فتشوش على النبي ﷺ كمال خشوعه، وفرق بين كونها تعرض على ذهنه، وتتردد في خاطره، وبين كونه ينظر إليها، ويقلب بصره فيها.
الوجه الثالث:
على القول بأنها تعرض على بصره، وليس على خاطره، فهذا لأن هذه التصاوير في موضع قبلته، والبحث في التفات البصر يمنة ويسرة، فلا يكون فيه دليل على مسألتنا، والله أعلم.
والراجح: أن الالتفات بالبصر يمنة ويسرة بلا حاجة إن تعمد ذلك فهو خلاف الأولى وإن كثر منه كان مكروهًا، وإن وقع للرجل يسيرًا بلا قصد فلا يتعلق به حكم، والله أعلم.
• دليل الجمهور على كراهة الالتفات بالوجه وجوزاه للحاجة:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٢٢) ما رواه البخاري من طريق أبي الأحوص، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق،
عن عائشة، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (١).
(ح-٢٢٢٣) وروى البخاري ومسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد، أخبره أن حمران مولى عثمان أخبره، أنه،
رأى عثمان بن عفان دعا بإناء .... وذكر الوضوء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه (٢).
وجه الاستدلال:
دل حديث عثمان على أن إقبال العبد على صلاته، وحضور قلبه وذهنه لمناجاة ربه أكمل في الثواب، لكونه سببًا لمغفرة الذنوب، فإذا التفت عن صلاته بلا حاجة
стр. 6057
كان ذلك سرقة يسرقها الشيطان من صلاة العبد: أي من ثوابها.
وكل ما كان سببًا في نقص أجر الصلاة فأقل أحواله الكراهة، وإنما ينقص من الثواب إذا فعله عبثًا، لتركه الإقبال على الصلاة، بخلاف ما إذا فعله لحاجة، فلا ينقص من أجر الصلاة.
قال ابن بطال: «إذا أوما ببصره، وثنى عنقه يمينًا وشمالًا ترك الإقبال على صلاته، ومن فعل ذلك فقد فارق الخشوع المأمور به في الصلاة، ولذلك جعله النبي اختلاسًا للشيطان من الصلاة، وأما إذا التفت لأمرٍ يَعِنُّ له من أمر الصلاة أو غيرها فمباح له ذلك وليس من الشيطان، والله أعلم» (١).
وقال ابن المنذر: «إن التفت عن يمينه ويساره فقد أساء، ولا إعادة عليه، وذلك بَيِّنٌ في قوله ﷺ : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة المرء» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٢٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ .... الحديث، ورواه مسلم (٣).
стр. 6058
وجه الاستدلال:
في الحديث دليل على كراهة الالتفات بلا حاجة، ولهذا كان أبو بكر لا يتلفت في صلاته، وفيه دليل على جواز الالتفات للحاجة، حيث التفت أبو بكر لما أكثر الناس التصفيق، وكان ذلك بحضور النبي ﷺ ، فكان من السنة التقريرية.
الدليل الثالث:
(ح-٢٢٢٥) ما رواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير،
عن جابر عن أبي الزبير، قال: اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلم، قال: إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم، وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فالتفت إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا) دليل على جواز الالتفات للحاجة، وقد يستحب إذا كان لمصلحة الصلاة أو المصلين، وأن الإشارة ليست كلامًا ولو أفهمت، وأن فعل مثل ذلك للحاجة يسير لا يقدح في الخشوع.
الدليل الرابع:
(ح-٢٢٢٦) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،
عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي!؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت. فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني. قال: إن
стр. 6059
هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. أو كما قال رسول الله ﷺ … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله في الحديث: (فرماني القوم بأبصارهم)، وهذا لا يكون إلا مع الالتفات.
الدليل الخامس:
(ح-٢٢٢٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا الربيع بن نافع، حدثنا معاوية يعني ابن سلام، عن زيد، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني السلولي هو أبوكبشة،
عن سهل بن الحنظلية، قال: ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح- فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب.
قال أبو داود: «وكان أرسل فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس» (٢).
[صحيح] (٣).
وقد حمله بعضهم على التفات البصر، وفيه بعد، فإن المأموم لا يعلم بالتفات إمامه ببصره، فلولا أنه كان يلتفت بوجهه لما علم سهل بالتفات النبي ﷺ إلى الشعب، والله أعلم.
• دليل من قال: يكره الالتفات بالوجه أو بالصدر:
الدليل الأول:
كل التفاتٍ في الصلاة لا ينافي استقبال القبلة، ولا الخشوع في الصلاة فإنه لا يبطل الصلاة.
أما كونه لا ينافي الاستقبال:
فذلك لأنه إذا التفت بوجهه وصدره فقد بقي مستقبلًا بوسطه إلى أسفله، فصار جسده بحكم المستقبل؛ لأن الالتفات بجزء من البدن لا يخرجه عن حكم التوجه للقبلة حتى يلتفت بكامل بدنه.
وقياسًا على الالتفات بالوجه، هذا وجه كونه لا ينافي الاستقبال.
كما أن الالتفات بالوجه والصدر: لا ينافي الخشوع في الصلاة، لا خشوع القلب، وهو الأصل، ولا خشوع الجوارح.
стр. 6062
أما كونه لا ينافي خشوع الجوارح:
فلكونه معدودًا من الحركة اليسيرة، وكل حركة يسيرة في الصلاة فإنها لا تنافي الخشوع، فتباح للحاجة، وتكره بدونها.
أما كونه لا ينافي خشوع القلب:
فذلك لأن خشوع القلب يقصد به نوعين:
الأول: تأثر القلب بما يقرأ أو يسمع من كتاب الله، وهذا ليس بمِلك العبد، بل هو مِنَّةٌ من الله، والناس متفاوتون فيه بحسب ما وقر في القلب من الإيمان والخشية.
والثاني: حضور القلب وتدبره لما يقرأ أو يسمع، وهذا هو المطلوب في الصلاة قدر الإمكان.
والالتفات بالوجه والصدر، إذا لم يكثر في الصلاة، فإنه لا ينافي خشوع القلب بهذا المعنى، فالالتفات بالوجه والصدر لا يحجب القلب عن تدبر وسماع ما يقرأ، وإن فعله بلا حاجة كره؛ لكونه منافيًا لكمال الخشوع، ولم يحرم الالتفات لأن الخشوع وإن كان روح الصلاة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]. فهو ليس من أركان الصلاة بالإجماع، ولا من واجباتها على الصحيح، وقد حكي الإجماع على عدم وجوبه، ولا تعاد الصلاة لفواته، ولو كان واجبًا لوجب إعادة الصلاة لتركه عمدًا، أو جبره بالسجود إن تركه سهوًا، وإذا كان هذا الحكم في ترك الخشوع فكيف يكون الحكم في ترك كماله هذا على القول بأن الالتفات إذا لم يكثر ينافي كمال الخشوع.
ولأن القلب قد يخشع مع حركة الجسد، كخشوع الطائف وقت الرَّمَلِ، ووقت السعي بين العلمين فيجتمع للعبد الابتهال بالدعاء، والسعي والرمل بالطواف.
الدليل الثاني:
جاء عن بعض الصحابة بأسانيد صحيحة الانصراف عن القبلة بسبب الرعاف، ثم البناء على الصلاة، وإذا لم يبطل الانصراف لم يبطل الالتفات من باب أولى.
(ث-٥٣٠) فقد روى مالك، عن نافع،
стр. 6063
عن ابن عمر ﵄، كان إذا رعف انصرف، فتوضأ، ثم رجع، فبنى، ولم يتكلم (١).
[وهذا إسناد في غاية الصحة، وهو موقوف على ابن عمر].
وفي الباب أثر عن عليٍّ صحيح وعن سلمان ﵄ بسند ضعيف (٢).
• دليل من قال: الالتفات بالوجه والصدر يبطل الصلاة:
قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] يطلق الوجه، ويراد به الذات: فدلت الآية على وجوب استقبال المصلي القبلة بجميع بدنه، خرج الالتفات بالوجه لوجود أحاديث صحيحة على صحة الصلاة بالالتفات بالوجه، وأنه لا ينافي الاستقبال، وبقي ما عدا الوجه على وجوب استقبال القبلة به، فإذا التفت بوجهه وصدره بطلت صلاته.
ولأنه إذا التفت بهما فقد التفت بنصفه العلوي، وهو أشرف ما في بدن المصلي حيث القلب والسمع والبصر، وهي أشرف الأعضاء، وآلات العقل والإدراك.
• دليل من قال: يكره الالتفات بالوجه والصدر:
من استقبل بقدميه القبلة فقد استقبل بنصفه السفلي القبلة، والنصف العلوي تبع في التوجه للنصف السفلي، وعليه يقوم، وليس العكس.
فإذا استقبل بنصفه السفلي فقط صار ملتفتًا بنصفه العلوي، والصلاة لا تبطل بالالتفات وإنما تبطل بترك الاستقبال.
стр. 6064
ولا ينفعه إذا انحرف نصفه السفلي عن القبلة أن يستقبل القبلة بنصفه العلوي؛ لأنه إذا استقبل بنصفه العلوي فقط يقال له: التفت إلى القبلة، ولا يكفي في شرط الاستقبال الالتفات إلى القبلة؛ بخلاف ما إذا استقبل القبلة بنصفه السفلي، فلا يقال له: التفت إلى القبلة، ولا يصدق عليه أنه ترك الاستقبال حتى ينحرف بنصفه السفلي عن القبلة، والله أعلم.
• الراجح:
أن الالتفات قد يكون محرمًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مباحًا.
أما المحرم فالالتفات بكامل البدن بلا ضرورة من خوف أو قتال، ويلحق به الالتفات ببعض البدن إذا كان كثيرًا متواصلًا بلا حاجة.
والمباح الالتفات الكثير إذا دعت له ضرورة، ومثله القليل إذا دعت لفعله حاجة.
والمكروه: كل التفات لا ينافي الاستقبال ولم تدع لفعله حاجة، ولم يكن كثيرًا متواصلًا، لمنافاته الخشوع أو كماله، والله أعلم.
стр. 6065
المبحث الثاني في كراهية العبث في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• العبث في الصلاة منافٍ للوقار، وإذا كان الساعي إلى الصلاة مأمور بالسكينة والوقار، فكيف إذا شرع فيها؟
• حكم العبث في الصلاة حكم الحركة الأجنبية في الصلاة من غير حاجة.
• الخشوع في الصلاة له متعلقان على الصحيح: خشوع القلب بالخشية، وخشوع الجوارح بالسكون، والعبث يخل بهما، خاصة خشوع الجوارح.
• الالتفات نوعان: التفات البدن، والتفات القلب، والعبث في الصلاة من الالتفات الثاني، وهو أسوأ من التفات البدن؛ لأن التفات البدن يجوز للحاجة، والعبث لا يحتاج إليه الإنسان في صلاته.
• كل عضو له حظه من العبادة في الصلاة، فإذا عبث المصلي بعضو من أعضائه فقد شغل المصلي هذا العضو بعمل غير مشروع، وعطله عن القيام بما هو مشروع في حقه.
[م-٧٣٩] اتفق الفقهاء على كراهة العبث في الصلاة، والجمهور على أنها كراهة تنزيهية (١).
стр. 6066
وقال الحنفية: يكره تحريمًا، وهو قول في مذهب الشافعية (١).
واختار بعض شيوخ الحنفية تحريم العبث خارج الصلاة، ولم يتفق عليه في المذهب (٢).
قال ابن الملقن: «في عجالة المحتاج: «العبث في الصلاة مكروه. وقيل: حرام، ولو سقط رداؤه، أو طرف عمامته كره له تسويته إلا لضرورة، قاله في الإحياء» (٣).
وإذا كان المصلي مأمورًا وهو في سعيه إلى الصلاة أن يمشي بسكينة ووقار، فإذا كان هذا هيئة الساعي إليها، فكيف يليق بعد الشروع فيها أن يعبث بثوبه، أوبجسده، أو بلحيته، أو بغيرها.
والعبث في الصلاة ينطوي على محاذير شرعية، منها:
أنه حركة أجنبية بالصلاة من غير حاجة، كالاشتغال بثوبه، أو بجسده، أو بلحيته، أو بتقليب الحصى، وهذا مجمع على كراهته، فإذا كثر واتصل وشغل عن الصلاة أفسدها (٤).
ومنها: أن العبث في الصلاة يخل بالخشوع، والخشوع مشروع بالإجماع، وقد مدح الله الخاشعين، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
والخشوع في الصلاة على الصحيح لها متعلقان: القلب والجوارح، فخشوع القلب: خشيته من الله وتدبره لما يقرأ، وخشوع الجوارح: هو في سكونها.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾
стр. 6067
[فصلت: ٣٩]. فجعل الخشوع في مقابل الاهتزاز والحركة، فالعبث مناف لخشوع الجوارح.
قال ﷺ :، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي.
ورأى بعض السلف رجلًا يعبث في صلاته، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه، وروي مرفوعًا بإسناد لا يصح.
ومنها: أن العبث نوع من الالتفات عن الصلاة، ينقص من ثوابها، وذلك أن الالتفات نوعان: التفات البدن، والتفات القلب، والعبث في الصلاة من الالتفات الثاني: وهو أسوأ من التفات البدن؛ لأن التفات البدن يجوز للحاجة، والعبث لا يحتاج إليه الإنسان في صلاته.
قال الرسول ﷺ عن الالتفات: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد.
والعابث في صلاته ربما غلب عليه العبث حتى لا يعلم ما يقرأ، وقد نهى الله السكران عن الصلاة وجعل غاية النهي أن يعلم ما يقول، قال تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
ومنها: أن كل عضو من أعضاء المصلي له عمل مشروع في الصلاة، كما قال الرسول ﷺ : إن في الصلاة لشغلًا (١)، فكل عضو له حظه من العبادة، فإذا عبث المصلي بعضو من أعضائه فقد ارتكب محذورين:
الأول: إشغال هذا العضو بعمل غير مشروع في الصلاة.
والثاني: تعطيله عن القيام بما هو مشروع في حق ذلك العضو.
(ح-٢٢٢٨) فقد روى مسلم من طريق مالك، عن مسلم بن أبي مريم،
عن علي بن عبد الرحمن المعاوي، أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة، فلما انصرف نهاني فقال: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، فقلت: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قال: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى.
стр. 6068
[سبق تخريجه] (١).
فانظر كيف ربط ابن عمر بين النهي عن العبث باليدين في الصلاة، وبين القيام بما هو مشروع في حق اليدين في الصلاة.
قال ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث دليل على أن لليدين عملًا في الصلاة تشتغلان به فيها».
ولا يأتي العبث بالصلاة إلا من نقص في العقل، أو من زهد في الأجر، ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب.
стр. 6069
المبحث الثالث في كراهة تغميض العينين في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• إذا تعين ارتكاب المكروه سبيلًا للمحافظة على السنة، فأيهما يقدم؟ ليس هناك قاعدة مطردة؛ لتفاوت السنن، وكذلك المكروهات.
• التعبد بتغميض العين في الصلاة بدعة.
• لا يلجأ المصلي إلى تغميض عينيه حفاظًا على خشوعه، وهو يقدر على دفع ما يشغله بالمجاهدة؛ لأن دفع التشويش بالمجاهدة أولى من دفعه بعمل غير مشروع.
• الخشوع هو روح الصلاة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ وقد قيل بوجوبه، والجمهور على استحبابه.
• المحافظة على الخشوع أولى من تفويته بفتح العينين، وذلك من باب تعارض مصلحتين مقصودتين فيرجح الأقوى، وليس من باب التعبد بتغميض العينين في الصلاة، وقد يقال: التشويش على المصلي وتغميض العين في الصلاة كلاهما مفسدة، فترتكب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما.
• الحاجة تبيح المكروه، والضرورة تبيح المحرم.
• نقص بعض الخشوع لا يكفي لإغماض العينين حتى يخشى على ذهاب خشوعه بالكلية.
• الحركة اليسيرة الأجنبية إذا كانت لمصلحة الصلاة كانت مباحة إن لم تكن مطلوبة، ومنها تغميض العينين سبيلًا للمحافظة على الخشوع.
• إذا كان ارتكاب المحظور جائزًا لمصلحة الصلاة كالكلام فارتكاب المكروه من باب أولى.
стр. 6070
[م-٧٤٠] اختلف العلماء في تغميض العينين في الصلاة:
فقيل: يكره تنزيهًا، اختاره العبدري من الشافعية (١).
وقيل: لا يكره إلا أن يخاف ضررًا، قال النووي: وهو المختار عندي، ولم أر القول بالكراهة لأحد من أصحابنا (٢).
واستثناء الضرر ليس بشيء، فالواجب يسقط مع الضرر فضلًا عن المباح.
ونُسِبَ القول بالجواز للإمام مالك رحمه الله تعالى (٣).
وسئل الحسن البصري عن الرجل يغمض عينيه، وهو ساجد في الصلاة؟ قال: لا بأس به (٤).
وهذان قولان مطلقان، الكراهة والإباحة.
وقيل: يكره تنزيهًا إلا لحاجة كأن يرى ما يمنع خشوعه، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، زاد المالكية أو يرى محرمًا (٥).
стр. 6071
ومن الحاجة عند ابن سيرين إذا كان يكثر من الالتفات في صلاته فيغمض عينيه لدفع ذلك (١).
стр. 6072
و قال الدسوقي في حاشيته: «ومحل كراهة التغميض ما لم يخف النظر لمحرم، أو يكون فتح بصره يشوشه، وإلا فيكره التغميض حينئذٍ» (١).
وقال الطحطاوي من الحنفية: «الظاهر أن الكراهة تحريمية» (٢).
فصارت الأقوال كالتالي:
أحدها: الكراهة مطلقًا.
الثاني: الإباحة مطلقًا.
الثالث: الكراهة إلا لحاجة.
الرابع: التحريم، وهو أضعفها.
هذا ملخص الأقوال، وإليك أدلتها:
• دليل من قال: يكره مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٢٩) روى البخاري في صحيحه من طريق إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن شهاب، عن عروة،
عن عائشة، أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم،
стр. 6073
فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي.
ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، ومن طريق يونس عن ابن شهاب به (١).
وجه الاستدلال:
لو كان التغميض مشروعًا إذا عرض للمصلي ما يشغله لكان أولى الناس بفعله النبي ﷺ ، ولأرشد إليه من قوله ﷺ ، فلما لم يفعله، ولم يرشد إليه كانت السنة تركه.
• ويناقش:
الحديث دليل على أن المصلي لا يلجأ إلى تغميض العينين وهو يقدر على دفع ما يشغله بالمجاهدة، ولا يدل على امتناع اللجوء إلى إغماض العينين مع العجز عن المدافعة، وقول عائشة (فنظر إلى أعلامها نظرة)، إن كان قولها (نظرة) يدل على المرة، فهو عارض قليل، وإن كان للتوكيد فقد دفع النبي ﷺ هذا بالمجاهدة، وهو أكمل من دَفْعِه بالتغميض.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٣٠) ما رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة من طريق موسى بن أعين، عن ليث، عن طاوس،
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه (٢).
[ضعيف] (٣).
الدليل الثالث:
لا يَسْلَمُ المصلي في كل وقت من التعرض لما يشوش عليه صلاته، فلو كان التغميض مشروعًا كوسيلة لدفع التشويش للمحافظة على الخشوع لجاء الإذن
стр. 6074
من الشارع بذلك، وما كان ربك نسيًا، ولم يكن من هدي النبي ﷺ ولا من هدي أصحابه رضوان الله عليهم دفع التشويش بتغميض العينين في الصلاة، وإذا لم يرشد النبي ﷺ إليه فلا ينبغي استحسانه عند الحاجة؛ لأن كل هدي مخالف لهديه ﵊ فلا خير فيه، واللجوء إلى تغميض العينين استدراك على الشارع، فأقل أحواله أن يكون مكروهًا إن لم يلحق الفعل بالبدعة، والبدعة لا تشرع مطلقًا، لا مع الحاجة، ولا بدونها.
وإذا عرض للمصلي ما يشوش عليه صلاته، فإن كان بلا كسب منه لم يؤاخذ عليه؛ وإذا رفعت المؤاخذة فلا يذهب إلى ارتكاب المكروه في صلاته في سبيل دفع ما لا يؤاخذ عليه، وعليه بالمجاهدة المشروعة لدفع مثل ذلك ما أمكنه، وهو على خير، والله أعلم.
• ويناقش:
بأن المصلي لا يتعبد بتغميض العينين في صلاته، فهو من المكروهات، وإنما يفعله ارتكابًا لأخف الضررين، فهو إما أن يفتح عينيه، فيفوته الخشوع، وضرر فواته أشد، وإما أن يغمض عينيه فيحافظ على خشوعه، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، ويدفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، وإذا اعتبرنا أن تغميض العينين حركة أجنبية في الصلاة فهي من الحركة اليسيرة، والحركة اليسيرة إذا كانت لمصلحة الصلاة كانت مباحة إن لم تكن مطلوبة.
الدليل الرابع:
ورد أن التغميض من فعل اليهود، وقد نهينا عن التشبه بهم.
(ث-٥٣١) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن ليث،
عن مجاهد، قال: يكره أن يغمض الرجل عينه في الصلاة كما يغمض اليهود (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 6075
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن هذا من قول مجاهد ﵀، وهو معارض بقول الحسن البصري، وهو تابعي مثله، وأقوال التابعين ليست حجة، فكيف إذا اختلفوا.
الوجه الثاني:
أن الأثر مداره على ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وقد اختلف عليه، فمرة يرويه مرفوعًا من مسند ابن عباس في النهي عن تغميض العينين دون ذكر التشبه وسبق تخريجه، ومرة مقطوعًا على مجاهد، وليث متفق على ضعفه ولو لم يضطرب، فكيف إذا اضطرب في الحديث.
الوجه الثالث:
لو فرضنا أن التغميض من فعل اليهود، فهو إنما يكره إذا فعله بلا حاجة، أما من عرض له ما يشوش صلاته، وأراد أن يسلم له خشوعه في الصلاة فقد انتفت علة التشبه؛ إحالة للفعل على سببه، فكما أن الشارع نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها حتى لا يتشبه بالكفار، فإذا وجد سبب للصلاة كما في قضاء الفوائت، انتفى التشبه، ورفع النهي.
الدليل الخامس:
قد يتلاعب الشيطان بالمصلي، فيزين له أن التغميض أخشع لقلبه، وأجمع لفكره ليتعبد الله بما لم يشرعه الله وسيلة إليه.
• دليل من قال: بالإباحة:
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي، يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل على الكراهة، ولأن الأصل الإباحة، فلا ننتقل عنه إلا بدليل.
• ويناقش:
هذا التأصيل يصلح أن يقال في حق المعاملات بين الناس، لا في حق العبادات، فالعبادات الأصل فيها التوقيف، وصفة العبادة كأصلها توقيفية، لا تفعل
стр. 6076
إلا بإذن من الشارع، ويكفي أن التغميض مخالف لهدي النبي ﷺ ، وهدي الصحابة رضوان الله عليهم، وكفى في هذا مخالفة.
الدليل الثاني:
قال النووي: ولأنه يجمع الخشوع، وحضور القلب، ويمنع من إرسال النظر وتفريق الذهن، ففيه مصلحة.
• ويجاب:
بأن كل مصلحة لم يأت النص بفعلها، ولا أرشد الشارع إليها، إما مطلقًا أو عند الحاجة فهي ملغاة، ولو فتح الباب في جعل تقدير مثل ذلك راجع إلى تقدير المصلي ونظره لأحدث الناس صفات في العبادة بحجة أنها أنفع للقلب وأخشع.
• دليل من قال: يكره إلا لحاجة:
أدلة هذا القول ترجع إلى أدلة القائلين بالكراهة مطلقًا، إلا أن هذا القول قيد الكراهة بتغميض العين بلا حاجة، فإن كان التغميض لمصلحة الصلاة كالمحافظة على الخشوع، أو لمصلحة المصلي كمنع بصره من النظر إلى محرم، وهو يصلي فلا يكره، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
الدليل الأول:
استدلوا بالقاعدة التي تقول: لا كراهة مع الحاجة، ولا محرم مع الضرورة، فإذا كانت الضرورة تبيح المحرمات، فالحاجة تبيح المكروهات، ومراعاة الخشوع وتحصيل التدبر في الصلاة مقصود من إقامة الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
ومن أجْلِ كمال الخشوع قُدِّمَ الطعام على أداء الصلاة، حتى ولو أقيمت الصلاة وخشي من فوات الجماعة، ليأتي للصلاة وقد فرغ عقله وقلبه لمناجاة ربه، فإذا ترك الواجب لتحصيل كمال الخشوع فلأَن يرتكب المكروه لتحصيل ذلك من باب أولى.
(ح-٢٢٣١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، قال: إذا حضر العشاء، وأقيمت الصلاة،
стр. 6077
فابدؤوا بالعشاء، وهذا لفظ مسلم (١).
الدليل الثاني:
استدلوا بالقاعدة التي تقول: إذا تزاحمت مصلحتان، وكانت المحافظة على إحداهما سببًا في تفويت الأخرى، قدمت المصلحة الأقوى والأنفع على ما دونها.
فإذا كان لا سبيل إلى تحصيل الخشوع في الصلاة، ودفع التشويش إلا بتغميض العينين فالمحافظة على الخشوع أولى من مجرد فتح العينين.
فالخشوع هو روح الصلاة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ وقد قيل بوجوبه، والجمهور على استحبابه، ولم يأت في فتح العينين أمر ولا نهي، إلا مجرد أنه الأصل، وأن المصلي يبقى على هيئته إذا قام يصلي، ويلزم منه أن تكون عيناه مفتوحة.
الدليل الثالث:
التشويش على المصلي مفسدة، وتغميض العينين في الصلاة مفسدة أخرى، فإذا اضطر المصلي لارتكاب إحداهما لدفع الأخرى، جاز ارتكاب أدناهما لدفع أعلاهما، فيغمض عينيه لدفع التشويش؛ لأن مفسدة التشويش وأثرها على صلاة العبد وقلبه أكبر من مفسدة تغميض العينين، وهو في معنى الدليل الثاني، إلا أن الدليل الثاني في جلب أكبر المصلحتين، وهذا الدليل في دفع أعلى المفسدتين، وهو من تنويع الاستدلال بالقواعد.
الدليل الرابع:
الحركة اليسيرة الأجنبية إذا كانت لمصلحة الصلاة كانت مباحة إن لم تكن مطلوبة، ومنها تغميض العينين سبيلًا للمحافظة على الخشوع، وإذا كان بعض الفقهاء أجاز الكلام في الصلاة لمصلحتها كما وقع في قصة ذي اليدين حين قال للنبي ﷺ : (أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت)، وبعضه خص ذلك بما إذا انصرف الإمام من الصلاة ظانًا تمام صلاته، والأول أقوى، فإذا كان ارتكاب المحظور جائزًا لمصلحة الصلاة كالكلام فارتكاب المكروه من باب أولى.
стр. 6078
• دليل من قال: الكراهة تحريمية:
هذا قد قال به بعض الحنفية بناء على قاعدتهم في الكراهة التحريمية، فإذا ورد النهي في الدليل صريحًا، وكان الدليل ظني الثبوت، حمل على الكراهة التحريمية، وهو بمعنى المحرم، إلا أنه أقل درجة منه، فكما فرقوا بين الفرض والواجب فرقوا بين المحرم والكراهة التحريمية، والفرض والواجب لازم وتبطل الصلاة بترك الأول دون الثاني، والمحرم والمكروه تحريمًا ممنوع.
ورده جماعة من الحنفية بأن النهي الوارد في الباب ضعيف، وأن المعتمد في تعليل الكراهة على ما جاء في البدائع: بأن السنة أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، وفي التغميض تركها، وهذا التعليل لا يقتضي الكراهة التحريمية، وهو الصارف له عن التحريم. والله أعلم.
• الراجح:
أن الكراهة تنزيهية، وأن الحاجة ترفع الكراهة، والله أعلم.
стр. 6079
المبحث الرابع في كراهة أن يبصق المصلي بين يديه أو عن يمينه
المدخل إلى المسألة:
• أماكن العبادة تصان عن المستقذرات، ولو كانت طاهرة.
• يحرم البصق في جدار القبلة مطلقًا، حتى ولو فعله بنية حَكِّه؛ لكونه معللًا بعلة يجعل النهي عن البصاق لذات البصق، لقوله في الحديث: (فإن الله قبل وجهه إذا صلى).
• النهي عن البصق في المسجد، أهو يتعلق بالبصق، أم بتركه بلا دفن؟
• الصلاة لا تمنع المصلي من البصق لقوله ﷺ : وليبصق عن يساره أو تحت قدمه.
• طهارة ريق الإنسان، فإذا دفنه فكأنه لم يبصق؛ لكونه طاهرًا دفن بمكان طاهر.
• الكفارات منها ما يدل على تحريم الفعل ابتداء، فإن خالف شرع له التوبة مع الكفارة. ومنها ما يدل على إباحة الشيء بشرط التكفير، كالحنث في اليمين، والبصق من النوع الثاني على الصحيح.
• نهي المصلي عن البصاق جهة اليمين، دليل على تكريم جهة اليمين وهو أمر مطرد في الشريعة، ومخالفة ذلك لا يبلغ التحريم، بل سبيله الكراهة.
• حديث (البصاق بالمسجد خطيئة) خاص بالمسجد، عام في الصلاة وغيرها، وحديث: (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه) خاص في الصلاة، عام في المسجد وغيره.
• إذا كان بين الدليلين عموم وخصوص من وجه، قدم العام المحفوظ عن التخصيص على العام الذي دخله التخصيص؛ لأن المحفوظ دلالته على العموم أقوى.
[م-٧٤١] اختلف العلماء في حكم البصق في المسجد، وفي الصلاة:
اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على أن المصلي إذا كان في غير المسجد فله أن يبصق عن يساره، أوتحت قدمه -قال الحنفية: اليسرى- وقال الشافعية والحنابلة: ويكره
стр. 6080
أن يبصق عن يمينه، أو تلقاء وجهه.
كما اتفقوا على أنه لا يبصق في المسجد، فإن بدره البصاق بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض، وهل ذلك على وجه التحريم، أم على سبيل الكراهة.
نص النووي من الشافعية على التحريم، واختاره بعض الحنفية، وأطلق الحنابلة النهي في كثير من كتبهم (١).
قال في شرح المنتهى: «البصاق في المسجد خطيئة … هل المراد بالخطيئة
стр. 6081
الحرمة أو الكراهة؟ قولان، قاله السيوطي» (١).
فإن كان يقصد بالسيوطي جلال الدين، وهو الظاهر، أيكون هذا إشارة إلى وجود قول بالكراهة بالبصق في المسجد عند الحنابلة؟ فيه تأمل، والمنصوص في بعض كتب الحنابلة قولان:
أحدهما: جواز البصق إذا قصد الباصق الدفن ابتداء، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى والمجد ابن تيمية (٢).
قال القاضي أبو يعلى في التعليق الكبير: «النبي ﷺ جعل دفن النخامة كفارة لها، فإذا دفنها، صار كأنه لم يتنخم … وقد روى إسحاق - يعني ابن هانئ- قال: رأيت أحمد ﷺ في الجامع يبزق في التراب، ويدفنه» (٣).
والثاني: التحريم، اختاره بعض الأصحاب، قال صاحب النظم نقلًا من الفروع: «وكيف يجوز فعل الخطيئة اعتمادًا على أنه يكفرها؟ ثم احتج بما يوجب حدًا، وقد يعالج أو ينسى، كذا قال.
ومن يجوِّز هذا يقول: إنما يكون خطيئة إذا لم يقصد تكفيرها، فلا تعارض» (٤).
وجاء في بغية أولي النهى في شرح غاية المنتهى: «قال بعضهم -يعني الأصحاب-: فإن قصد الباصق الدفن ابتداء، فلا إثم عليه إذا بصق، وفيه نظر» (٥).
فقوله: (وفيه نظر) إشارة إلى ترجيح التحريم بإثبات الإثم مع حكاية القول بالجواز.
وقيل: يكره البصاق في المسجد، وهو ظاهر عبارة محمد بن الحسن، واختاره جماعة من الشافعية.
قال محمد بن الحسن: «ينبغي له ألا يبصق تلقاء وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق
стр. 6082
تحت رجله اليسرى» (١).
قال العراقي في طرح التثريب: «أطلق جماعة من الشافعية كراهة البصاق في المسجد منهم المحاملي، وسليم الرازي، والروياني، وأبو العباس الجرجاني وصاحب البيان، وجزم النووي في شرح المهذب والتحقيق بتحريمه وكأنه تمسك بقوله في الحديث الصحيح (أنه خطيئة)» (٢).
وقال بعض المتأخرين من الشافعية: إن كان في مسجد النبي ﷺ فبصاقه عن يمينه أولى من بصاقه عن يساره؛ لأن النبي ﷺ عن يساره، واستحسنه بعض شيوخ الحنفية (٣).
وهذا غريب؛ فإن قبر النبي ﷺ ليس في المسجد.
وقال المالكية: «يجوز البصق في المسجد إن كان محصبًا ويدفنه، أو تحت حصيره، فإن لم يكن محصبًا فلا يبصق فيه ولو دلكه؛ لأن تدليكه لا يذهب أثره، وكذا إن كان لا يقدر على دفنه، فإن كان المسجد محصبًا جاز البصق تحت قدميه، أو عن يساره، ثم عن يمينه، ثم أمامه، ويكره أن يبصق في حائط القبلة» (٤).
وفي المدونة: قال مالك: لا أرى أن يبصق الرجل على حصير المسجد، ويدلكه برجله، ولا بأس أن يبصق تحت الحصير، وإن كان المسجد محصبًا فلا بأس أن يحفر الحصباء، فيبصق فيه، ويدفنه، ولا بأس أن يبصق تحت قدميه، أو أمامه، أو عن يساره، أو عن يمينه، ويكره أن يبصق أمامه في حائط القبلة، ولكن يبصق أمامه في الحصباء، ويدفنه (٥).
هذا خلاف الفقهاء وخلاصته كالتالي:
البصق من المصلي إما أن يكون داخل المسجد، أو خارجه.
стр. 6083
فإن كان داخله: فالأئمة متفقون على المنع من البصق في حائط القبلة مطلقًا (١).
كما أنهم يتفقون على النهي عن البصق على الحصير؛ لعدم إمكان دفنه.
أجاز المالكية: البصق تحت الحصير.
وقال الحنفية: إن اضطر إلى ذلك كان البصق فوق الحصير أهون من الإلقاء تحته، لأن البواري جمع باري هو الحصير المنسوج ليس بمسجد حقيقة، وما تحته مسجد حقيقة (٢).
ونقل ابن رجب عن أحمد كما في رواية أبي طالب: «لا يبصق في المسجد تحت البارية، فإنه يبقى تحت البارية، وإذا كان حصى فلا بأس به؛ لأنه يواري البصاق ....
وعن بكر بن محمد، قال: قلت لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد- ما ترى في الرجل يبزق في المسجد، ثم يدلكه برجله؟ قال: هذا ليس هو في كل الحديث، قال: والمساجد قد طرح فيها بواري، ليس كما كانت، قال: فأعجب إلي إذا أراد أن يبزق، وهو يصلي أن يبزق عن يساره، إذا كان البزاق يقع في غير المسجد، يقع خارجًا، وإذا كان في مسجد، ولا يمكنه أن يقع بزاقه خارجًا أن يجعله في ثوبه».
فهذا الكلام من الإمام أحمد يدل على أنه لا يمنع من البصاق داخل المسجد مطلقًا، وإنما من أجل الفرش، ولهذا كان الإمام أحمد يبصق في الجامع ويدفنه كما نقل ذلك إسحاق بن هانئ في مسائله.
ويختلفون في غير المسجد:
فقيل: يحرم البصق في المسجد مطلقًا، وهو المعتمد في مذهب الشافعية وظاهر مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب الحنابلة.
وقيل: يكره البصق داخل المسجد مطلقًا، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية.
وقيل: يجوز البصق داخل المسجد بشرط إمكان دفنه، وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة.
فهذه ثلاثة أقوال في البصق داخل المسجد، التحريم، والكراهة، والجواز بشرط إمكان دفنها.
стр. 6084
وأما بصق المصلي، وهو خارج المسجد:
فالجمهور يكره أن يبصق عن يمينه، أو أمامه، وله البصق عن يساره، أو تحت قدمه، قال الحنفية: اليسرى.
وأجاز المالكية: البصق عن يساره أو تحت قدمه، ثم عن يمينه، ثم أمامه.
هذا ملخص القول في المسألة.
• الدليل على منع البصق في حائط القبلة:
(ح-٢٢٣٢) استدلوا بما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ رأى بصاقًا في جدار القبلة، فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: إذا كان أحدكم يصلي، فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى (١).
(ح-٢٢٣٣) وروى مسلم من طريق القاسم بن مهران، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس، فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه، فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره، تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا. ووصف القاسم فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض (٢).
فقوله: (رأى بصاقًا في جدار القبلة)، فيه النهي عن البصاق في جدار القبلة، وأنه معلل بعلة يجعل النهي عن البصاق لذات البصق، حتى ولو أمكنه إزالته، لقوله في الحديث: (فإن الله قبل وجهه إذا صلى)،
ولقوله: (أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟)، وهذه الأحاديث كسائر أحاديث الصفات نؤمن بها، بلا كيف ولا تشبيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
ومن أجل تكريم القبلة، وهو أمر متفق عليه، ولهذا نهي عن استقبالها حال قضاء الحاجة.
والنهي عن البصق في جدار القبلة محل اتفاق، وإنما الخلاف بين المالكية
стр. 6085
والجمهور في حكم البصق أمام المصلي في غير جدار القبلة.
أن المالكية خصوا النهي بالبصق في جدار القبلة، ولم يمنعوا من البصق أمامه، وهو يصلي إذا لم يكن في جدار القبلة، وأمكنه دفنه.
قال أبو الوليد الباجي: « … قال مالك: لا بأس أن يبصق أمامه، أو عن يساره، أو عن يمينه» (١).
والجمهور جعلوا النهي عن البصق في جدار القبلة نهيًا عن البصق أمامه مطلقًا؛ لقوله: (فلا يبصق قبل وجهه) سواء أكان ذلك في جدار القبلة، أم كان دون ذلك، بل البصق في جدار القبلة فرد من أفراد العام، موافق للعام في حكمه، فلا يقتضي تخصيصًا.
(ح-٢٢٣٤) لما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام،
سمع أبا هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه؛ فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فيدفنها.
فقوله: (فلا يبصق أمامه) أعمُّ من النهي عن البصق في جدار القبلة.
وفي حديث أنس ﵁ في الصحيحين: (فلا يبزقن بين يديه).
رواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس بن مالك (٢).
وقوله: (بين يديه) يشمل البصق أمامه ويدخل فيه البصق في حائط القبلة؛ لكون القبلة أمامه.
وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين: (نهى أن يبزق الرجل بين يديه).
رواه البخاري واللفظ له ومسلم من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري (٣).
стр. 6086
وكل هذه الأحاديث عامة في النهي عن البصق أمام المصلي، ويدخل فيها البصق في جدار القبلة، وهي من السنن القولية، والقول له عموم بخلاف حك النخامة من جدار القبلة، فهو من قبيل الفعل، والفعل لا يعارض القول حتى يقال بالتخصيص.
• دليل من قال: يكره أو يحرم البصق في المسجد مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٣٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم، قال حدثنا شعبة، قال: حدثنا قتادة، قال:
سمعت أنس بن مالك، قال: قال النبي ﷺ : «البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها.
ورواه مسلم من طريق خالد يعني ابن الحارث، حدثنا شعبة به، وقال: التفل في المسجد .... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
فإذا كان البصق خطيئة، فلا يمكن القول بجوازه بشرط الدفن.
• ونوقش:
إن قوله: (وكفارتها دفنها) إشارة إلى أن الدفن يمحو الفعل، فإطلاق الكفارة بلا اشتراط التوبة، أهو دليل على إباحة البصق بشرط الدفن، وأن الخطيئة إنما هو في ترك البصاق بلا دفن، فإذا دفنه فكأنه لم يبصق؛ لأن البصاق نفسه طاهر، والصلاة نفسها لا تمنع منه إذا عرض له في صلاته، بدليل قول الشارع: (وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه)، فإذا دفنه فكأنه لم يبصق، كما أن الحنث في اليمين بلا نية التكفير خطيئة، فإذا حنث بنية التكفير أبيح الحنث.
أم يقال: إن ذلك دليل على خفة النهي عن البصق، وإن لم يدل على الإباحة، فهو دليل على كراهة البصق، حيث جعل مطلق الدفن ماحيًا للفعل، وإطلاق الخطيئة على المكروه سائغ شرعًا، فإذا احتاج إلى البصق كما لو بادره، وهو في الصلاة
стр. 6087
ارتفعت الكراهة للحاجة، وكان مجرد الدفن كفارة للفعل، باعتبار خفة المكروه بخلاف المحرم فلا يسوغ فعله بنية التكفير؛ لأن هذا استخفاف بالمحرم، وتجرئة على فعله، وعلى كلا الاحتمالين فالدفن كافٍ في محو الفعل؛ لأن البصق نفسه في الصلاة لا محذور فيه إذا عرض للإنسان بشرطين:
الأول: أن يتجنب البصق اتجاه القبلة؛ لما فيه من سوء أدب مع الله تعالى.
والثاني: أن يلتزم بدفن بصقه حرمة للمسجد، فإذا لم يمكنه دفنه بصق في ثوبه.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٣٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عبد الله ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة الجذامي، عن صالح بن خيوان،
عن أبي سهلة السائب بن خلاد، أن رجلا أم قومًا فبسق في القبلة ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: لا يصلِّ لكم، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: نعم، وحسبت أنه قال: آذيت الله (١).
[ضعيف] (٢).
• الدليل على كراهة البصق أمامه أو عن يمينه:
(ح-٢٢٣٧) ما رواه البخاري، حدثنا آدم.
ورواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، حدثنا قتادة، قال:
سمعت أنس بن مالك، قال: قال النبي ﷺ : إن المؤمن إذا كان في الصلاة، فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه (١).
فقوله: (ولكن عن يساره أو تحت قدمه) فيه إذن بالبصاق، وهو في الصلاة، فحمله الجمهور على أن ذلك خارج المسجد، وأما فيه فلا يبصق إلا في ثوبه، بدليل حديث أنس (البصاق في المسجد خطيئة).
وحمله المالكية على ظاهره وأن ذلك إذن بالبصاق في المسجد إذا كان يمكنه دفنه (٢).
وسوف أناقش التوفيق بين الحديثين عند الكلام على أدلة المالكية إن شاء الله تعالى.
• دليل من قال: يجوز البصق في المسجد إذا أمكن دفنه ما لم يكن في حائط القبلة:
أما الدليل على النهي عن البصق في حائط القبلة فتقدم الاستدلال له، ومناقشته.
وأما الدليل على جواز البصق في المسجد إذا أمكنه دفنه:
(ح-٢٢٣٨) فلما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام،
سمع أبا هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فيدفنها.
قوله: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة … ) اسم الشرط (إذا قام) عام سواء أقام في المسجد أم قام في غيره.
وقوله: (وليبصق عن يساره أوتحت قدمه فيدفنها) فيه دليل على أنه يجوز للمصلي أن يبصق، وهو في الصلاة إذا لم يبصق قبل وجهه وأمكنه دفنه، ولا يقطع
стр. 6090
ذلك صلاته، ولا يفسد شيئًا منها إذا غلبه ذلك، واحتاج إليه، وهو دليل على أن الخطيئة في البصاق هو في تركها بلا دفن، فإذا دفنها فكأنه لم يتنخم.
• ويجاب:
بأن حديث (البصاق بالمسجد خطيئة) خاص بالمسجد، عام في الصلاة وغيرها.
وحديث: (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه) خاص في الصلاة، عام في المسجد وغيره، فبينهما عموم وخصوص من وجه.
فالجمهور قدموا حديث (البصاق في المسجد خطيئة) لكونه خاصًا في المسجد، وخصصوا به عموم: (فليبصق عن يساره) فقالوا: هذا العموم خص منه ما إذا كان في المسجد، فلا يبصق.
قال النووي: « .... وليبزق تحت قدمه وعن يساره هذا في غير المسجد أما المصلي في المسجد فلا يبزق إلا في ثوبه لقوله ﷺ : البزاق في المسجد خطيئة فكيف يأذن فيه ﷺ … » (١).
وقال النووي أيضًا: «واعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقًا، سواء احتاج إلى البزاق أو لم يحتج، بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة، وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق، هذا هو الصواب: أن البزاق خطيئة كما صرح به رسول الله ﷺ ، وقال العلماء والقاضي عياض فيه كلام باطل: حاصله أن البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة، واستدل له بأشياء باطلة، فقوله هذا غلط صريح مخالف لنص الحديث، ولما قاله العلماء، نبهت عليه؛ لئلا يغتر به وأما قوله ﷺ وكفارتها دفنها، فمعناه: إن ارتكب هذه الخطيئة، فعليه تكفيرها، كما أن الزنى، والخمر، وقتل الصيد في الإحرام محرمات وخطايا، وإذا ارتكبها فعليه عقوبتها» (٢).
والمالكية قدموا حديث (وليبصق عن يساره … ) لكونه خاصًا في الصلاة، على
стр. 6091
عموم (البصاق في المسجد خطيئة) فقالوا: يجوز البصق عن يساره، ولو كان في المسجد إذا أمكنه دفنه، وقالوا: إنما يكون خطيئة إذا ترك دفنها، أو كان البصاق في جدار القبلة.
ولا شك أن الخاص مقدم على العام، وهذا لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصَّيْنِ يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟
قال الحافظ: «وحاصل النزاع: أن هنا عمومين تعارضا، وهما قوله: (البزاق في المسجد خطيئة) وقوله: (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه).
فالنووي يجعل الأول عامًا، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه، يجعل الثاني عامًا، ويخص الأول بمن لم يرد دفنها، وقد وافق القاضي جماعة منهم: ابن مكي في التنقيب، والقرطبي في المفهم وغيرهما» (١).
والعمل في هذا النوع من التعارض بين الأدلة، إما أن يُطْلَب مرجحٌ من خارجهما، وإما أن يوجد سبيل إلى الجمع بينهما، فإن تعذر ذلك تساقطا، ولن يعدم الأصولي من وجود مرجح بين هذه الأدلة.
فمن المرجحات عند الأصوليين: أن العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص؛ لأن المحفوظ دلالته على العموم أقوى.
فنجد أن حديث: (البصاق في المسجد خطيئة) هذا العام دلالته ضعفت حين ثبت عن النبي ﷺ أنه بصق في المسجد، ودفن ذلك.
(ح-٢٢٣٩) فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق كهمس، عن يزيد بن
стр. 6092
عبد الله بن الشخير،
عن أبيه، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فرأيته تنخع، فدلكها بنعله (١).
فقوله: (صليت مع رسول الله ﷺ ) الظاهر أن ذلك في المسجد؛ لأنه الأصل في صلاة الجماعة، ولأنه غالب فعل النبي ﷺ ، والأمور تحمل على الغالب وليس على النادر.
وقوله: (فرأيته تنخع فدلكها بنعله)، فيه دليل على أن البصق ليس هو الخطيئة، وإنما ترك البصاق بلا دفن هو الخطيئة.
(ح-٢٢٤٠) ومن ذلك ما رواه مسلم من طريق واصل، مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي،
عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، قال: عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد، لا تدفن (٢).
وجه الاستدلال:
قال القرطبي: «فلم يثبت لها حكم السِّيِّئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك وببقائها غير مدفونة» (٣).
وله شاهد من حديث أبي أمامة ﵁.
(ح-٢٢٤١) فقد روى أحمد، وابن أبي شيبة، والطبراني في الكبير، عن زيد بن الحباب (صدوق)، أخبرنا حسين بن واقد، حدثني أبو غالب،
стр. 6093
أنه سمع أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ : التفل في المسجد سيئة ودفنه حسنة.
ورواه الطبراني من طريق علي بن الحسن بن شقيق (ثقة)، أخبرنا الحسين بن واقد به، بلفظ: من تنخع في المسجد، فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة.
[حسن] (١).
فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن.
(ح-٢٢٤٢) وروى أحمد، قال: حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو مودود، حدثني عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي، قال:
سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : من دخل هذا المسجد فبزق -أو تنخم أو تنخع- فليحفر فيه، وليبعد، فليدفنه، فإن لم يفعل، ففي ثوبه ثم ليخرج به (٢).
ورواه أحمد، حدثنا وكيع، حدثنا أبو مودود به، بلفظ: إذا بزق أحدكم في مسجدي -أو المسجد- فليحفر، وليعمق، أو ليبزق في ثوبه حتى يخرجه (٣).
ورواه أحمد، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني أبو مودود به، بلفظ: إذا بزق أحدكم في المسجد فليدفنه، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه (٤).
[حسن] (٥).
стр. 6094
(ح-٢٢٤٣) وروى أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد بن أبي عتيق، عن عامر بن سعد،
حدثه عن أبيه سعد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا تنخم أحدكم في المسجد، فليغيب نخامته، أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه (١).
[حسن] (٢).
стр. 6095
قال الطبري كما في شرح البخاري لابن بطال: «وفى هذا من الفقه ترخيص الرسول ﷺ في التفل في المسجد والتنخم فيه إذا دفنه» (١).
فهذه الروايات كلها تدل على أن عموم (البصاق في المسجد خطيئة) مخصوص بما إذا ترك بلا دفن.
ولم يأت ما يخصص عموم (فليبصق عن يساره) فهو يشمل البصق في المسجد وغيره، لهذا كان العموم المحفوظ من التخصيص أقوى من العموم الذي دخله التخصيص، وهو دليل على رجحان مذهب الإمام مالك ﵀، والله أعلم.
• دليل من قال: يبصق تحت قدمه اليسرى:
(ح-٢٢٤٤) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن،
أن أبا هريرة، وأبا سعيد حدثاه، أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة فحكها، فقال: «إذا تنخم أحدكم فلا يَتَنَخَّمَنَّ قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى (٢).
ورواه البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب به (٣).
• الراجح:
أن النهي عن البصق أمام المصلي عام في المسجد وغيره، وهو على التحريم؛ لما فيه من إساءة الأدب مع الله ، ولكون الرسول ﷺ تغيظ حين رأى نخامة في جدار القبلة.
وأما البصق عن يمين المصلي فهو مكروه؛ لأن ذلك من باب تكريم اليمين، وتكريم اليمين على الاستحباب، وحين جاء التكليف بصيغة النهي عن البصق جهة اليمين حمل ذلك على الكراهة.