ولا شك أن الستار المعلق على الجدار فيه نص بمنعه، وعلته مركبة كما قرأت.
والثوب الذي يداس ويوطأ فيه نص بإباحته، لاكتفاء النبي ﷺ بنزع القرام وتنحيته، ولم يأمر بإزالة الصور التي فيه، وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى إباحة الصور التي في الفرش والبسط مما يوطأ، وكذلك المخاد التي يتكأ عليها، وقال النووي نقلًا من الفتح: وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين .... (١).
стр. 6127
ويبقى الثوب الملبوس، فيلحق بأقربهما شبهًا، وليست الصورة في الثوب الملبوس كالمرفوعة في التعظيم، ولا في معناه ووجود فرق بينهما يجعل الملبوس مباحًا؛ لأن الأصل الإباحة.
وقال بعضهم: إن الملبوس ليس كالثوب الذي يجلس عليه ويوطأ؛ لأنها هذه الصور مصانة بصيانة هذه الثياب.
• ويجاب عنه:
بأن صيانة الثياب غير تعظيم الصورة، فالفرش والبسط مصانة، كيف وهي يصلى عليها، ويجلس، وينام ولكن الصور فيها ليست معظمة.
وعلى كل حال: يبقى النظر في إلحاق الصورة في الملبوس بأي النوعين: أيلحق بالستار على الجدار مع رفعها، أم بالستار الموضوع على الأرض، وهو موضع اجتهاد. والاحتياط عدم التحريم؛ لوجود الفرق بين الصورة المرفوعة وبين الصورة الملبوسة، والله أعلم.
وهناك قول رابع: ذهب إلى تحريم الصور مطلقًا، سواء أكانت رقمًا في ثوب أم غير رقم، وسواء أكانت معلقة أم على الأرض أم لا، وسواء أكانت في ثوب وبساط ممتهن أم غير ممتهن، وهذا قول الزهري رحمه الله تعالى (١).
الدليل الثالث:
(ح-٢٢٥٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن القاسم بن محمد،
стр. 6128
عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب، فلم يدخله، فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله، وإلى رسوله ﷺ ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك؛ لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة (١).
ورواه مسلم من طريق عبد العزيز بن أخي الماجشون، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وزاد: قالت: فأخذته فجعلته مرفقتين فكان يرتفق بهما في البيت (٢).
وجه الاستدلال:
في هذا الحديث دليل على جواز استعمال ما فيه صورة مهانة، ولذلك أقر النبي ﷺ عائشة ﵂ لما قالت: اشتريتها لتقعد عليها، وتوسدها، ولم يطلب النبي ﷺ بتغيير الصورة كشرط لإباحة استعمالها، وهو ما جاء صريحًا في رواية ابن أخي الماجشون، حيث جعلتها مرفقتين ولم تذكر أن الصورة قد تغيرت.
ومن ذلك تصحيح النبي ﷺ شراء هذه النمرقة، مع وجود التصاوير عليها، فلو كان استعمالها حرامًا لحرم شراؤها من أجل ذلك، فلم يطلب النبي ﷺ برد النمرقة، فدل على إباحة استعمالها، ولم يرسل النبي ﷺ إلى البائع ينهاه عن بيع مثلها، وإنما كان البيع صحيحًا؛ لأن هذه الستارة لها وجهان في الاستعمال، مباح ومحرم، فلم يتعين الاستعمال للحرام، وإلا لبطل البيع.
الدليل الرابع:
(ح-٢٢٥٦) روى معمر بن راشد في جامعه، عن أبي إسحاق، عن مجاهد،
عن أبي هريرة، أن جبريل جاء النبي ﷺ ، فعرف النبي صوته، فقال: ادخل، فقال: إن في البيت سترًا في الحائط فيه تماثيل، فاقطعوا رؤوسها، أو اجعلوه بساطًا،
стр. 6129
أو وسائد، فأوطئوه، فإنا لا ندخل بيتًا فيه تماثيل (١).
ورواه النسائي من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق به، ولفظه: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير، فإما أن تقطع رؤوسها، أو تجعل بساطًا يوطأ، فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير (٢).
ورواه ابن حبان من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق به، بلفظ: إنا لا ندخل بيتًا فيه تماثيل، فإن كنت لابد جاعلًا في بيتك، فاقطع رؤوسها أو اقطعها وسائد، أو اجعلها بسطًا (٣).
فقد تابع معمرًا على التخيير بين القطع أو الامتهان ولو لم يقطع الرأس: أبو بكر بن عياش، وزيد بن أبي أنيسة.
ورواه أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، به، بلفظ: أن جبريل جاء، فسلم على النبي ﷺ ، فعرف صوته، فقال: ادخل، فقال: إن في البيت سترًا في الحائط فيه تماثيل، فاقطعوا رؤوسها، فاجعلوها بساطًا أو وسائد فأوطئوه، فإنا لا ندخل بيتًا فيه تماثيل.
ورواه يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد به، متابعًا لإحدى روايات أبيه باشتراط القطع والامتهان معًا للإباحة، ولفظه:
لم يمنعني أن أدخل عليك البيت الذي أنت فيه، إلا أنه كان في البيت تمثال رجل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، فمر برأس التمثال الذي في باب البيت
стр. 6130
يقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر يقطع، فيجعل منه وسادتان منتبذتان توطآن، ومر بالكلب يخرج، ففعل رسول الله ﷺ ، وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضد لهم (١).
فزاد في لفظه: (كان في البيت تمثال رجل)، وأمر بقطع رأسه حتى يكون كهيئة الشجرة.
وفي هذه الرواية ما يدل على أن الامتهان للصورة لا يكفي، حتى تقطع الرؤوس، فكأن الإباحة مشروطة بأمرين: القطع مع الامتهان.
وإذا قطعت الرؤوس جاز استعمال الصورة حتى في غير الممتهن كما في تمثال الرجل، فلم يكن الوطء قيدًا في الإباحة.
ورواه أحمد من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق به، بلفظ: أتى جبريل ﵇ ﷺ فقال: إني جئت البارحة فلم يمنعني أن أدخل عليك إلا أنه كان في البيت صورة أو كلب.
ورواه بنحوه سهيل بن أبي صالح ومسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح عن أبي هريرة، وهو المحفوظ (٢).
ومما يدل على أن هذا هو المحفوظ من حديث أبي هريرة،
أن النبي ﷺ قد وقع له مع عائشة في تعليق الستار فيه التماثيل، ما وقع للنبي ﷺ مع جبريل في حديث أبي هريرة.
ولا يمكن أن تكون واقعة النبي ﷺ مع جبريل في حديث أبي هريرة متأخرة عن واقعة النبي ﷺ مع عائشة، ذلك أن النبي ﷺ في قصة جبريل لم ينكر الستار الذي فيه التماثيل مما يعني أنه لم يبلغه فيه شيء، بخلاف ما وقع للنبي ﷺ مع عائشة فقد أنكر عليها تعليق الستار فيه الصور، كما أنكر كسو الحجارة والطين بالستائر، مما يعني تأخر واقعة عائشة عن واقعته مع جبريل ﵇، ولم يطلب النبي ﷺ من عائشة إلا الأمر بنزعه، وقال: أميطي عني قرامك، وأمر بتنحيته، ولو كان القطع شرطًا للإباحة لأمر النبي ﷺ عائشة بقطع رؤوس التماثيل، حتى إن
стр. 6137
عائشة قالت: كما في صحيح مسلم: (ولم يأمرنا بقطعه)، وكون عائشة بعد ذلك اتخذت منه وسادتين فهذا كان بمبادرة من عائشة، ولم يأمرها النبي ﷺ بذلك، ولم يجعل النبي ﷺ شرطًا لإباحة الوسادتين أن يأتي القطع على جميع رؤوس التماثيل في الستار، مما يدل على أن هناك تعارضًا بين دلالة حديث أبي هريرة، وبين دلالة حديث عائشة ﵂، وإذا وقع بينهما تعارض فحديث عائشة مقدم لكونه من أحاديث الصحيحين.
• دليل من قال يحرم ولا تصح الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٥٧) ما رواه الشيخان من طريق سفيان، عن الزهري، أخبرني عبيد الله،
عن ابن عباس، عن أبي طلحة ﵃، عن النبي ﷺ ، قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (١).
وجه الاستدلال:
امتناع دخول الملائكة عقوبة على الفعل، وهي دليل على التحريم، فكان منهيًّا عنه، والنهي يقتضي الفساد في أصح الأقوال.
(ح-٢٢٥٨) لما رواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢).
والرد ضد القبول، وما اعتُدَّ به لم يكن مردودًا.
فدل الحديث على أن النهي عن الشيء يستلزم فساد المنهي عنه، بخلاف الصحة فإنها تقتضي الثواب.
• ويجاب:
أما الجواب عن امتناع الملائكة من الدخول، فهذه العلة إحدى العلل التي علل بها الفقهاء تحريم التصوير بما فيهم الأئمة الأربعة على خلاف بينهم في
стр. 6138
الصور المحرمة بعد إجماعهم على أن الصورة المجسمة التي لها ظل مجمع على تحريمها، وليس حديثنا عن التصوير حتى يتوجه البحث في بيان أنواعه المحرم والمباح، بل عن استعمال ما فيه صورة.
والسؤال في امتناع الملائكة: أهو خاص بالصور المحرمة، ولا يدخل في ذلك الصور الممتهنة، ولا لعب الأطفال، ولا الصور التي أبيحت للضرورة كالصور الموجودة على الدراهم، أم هو عام في كل الصور محرمًا كان أم مباحًا لعموم قوله ﷺ : (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة) فلفظ (صورة) نكرة في سياق النفي فتعم كل صورة.
الظاهر أن ذلك خاص بالصور المحرمة دون غيرها؛ لأن الصور الممتهنة قد وجدت في بيت النبوة في الفرش والمخاد، وكذلك لعب عائشة ﵂، ولو كانت مانعة لما أقرها النبي ﷺ ، فكان هذا النص العام مخصوصًا بما هو محرم فقط، ويبقى تحقيق المناط في الصور التي على الثوب أهي من المحرم أم هي من المباح، والبحث متوجه لبحث هذه المسألة.
وأما الجواب عن كون النهي يقتضي الفساد، فانظر الجواب عن هذا الاستدلال عند ذكر أدلة من يقول بصحة الصلاة مع الإثم منعًا للتكرار.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٥٩) ما رواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الأسدي، قال:
قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته (١).
ورواه مسلم من طريق يحيى القطان، حدثنا سفيان بهذا الإسناد، بلفظ: ولا صورة إلا طمستها (٢).
стр. 6139
وجه الاستدلال:
فقوله: (ألا تدع صورة إلا طمستها) في الحديث دليل على طمس جميع الصورة سواء أكانت في ثوب، أم على جدار، أم على بساط.
• ويجاب:
الاستدلال بالعام على عمومه حجة بشرط أن يكون محفوظًا من التخصيص، وقد دلت الأحاديث الأخرى أن هذا العموم قد دخله التخصيص فقوله: (صورة) عام يشمل صورة الحيوان وغيره، ودلت الأحاديث الأخرى أن المقصود بالصورة صورة الكائن الحي، كما دلت النصوص الأخرى أن هذا العام قد خُصَّ منه الصورة الممتهنة، فلا تدخل في التحريم، والخاص مقدم على العام عند العلماء.
الدليل الثالث:
(ح-٢٢٦٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا بقية بن الوليد الحمصي، عن عثمان بن زفر، عن هاشم،
عن ابن عمر ﵄، قال: من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة مادام عليه، قال: ثم أدخل أصبعيه في أذنيه، ثم قال: صمتًا إن لم يكن النبي ﷺ سمعته يقوله (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الثوب المحرم كان سببًا في رد الصلاة، ولا فرق بين ثوب محرم لكسبه، وبين ثوب محرم لوصفه، كالثوب الذي فيه صورة.
• وأجيب بجوابين:
أحدهما: أن الحديث ضعيف جدًّا، مضطرب الإسناد.
الثاني: أن نفي القبول لا ينافي الصحة، فقد يترتب على نفي القبول نفي الصحة، وقد لا يلزم، والضابط للتفريق: بأن ينظر فيما نُفِيَ، فإن رتب نفي القبول على معصية
стр. 6140
قارنت الفعل كحديث (إذا أبق العبد … ) وحديث: (من أتى عرافًا … ) كان انتفاء القبول يعني انتفاء الثواب، والعمل صحيح لاستيفاء شروطه وأركانه، إلا أن إثم المعصية إذا قورن بأجر العمل كان الإثم أكبر، فكأن الإثم قد أحبط الثواب، وذهب بالأجر.
وإن رتب نفي القبول على وصف يطلب فعله أو تركه، ولم يقارن الفعل معصية، كحديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور … )، وحديث (لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار) كان انتفاء القبول يعني انتفاء الصحة، ودل هذا على أن الوصف شرط أو ركن في العمل، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط (١).
فلو صح أثر ابن عمر ﵄ لم يقْتَضِ البطلان؛ لا في الثوب المحرم لكسبه، ولا في الثوب المحرم لوصفه كالثوب الذي فيه صورة، والثوب المغصوب، وصلاة الرجل في ثوب الحرير؛ لأن هذه الأفعال اقترنت بمعصية، فكان نفي القبول يعني نفي الثواب فقط (٢).
قال الحافظ ابن رجب: «اشتد نكير عبد الرحمن بن مهدي لقول من قال: إن من اشترى ثوبًا بدراهم، فيها شيء حرام، وصلى فيه، أنه يعيد صلاته، وقال: هو قول خبيث، ما سمعت بأخبث منه، نسأل الله السلامة.
ذكره عنه الحافظ أبو نعيم في الحلية بإسناده، وعبد الرحمن بن مهدي من أعيان علماء أهل الحديث وفقهائهم المطَّلَعَين على أقوال السلف، وقد عُدَّ هذا القول من البدع، فدل على أنه لا يعرف بذلك قائل من السلف» (٣).
الدليل الرابع:
أن الله أمر بستر العورة، ونهى عن لبس الثوب المحرم، ومنه الثوب الذي فيه صورة حيوان، والشيء الواحد لا يرد عليه أمر ونهي في وقت واحد، ولأن ما كان لبسه حرامًا فإن التحريم يشمل لبسه داخل الصلاة باعتباره فردًا من أفراد المنهي عنه،
стр. 6141
ولأن ارتكاب المعصية في الصلاة يفسدها.
• وأجيب:
بأنه لم يرد نهي عن لبس الثوب الذي فيه صورة حيوان في الصلاة حتى يقال: الشيء الواحد لا يرد عليه أمر ونهي في وقت واحد، ولذلك لما كان تحريم قول الزور عامًا للصائم وغيره لم يُبْطِل الصيام حتى على مذهب الحنابلة، وإنما قد يذهب بثواب الصيام، فمن باب أولى ألا تبطل الصلاة بستر العورة بالثوب المحرم. والله أعلم.
الدليل الخامس:
ولأنه ممنوع من لبسه شرعًا، والممنوع شرعًا كالممنوع حِسًّا، فوجوده كعدمه.
• ويناقش:
لا يمكن القول بأن من يصلي في ثوب فيه صورة مثله مثل من يصلي عاريًا، لا حسًا، ولا شرعًا، أما الحس فظاهر.
وأما الشرع فلأن الرجل لو كان لا يجد ما يستر عورته إلا ثوبًا فيه صورة لوجب عليه أن يستر به عورته عن النظر، ولا يقال له: صل عاريًا؛ لأن وجوده كعدمه، وقد سبق بحث هذه المسألة في المجلد الرابع. وهذا دليل بأنه ليس في حكم من صلى عاريًا، وكيف يقال وجوده كعدمه والعورة قد استترت عن النظر، وهو المطلوب من ستر العورة، وتحريم الصورة على الثوب لم يختص بالصلاة حتى يعود عليها بالفساد، والله أعلم.
الدليل السادس:
(ح-٢٢٦١) روى أحمد من طريق هشام، عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يسار،
عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: بينما رجل يصلي، وهو مسبل إزاره، إذ قال له رسول الله ﷺ -: اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال له رسول الله ﷺ -: اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال: ما لك يا رسول الله، ما لك أمرته يتوضأ؟ ثم سكت، قال: إنه كان يصلي، وهو مسبل
стр. 6142
إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره (١).
[إسناده ضعيف، ومتنه منكر] (٢).
وجه الاستدلال:
فإذا كان الإسبال سببًا في رد الصلاة، كان ستر العورة بالثوب المحرم أولى بالرد؛ لأن التحريم يعود إلى شرط الصلاة في الموضع الذي يجب ستره فيها، بخلاف الإسبال، فإن التحريم مختص بما نزل عن الكعب، وليس من عورة الصلاة.
• ونوقش:
بأن الحديث على ضعف إسناده فإن متنه غير مستقيم، فإذا كانت الصلاة لا تقبل من أجل الإسبال، فلماذا يطلب منه إعادة الوضوء، وهو لم يُحْدِثْ، ما بال الوضوء؟! ولماذا لم يبلغه بأن يرفع إزاره، فقد يكون الرجل جاهلًا، والبلاغ تعليمه ما أخطأ فيه، لا أن يحيله على أمر قد أحسنه، فلا وجه لإعادته للوضوء حتى تجديد الوضوء قد يقال: لا يشرع في هذه الصورة؛ لأنه ما إن فرغ من وضوئه حتى طلب منه أن يعيده، لا لنقص في الوضوء، ولكن لسبب آخر يعود إلى الإسبال في الصلاة، وتجديد الوضوء ليس بلازم!، ثم إن تجديد الوضوء لن يدفع المفسد، وهو الإسبال.
الدليل السابع:
أن العلة في النهي عن الصورة إما التعظيم الذي قد يكون وسيلة للغلو فيها، أو التشبه بالكفار بمن يصنعون من صور ثم يعبدونها من دون الله، وقد يجتمع التعظيم والتشبه فيكون الإثم أشد، وقد يفترقان، وكلاهما علة للتحريم، وذكر بعضهم في التعليل امتناع الملائكة من دخول المكان الذي فيه صورة، وهذا أثر من آثار التحريم، لا علة للتحريم، ولهذا إذا أبيحت الصورة لم تمتنع الملائكة من الدخول، وإن كانت حقيقة
стр. 6143
الصورة لم تتغير (١).
قال ابن العربي: «والذي أوجب النهي عنه -أي عن التصوير- في شرعنا، والله أعلم، ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله الذريعة، وحمى الباب» (٢).
(ح-٢٢٦٢) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: لما اشتكى النبي ﷺ ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، وكانت أم سلمة، وأم حبيبة ﵄ أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه، فقال: أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله.
ورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد وغيره، عن هشام به (٣).
(ث-٦٣٥) وروى البخاري من طريق هشام، عن ابن جريج، وقال عطاء:
عن ابن عباس ﵄، صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ، أما وَدٌّ كانت لِكَلْبٍ بدومة الجندل، وأما سُوَاعٌ كانت لهذيل، وأما يَغُوثُ فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف، عند سبإ، وأما يَعُوقُ فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت (٤).
[عطاء هو الخراساني، ولم يسمع من ابن عباس] (٥).
• ويناقش:
بأن هناك مصورًا، وهناك مستعملًا للصورة، وحكمهما ليس واحدًا.
فالمصور عمله قد يكون أكبر من الكبيرة، كما لو قصد من فعله المضاهاة، والتشبه بفعل الله تعالى، وهذه منازعة لله في ربوبيته، ولهذا كان أشد الناس عذابًا يوم القيامة، يعذبون في النار، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، ولن يستطيعوا، ويقال لهم على وجه التحدي: فليخلقوا حبة وليخلقوا شعيرة.
وقد يقال: أشد الناس عذابًا بالنسبة للموحدين.
وهذه إحدى العلل التي من أجلها حرم التصوير.
(ح-٢٢٦٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، سمعت أبي، قال:
سمعت عائشة ﵂، قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفر، وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه وقال: أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله. قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين (١).
وقد يكون التصوير كبيرة من الكبائر، والعلة في تحريمها التعظيم أو التشبه (٢).
стр. 6146
وهذا ليس محل البحث هنا؛ لأن البحث هو في مستعمل الصورة، وليس في حكم عمل المصوِّر، والاستعمال بابه أوسع.
فالمستعمل للصورة، إن كان يستعملها فيما هو ممتنهن على أرض وبساط يداس ومخدة يتكأ عليها فاستعمالها مباح، وهو مذهب جماهير العلماء بما في ذلك الأئمة الأربعة (١).
ويبقى تحقيق المناط هو في لبس الثوب الذي فيه صورة:
أهو من باب الامتهان كما يراه الإمام مالك فيباح، أم هو من باب التعظيم للصورة فيحرم، أم هو من باب التشبه فيكره؟
فالأصل أن التشبه مكروه عند جمهور العلماء إلا بقرينة، فقد يبلغ التشبه الشرك، وقد ينزل إلى ما هو أخف من الكراهة، كالتعبير بخلاف الأولى، وذلك مثل الصلاة في النعال، وترك تغيير الشيب، ونحو ذلك، والكراهة هو الحكم المتيقن، ولا ينتقل عنه إلا بدليل، وأما حديث: من تشبه بقوم فهو منهم فقد رجح أبو حاتم الرازي ودحيم إرساله، وسبق بحثه (٢).
стр. 6147
والثياب على نوعين: لباس زينة، ولباس مهنة. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] آدَمَ فمن اللباس ما يلبس لقصد الستر، كثياب المهنة، ومنها ما يلبس للتجمل والتزين وإليه أشارت الآية بلباس الريش.
ومنع الصور المنصوبة على الجدر وفوق الرؤوس أهو لتعظيمها، فلا يدخل فيها الصور على الثوب، أم للتزين والتجمل بها، فيشمل التحريم ثياب الزينة دون ثياب المهنة؟
والأقرب الأول؛ لأن الفرش جزء من الزينة، ولكن الصور التي فيها لا تنطوي على تعظيم، فلما أهينت بوضعها فراشًا ومخدة أبيحت، وإن كانت مفروشة للزينة، ولهذا أبيحت لعب الأطفال من الصور؛ لنفس العلة؛ حيث لا تعظيم في هذه اللعب (١)، فكذلك يقال في الصورة المستعملة في ثياب الزينة، لا تعظيم فيها، لأن الجلوس فيها وعليها والنوم فيها امتهان لها، ويتأكد ذلك بما ورد في حديث الصحيحين من قوله ﷺ : (إلا رقمًا في ثوب) فهذا استثناء من التحريم، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في أدلة القائلين بالجواز، فعليه يكون قول الإمام مالك هو الأقرب حسب الظن، والله أعلم.
واستعمال الثياب ولو على الأرض هو نوع من اللباس، فاللباس أعمُّ من أن يكون خاصًا بما استعمل على البدن.
(ح-٢٢٦٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس بن مالك ﷺ ، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصل لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء .... الحديث (٢).
стр. 6148
فأطلق اللبس على استعمال الحصير، فلم يكن هناك فرق بين لباس على الأرض، ولباس على البدن إلا أن ترفع الصور على الحائط أو الجدر، فيمنع، والله أعلم.
• دليل من قال: يحرم لبس ما فيه صورة، والصلاة صحيحة:
الدليل الأول:
أما الدليل على تحريم لبسه فقد تقدم ذكرتها في الأدلة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
وأما الحكم بالصحة، فذلك لأن التحريم حكم تكليفي، والصحة حكم وضعي، ولا تلازم بين التحريم والصحة، فقد يحرم الشيء ولا تصح معه العبادة، وقد يحرم الشيء وتبقى العبادة صحيحة مع الإثم.
والضابط: أن التحريم إذا كان مختصًا بالعبادة فلا تصح معه الصلاة، وإذا كان التحريم ليس مختصًا بالعبادة، بل لأمر خارج صحت الصلاة مع الإثم.
يقول ابن رجب: «أكثر العلماء على أن العبادات لا تبطل بارتكاب ما نهي عنه، إذا كان النهي غير مختص بتلك العبادة، وإنما تبطل بما يختص النهي بها.
فالصلاة تبطل بالإخلال بالطهارة فيها، وحمل النجاسة، وكشف العورة ولو في الخلوة، ولا تبطل بالنظر إلى المحرمات فيها، ولا باختلاس مال الغير فيها، ونحو ذلك مما لا يختص النهي عنه بالصلاة.
وكذلك الصيام، إنما يبطل بالأكل والشرب والجماع ونحو ذلك، دون ما لا يختص النهي عنه بالصيام، كقول الزور، والعمل به عند جمهور العلماء.
وكذلك الاعتكاف، لا يبطل إلا بما نهي عنه لخصوص الاعتكاف وهو الجماع، أو ما نهي عنه لحق المساجد كالسكر عند طائفة منهم، ولا يبطل بسائر المعاصي عند الأكثرين، وإن خالف في ذلك طائفة منهم.
وكذلك الحج إنما يبطل بارتكاب بعض ما نهي عنه فيه، وهو الرفث دون الفسق والجدال، والله أعلم (١).
فليس كل نهي يقتضي فساد المنهي عنه، يبين ذلك الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، فيقول: «كل منهيٍّ عنه له جهتان:
стр. 6149
إحداهما: مأمور به منها: ككونه صلاة، والأخرى منهي عنه منها: ككونه في موضع نهي، أو وقت نهي، أو أرض مغصوبة، أو بحرير، أو ذهب، ونحو ذلك فإنهم يقولون: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقْتَضِ النهي الفساد، وإن لم تَنْفَكَّ عنها اقتضاه .... » (١).
يوضح ذلك أكثرَ مسألةُ لبس الخف، فلو مسح خفًّا مغصوبًا صح الوضوء منه، لأن إباحة اللبس ليست شرطًا في صحة الوضوء، ولو مسح الخف رجل قد تلبس بالإحرام مع وجود النعل لم يصح الوضوء؛ لأن النهي متوجه للبس، والأمر الشرعي يوجب غسل الرجل، فلم يمتثل الأمر الشرعي.
ولو كان عنده ثوب نجس، فغسل نجاسته بماء مغصوب حتى زالت النجاسة حكمنا بطهارة الثوب؛ لارتفاع النجاسة، وحرمنا إتلاف الماء المغصوب بالتطهير، فالجهة منفكة.
فالنهي في دلالته على البطلان وعدمه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يعود النهي إلى ذات الشيء، فذلك يوجب فساد المنهي عنه قطعًا، كالنهي عن التطوع وقت طلوع الشمس وغروبها، فالنهي متوجه إلى الصلاة نفسها.
القسم الثاني: أن يعود النهي إلى شرط العبادة، فذلك يوجب فسادها على الصحيح، كما لو ستر عورته بثوب نجس على القول بأن طهارة الثوب شرط في صحة الصلاة، فطهارة السترة مختصة بالصلاة.
القسم الثالث: أن يعود النهي لأمر خارج، فهذا لا يوجب فساد العبادة على الصحيح، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] مع تحريم الصورة، فالنهي عن لبس ما فيه صورة على القول بالنهي عنه لم يتعرض فيه للصلاة، فإذا صلى في ثوب فيه صورة فقد أتى بالمطلوب والمكروه جميعًا، فصحت الصلاة، وحرم اللبس.
•دليل من فرق بين أن تكون السترة في الثوب وبين أن تكون السترة في العمامة:
هؤلاء عللوا فساد الصلاة بالثوب الذي فيه صورة إما لارتكاب النهي في شرط العبادة وهو ستر العورة، وإما لترك الإتيان بالشرط المأمور به، وهو اشتراط
стр. 6150
إباحة الساتر (١)، وكلاهما له علاقة بشرط العبادة، فليس كمن صلى وعليه عمامة أو خاتم فيه صورة؛ لأن لبس العمامة والخاتم ليسا شرطًا في الصلاة.
•ويجاب عن ذلك:
لا نسلم أن الله اشترط في ستر العورة إباحة الساتر، فالشرط هو ستر العورة وهذا قد تحقق، والصلاة ليست سببًا في تحريم لبس الثوب الذي فيه صورة، فهو محرم عليه، صلى به، أو لم يُصَلِّ، فالتحريم متوجه للبس، ولا علاقة للصلاة بذلك حتى يكون النهي عائدًا إلى شرط الصلاة، نعم لو توضأ بماء نجس لم يرتفع حدثه، لكون النهي عائدًا إلى شرط العبادة بخلاف ما لو غسل ثوبه النجس بماء مغصوب فإن الثوب يَطْهُر؛ لأن الحكم بنجاسة الثوب لوجود النجاسة، فإذا زالت زال حكمها، وكونه مغصوبًا لا علاقة له بالتطهير، فلا يمكن الحكم بنجاسة الثوب مع زوال النجاسة، نعم يضمن قيمة الماء لصاحبها؛ لإتلافه مال الغير.
وقياسًا على ما لو اجتمع أمران أحدهما يأمره بالصلاة والآخر يأمره بإنقاذ غريق أو حريق، فهو مأمور بالصلاة ومأمور بإنقاذه، ولا يمكن اجتماعهما، فلو مضى في صلاته صحت مع الإثم، فلا يقال: صلاته لا تصح؛ لأنه مأمور بإنقاذ الغريق، فكذلك إذا اجتمع أمر ونهي، وكان النهي غير مختص بالصلاة، فإن ارتكاب النهي لا يؤدي إلى بطلان الصلاة ما لم يختصَّ النهي بالصلاة.
• دليل الحنفية على أن الكراهة تحريمية في غير الصورة المستترة:
الحنفية يشترطون للكراهة التحريمية أن يكون الدليل ظنيًّا والنهي صريحًا، فخرج بذلك الدليل القطعي، فالنهي فيه محرم، وليس مكروهًا كراهة تحريمية.
وخرج منه ما كان مفيدًا للترك بغير أداة من أدوات النهي الصريحة، فالكراهة فيه تنزيهية.
стр. 6151
فإذا أتينا إلى النهي في الأدلة، فهي صريحة في تحريم التصوير، لكن لا يوجد فيها لا نهي صريح، ولا غير صريح في النهي عن الصلاة بالثوب الذي فيه صورة، وبينهما فرق، فكان مقتضى ذلك حسب قواعد مذهب الحنفية أن تكون الكراهة تنزيهية.
يقول ابن عابدين في حاشيته: «لا يلزم من حرمته -يعني التصوير- حرمة الصلاة فيه، بدليل أن التصوير يحرم؛ ولو كانت الصورة صغيرة كالتي على الدرهم، أو كانت في اليد، أو مستترة، أو مهانة مع أن الصلاة بذلك لا تحرم، بل ولا تكره؛ لأن علة حرمة التصوير المضاهاة لخلق الله تعالى، وهي موجودة في كل ما ذكر» (١).
وعلة المضاهاة تتعلق بالمصور، لا بالمستعمل، لكن هذه إحدى علل تحريم التصوير، وأما المستعمل، فلم يذكروا إلا ثلاث علل، سأذكرها إن شاء الله تعالى.
هذا فيما يتعلق بمناقشة الحنفية على بناء الحكم على الكراهة التحريمية.
وأما إخراجهم الصورة الصغيرة والمستترة، فقالوا: إن الحكم معلل بثلاث علل:
الأولى: امتناع دخول الملائكة.
والثانية: تعظيم الصورة.
والثالثة: التشبه بالكفار في عباداتهم.
وإذا كانت الصورة صغيرة انتفى التعظيم، وإذا كانت مستترة انتفى التعظيم والتشبه، وإذا انتفى التعظيم والتشبه لم يمنع ذلك من دخول الملائكة، فانتفت العلل الثلاث.
أما الجواب عن علة امتناع دخول الملائكة:
فيقال: إن امتناع دخول الملائكة لا يشمل الصورة المباحة، والصورة في الثوب مستثناة من التحريم، لقوله ﷺ : (إلا رقمًا في ثوب)، وإذا كانت الصورة المهانة لا تمنع دخول الملائكة، فكذلك الرقم في الثوب كذلك.
وأما الجواب عن علة التعظيم:
فهي علة معتبرة نصًا في الصورة المرفوعة، وملغاة نصًا في الصورة المهاناة التي تداس على الأرض حتى على مذهب الحنفية، وتبقى الصورة التي في الثوب، وقد بينت بما سبق أن استعمال الثوب في اللبس امتهان للصورة، ولذلك جاء النص باستثنائها في
стр. 6152
قوله ﷺ : (إلا رقمًا في الثوب)، فالثوب الملبوس يجلس به، وعليه، وينام به، فلا يأخذ حكم الصورة المعلقة على ستار في صدر المجلس، أو على سقف البيت.
وأما الجواب عن علة التشبه:
فإن ما كانت علته التشبه عند الحنفية فإن كراهته تنزيهية.
ولهذا لما كره الحنفية انفراد الإمام على الدكان، عللوه بالتشبه، قال الرملي الحنفي كما في منحة الخالق على البحر الرائق: «هذا التعليل يقتضي أنها تنزيهية» (١).
وقال ابن عابدين في حاشيته: «وعللوه -يعني علو الإمام عن المأموم- بأنه تشبه بأهل الكتاب، فإنهم يتخذون لإمامهم دكانًا، وهذا التعليل يقتضي أنها تنزيهية» (٢).
وكرهوا كراهة تنزيهية إفراد يوم عاشوراء بالصيام منفردًا عن التاسع؛ لعلة التشبه.
وليس هذا خاصًا بالحنفية، فالحنابلة والشافعية يرون أن التشبه بالكفار الأصل فيه الكراهة؛ لأنه المتيقن، ولا يصرف لغيره إلا بدليل.
قال في الإقناع: ويكره اشتمال الصماء … وشد الوسط بما يشبه الزنار، ولو في غير صلاة؛ لأنه يكره التشبه بالكفار (٣).
وقال ابن تيمية في شرح العمدة: «التشبه بأهل الكتاب مكروه، وقطع التشبه بهم مشروع» (٤).
ولعل هذا أحد القولين عن ابن تيمية، أو أنه يقرر المذهب فحسب.
وقال شيخنا ابن عثيمين في تعليقه على الكافي لابن قدامة: «المؤلف يقول: يكره؛ لما فيه من التشبه بالنصارى، وظاهر كلامه أن التشبه بالكفار مكروه، لا محرم وهذا هو المشهور من المذهب عندنا، أن التشبه بالكفار ليس بمحرم، بل هو مكروه صرحوا به في قولهم: يكره التشبه بالكفار في لباس وغيره .... » (٥).
стр. 6153
وفيه قول ثان في المذهب بتحريم التشبه (١)، ونصره ابن تيمية، ورجحه شيخنا احتجاجًا بحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم)، والحديث حكم عليه أبو زرعة ودحيم بالإرسال، وسبق تخريجه.
هذا فيما يتعلق بمذهب الحنابلة.
وأما مذهب الشافعية، فقد تكلم العراقي في طرح التثريب في علة النهي عن المياثر، فذكر منها التشبه بعظماء الفرس في ذلك الوقت، قال: «فلما لم يصر شعارًا لهم، وزال ذلك المعنى زالت الكراهة» (٢).
وقال ابن حجر من خلال مناقشة علة تحريم الأكل في أواني الذهب والفضة، قال في الفتح: «وقيل العلة في المنع التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر؛ لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك» (٣).
فصار الجمهور يرون أن علة التشبه الأصل فيها الكراهة التنزيهية، ولا تبلغ التحريم إلا بقرينة، فقد يبلغ بالمتشبه الوقوع في الشرك والكفر، وقد يقصر عن الكراهة، فيعبر عنه بخلاف الأولى، كالصلاة في النعل. والمتيقن الكراهة فيما نهي عنه بخصوصه منصوصًا على علته؛ لأن الناس قد يمنعون من بعض الأمور التي لم يثبت نص بالنهي عنها بعلة التشبه، وعند التحقق لا يوجد نهي عنها فضلًا أن يثبت التشبه.
• دليل من قال: إذا كان الثوب الذي فيه صورة شعارًا لم تصح وإلا صحت:
لعله يرى أن الشعار مما يلي الجسد هو الذي تحقق به ستر العورة، فكان الثوب الآخر زائدًا عن مقدار السترة الواجبة، فلا حكم له.
• دليل من قال: إذا استترت بثوب آخر صحت صلاته، وإلا فلا:
هذا القول يرى أن الصورة إذا كانت مستترة بثوب آخر أصبحت في حكم المعدوم، فلا تأثير لها في صحة الصلاة.
стр. 6154
• الراجح:
النصوص دلالتها قطعية في تحريم التصوير، واستعمال الثوب الذي فيه صورة ليس حكمه حكم المصوِّر، بدليل جواز الممتهن منه، وإبطال الصلاة بسبب تحريم لبس الثوب قول ضعيف؛ لأن النهي ليس مختصًا بالعبادة، والقول بالصحة مطرد مع كل ثوب محرم، سواء أصلى الرجل في ثوب حرير، أم بثوب مغصوب، أم به صورة حيوان؛ لانفكاك جهة النهي عن جهة الأمر، ويبقى النظر في الإثم:
فإن رجحنا القول بتحريم الصلاة في الثوب الذي فيه صورة كان المصلي آثمًا لا من أجل الصلاة فيه، وإنما من أجل استدامة لبسه، وإلا كان دائرًا بين الكراهة والجواز.
وإذا كانت الصورة مباحة لم يأثم بالصلاة فيها، وأميل إلى أن الصورة في الثوب أقرب إلى الصورة الممتهنة منها إلى الصورة المرفوعة في الحائط أو على الرؤوس، وهو مذهب الإمام مالك، والله أعلم.
стр. 6155
الفرع الثاني في كراهة الصلاة إلى الصور المحرمة أو عليها
المدخل إلى المسألة:
• تحريم تعليق الستر مما فيه صور من ذوات الأرواح؛ منفك عن صحة الصلاة إلى هذه الصور أو عليها؛ لكون النهي غير مختص بالعبادة.
• القول بصحة الصلاة مطرد مع كل ثوب محرم، سواء أصلى الرجل في ثوب حرير، أم مغصوب، أم عليه صورة حيوان؛ لانفكاك جهة النهي عن جهة الأمر.
• الصلاة إلى الصور أو عليها إن شغلت المصلي عن كمال خشوعه كرهت ولو كانت الصور مباحة، فكيف إذا كانت الصورة محرمة كما في الصور المرفوعة.
• كل ما يشغل عن الخشوع في الصلاة؛ لكونه في قبلة المصلي فسيشغله لو كان هذا الشيء موجودًا على سجادته.
• الصور المباحة والمناظر والزخرفة في الحيطان أو في السجاد تشوش على المصلي خشوعه إذا كان يراها لأول مرة، أما إذا اعتاد رؤية مثلها في بيته، وفي مجتمعه، وفي سوقه، لم يستغرب رؤيتها، فلا ينشغل بها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
سبق لنا خلاف أهل العلم في الصلاة في ثوب تكون فيه صورة محرمة، والكلام في هذه المسألة في الصلاة إلى الصورة المحرمة، أو على بساط فيه صورة، أو في مكان فيه صورة، ولو لم تكن في قبلته، كما لو كانت فوقه أو خلفه أو عن جنبه.
[م-٧٤٥] اختلف العلماء في هذه المسألة:
فكره الحنفية كون الصورة في قبلته أو فوق رأسه، أو عن أحد جانبيه، واختلفوا فيما إذا كانت الصورة معلقة خلفه على قولين أظهرهما الكراهة، ولا بأس أن يصلي
стр. 6156
على بساط فيه تصاوير، ولا يسجد عليها (١).
وقال الحنابلة: «يكره الصلاة إلى الصورة، ولا يكره سجوده عليها -نص عليه في المنتهى والفروع خلافًا للإقناع- ولا تكره صلاته في مكان خلفه صورة، أو كونها فوق رأسه في سقف، أو كونها عن جنبه» (٢).
стр. 6157
وقال الشافعية: يكره الصلاة إلى الصورة، وعليها (١).
جاء في مغني المحتاج: «ويكره أن يصلي في ثوب فيه صورة، وأن يصلي عليه وإليه» (٢).
وأما المالكية فقولهم في الصلاة إلى الصورة وعليها تبع لحكم الصورة:
فما كان له ظل، فهو حرام بالاتفاق عندهم.
وما لا ظل له إن كان غير ممتهن فمكروه.
وإن كان ممتهنًا فخلاف الأولى مراعاة للخلاف، وهذا كله في الصورة الكاملة، فإذا صلى على بساط فيه صورة فهو مما يمتهن، فيجوز، وإن كان خلاف الأولى، وإذا صلى إلى صورة منصوبة فمكروه.
قال العدوي: «والحاصل أن ما يحرم فعله يحرم النظر إليه، وما يكره يكره، وما يباح يباح» (٣).
فخلاصة الخلاف بين فقهائنا كالتالي:
يتفق الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى كراهة الصلاة إلى الصورة إذا كانت منصوبة، وظاهر الكراهة عند الحنفية أنها كراهة تحريمية.
يتفق الحنفية والمالكية والحنابلة إلى جواز الصلاة على بساط فيه صورة على خلاف بين الحنفية والحنابلة في السجود على الصورة، وكره ذلك الشافعية.
يكره أن يصلي إذا كانت الصورة فوق رأسه، أو عن يمينه، أو عن يساره، وهذا مذهب الحنفية، خلافًا للحنابلة.
стр. 6158
• دليل من قال بالجواز:
انظر أدلته في المسألة السابقة، فمن أجاز الصلاة بالثوب تكون فيه الصورة، أجاز الصلاة عليها. (١)
• دليل من قال: يكره مطلقًا:
(ح-٢٢٦٥) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق عبد الوارث، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس بن مالك، كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ : أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي (٢).
وجه الاستدلال:
أمر النبي ﷺ عائشة بتنحية القرام، وعلل ذلك بأنه تعرض له في صلاته، إشارة إلى أنها تنقص من كمال خشوعه، والخشوع هو روح الصلاة، وكل ما يشغل عن الخشوع؛ لكونه في قبلة المصلي فسيشغله لو كان هذا الشيء موجودًا على سجادته إن لم يكن من باب أولى، فلا فرق بين الصلاة إلى الصورة وبين الصلاة عليها فيما يتعلق بالخشوع، لا فيما يتعلق بإباحة الصورة.
والنهي في حديث عائشة لم يقتض الفساد؛ لأنه لم يذكر في الحديث أن النبي ﷺ أعاد الصلاة، فدل على أن الأمر لا يتجاوز الكراهة.
• ويجاب:
بأن الحديث ليس فيه دليل على أن التصاوير كانت من ذوات الأرواح.
• ورد:
إذا كانت التصاوير مكروهة في قبلة المصلي، ولو كانت الصورة مباحة، فإن
стр. 6159
كراهتها أشد إذا كانت الصورة محرمة، للنهي عن تعليق الستار فيه الصور؛ لما فيه من تعظيمها، ولتزيين الحيطان.
• دليل من فرق بين الصلاة إليها والسجود عليها:
كره الحنابلة الصلاة إليها في قبلته ولم يذهبوا إلى القول بالتحريم:
لأن النهي لا يعود إلى شرط العبادة، فهو كما لو صلى في عمامة فيها صورة.
وأما وجه القول بالكراهة عندهم لما في الصلاة إلى الصور من التشبه بعبدة الأوثان والأصنام، بخلاف الصلاة على الصور؛ فتجوز لما في ذلك من الامتهان لها.
• ويناقش:
بأن الصورة وإن كانت مباحة فقد تشغل المصلي وتشوش عليه خشوعه.
(ح-٢٢٦٦) لما رواه البخاري في صحيحه من طريق إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن شهاب، عن عروة،
عن عائشة، أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي.
ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، ومن طريق يونس عن ابن شهاب به (١).
• ويرد على هذا:
لا شك أن الصور والمناظر والزخرفة في الحيطان أو في السجاد تشوش على المصلي خشوعه إذا كان يراها لأول مرة، أما إذا اعتاد رؤية مثلها في بيته، وفي مجتمعه، وفي سوقه، لم يستغرب رؤيتها، فلا ينشغل بها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
• دليل من قال: لا يسجد عليها:
يرى أصحاب هذا القول بأن السجود على الصورة يشبه السجود لها، فيمنع.
• دليل من كره الصورة فوق رأس المصلي أو عن يمينه أو شماله:
نهى الشارع عن رفع الصور، ولهذا نزع النبي ﷺ الستار فيه التماثيل كما في
стр. 6160
حديث عائشة المتفق عليه.
ولا فرق بين رفع الصورة على الجدار وبين رفعها على السقف.
فإذا كانت الصورة من الصور المحرمة كرهت الصلاة في ذلك المكان؛ لامتناع دخول الملائكة، ولأن امتناعهم سبب في حضور الشياطين، فأشبه هذا المكان الصلاة في الحمام؛ لأنه مأوى الشياطين.
وكونها في قبلته أشد كراهة عندهم؛ لأن الصلاة إليها مع ما سبق فيه تشبه بعبادة أهل الأوثان.
• الراجح:
رفع الصور على حيطان البيت أو في سقفه محرم، والصلاة في ذلك المكان لا تكره؛ لأن الجهة منفكة، فتحريم رفع الصور منفك عن صحة الصلاة، وما شوش على المصلي خشوعه كره من أجل ذلك، لا من أجل وجود صورة في ذلك المكان، والله أعلم.
стр. 6161
المبحث الثامن في كراهة الصلاة حاقنا أو بحضرة طعام
المدخل إلى المسألة:
• النفي في قوله ﷺ : لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان، بمعنى النهي، أي: لا تصلوا …
• الأصل في النهي من حيث الحكم التكليفي التحريم، ومن حيث الحكم الوضعي الفساد ما لم يرد قرينة تصرفه عن ذلك.
• الأصل في النفي: أن يحمل على نفي الوجود، فإن وجد حمل على نفي الصحة، ونفي الصحة نفي للوجود الشرعي فإن اقتضى الدليلُ الصحةَ حمل على نفي الكمال.
• النهي عن الصلاة، وهو حاقن أو بحضرة طعام معلل، وليس تعبديًّا محضًا.
• كل قرينة لفظية أو معنوية صالحة لصرف الأمر والنهي من الإلزام إلى غيره فإنها تصرفه، ولا يتشدد في الصوارف.
• العلة في النهي هو تفريغ قلب المصلي من كل ما يشغله أو يذهب بكمال خشوعه قبل الصلاة، وذلك لا ينافي صحة الصلاة إذا أُدِّيت بفرائضها وحدودها.
• ترك الجماعة الواجبة مراعاة للخشوع يدل على أهمية الخشوع ومنزلته في الصلاة.
• تكره الصلاة مع ذهاب كمال الخشوع، وهل تحرم مع ذهابه بالكلية، فيه خلاف، والأئمة الأربعة على استحبابه، وحكي إجماعًا، ولو صلى صحت صلاته على القولين كما لو فوَّت الخشوع بالاسترسال في الوسوسة.
• فوات الخشوع سهوًا لا يجبر بالسجود، فلا تبطل الصلاة بفواته عمدًا.
• إن شغله مدافعة الأخبثين حتى لا يدري كم صلى بنى على اليقين إن لم يكن له غلبة ظن، والله أعلم.
стр. 6162
• إذا تزاحمت فضيلتان إحداهما تتعلق بذات العبادة، والأخرى بوقتها أو مكانها قدم منهما ما تعلق بذاتها، كتقديم الطعام من أجل حضور القلب على فضيلة الصلاة في أول الوقت، وتقديم الرمل في الطواف على تركه وإن بعد عن الكعبة.
[م-٧٤٦] نهى النبي ﷺ عن الصلاة إذا حضر الطعام، أو كان المصلي حاقنًا، لتأثير ذلك على صلاته، وإن كان تأثير مدافعة الخبث أشد من تقديم الصلاة على الطعام، لهذا ما يصدق على صلاة الحاقن من الخلاف يصدق على المصلي بحضور الطعام إن لم يكن أولى، لهذا سيكون البحث موجهًا للأشد ليدخل الأخف في الحكم.
وقد اختلف الفقهاء في الرجل يصلي، وهو يدافع الأخبثين:
فقيل: يكره تحريمًا، فإن صلى صحت مع الإثم وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: إن صلى بطلت صلاته. وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن أحمد، وبه قال القاضي حسين: إن انتهى به ذلك إلى ذهاب الخشوع، وحكم بشذوذه النووي (٢).
стр. 6163
جاء في المجموع: «إذا انتهى به مدافعة الأخبثين إلى أن ذهب خشوعه لم تصح صلاته، وبه جزم القاضي حسين، وهذا شاذ ضعيف. والمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء صحة صلاته مع الكراهة، وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر بطلانها والله أعلم» (١).
وقيل: تكره تنزيهًا، فإن صلاها فصلاته صحيحة، ولا يعيدها، وهو المعتمد في مذهب الشافعية ومذهب الحنابلة (٢).
وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على أن صلاة الحاقن فاسدة، وذلك أنه روي عنه أنه أمره بالإعادة في الوقت وبعد الوقت (٣).
وحمله أصحاب مالك على أنه: إن شغله ذلك عن فرض وجب قطعها، فإن صلى أعاد أبدًا. وإن شغله عن سنة أعاد ما لم يخرج الوقت، وبعده لا يعيد. وإن شغله عن إتمام الفضائل فلا إعادة عليه.
قال ابن بشير: «إن شغله عن الفرائض أعاد أبداً، وعن السنن في الوقت. ويجري على ترك السنن متعمدًا، وعن الفضائل لا شيء عليه» (٤).
وقال العراقيون من أصحاب مالك «إن كان شيئاً خفيفًا فلا شيء عليه، وإن صلى به وهو ضام بين وركيه فإنه يؤمر بالقطع، فإن تمادى أعاد في الوقت. وإن كان مما يشغله عن استيفائها أعاد أبداً» (٥).
ومحل البطلان ألا يقدر معه الإتيان بالفرض، أو يأتي به لكن مع المشقة الشديدة، ومحله أيضًا أن تدوم هذه الحالة، فإن عرضت ثم زالت فلا إعادة (٦).
стр. 6164
ولا ينبغي الخلاف في بطلان صلاته على جميع المذاهب إذا بلغت به المدافعة إلى حال العجز عن الإتيان بالفرض، وبطلانها؛ إنما هو لترك الفرض، لا لمدافعة الخبث، كما يحكم ببطلانها لو ترك هذا الفرض بلا مدافعة.
قال القاضي عياض: «كلهم مجمعون: أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها أنه لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها» (١).
وإن قصد به الثاني أنه أداها لكن لا على وجه الكمال، فصلاته صحيحة، إلا على قواعد أهل الظاهر، ولا تستحب الإعادة، إلا على قواعد مذهب مالك حيث يستحبون الإعادة مع الحكم بصحة الصلاة الأولى، وهو من مفرداتهم، وقد ناقشت ذلك في شروط الصلاة، فعاد قول المالكية إلى مذهب الجمهور بالحكم بصحة صلاته.
قال ابن عبد البر: «قد أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته، ولم يترك من فرائضها شيئًا أن صلاته مجزية عنه، فكذلك إذا صلاها حاقنًا فأكمل صلاته» (٢).
فخصلت الأقوال في المسألة:
التحريم على خلاف في صحة الصلاة:
فقيل: تحرم وتصح، وهو مذهب الحنفية.
وقيل: تحرم ولا تصح، وظاهره حتى ولو لم يذهب ذلك بالخشوع بالكلية، وهو مذهب الظاهرية.
وقيل: لا تصح إن ذهب بالخشوع، وظاهره إن ذهب الخشوع بالكلية، لا إن ذهب بكماله، وبه قال القاضي حسين.
стр. 6165
وقيل: يعيد الصلاة وجوبًا إن شغله عن أداء الفرائض أبدًا، ويعيد في الوقت استحبابًا إن شغله عن السنن، وبه قال المالكية، وظاهره ولو عقل صلاته.
وقيل: يكره تنزيهًا مطلقًا حتى ولو ذهب بالخشوع بالكلية، ولا تشرع الإعادة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
وكنت قد تعرضت لهذه المسألة حين تعرضت لحكم تأخير الصلاة لمدافعة الأخبثين وحضور الطعام، وهذه المسألة في صحة صلاته إذا صلى، وهو يدافع الأخبثين، فاقتضى عرض المسألة من هذه الحيثية والتعرض لتفصيلات أكثر ليست في المسألة الأولى، فاقتضى الاعتذار من إعادة المسألة لتجدد المناسبة، والله أعلم.
• دليل من قال: لا تصح الصلاة بحضور الطعام، ولا مدافعة الأخبثين:
(ح-٢٢٦٧) ما رواه مسلم من طريق يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق،
عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (١).
• وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
قوله: (لا صلاة … ) الأصل في النفي أن يكون نفيًا للوجود، فإذا وجدت الصلاة مع حضور الطعام ومدافعة الأخبثين صار النفي نفيًا للصحة، فإن وجدت الصلاة صحيحة حمل النفي على الكمال، ولا يحمل عليه إلا بنص أو إجماع، ولا نص ولا إجماع فتعين النفي للصحة لوجود الصلاة مع المدافعة.
أو يقال: (لا صلاة … ) أي شرعية، فيكون النفي متوجهًا لنفي الصلاة الشرعية، وإذا انتفت الصلاة الشرعية انتفت الصحة.
الوجه الثاني:
قوله: (لا صلاة بحضرة الطعام) النفي هنا بمعنى النهي، أي لا يصلي أحدكم بحضرة طعام.