أن ابن عمر كان يقيم في السفر إلا في صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن ويقيم.
[صحيح].
ولعل ابن عمر كان يؤذن للفجر خاصة في السفر؛ لأن صلاة الفجر يسبقها نوم، فيريد من الأذان لأصحابه أن يستيقظوا، ويستعدوا للصلاة، بخلاف غيرها من الصلوات، فإن المسافرين غالبًا ما يكونون مجتمعين، فلا حاجة إلى الدعوة لاجتماعهم.
* ويجاب:
بأن قول الصحابي لا يكون دليلًا مع مخالفته للسنة المرفوعة، فقد أمر النبي بلالًا بالأذان والإقامة في السفر، والأصل في الأمر الوجوب.
كما أنه مخالف للقياس، فالتفريق بين صلاة الفجر وغيرها للمسافر يحتاج إلى دليل، ولم تكن السنة تُفَرِّق بين صلاة وغيرها.
* الراجح:
الخلاف في المسألة قوي، وليس في وجوب الأذان على المسافر دليل خاص، وحديث مالك بن الحويرث قد علمتَ ما فيه، وأقوى دليل في الباب: أن النصوص الدالة على وجوب الأذان في الحضر مطلقة، فيدخل فيها حال السفر، والأصل أن ما وجب في الحضر وجب في السفر إلا بدليل، والله أعلم.
стр. 632
المبحث الثاني في أذان المنفرد
الفرع الأول الأذان على المنفرد في الحضر
المدخل إلى المسألة:
* ليس في النصوص ما يوجب الأذان على المنفرد، لا حضرًا، ولا سفرًا.
* حفظت لنا السنة الفعلية استحباب الأذان للمنفرد، والإقامة مثله.
* يستحب الأذان للمنفرد في الحضر إذا كان في موضع لم يُؤَذَّن فيه، وتستحب له الإقامة مطلقًا.
[م-٩٠] عامة الفقهاء على مشروعية الإقامة للمنفرد في الحضر.
[م-٩١] واختلفوا في مشروعية الأذان للمنفرد في الحضر.
فقيل: يستحبان، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، واختاره ابن بشير وابن عبد البر من المالكية، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
стр. 633
وقال المالكية في المختار: يكره الأذان، وتسن الإقامة (١).
وقال الشافعية في وجه: إن بلغه أذان البلد لا يؤذن، ويقيم في أصح الوجهين (٢).
стр. 634
وقيل: يجبان مطلقًا، وهذا القول رواية عند الحنابلة (١).
وقيل: إن رجا حضور جماعة أذن، وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢).
* دليل من قال: يستحبان للمنفرد:
الدليل الأول:
(ح-٢٣٢) ما رواه أحمد وأبو داود، قالا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري، حدثه،
عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة.
[صحيح] (٣).
وجه الاستدلال:
إذا ثبت أن الأذان أحيانًا يكون وظيفة الصلاة، وأن المنفرد في الصحراء الذي لا يرجو أن يجيبه أحد يشرع له الأذان، دل الحديث على مشروعية الأذان للمنفرد في الحضر قياسًا عليه.
* ويناقش:
بأن حديث عقبة بن عامر ثبت في الصحراء، ومن في الصحراء لا يسمع الأذان ولا الإقامة، فيشرعان في حقه، بخلاف المدن والقرى حيث ينادى بالصلاة فيها.
* ورد هذا:
بأن جماعة المصلين يشرع لهم الأذان، وإن سمعوا أذان غيرهم، فكذلك المنفرد يشرع له الأذان وإن سمع أذان غيره؛ لأن سنة الأذان باقية لكل مُصَلٍّ سواء أكان منفردًا أم جماعة، سمع أذان غيره أم لم يسمعه؛ لأن المشروعية لم تعلق على
стр. 635
السماع، ولذلك إذا أذن المؤذن للجماعة أجزأ عن كل من صلى معه، سمعه أو لم يسمعه، وسواء أكان من أهل البلد أم غريبًا قد قدم بعد أذانه، فدل هذا على أن الأذان إنما هو للصلاة، ولم يعلق على السماع.
الدليل الثاني:
حكى بعض العلماء الإجماع على أن الأذان لا يجب على المنفرد:
قال الشافعي: «لم أعلم مخالفًا في أنه إذا جاء المسجد، وقد خرج الإمام من الصلاة، كان له أن يصلي بلا أذان، ولا إقامة» (١).
وقال ابن قدامة: «وإن صلى مُصَلٍّ بغير أذان ولا إقامة، فالصلاة صحيحة … ولا أعلم أحدًا خالف في ذلك، إلا عطاء، قال: من نسي الإقامة يعيد، والأوزاعي قال مرة: يعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه. وهذا شذوذ، والصحيح قول الجمهور» (٢).
الدليل الثالث
(ث-٥٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن أبي عاصم الثقفي، قال:
أخبرنا عطاء، قال: دخلت مع علي بن الحسين على جابر بن عبد الله ﵁، قال: فحضرت الصلاة، فأذن وأقام (٣).
[صحيح].
الدليل الرابع:
(ث-٥٩) روى ابن أبي شيبة في المصنف، عن إسماعيل بن علية، عن الجعد أبي عثمان،
عن أنس، أنه دخل المسجد، وقد صلوا. فأمر رجلًا، فأذن، وأقام.
[سنده صحيح، وقد رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم] (٤).
стр. 636
الدليل الخامس:
أن النصوص الشرعية التي تأمر بالأذان إنما وجهت للجماعة اثنين فأكثر، كحديث مالك بن الحويرث، كقوله ﷺ : إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم (١).
ولم أقف على حديث صريح يأمر المنفرد بالأذان والإقامة، وإذا لم يثبت الأمر للمنفرد فقد انتفى حكم الوجوب في حقه؛ لأن الأصل عدمه، وبقي الاستحباب لحديث عقبة بن عامر المتقدم، ولفعل جابر وأنس ﵄.
قال ابن حزم في المحلى: «ولا يلزم المنفرد أذان ولا إقامة، فإن أذن، وأقام فحسن؛ لأن النص لم يرد بإيجاب الأذان إلا على اثنين فصاعدًا» (٢).
الدليل السادس:
(ث-٦٠) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن الأسود، وعلقمة، قالا:
أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا، قال: فقوموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان، ولا إقامة … (٣).
وجه الاستدلال:
إذا كان هؤلاء الجماعة قد صلوا في البيوت بلا أذان ولا إقامة، فمن باب أولى أن المنفرد لا يجب عليه أذان، ولا إقامة، فأثر ابن مسعود يدل على أن الأذان والإقامة لا يجبان على من صلى في بيته، جماعة كان أو منفردًا، إذا كان في بلد
стр. 637
يؤذن، وتقام الصلاة فيها، وليس فيه نفي مشروعية الأذان والإقامة، لأن الترك دليل على الجواز، ولا يكفي في الجزم بنفي الاستحباب، خاصة إذا قلنا: إن الأذان والإقامة وظيفة الصلاة.
فدل أثر أنس على استحباب فعلهما، ولو كان ذلك في مسجد قد صُلِّيَ فيه وأذن، كما دل أثر جابر المتقدم على استحباب الأذان الإقامة، ولو صلى في بيته، ودل أثر ابن مسعود على عدم وجوبهما، وذلك بتعمد تركهما، والله أعلم.
الدليل السابع:
(ث-٦١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة بن خالد، عن عبد الله بن واقد،
عن ابن عمر، أنه كان لا يقيم بأرض تقام فيها الصلاة (١).
[عبد الله بن واقد لم يوثقه إلا ابن حبان، وقد تفرد بهذا عن ابن عمر].
* ويجاب:
على فرض صحته، فإن الجواب عن هذا كالجواب عن أثر عبد الله بن مسعود ﵁.
* دليل من قال: هما واجبان:
الدليل الأول:
(ح-٢٣٣) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عباد بن موسى الْخُتَّلِيُّ، حدثنا إسماعيل يعني ابن جعفر، أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزُّرَقِيُّ، عن أبيه، عن جده،
عن رِفَاعة بن رافع، أن رسول الله ﷺ : فقص هذا الحديث قال فيه: فتوضأ كما أمرك الله جل وعز، ثم تشهد، فأقم، ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله، وقال فيه: وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك (٢).
стр. 638
[حسن في الجملة، إلا أن قوله: (ثم تشهد فأقم) تفرد بها يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، وهو مجهول، وقد رواه من هو أوثق منه، ولم يذكر هذا الحرف، كما أن حديث المسيء في صلاته في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وليس فيه هذه الزيادة، فهي زيادة منكرة] (١).
وجه الاستدلال:
الظاهر أن قوله: (تَشَهَّدْ فَأَقِمْ، ثم كبر) أراد بالتشهد الأذان (١)، لأنه جعل تكبيرة الإحرام بعد التشهد والإقامة، ولأن اللغة لا تمنع من إطلاق البعض على الكل، كالرقبة تطلق، ويراد بها الذات، ومنه إطلاق الإقامة من قوله: (قد قامت الصلاة) وإن كان سائر ألفاظها كبقية ألفاظ الأذان، فلا يمنع من إطلاق التشهد على الأذان باعتبار أن هذه الجملة هي أعظم جملة في الأذان، وإذا أمر المنفرد بالأذان والإقامة، فالأصل في الأمر الوجوب.
* ويناقش:
بأن زيادة الأمر بالأذان والإقامة تفرد به يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، ولم يُتَابَعْ على ذلك، فهي زيادة منكرة.
الدليل الثاني:
(ح-٢٣٤) استدلوا بما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، أتيت النبي ﷺ -في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: «ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم، ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
إذا ثبت أن الأذان فرض كفاية، فمتى أذن واحد سقط عمن صلى معه مطلقًا سواء أسمعه أم لم يسمعه، أما إذا أراد أن يصلي وحده فلا يقوم أذان غيره وإقامته عن أذانه وإقامته لصلاته، وأصبح الواجب واجبًا عينيًّا عليه حتى لا تكون صلاته بلا أذان ولا إقامة، فإن الأذان والإقامة وظيفة الصلاة، لقوله ﷺ : إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم.
قال في المستوعب: «إذا قام بهما يعني الأذان والإقامة واحد أجزأ عن كل من صلى معه، سمعه أو لم يسمعه، وسواء أكان من أهل البلد أم غريبًا قد قدم بعد
стр. 645
أذانه؛ لأنه يكون أذانه أذانًا لكل واحد منهم لقول النبي ﷺ : (فإذا حضرت الجماعة فليؤذن لكم أحدكم)، فجعل الأذان من أحدهم لكل واحد منهم، فصار كأنه أذن كل واحد منهم لنفسه، فإن كان ذلك واجبًا سقط بذلك عنه الوجوب، وإن كان سنة حصل له فضيلة المسنون. ونظيره قراءة الإمام لما كانت قراءة لكل واحد من المأمومين سقط بهذا عنه واجبها، وهو الفاتحة، وحصل له فضيلة مسنونها، وهو ما زاد على الفاتحة، كما لو قرأ هو، ولا يجزئ الأذان عمن لم يصل مع المؤذن، سواء أسمعه أم لم يسمعه، واحدًا كان أو جماعة، وسواء أكانت صلاتهم في المسجد الذي صلى المؤذن فيه أم في غيره» (١).
* ويناقش:
القول بأنه لا يجزئ الأذان عمن لم يُصَلِّ مع المؤذن، سواء أسمعه أم لم يسمعه، واحدًا كان أم جماعة هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل عليها؟ ولم يحفظ حديث واحد يأمر المنفرد بالأذان ليقال بالوجوب، فلم يَبْقَ إلا الاستحباب.
* دليل من كره الأذان واستحب الإقامة:
الدليل الأول:
(ح-٢٣٥) ما رواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ -حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ -وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ -أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا
стр. 646
ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (١).
ورواه مسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة بنحوه، وليس فيه ذكر للأذان (٢).
وجه الاستدلال:
أن الحديث لم يذكر فيه إلا الإقامة، ولو كان قد أذن لنقل إلينا، وإذا لم يؤذن للجماعة لم يؤذن للمنفرد، وإذا ترك الأذان في السفر الذي لا يؤذن فيه، فالبلد الذي يؤذن فيه من باب أولى.
* وأجيب بأكثر من وجه:
أحدها: أن الحديث لم يَنْفِ الأذان، وإنما غايته أنه سكت عنه، وقد جاء التصريح بذكر الأذان في رواية أبي قتادة في الصحيحين، وفي حديث عمران فيهما، ومن حَفِظَ حجةٌ على من لم يحفظ.
الثاني: أن الأذان قد جاء في سنن أبي داود من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة إلا أن أبا داود قد أشار إلى شذوذها، والله أعلم (٣).
الدليل الثاني:
أن الأذان إنما جعل ليدعى به الغائب، وإذا كان كذلك لم يكن لمشروعيته وجه في حق جماعة لا تطلب غيرها كالمنفرد.
وأما الإقامة فوظيفة الصلاة، لهذا كانت سنة عينية في حق المنفرد، وسنة على الكفاية في حق الجماعة.
* ويناقش:
تخصيصكم الحكم بالسبب كقولكم بتخصيص الأذان للجماعة لأنها سبب مشروعيته هذا لو صح لانطبق أيضًا على الإقامة، فالإقامة هي إعلام الحاضرين ومن قَرُبَ من المسجد بقرب إقامة الصلاة لاستنهاضهم للسعي إليها، والقيام لها، والمنفرد لا يحتاج إلى مثل ذلك.
قال ﷺ : إذا سمعتم الإقامة فامشوا، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (١).
(ح-٢٣٦) وروى البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه، وكان ابن عمر: يوضع له الطعام،
стр. 650
وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام (١).
فدل على أن الإقامة تسمع من خارج المسجد، وأمر الناس بالسعي إلى الصلاة حين سماعها، فكانت الإقامة تعني الجماعة كما يعنيهم الأذان.
* دليل من قال: إن رجا جماعة أذن، وإلا فلا.
تعليل هذا القول كتعليل القول السابق، وهو أن الأصل في الأذان الإعلام والدعوة إلى الصلاة، وهو في حق المنفرد منتف، لكن إن كان يرجو حضور أحد إلى الصلاة استحب له أن يؤذن للصلاة؛ ليجيبه من يسمعه، وإن لم يَرْجُ أحدًا لم يؤذن، وهذا التعليل ينطبق حتى على الجماعة، بحيث إذا كانت الجماعة مجتمعة في مكان واحد، ولا تطلب غيرها إلى الصلاة لم تؤذن، وإذا كانت الجماعة قد انتشرت وتفرقت في المكان، أو كانت ترجو إجابة غيرها استحب لهم الأذان؛ ليجيب من يسمع الدعوة، والله أعلم.
* الراجح:
أنه يستحب الأذان والإقامة للمنفرد، وكون الأذان شرع لدعوة الجماعة للصلاة هذا في أصل مشروعيته، ولا يمنع أن يكون الحكم أعم من سببه، فيغلب على الأذان جانب الذكر، ويصبح ملحقًا بأقوال الصلاة، فيستحب مطلقًا للصلاة المفروضة، سواء أعقدها جماعة أم منفردًا، كما في بعض العبادات التي شرعت على سبب، ثم غلب عليها جانب التعبد فطلبت مطلقًا، كالرمل في الطواف شرع لإغاظة الكفار، واستمر التشريع بعد ذلك، وغسل الجمعة شرع من أجل الروائح التي كانت تنبعث من المصلين حين كان الصحابة عمال أنفسهم، ثم طلب منهم الغسل على وجه الدوام، ولو لم يكن هناك روائح.
стр. 651
الفرع الثاني في أذان المنفرد وإقامته في السفر
المدخل إلى المسألة:
* حكم الأذان أعم من سببه، فسبب مشروعية الأذان دعوة المصلين إلى الاجتماع لها، إلا أنه غلب على الأذان جانب الذكر فصار من أقوال الصلاة للمنفرد والجماعة.
* هل سبب عبادة الأذان دخول وقت الصلاة، أو فعلها، أو دعوة الجماعة إليها، أو كل واحد منها سبب، ويكفي أن يوجد بعضها لمشروعية الأذان؟
* ليس المقصود بالسفر هنا السفر الشرعي، وإنما المقصود أنه خارج المصر كما لو كان في فلاة من الأرض (١).
[م-٩٢] اختلف العلماء في الأذان والإقامة للمنفرد المسافر:
فقيل: يستحبان، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والجديد من قولي الشافعي، وهو المذهب عندهم، والمشهور من مذهب الحنابلة. ونص الحنفية على كراهة ترك الإقامة (٢).
стр. 652
وقيل: هما فرض، وهذا رواية عن أحمد (١).
وقيل: إن كان يرجو حضور جمع أذن وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية (٢).
وقيل: المنفرد لا يؤذن، بل يقيم، وهو القديم من قولي الشافعي (٣).
* دليل من قال: يستحب للمسافر المنفرد أن يؤذن ويقيم:
الدليل الأول:
(ح-٢٣٧) ما رواه أحمد وأبو داود، قالا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري، حدثه،
عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة.
[صحيح] (٤).
الدليل الثاني:
(ح-٢٣٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، عن أبيه،
أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (٥).
стр. 653
* ويناقش:
بأن هذا الحديث ليس نصًّا بأنه منفرد، فقد يكون الرجل في غنمه أو في باديته ومعه رفيق من خادم أو أهل.
قال إمام الحرمين: «قول الرسول ﷺ -له ليس نصًّا في حالة انفراده؛ فإنه ﷺ -لم يتعرض لذلك، وليس يبعد عن الحال أنه كان يتبدى مع عصبة من خدمه وحشمه» (١).
الدليل الثالث:
(ح-٢٣٩) ما رواه مسلم من طريق ثابت،
عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ -يُغِيْرُ إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : خرجتَ من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٢٤٠) روى الإمام أحمد عن محمد بن بشر، وعبد الوهاب بن عطاء، كلاهما، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ ، في بعض أسفاره سمعنا مناديًا ينادي: الله أكبر، الله أكبر، فقال نبي الله ﷺ : على الفطرة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال نبي الله ﷺ : خرج من النار، قال: فابتدرناه، فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة، فنادى بها (٣).
[منقطع ويشهد له حديث أنس في مسلم] (٤).
الدليل الخامس:
(ث-٦٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي هارون الغنوي، قال: حدثنا أبو عثمان، قال:
قال سلمان: ما كان من رجل في أرض قي (١)، فأذن، وأقام، إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه (٢).
[صحيح موقوف، ومثله لا يقال بالرأي، وله شاهد مقطوع] (٣).
стр. 656
* دليل من قال: هما فرض في السفر:
سبق أن ذكرنا في المسألة السابقة دليل من قال: إن الأذان والإقامة واجبان على المنفرد في الحضر، وما وجب في الحضر وجب في السفر إلا لدليل، بل قد يقال: إن حال السفر آكد، فإن المنفرد في الحضر قد يسمع الأذان بخلاف السفر.
وقد يعكس قائل فيقول: إن شأن السفر التخفيف، لهذا وُضِعَ عنه شطرُ الصلاة، والصوم.
* دليل من قال: إن رجا جماعة أذَّن، وإلا فلا:
هذا القول نظر إلى أن الأذان ليس وظيفة الوقت، ولا الصلاة، وإنما هو وظيفة الجماعة التي تدعى إلى فعل الصلاة، فإن كان يرجو حضور أحد إلى الصلاة استحب له أن يؤذن للصلاة؛ ليجيبه من يسمعه، وإن لم يَرْجُ أحدًا لم يؤذن.
* ويناقش:
لو كانت مشروعية الأذان معلقة على احتمال إجابة النداء، لم يكن هناك فرق بين المنفرد، والجماعة التي لا تطلب غيرها، ولا ترجو أن يجيبها أحد، ومع ذلك فقد كان الرسول ﷺ -يُؤَذَّن بين يديه في السفر، والجماعة حاضرة، وأمر الرسول مالك بن الحويرث وصاحبه ﵄، وهما في السفر أن يؤذن أحدهما مع حضور صاحبه، ولم يُعَلِقْ فعل الأذان على احتمال إجابة النداء، فإذا كان الأذان يطلب من الجماعة المجتمعة التي لا تطلب غيرها، فكذلك يشرع للمنفرد الذي لا يرجو غيره، لأن الأذان له وظائف، منها وظيفة الصلاة، والله أعلم.
стр. 657
* دليل من قال: المنفرد لا يؤذن بل يقيم:
أن الأصل في الأذان إعلام الناس بالصلاة أو بوقتها، وهو مُنْتَفِ في حق المنفرد.
وهذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا.
* الراجح:
أن المنفرد يشرع له الأذان مطلقًا حضرًا وسفرًا، وهو في السفر آكد منه في الحضر، ولا يجب عليه فعل ذلك، والله أعلم.
стр. 658
الفصل العاشر في قتال أهل البلد إذا تركوا الأذان
[م-٩٣] عرفنا خلاف العلماء في حكم الأذان، وهل هو سنة كما هو مذهب الجمهور، أو هو فرض كفاية؟
وعلى القول بأنه فرض كفاية، إذا اجتمع أهل بلد على تركه قوتلوا حتى يفعلوه، كما يقاتلون عند الإصرار على ترك سائر الفرائض والواجبات.
وهذا قول ابن عرفة من المالكية وقد جعله هو المذهب، خلافًا لخليل وابن الحاجب وهو وجه في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
* ودليل هذا القول:
القياس على قتال مانعي الزكاة، فإن الصحابة قاتلوا المرتدين حين امتنعوا عن
стр. 659
دفع الزكاة.
وأما من قال: هو سنة، فقد اختلفوا على قولين:
أحدهما: أنهم يقاتلون عليه؛ لأنه من أعلام الدين، وشعائره الظاهرة، اختاره أكثر الحنفية، وبعض الشافعية. ورجح ابن تيمية وبعض الحنابلة أنهم يقاتلون حتى على القول بأنه سنة (١).
وقال صاحب النهاية نقلًا من كتاب التنوخي في شرحه للمقنع:
«سواء أقلنا: إنهما سنة، أم واجب، متى اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام؛ لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فلا يرخص في تعطيلهما؛ لأن الشعائر المستمرة الظاهرة في الشريعة، لو خلا منها قطر، لتبادر الخلق بالإنكار، والاستنكار» (٢).
والثاني: لا يُقَاتَلُون عليه، كسائر النوافل، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٣)، والصحيح عند الحنابلة على القول بأنهما سنة (٤).
واختار محمد بن الحسن من الحنفية أنهم يقاتلون على تركه، واختلف الحنفية في تأويل حكمه على قولين:
فذهب بعض الحنفية إلى أن هذا يعني وجوب الأذان عند محمد (٥).
وذهب أكثر الحنفية بأن قتالهم على الترك لا يعني وجوب الأذان، وإنما يرى محمد أن ما كان من أعلام الدين فإن الإصرار على تركه استخفاف بالدين،
стр. 660
فيقاتلون لذلك (١).
وذهب بعض الحنفية إلى التوفيق بين قول محمد، وقول أبي يوسف، وأنه لا تَنَافِيَ بين القولين، قال ابن الهمام: «كذا ينقله بعضهم بصورة نقل الخلاف، ولا يخفى أن لا تَنَافِيَ بين الكلامين بوجه، فإن المقاتلة إنما تكون عند الامتناع وعدم القهر لهم، والضرب والحبس إنما يكون عند قهرهم» (٢).
وهذا الكلام من ابن الهمام مبني على التفريق بين المقاتلة والقتل، فالمقاتلة أوسع، فليس كل من جازت مقاتلته جاز قتله.
* واستدل من قال: بوجوب قتال تاركي الأذان وإن كان سنة:
الدليل الأول:
(ح-٢٤١) بما رواه البخاري من طريق حميد، ومسلم من طريق ثابت، كلاهما عن أنس ﵁ كان رسول الله ﷺ -يُغِيْرُ إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار (٣).
وجه الاستدلال:
قال ابن رجب: «جعل يعني النبي ﷺ الأذانً مانعًا من القتال، وتركه مبيحًا له، فدل على استباحة القتال بمجرد تركه، وإن جاز أن يكونوا قد أسلموا» (٤).
стр. 661
* وقد يناقش هذا:
بأن الحديث ليس نصًّا في المطلوب؛ لأن قتال النبي لهم ليس من أجل ترك الأذان، ولكن لكون الترك دليلًا على أنهم غير مسلمين، فيقاتلهم على الكفر، لا على ترك الأذان.
الدليل الثاني:
أن الأذان والإقامة من أعلام الدين الظاهرة فالإصرار على تركهما استخفاف بالدين.
* الراجح:
كنت قد رجحت أن الأذان والإقامة فرض كفاية، فإذا تركوه كلهم نال الحرج كافتهم وأصبح بمنزلة فرائض الأعيان، فلا مانع من قتالهم على تركه قياسًا على قتال تاركي الزكاة، وإن لم يكن ترك الزكاة كفرًا.
وأما على القول بأن الأذان سنة فالاحتياط في عدم سفك الدم المعصوم على ترك مسنون؛ لأن الأصل في المسنون جواز تركه، والله أعلم.
стр. 662
الفصل الحادي عشر في النداء لغير الصلوات الخمس
المبحث الأول النداء لصلاة الكسوف
المدخل إلى المسألة:
* الأذكار نوعان، مطلق، والأصل فيه الإباحة، ومقيد والأصل فيه المنع إلا بدليل.
* الأذان والإقامة أذكار مقيدة بوقت، وصفة، ولعبادة معينة، فلا يشرعان لأي عبادة أو وقت إلا بدليل.
* كل عبادة وجد سببها على عهد النبي، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع فإن فعلها بدعة.
* الأصل في العبادات المنع إلا بدليل.
* لم يرد الأذان المعروف لغير الصلوات الخمس، ومنها الجمعة إلا ما كان قبل الصبح، وهو من أجل الاستعداد للصلاة.
[م-٩٤] أجمع العلماء على أنه لا أذان ولا إقامة لصلاة الكسوف والخسوف.
قال ابن حجر في الفتح: «وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها، ولا يقام» (١).
وذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب أن ينادى لها بالصلاة جامعة، وقال ابن ناجي من المالكية: إن نادى به مُنَاد فلا بأس به، واستحسنه القاضي عياض،
стр. 663
ورجحه خليل في التوضيح (١).
وقيل: لا ينادى لها بالصلاة جامعة، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية للحنابلة (٢).
جاء في حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني: «ولا يقول: الصلاة جامعة» (٣).
وهذا قول ضعيف، مخالف للسنة الصحيحة:
(ح-٢٤٢) فقد روى البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة،
عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله، نودي: إن الصلاة جامعة، فركع النبي ركعتين في سجدة، ثم قام، فركع ركعتين في سجدة، ثم جلس، ثم جلي عن الشمس (٤).
(ح-٢٤٣) وروى مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: قال الأوزاعي أبو عمرو، وغيره: سمعت ابن شهاب الزهري، يخبر عن عروة،
عن عائشة، أن الشمس خسفت على عهد رسول الله، فَبَعَثَ مناديًا: الصلاة جامعة، فاجتمعوا … الحديث (٥).
стр. 664
ويجزئ عند الشافعية والحنابلة قوله: الصلاة (١).
ويكره حي على الصلاة بدلًا من الصلاة جامعة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ووجه مرجوح عند الشافعية (٢).
والسنة للمنادي أن يكرر ذلك حتى يغلب على ظنه أنه قد أسمع الناس، وليس لذلك حد محدود فيما أعلم.
واستحب شيخنا ابن عثيمين أن تكون على وتر، ولا تقل عن ثلاث، فإن احتاج زاد على ذلك.
قال شيخنا: «تكرر هذه الكلمة بقدر ما يغلب على الظن أن الناس بلغهم ذلك، يعني: مرتين، ثلاثًا، أربعًا، خمسًا، حسب الحال، قد يكون الناس في الليل نائمين فنزيد التكرار، وقد يكون في النهار، والنهار ضجة، وأصوات، وصخب، فنزيد في ذلك حسب الحال، لكن الثلاث هي الأصل، وما زاد فبحسب الحاجة، وإنما قلت: إن الثلاث هي الأصل؛ لأن النبي كان إذا تكلم تكلم ثلاثًا، وإذا سلم سلم ثلاثًا حتى يبلغ» (٣).
وقال أيضًا: «الأفضل أن يقرأها على وتر، ويكررها بحسب الحاجة» (٤).
ولو قيل: ما زاد على الثلاث لا يتقصد فيه الوتر؛ لعدم ورود الدليل الخاص،
стр. 665
ولعل التكرار ثلاثًا لم يكن القصد فيه الوتر، وإنما القصد فيه التعليم، وأن يعي المتلقي ما ألقي عليه، ويحفظه، والله أعلم.
стр. 666
المبحث الثاني النداء لصلاة الاستسقاء
المدخل إلى المسألة:
* كل عبادة وجد سببها على عهد النبي، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع فإن فعلها محدث.
* الأصل في العبادات المنع إلا بدليل.
* لم يرد الأذان المعروف لغير الصلوات الخمس، ومنها الجمعة إلا ما كان قبل الصبح.
[م-٩٥] أجمع العلماء على أنه لا أذان، ولا إقامة لصلاة الاستسقاء.
قال ابن بطال: «لا خلاف بين العلماء أنه لا أذان، ولا إقامة لصلاة الاستسقاء» (١).
وقال ابن قدامة: «ولا يسن لها أذان، ولا إقامة، لا نعلم فيه خلافًا» (٢).
(ح-٢٤٤) وأما ما رواه الإمام أحمد، من طريق وهب بن جرير، قال حدثنا أبي، قال: سمعت النعمان، يحدث عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، أنه قال: خرج نبي الله يومًا يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة .... الحديث (٣).
[فنفي الأذان والإقامة في هذا الحديث منكر] (٤).
стр. 667
[م-٩٦] واختلفوا هل يستحب النداء لصلاة الاستسقاء بالصلاة جامعة؟
فقيل: لا يشرع النداء بالصلاة جامعة، وهو مذهب الحنفية، ورواية في مذهب الحنابلة رجحها ابن تيمية.
وهو قول المالكية، في العيدين والظاهر أن قولهم في الاستسقاء كالقول في العيدين (١).
стр. 668
وقيل: يستحب النداء للاستسقاء بالصلاة جامعة، وهذا مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
* حجة من قال: لا يستحب:
عدم الدليل، والأصل في العبادات التوقيف، ولم يثبت أن النبي دعا لصلاة الاستسقاء بالصلاة جامعة.
(ح-٢٤٥) وقد روى البخاري ومسلم من طريق القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد (٢).
* حجة من قال بالاستحباب:
الدليل الأول:
قال الشافعي: قال الزهري: وكان رسول الله ﷺ يأمر في العيدين المؤذن فيقول: الصلاة جامعة (٣).
[مرسل، وهو ضعيف].
وجه الاستدلال:
قياس الاستسقاء على العيدين.
الدليل الثاني:
أن صلاة الاستسقاء لا أذان لها ولا إقامة بالاتفاق، وكل صلاة تشرع لها الجماعة بلا أذان، ولا إقامة فإنه ينادى لها بالصلاة جامعة، أو الصلاة، حتى يجتمع الناس، ومنها صلاة الاستسقاء.
стр. 669
* ويناقش:
بأن صلاة الاستسقاء قد فعلت على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يُنَاد لها بالصلاة جامعة، وكل عبادة قد وجد سببها في عهد التشريع، وكان بالإمكان فعلها، ولم تفعل ففعلها بدعة، وحَدَثٌ في الدين.
الدليل الثالث:
القياس على صلاة الكسوف، فقد ثبت في صلاة الكسوف أنه نودي لها بالصلاة جامعة كما في الصحيحين، وسبق ذكر هذه المسألة.
* ويجاب عن هذا بوجهين:
الوجه الأول:
يناقش هذا الدليل بما نوقش به الدليل الثاني.
الوجه الثاني:
أن هناك فرقًا بين الكسوف والاستسقاء، بأن الكسوف يحدث على غفلة، والناس غير مجتمعين للصلاة، بخلاف الاستسقاء، فإنها معلومة، والناس يتأهبون لها؛ بعد أن يكون الإمام قد دعاهم إلى الخروج إليها، والله أعلم.
* الراجح:
أنه لا يشرع النداء لصلاة الاستسقاء بأي نوع من أنواع النداء.
стр. 670
المبحث الثالث في النداء لصلاة العيدين
المدخل إلى المسألة:
* كل عبادة وجد سببها على عهد النبي، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع ففعلها محدث.
* الأصل في العبادات المنع إلا بدليل.
* لم يرد الأذان المعروف لغير الصلوات الخمس، ومنها الجمعة إلا ما كان قبل الصبح استعدادًا لها.
* الأذان إما دعاء للصلوات المفروضة كالصلوات الخمس، أو تنبيه للاستعداد لها، كالأذان لصلاة الصبح قبل وقتها، والأذان الأول للجمعة. ولا يشرع في غيرهما.
[م-٩٧] قال ابن عبد البر: «روي من وجوه شتى صحاح عن النبي ﷺ : أنه لم يكن يؤذن له، ولا يقام في العيدين: من حديث جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعبد الله بن عباس، وابن عمر، وسعد، وهي كلها ثابتة عن النبي ﷺ : أنه صلى العيد بغير أذان ولا إقامة. وهو أمر لا خلاف فيه بين علماء المسلمين، وفقهاء الأمصار، وجماعة أهل الفقه والحديث؛ لأنها نافلة وسنة غير فريضة، وإنما أحدث فيهما. الأذان بنو أمية، واختلف في أول من فعل ذلك .... » (١).