خاص، فأغنى ذلك عن إعادته، والله أعلم. • دليل من قال: يباح الصلاة في النعل: الدليل الأول: لا يثبت حديث صحيح في الأمر بالصلاة في النعل ابتداء، والنبي ﷺ صلى حافيًا وصلى منتعلًا، وخير المصلي بين الصلاة في النعل أو خلعها ووضعها بين رجليه كما سيأتي ذكره في باقي الأدلة، فإذا كان تركه للنعل لا يدخل في سنن الصلاة، فكذلك صلاته فيهما لا يدخل في سننها، كما أن النبي ﷺ صلى بالقميص، وصلى بالإزار والرداء، ولا يقال الصلاة في الإزار والرداء سنة. ولو ثبت الأمر بالصلاة بالنعال مخالفة للمشركين ما خيرَّ الرسول ﷺ المصلي بين الصلاة في النعل أو خلعهما ووضعهما بين رجليه، كما أنه لا يتصور أن يقول النبي ﷺ : أعفوا اللحى خالفوا المشركين، ثم يقول للرجل اعف لحيتك أو احلقها، فالتخيير وإن كان لا ينافي الاستحباب، لكنه ينافي الأمر بمخالفة اليهود.

стр. 6013

ولا يعلم سبب يجعل الصلاة في النعلين من قبيل مستحبات الصلاة؛ لأن القدم سواء استتر في الخف أو عري منه القدم لا علاقة له بما يستحب ستره أو ظهوره في الصلاة، فاللباس في الصلاة منه ما هو واجب لها على الصحيح كستر العورة، ومنه ما هو مستحب لها، كالصلاة في ثوبين، كما يستحب له إذا صلى في إزار واحد أن يجعل على عاتقيه منه شيء، ليحكم الإزار حتى لا يسقط، فتبدو منه عورته. فستر القدم لا يدخل في اللباس المستحب للصلاة حتى يلحق بسنن الصلاة، فكان القول بالإباحة هو الأقرب. على أن إباحة الصلاة في النعل مقيدة بأن يكون ذلك بمثل المكان الذي وقعت فيه الصلاة من النبي ﷺ حيث كان يصلي فيه، وكانت أرض المسجد قد فرشت بالحصباء، ولم يكن هناك سجاد، فإن كان المسجد مفروشًا بالسجاد كان الأولى عدم الصلاة بالنعال عليها، حتى ولو كانت النعل طاهرة فإن توارد المصلين على الفرش بالنعال سوف يتسبب باتساخها، وبعض المصلين قد يتقذر من الصلاة عليها إذا اتسخت، وبعض هذه الفرش تكون ملصقة بالأرض، فلا يمكن نزعها، وغسلها، وإذا غسلت بمكانها قد لا تجف بسرعة، فكان الأولى المحافظة عليها نظيفة. الدليل الثاني: (ح-٢٢٠١) ما رواه أحمد، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن حسين بن المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي، ينفتل عن يمينه، وعن شماله، ورأيته يصلي حافيًا ومنتعلًا، ورأيته يشرب قائمًا وقاعدًا. قال محمد: يعني غُنْدرًا: أنبأنا به الحسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. [حسن] (١).

стр. 6014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6015

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6016

وجه الاستدلال: فإذا كانت صلاته ﵊ حافيًا من قبيل المباح، فكذلك صلاته منتعلًا. الدليل الثالث: (ح-٢٢٠٢) ما رواه إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا بقية بن الوليد، حدثني الزبيدي، وهو محمد بن الوليد، عن مكحول، أن مسروق بن الأجدع حدثهم، عن عائشة ﵂ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلًا، وينصرف عن يمينه وشماله (١). [صحيح من حديث بقية] (٢).

стр. 6017

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6019

الدليل الرابع: (ح-٢٢٠٣) ما رواه أبو داود من طريق حدثنا بقية، وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، حدثني محمد بن الوليد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه أو ليصل فيهما (١). [صحيح] (٢).

стр. 6020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6025

وجه الاستدلال: و في هذا الحديث بيان أن الانتعال والخلع ليس من جنس الأعمال المطلوبة في الصلاة، ولهذا وقع التخيير ونبه المصلي إلى المقصود الأهم من لبس النعال أو خلعهما ألا يؤذي بهما أحدًا من المصلين، وكما تقع الأذية في موضع النعال تقع الأذية في أثر النعال على الفرش وهي وقف عام، كما لو كان فيها وسخ متعد، ولو كان هذا الوسخ طاهرًا. الدليل الخامس: (ح-٢٢٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثني محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن سفيان، عن عبد الله بن السائب، أن رسول الله ﷺ صلى يوم الفتح، فوضع نعليه عن يساره، قال عبد الله: سمعت هذا الحديث من أبي ثلاث مرار (١). [صحيح] (٢).
следующие страницы →