وجه الاستدلال:
و في هذا الحديث بيان أن الانتعال والخلع ليس من جنس الأعمال المطلوبة في الصلاة، ولهذا وقع التخيير ونبه المصلي إلى المقصود الأهم من لبس النعال أو خلعهما ألا يؤذي بهما أحدًا من المصلين، وكما تقع الأذية في موضع النعال تقع الأذية في أثر النعال على الفرش وهي وقف عام، كما لو كان فيها وسخ متعد، ولو كان هذا الوسخ طاهرًا.
الدليل الخامس:
(ح-٢٢٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثني محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن سفيان،
عن عبد الله بن السائب، أن رسول الله ﷺ صلى يوم الفتح، فوضع نعليه عن يساره، قال عبد الله: سمعت هذا الحديث من أبي ثلاث مرار (١).
[صحيح] (٢).
• الراجح:
القول بجواز الصلاة بالنعلين بلا كراهة إلا أنه يستحب له خلع النعلين إذا صلى في المسجد وكان مفروشًا بالسجاد صيانة للفرش عن الاتساخ.
وبنهاية هذه المسألة أكون قد انتهيت من مستحبات الصلاة.
стр. 6029
الباب الثامن عشر في مكروهات الصلاة
تمهيد
مكروهات الصلاة على قسمين:
مكروهات عامة، تكره في أغلب أفعال الصلاة، من قيام، وركوع وجلوس، كالالتفات، والعبث، وتغميض العينين، والبصق، وتشبيك الأصابع، وفرقعتها، والصلاة في ثوب فيه تصاوير محرمة، أو وجودها في قبلته أو في سجادته، والصلاة بحضرة الطعام، أو حال مدافعة الأخبثين، وفي علو الإمام على المأموم والعكس، وفي الصلاة في المحراب.
ومكروهات خاصة: تختص في بعض أفعال الصلاة، كالمكروهات التي تختص بالقيام، أو باللباس، أو بالقراءة، أو بالركوع ونحو ذلك.
وسوف أقدم إن شاء الله تعالى المكروهات العامة، ثم أنتقل بعد ذلك إلى المكروهات الخاصة، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
стр. 6030
الفصل الأول المكروهات العامة في الصلاة
المبحث الأول في كراهة الالتفات في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الالتفات في الصلاة درجات، تارة يكون بالقلب، وتارة يكون بالبدن، والتفات البدن درجات أيضًا، تارة يكون بالعين، وتارة يكون بالوجه، وتارة يكون بالوجه والصدر، وتارة يكون بسائر البدن.
• الالتفات في الصلاة يأخذ حكم الحركة في الصلاة، وقد أجمع العلماء على أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا تبطلها.
• كل التفات ينافي الاستقبال كالالتفات بجميع البدن فهو محرم، ومبطل للصلاة إلا من عذر.
• كل التفات كثير متصل بلا حاجة فإنه يبطل الصلاة؛ لخروج فاعله عن حكم المصلي.
• كل التفات دعت له ضرورة ولو كثيرًا. أو كان قليلًا ودعت له حاجة فهو مباح.
• كل التفات لا ينافي الاستقبال ولم تدع لفعله حاجة، ولم يكن كثيرًا متواصلًا، فإنه يكره.
[م-٧٣٨] التفات القلب يرجع إلى حكم الخشوع في الصلاة، وسوف يبحث في سنن الصلاة أو في واجباتها في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
وأما التفات البدن، فقال الدسوقي في الشرح الكبير: «الالتفات بالخد أخف
стр. 6031
من لي العنق، ولي العنق أخف من لي الصدر، والصدر أخف من لي البدن كله» (١).
فجعل الالتفات بعضه أشد كراهة من بعض.
ولم يذكر الالتفات في البصر، والمنهي عنه نصًّا النظر إلى السماء، وقد اتفق الأئمة الأربعة على كراهة النظر إلى السماء في أثناء الصلاة» (٢).
(ح-٢٢٠٥) لما رواه البخاري من طريق ابن أبي عَروبة، قال: حدثنا قتادة،
أن أنس بن مالك حدثهم قال: قال النبي ﷺ : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم (٣).
قال ابن بطال: «العلماء مجمعون على القول بهذا الحديث، وعلى كراهية النظر إلى السماء في الصلاة» (٤).
وقال ابن الملقن: «والإجماع قائم على العمل بمقتضى الحديث، وأنه يكره رفع بصره إلى السماء» (٥).
وحكى الإجماع على الكراهة النووي والعيني والقسطلاني وغيرهم (٦).
وقال ابن حزم: «لا يحل للمصلي أن يرفع بصره إلى السماء، ولا عند الدعاء
стр. 6032
في غير الصلاة» (١).
وسبق بحث المسألة تحت عنوان: (موضع النظر أثناء الصلاة) في المجلد السابع، من هذا الكتاب، فارجع إليه إن شئت.
فإن التفت ببصره يمينًا وشمالًا، فذكره الحنفية من أقسام الالتفات المباح، وهو نص الأكثر، وهو مذهب الشافعية (٢).
واختار بعض الحنفية الكراهة، وحملت على أنها خلاف الأولى، وفسر الإباحة بأنهم أرادوا ما يقابل المحظور شرعًا، وخلاف الأولى غير محظور (٣).
وقال أبو الوليد الباجي من المالكية: «من سنة الصلاة أن يكون بصره في قبلته، ولا يلتفت يمينًا، ولا شمالًا .... وإنما يلزم أن يكون بصره في قبلته حيث وجهه» (٤).
واختلفوا في الالتفات بالوجه والصدر:
فقال الحنفية والشافعية: تبطل به الصلاة، وبه قال جماعة من الحنابلة، وجزم به ابن تميم من الحنابلة (٥).
стр. 6033
وقيل: الالتفات بالوجه والصدر مكروه إلا لحاجة، وهو مذهب المالكية والحنابلة.
فإن استدار بجملته بطلت صلاته عند الحنابلة، وهو اختيار ابن الهمام من الحنفية، وبه قال الحسن البصري وأبو ثور من الشافعية، قال ابن المنذر: والذي قاله الحسنُ حسنٌ.
وقال المالكية: «لو التفت بجميع جسده لم تبطل إلا أن يحول رجليه عن القبلة، وإذا استقبل برجليه جهة غير جهة القبلة كان تاركًا للتوجه، ولو حول وجهه إلى جهة
وقول الحنابلة موافق لقول المالكية؛ لأن من استدار بجملته فقد حول رجليه عن القبلة، ومن استقبل برجليه القبلة فقد استقبل القبلة بنصفه السفلي.
ولهذا قال في حاشية الخلوتي في منتهى الإرادات تعليقًا على قوله في المنتهى: وإن استدار بجملته أو استدبرها … بطلت. قال تعليقًا في الحاشية: «أي لا بوجهه أو به وبصدره دون قدميه» (١). أي فلا تبطل.
وأما الالتفات بالوجه فقط:
فقيل: مكروه إلا لحاجة، قال ابن نجيم الحنفي: وينبغي أن تكون تحريمية، وأقره ابن عابدين، والقول بالتحريم إلا لحاجة قول عند الشافعية اختاره المتولي، ورجحه ابن حزم (٢).
وقال الأذرعي من الشافعية: «والمختار أنه إن تعمد مع علمه بالخبر حرم، بل تبطل إن فعله لعبًا» (٣).
وقال ابن حزم: «إباحة الالتفات للنائب ينوب في الصلاة؛ فمن التفت عبثًا
стр. 6036
لغير نائب بطلت صلاته؛ لأنه فعل ما لم يبح له» (١).
وليست القسمة إما أن يفعله لحاجة، أو يفعله عبثًا، فقد يفعله لاعتقاده أنه من الحركة اليسيرة التي لا تبطل الصلاة بفعله.
وقيل: يكره تنزيهًا إلا لحاجة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
وقيل: الالتفات بالخد لا بأس به، اختاره ابن جلاب من المالكية، وكذا ظاهر الطراز، وحمله بعضهم مع الحاجة؛ ليوافق المذهب (٣).
وقيل: يكره ببعض الوجه، فإن التفت بكل الوجه بطلت صلاته، جزم به في الخلاصة وفي الخانية من كتب الحنفية، وهو خلاف ما في عامة كتبهم (٤).
وجمع بينهما بعض الحنفية: بأن فساد الصلاة في تحويل الوجه إذا لم يعد من ساعته، فإن عاد من ساعته لم تفسد جمعًا بين ما في الخانية والخلاصة وبين ما في عامة كتب الحنفية، وضعف ذلك ابن نجيم (٥).
وحكى ابن المنذر عن الحكم، أنه قال: «من تأمل من عن يمينه، أو عن شماله حتى يعرفه فليس له صلاة» (٦).
стр. 6037
فخلص في الوجه أربعة أقوال:
أحدها: الكراهة بلا حاجة،
الثاني: التحريم بلا حاجة.
الثالث: الإباحة.
الرابع: التحريم بكل الوجه، والكراهة ببعضه.
• وسبب الخلاف:
النهي عن الالتفات يرجع إلى أمرين: ترك الاستقبال ببعض البدن، ونقص الخشوع.
فالعلماء متفقون على أن استقبال القبلة واجب، على خلاف بينهم: أهو شرط، وهو قول الأكثر، أم ركن، أم واجب فقط، وقد سبق تحريره في شروط الصلاة، كما أن جمهورهم يرى أن كل التفات لا ينافي استقبال القبلة فهو مكروه بلا حاجة، لهذا كان بعض الالتفات أشد كراهة من بعض، وتقدم نقل كلام الدسوقي في ذلك.
فإن احتاج إلى الالتفات فلا كراهة، ويبقى الخلاف بين الفقهاء في قدر الالتفات المنافي للاستقبال:
فالحنفية والشافعية يرون الالتفات بالوجه لا ينافي الاستقبال، وحكي قولًا عند الحنفية بأنه ينافيه، وهو قول شاذ، ومخالف للنصوص.
فإن التفت مع وجهه بصدره كان ذلك منافيًا عند الحنفية والشافعية خلافًا للمالكية والحنابلة فلا يرون الالتفات بالصدر منافيًا لشرط الاستقبال حتى يستدير بجملته، والله أعلم.
وكون الالتفات بلا حاجة اختلاسًا يختلسه الشيطان من صلاة العبد، أي يسرقه من ثوابها، ونقص الثواب لا يقتضي البطلان، فلا يوجب ذلك إعادة الصلاة، ولا يوجب التحريم.
ولأن النهي عن الالتفات من أجل منافاته للخشوع أو لكماله، ولهذا أبيح للحاجة؛ لأنه لا يدل معها على ترك الخشوع، على أن الصحيح في حكم الخشوع في الصلاة أنه ليس من واجبات الصلاة، فلا تعاد الصلاة لفواته، ولا يجبر بسجود السهو، والله أعلم.
стр. 6038
إذا عرفت الأقوال، وكيف بني الخلاف ننتقل بعد ذلك إلى تناول ما يتيسر من أدلة عليها، أسأل الله وحده الفتح والعون والتوفيق.
• دليل من قال: يحرم الالتفات إلا لحاجة:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٠٦) ما رواه أحمد من طريق عبد الله (يعني: ابن المبارك)، حدثني يونس، عن الزهري، قال: سمعت أبا الأحوص، مولى بني ليث، يحدثنا في مجلس ابن المسيب، وابن المسيب جالس،
أنه سمع أبا ذر، يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه، انصرف عنه (١).
[إسناده ضعيف، وله شاهد صحيح من حديث الحارث الأشعري إلا أنه في شرع من قبلنا] (٢).
وجه الاستدلال:
قال ابن حزم: «من صرف الله تعالى وجهه عنه في الصلاة فقد تركه، ولم يرض عنه، وإذا لم يرض عنه فهو غير مقبول بلا شك» (١).
• ويجاب:
إذا أقبل الرجل على صلاته أقبل الله عليه، وإذا انصرف عن صلاته بالالتفات بلا حاجة انصرف الله عنه، فالجزاء من جنس العمل، والحديث دليل على نقص
стр. 6045
ثواب الصلاة بالالتفات بلا حاجة، ولا دلالة فيه على التحريم، وانصراف الله عنه ليس من باب العقوبة، وإلا كان ذلك دليلًا على أن الالتفات من الكبائر، وكيف يكون محرمًا والصلاة لا تفسد به، وحكي إجماعًا، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يلتفت في صلاته للحاجة، وأقر النبي ﷺ أبا بكر على الالتفات عندما أكثر الناس التصفيق، والمحرم لا تبيحه الحاجة، وإنما يباح للضرورة، كالقتال ونحو ذلك.
وهذا هو الذي تدل عليه بقية النصوص كقول النبي ﷺ في حديث عائشة: (اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) أي سرقة يسرقها الشيطان من ثواب الصلاة.
وقد ورد إعراض الله سبحانه على ما ليس بمعصية،
(ح-٢٢٠٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن أبا مرة، مولى عقيل بن أبي طالب أخبره
عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث: فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه (١).
وليس الجلوس في حلقة الذكر من الواجبات الشرعية، وإلا لأنكر النبي ﷺ على الرجل تركه الجلوس في الحلقة، ولدعاه إلى الجلوس، وقد أقره النبي ﷺ على ترك الجلوس، ولكن معنى أعرض الله عنه بأن حرمه ثواب الجلوس في حلقة الذكر، فهو من حرمان الثواب، وليس من موجبات العقاب المترتبة على ارتكاب المحرم، فمعنى الحديث: أعرض عن عمل صالح مستحب، فأعرض الله عنه بأن حرمه أجر هذه القربات، كما أن التقرب إلى الله بالنوافل سبب في محبة الله، فلا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ومحبة الله من أعظم المقاصد، وكأن
стр. 6046
الإعراض عن عمل النوافل يخشى منه أن يحرم العبد هذه الدرجة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٠٨) ما رواه البخاري من طريق أبي الأحوص، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق،
عن عائشة، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن حزم: «من اختلس الشيطان بعض صلاته فلم يتمها، وإذا لم يتمها فلم يُصَلِّ» (٢).
كما أن إضافة الالتفات إلى الشيطان دليل على تحريمه.
• ونوقش:
بأن النقص على قسمين: نقص يستلزم البطلان، وهو النقص من الفرائض، وهو ما يصدق عليه أنه نقص حقيقة، وهذا إن كان عمدًا بطلت الصلاة، وإن كان سهوًا، فإن كان في الأركان وجب الإتيان به أولًا وسجد للسهو، وإن كان في الواجبات (على القول بأن في أفعال الصلاة ما هو واجب) اكتفي بجبره بسجود السهو إن فات.
ونقص لا يستلزم البطلان، كالنقص الذي يقع في مستحبات الصلاة، وهي صلاة تامة من حيث الإجزاء، وتسميتها ناقصة تجوزًا، وإلا هي من حيث الحقيقة والشرع صلاة تامة، وتسمية النقص بالاختلاس: وهو الاختطاف على وجه الغفلة يدل على أن النقص من ثواب الصلاة، وليس من أركانها وواجباتها، ولهذا لا يقتضي عمده بطلان الصلاة، ولا تعاد الصلاة من فعله، وإذا وقع سهوًا لم يجبر بسجود السهو على الصحيح.
• وقد يناقش:
بأن السهو شرع للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره مما ينقص الخشوع؛ لأن
стр. 6047
السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر دون العمد؛ ليتيقظ العبد، فيجتنبه (١).
• ويجاب: بأن الالتفات قد يقع سهوًا، ومع ذلك لا يجبر بسجود السهو.
الدليل الثالث:
(ح-٢٢٠٩) ما رواه الترمذي من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب،
عن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا بني، إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة (٢).
[ضعيف] (٣).
الدليل الرابع:
(ح-٢٢١٠) ما رواه البزار في مسنده من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي، قال: قال لي النبي ﷺ : إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تفتح على الإمام في الصلاة، ولا تعبث بالحصى في الصلاة، ولا تفقع أصابعك في الصلاة، ولا تلتفت عن يمينك ولا عن شمالك في الصلاة، ولا تفترش ذراعيك افتراش السبع في الصلاة.
قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي، إلا من هذا الوجه ورواه عن أبي إسحاق، يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل» (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الخامس:
(ح-٢٢١١) ما رواه أحمد من طريق شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد،
عن أبي هريرة، قال: أمرني رسول الله ﷺ بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب (٣).
[منكر مع اضطرابه، والمعروف منه المأمورات الثلاث دون المنهيات] (٤).
• دليل من قال: يكره التفات البصر:
الدليل الأول:
(ح-٢٢١٢) ما سبق من حديث عائشة ﵂، أنها قالت: سألت
стр. 6050
رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (١).
فقولها: (عن الالتفات في الصلاة) ف (أل) في (الالتفات) للعموم، فيشمل جميع أنواع الالتفات، ومنه التفات القلب والتفات البصر، والتفات البدن، وإن كان بعضها في الكراهة أشد من بعض بقدر ما يشغل المصلي عن الخشوع والتدبر في الصلاة.
الدليل الثاني:
خشوع البصر والسمع مطلوب في الصلاة.
(ح-٢٢١٣) فقد روى مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين … وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي … الحديث (٢).
فكون الرسول ﷺ يتوسل إلى الله بخشوع سمعه وبصره دليل على أن ذلك قربة، فإذا قلب المصلي بصره يمنة ويسرة بلا حاجة شغله ذلك عن خشوع بصره المطلوب في الصلاة أو عن كماله، وذلك مكروه، والله أعلم.
الدليل الثالث:
التفات البصر علامة على التفات القلب، وهو الأصل في تحقيق الخشوع في الصلاة.
قال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
قال الشنقيطي في أضواء البيان: «عُدَّ الخشوع في الصلاة من صفات المؤمنين المفلحين الذين يرثون الفردوس، وبين أن من لم يتصف بهذا الخشوع تصعب عليه الصلاة في قوله وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين» (٣).
стр. 6051
فأصل الخشوع كما قال ابن رجب: «هو خشوع القلب، وهو انكساره لله، وخضوعه، وسكونه عن التفاته إلى غير من هو بين يديه، فإذا خشع القلب خشعت الجوارح كلها تبعًا لخشوعه» (١).
وربما فوتت الجماعة على فضلها لتحصيل كمال الخشوع.
(ح-٢٢١٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، قال: إذا حضر العشاء، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، وهذا لفظ مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
فمن أجْلِ كمال الخشوع قُدِّمَ الطعام على الصلاة، حتى ولو أقيمت الصلاة، وتقليب المصلي بصره يمنة ويسرة في الصلاة بلا حاجة يذهب الخشوع المطلوب أو ينقص من كماله.
(ح-٢٢١٥) وقد روى الحاكم في المستدرك من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فطأطأ رأسه (٣).
[الصحيح أنه مرسل] (٤).
الدليل الرابع:
(ح-٢٢١٦) وروى البخاري في صحيحه من طريق إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن شهاب، عن عروة،
عن عائشة، أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم،
стр. 6052
فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي.
ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، ومن طريق يونس عن ابن شهاب به (١).
وجه الاستدلال:
إذا كان النظر إلى أعلام الخميصة ألهى النبي ﷺ عن الصلاة مع كون الخميصة في موضع القبلة، فتحويل البصر عن موضع القبلة أشد كراهة.
وإذا كانت الخميصة قد ألهت النبي ﷺ مع كمال خشوعه، فلَأَن تلهي غير النبي ﷺ من باب أولى.
وإذا كرهها النبي ﷺ كان غيره أحق بذلك.
وفي رد النبي ﷺ الخميصة دليل على كراهة كل ما يشغل القلب عن الخشوع في الصلاة، ومنه تقليب البصر يمنة ويسرة.
قال ابن عبد البر: «وفيه دليل على أن الالتفات في الصلاة، والنظر إلى ما يشغل الإنسان عنها لا يفسدها، إذا تمت بحدودها من ركوعها وسجودها وسائر فرائضها؛ لأن رسول الله ﷺ إذ نظر إلى أعلام خميصة أبي جهم واشتغل بها لم يعد صلاته» (٢).
وقد يقال: إن في قول عائشة (فنظر في أعلامها نظرة) دليلًا على أن ذلك لم يكثر منه.
الدليل الخامس:
(ح-٢٢١٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس ﵁ قال: كان قرام لعائشة، سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ﷺ : أميطي عني، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي (٣).
قال ابن بطال: «فيه من الفقه: أنه ينبغي التزام الخشوع وتفريغ البال لله تعالى، وترك التعرض لكل ما يشغل المصلي عن الخشوع ...... وفيه من الفقه: أن ما يعرض للمرء في صلاته من الفكرة في أمور الدنيا وما يخطر بباله من ذلك، وما ينظر إليه بعينه أنه لا يقطع صلاته، كما لم يقطع صلاة النبي ﷺ اعتراض
стр. 6053
التصاوير له فيها، إذ لم يسلم أحد من ذلك» (١).
الدليل السادس:
(ح-٢٢١٨) روى ابن ماجه، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي، قال: حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي، قال: حدثني مصعب بن عبد الله،
عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله ﷺ ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع جبينه، فتوفي أبو بكر، وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع القبلة، وكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة، فتلفَّت الناس يمينًّا وشمالًا.
[ضعيف جدًّا] (٢).
• دليل من قال: لا يكره التفات البصر:
الدليل الأول:
(ح-٢٢١٩) ما رواه أحمد من طريق ملازم بن عمرو، حدثنا عبد الله بن بدر، أن عبد الرحمن بن علي حدثه،
أن أباه علي بن شيبان حدثه، أنه خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ قال: فصلينا خلف النبي ﷺ ، فلمح بمؤخر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: يا معشر المسلمين، إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود (٣).
[صحيح] (٤).
стр. 6054
• ويناقش:
بأن اللمح بمؤخر العين قد يحصل للإمام دون أن يلتفت ببصره إذا كان المأموم في آخر الصف، وكان الصف طويلًا.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٢٠) ما رواه البخاري من طريق جرير، عن الأعمش، عن عمارة ابن عمير، عن أبي معمر، قلت لخباب:
أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: من أين علمت؟ قال: باضطراب لحيته (١).
والمأموم لا يمكنه رؤية هذا من إمامه إلا مع التفات البصر، وإذا كان بعيدًا في أقصى الصف لا يمكنه ذلك إلا مع التفات الوجه قليلًا، فحملناه على الالتفات الأدنى؛ لأنه متيقن.
الدليل الثالث:
الواجب استقبال القبلة، والتفات البصر لا ينافيه.
• وأجيب:
بأنه وإن كان لا ينافي الاستقبال إلا أنه ينافي الخشوع أو كماله، ومراعاة الخشوع مقصود من إقامة الصلاة.
الدليل الرابع:
من كره التفات البصر فإنما كرهه من أجل ما فيه من التفات القلب عن ذكر الله، والتفات القلب لا يمكن دفعه.
(ح-٢٢٢١) لما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان، وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى.
стр. 6055
ورواه مسلم من طريق المغيرة يعني الحزامي، عن أبي الزناد به (١).
ورواه البخاري ومسلم من طريق هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (٢).
قال النووي في المجموع: « … الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر واشتغال قلب بغيرها وهذا بإجماع من يعتد به في الإجماع» (٣).
الدليل الخامس:
قول النبي ﷺ في الحديث السابق: (لا تزال تصاويره تعرض لي) فهذا يدل على إباحة الالتفات من وجهين:
الوجه الأول: تكرر مثل هذا الأمر للنبي ﷺ في صلاته المفهوم من قوله: (لا تزال تعرض لي)، والمكروه لا يتكرر منه ﷺ .
الوجه الثاني: المكروه هو ما نهي عنه شرعًا، وإذا توجه الخطاب بالنهي عن فعل ما دَلَّ ذلك على إمكان الامتثال، وإلا لما نهي عنه، وإذا كان مثل هذا يعرض للرسول ﷺ أكثر من مرة، ولا يمكنه دفعه، وهو أكمل الأمة خشوعًا في صلاته كان ذلك دليلًا على أنه لا يمكن أن يسلم منه أحد، فكان حكمه أقرب إلى الإباحة منه إلى الكراهة.
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
إذا كان التفات القلب لا يمكن دفعه، فالتفات البصر مقدور عليه، والكلام في التفات البصر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التفات القلب إذا وقع مع المجاهدة في دفعه فلا تكليف، وإنما التكليف في الاسترسال معه مع عمله أنه في الصلاة.
الوجه الثاني:
كون التصاوير تعرض للنبي ﷺ في صلاته لا يدل على أن النبي ﷺ كان يقلب النظر في هذه التصاوير، فالحديث يدل على أن التصاوير نفسها ترد على خاطره،
стр. 6056
فتشوش على النبي ﷺ كمال خشوعه، وفرق بين كونها تعرض على ذهنه، وتتردد في خاطره، وبين كونه ينظر إليها، ويقلب بصره فيها.
الوجه الثالث:
على القول بأنها تعرض على بصره، وليس على خاطره، فهذا لأن هذه التصاوير في موضع قبلته، والبحث في التفات البصر يمنة ويسرة، فلا يكون فيه دليل على مسألتنا، والله أعلم.
والراجح: أن الالتفات بالبصر يمنة ويسرة بلا حاجة إن تعمد ذلك فهو خلاف الأولى وإن كثر منه كان مكروهًا، وإن وقع للرجل يسيرًا بلا قصد فلا يتعلق به حكم، والله أعلم.
• دليل الجمهور على كراهة الالتفات بالوجه وجوزاه للحاجة:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٢٢) ما رواه البخاري من طريق أبي الأحوص، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق،
عن عائشة، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (١).
(ح-٢٢٢٣) وروى البخاري ومسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد، أخبره أن حمران مولى عثمان أخبره، أنه،
رأى عثمان بن عفان دعا بإناء .... وذكر الوضوء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه (٢).
وجه الاستدلال:
دل حديث عثمان على أن إقبال العبد على صلاته، وحضور قلبه وذهنه لمناجاة ربه أكمل في الثواب، لكونه سببًا لمغفرة الذنوب، فإذا التفت عن صلاته بلا حاجة
стр. 6057
كان ذلك سرقة يسرقها الشيطان من صلاة العبد: أي من ثوابها.
وكل ما كان سببًا في نقص أجر الصلاة فأقل أحواله الكراهة، وإنما ينقص من الثواب إذا فعله عبثًا، لتركه الإقبال على الصلاة، بخلاف ما إذا فعله لحاجة، فلا ينقص من أجر الصلاة.
قال ابن بطال: «إذا أوما ببصره، وثنى عنقه يمينًا وشمالًا ترك الإقبال على صلاته، ومن فعل ذلك فقد فارق الخشوع المأمور به في الصلاة، ولذلك جعله النبي اختلاسًا للشيطان من الصلاة، وأما إذا التفت لأمرٍ يَعِنُّ له من أمر الصلاة أو غيرها فمباح له ذلك وليس من الشيطان، والله أعلم» (١).
وقال ابن المنذر: «إن التفت عن يمينه ويساره فقد أساء، ولا إعادة عليه، وذلك بَيِّنٌ في قوله ﷺ : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة المرء» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٢٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ .... الحديث، ورواه مسلم (٣).
стр. 6058
وجه الاستدلال:
في الحديث دليل على كراهة الالتفات بلا حاجة، ولهذا كان أبو بكر لا يتلفت في صلاته، وفيه دليل على جواز الالتفات للحاجة، حيث التفت أبو بكر لما أكثر الناس التصفيق، وكان ذلك بحضور النبي ﷺ ، فكان من السنة التقريرية.
الدليل الثالث:
(ح-٢٢٢٥) ما رواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير،
عن جابر عن أبي الزبير، قال: اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلم، قال: إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم، وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فالتفت إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا) دليل على جواز الالتفات للحاجة، وقد يستحب إذا كان لمصلحة الصلاة أو المصلين، وأن الإشارة ليست كلامًا ولو أفهمت، وأن فعل مثل ذلك للحاجة يسير لا يقدح في الخشوع.
الدليل الرابع:
(ح-٢٢٢٦) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،
عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي!؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت. فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني. قال: إن
стр. 6059
هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. أو كما قال رسول الله ﷺ … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله في الحديث: (فرماني القوم بأبصارهم)، وهذا لا يكون إلا مع الالتفات.
الدليل الخامس:
(ح-٢٢٢٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا الربيع بن نافع، حدثنا معاوية يعني ابن سلام، عن زيد، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني السلولي هو أبوكبشة،
عن سهل بن الحنظلية، قال: ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح- فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب.
قال أبو داود: «وكان أرسل فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس» (٢).
[صحيح] (٣).