المبحث الثامن في كراهة الصلاة حاقنا أو بحضرة طعام
المدخل إلى المسألة:
• النفي في قوله ﷺ : لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان، بمعنى النهي، أي: لا تصلوا …
• الأصل في النهي من حيث الحكم التكليفي التحريم، ومن حيث الحكم الوضعي الفساد ما لم يرد قرينة تصرفه عن ذلك.
• الأصل في النفي: أن يحمل على نفي الوجود، فإن وجد حمل على نفي الصحة، ونفي الصحة نفي للوجود الشرعي فإن اقتضى الدليلُ الصحةَ حمل على نفي الكمال.
• النهي عن الصلاة، وهو حاقن أو بحضرة طعام معلل، وليس تعبديًّا محضًا.
• كل قرينة لفظية أو معنوية صالحة لصرف الأمر والنهي من الإلزام إلى غيره فإنها تصرفه، ولا يتشدد في الصوارف.
• العلة في النهي هو تفريغ قلب المصلي من كل ما يشغله أو يذهب بكمال خشوعه قبل الصلاة، وذلك لا ينافي صحة الصلاة إذا أُدِّيت بفرائضها وحدودها.
• ترك الجماعة الواجبة مراعاة للخشوع يدل على أهمية الخشوع ومنزلته في الصلاة.
• تكره الصلاة مع ذهاب كمال الخشوع، وهل تحرم مع ذهابه بالكلية، فيه خلاف، والأئمة الأربعة على استحبابه، وحكي إجماعًا، ولو صلى صحت صلاته على القولين كما لو فوَّت الخشوع بالاسترسال في الوسوسة.
• فوات الخشوع سهوًا لا يجبر بالسجود، فلا تبطل الصلاة بفواته عمدًا.
• إن شغله مدافعة الأخبثين حتى لا يدري كم صلى بنى على اليقين إن لم يكن له غلبة ظن، والله أعلم.
стр. 6162
• إذا تزاحمت فضيلتان إحداهما تتعلق بذات العبادة، والأخرى بوقتها أو مكانها قدم منهما ما تعلق بذاتها، كتقديم الطعام من أجل حضور القلب على فضيلة الصلاة في أول الوقت، وتقديم الرمل في الطواف على تركه وإن بعد عن الكعبة.
[م-٧٤٦] نهى النبي ﷺ عن الصلاة إذا حضر الطعام، أو كان المصلي حاقنًا، لتأثير ذلك على صلاته، وإن كان تأثير مدافعة الخبث أشد من تقديم الصلاة على الطعام، لهذا ما يصدق على صلاة الحاقن من الخلاف يصدق على المصلي بحضور الطعام إن لم يكن أولى، لهذا سيكون البحث موجهًا للأشد ليدخل الأخف في الحكم.
وقد اختلف الفقهاء في الرجل يصلي، وهو يدافع الأخبثين:
فقيل: يكره تحريمًا، فإن صلى صحت مع الإثم وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: إن صلى بطلت صلاته. وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن أحمد، وبه قال القاضي حسين: إن انتهى به ذلك إلى ذهاب الخشوع، وحكم بشذوذه النووي (٢).
стр. 6163
جاء في المجموع: «إذا انتهى به مدافعة الأخبثين إلى أن ذهب خشوعه لم تصح صلاته، وبه جزم القاضي حسين، وهذا شاذ ضعيف. والمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء صحة صلاته مع الكراهة، وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر بطلانها والله أعلم» (١).
وقيل: تكره تنزيهًا، فإن صلاها فصلاته صحيحة، ولا يعيدها، وهو المعتمد في مذهب الشافعية ومذهب الحنابلة (٢).
وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على أن صلاة الحاقن فاسدة، وذلك أنه روي عنه أنه أمره بالإعادة في الوقت وبعد الوقت (٣).
وحمله أصحاب مالك على أنه: إن شغله ذلك عن فرض وجب قطعها، فإن صلى أعاد أبدًا. وإن شغله عن سنة أعاد ما لم يخرج الوقت، وبعده لا يعيد. وإن شغله عن إتمام الفضائل فلا إعادة عليه.
قال ابن بشير: «إن شغله عن الفرائض أعاد أبداً، وعن السنن في الوقت. ويجري على ترك السنن متعمدًا، وعن الفضائل لا شيء عليه» (٤).
وقال العراقيون من أصحاب مالك «إن كان شيئاً خفيفًا فلا شيء عليه، وإن صلى به وهو ضام بين وركيه فإنه يؤمر بالقطع، فإن تمادى أعاد في الوقت. وإن كان مما يشغله عن استيفائها أعاد أبداً» (٥).
ومحل البطلان ألا يقدر معه الإتيان بالفرض، أو يأتي به لكن مع المشقة الشديدة، ومحله أيضًا أن تدوم هذه الحالة، فإن عرضت ثم زالت فلا إعادة (٦).
стр. 6164
ولا ينبغي الخلاف في بطلان صلاته على جميع المذاهب إذا بلغت به المدافعة إلى حال العجز عن الإتيان بالفرض، وبطلانها؛ إنما هو لترك الفرض، لا لمدافعة الخبث، كما يحكم ببطلانها لو ترك هذا الفرض بلا مدافعة.
قال القاضي عياض: «كلهم مجمعون: أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها أنه لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها» (١).
وإن قصد به الثاني أنه أداها لكن لا على وجه الكمال، فصلاته صحيحة، إلا على قواعد أهل الظاهر، ولا تستحب الإعادة، إلا على قواعد مذهب مالك حيث يستحبون الإعادة مع الحكم بصحة الصلاة الأولى، وهو من مفرداتهم، وقد ناقشت ذلك في شروط الصلاة، فعاد قول المالكية إلى مذهب الجمهور بالحكم بصحة صلاته.
قال ابن عبد البر: «قد أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته، ولم يترك من فرائضها شيئًا أن صلاته مجزية عنه، فكذلك إذا صلاها حاقنًا فأكمل صلاته» (٢).
فخصلت الأقوال في المسألة:
التحريم على خلاف في صحة الصلاة:
فقيل: تحرم وتصح، وهو مذهب الحنفية.
وقيل: تحرم ولا تصح، وظاهره حتى ولو لم يذهب ذلك بالخشوع بالكلية، وهو مذهب الظاهرية.
وقيل: لا تصح إن ذهب بالخشوع، وظاهره إن ذهب الخشوع بالكلية، لا إن ذهب بكماله، وبه قال القاضي حسين.
стр. 6165
وقيل: يعيد الصلاة وجوبًا إن شغله عن أداء الفرائض أبدًا، ويعيد في الوقت استحبابًا إن شغله عن السنن، وبه قال المالكية، وظاهره ولو عقل صلاته.
وقيل: يكره تنزيهًا مطلقًا حتى ولو ذهب بالخشوع بالكلية، ولا تشرع الإعادة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
وكنت قد تعرضت لهذه المسألة حين تعرضت لحكم تأخير الصلاة لمدافعة الأخبثين وحضور الطعام، وهذه المسألة في صحة صلاته إذا صلى، وهو يدافع الأخبثين، فاقتضى عرض المسألة من هذه الحيثية والتعرض لتفصيلات أكثر ليست في المسألة الأولى، فاقتضى الاعتذار من إعادة المسألة لتجدد المناسبة، والله أعلم.
• دليل من قال: لا تصح الصلاة بحضور الطعام، ولا مدافعة الأخبثين:
(ح-٢٢٦٧) ما رواه مسلم من طريق يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق،
عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (١).
• وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
قوله: (لا صلاة … ) الأصل في النفي أن يكون نفيًا للوجود، فإذا وجدت الصلاة مع حضور الطعام ومدافعة الأخبثين صار النفي نفيًا للصحة، فإن وجدت الصلاة صحيحة حمل النفي على الكمال، ولا يحمل عليه إلا بنص أو إجماع، ولا نص ولا إجماع فتعين النفي للصحة لوجود الصلاة مع المدافعة.
أو يقال: (لا صلاة … ) أي شرعية، فيكون النفي متوجهًا لنفي الصلاة الشرعية، وإذا انتفت الصلاة الشرعية انتفت الصحة.
الوجه الثاني:
قوله: (لا صلاة بحضرة الطعام) النفي هنا بمعنى النهي، أي لا يصلي أحدكم بحضرة طعام.
стр. 6166
والأصل في النهي التحريم من حيث الحكم التكليفي، ومن حيث الحكم الوضعي فالنهي يقتضي الفساد.
(ح-٢٢٦٨) لما رواه مسلم في صحيحه من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
فمن صلى، وهو يدافع الأخبثين، فصلاته ليس عليها أمر الله، ولا أمر رسوله ﷺ ، فكانت ردًا عليه، ويلزم منه فساد الصلاة، ويصدق ذلك بأدنى مدافعة، بأن النفي عام (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم، ولم يخصص بأن تكون المدافعة شديدة أو خفيفة، فلو كان الحكم يختلف لبين ذلك الرسول ﷺ ، والعام جارٍ على عمومه، لا يخصصه إلا نص من الشارع، أو إجماع، ولا نص، ولا إجماع.
• ويناقش:
بأن النهي عن الصلاة، وهو يدافع الأخبثين معلل، وليس تعبديًّا.
فالنهي عن الصلاة حال حضور الطعام، ومدافعة الأخبثين العلة في النهي مراعاة لحق الخشوع في الصلاة، ولهذا استحب الشرع تأخير الصلاة لكل ما يشوش على القلب، حيث كان في الوقت سعة، كالأمر بالإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر، وإن كانت الصلاة في أول الوقت أفضل، حيث قال ﷺ : إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة. والإبراد ليس بواجب، ومثل ذلك لو غلبه نعاس، أو شدة خوف، أو مطر شديد أو ريح إذا لم يكن له ما يكنُّه عنهما، كل ذلك ليؤدي العبد الصلاة، وهو مقبل على ربه بخشوع وطمأنينة.
(ث-٥٣٧) وروى البخاري تعليقًا في صحيحه، قال: قال أبو الدرداء: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته، وقلبه فارغ (١).
وإذا كانت العلة في النهي هي الخوف من تفويت الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها، فحكم المدافعة سيكون بمقدار تأثيره على خشوع الصلاة.
стр. 6167
فإن أَذْهَبَتْ المدافعة كمالَهُ فالصلاة صحيحة مع الكراهة؛ لأن كمال الخشوع ليس بواجب، وفواته لا يؤثر على صحة الصلاة، وهذه قرينة صالحة لصرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
وإن أذهبت المدافعة الخشوع بالكلية، كان الحكم بصحة الصلاة حكم الصلاة إذا فاته خشوع القلب، وفي وجوبه خلاف:
فمن قال إن خشوع القلب ليس بواجب؛ لأن الصلاة لا تنفك من وسوسة (١)، ذهب إلى القول بكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين مع القول بصحتها.
ولأن المصلي لو ترك الخشوع عمدًا لم تفسد صلاته إذا عقل ما صلى فأَدَّاها بحدودها من ركوع وسجود وسائر فرائضها؛ وإن نقص من ثوابها بقدر فواته.
ولأن الرسول ﷺ إذ نظر إلى أعلام خميصة أبي جهم واشتغل بها لم يعد صلاته، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٢).
ومن قال بوجوب الخشوع فقد اختلفوا على قولين في إبطال الصلاة بفواته بسبب المدافعة تبعًا لاختلافهم في ترك الواجب عمدًا، أتفسد الصلاة بتركه أم تصح مع الإثم؛ الظاهر الثاني على القول بوجوب الخشوع، لأنه إذا تركه سهوًا لم يحفظ جبره بسجود السهو، فكذلك لا تبطل بتركه عمدًا، وإن كان آثمًا بحسب هذا القول، وإذا قلنا بوجوب الخشوع، فهل هو واجب واحد لا يحكم بتركه حتى يذهب بالكلية، أو كل جزء منه واجب حتى يخرج من الصلاة، كل هذا يدل على ضعف منزع القول بوجوب الخشوع، والله أعلم.
• دليل من قال: إن شغله حتى لا يدري ما يقول أعاد الصلاة مطلقًا:
إذا شغله ذلك حتى لا يدري ما يقول عاد ذلك بالنقص على فرائض الصلاة من
стр. 6168
قراءة ونحوها، وإذا كان الإخلال بالفرائض يبطل الصلاة، ولو لم يدافع الأخبثين، فمعه كذلك، ووجب عليه إعادة الصلاة في الوقت وبعده.
قال القاضي عياض: «كلهم مجمعون: أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها أنه لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها» (١).
• ونوقش هذا:
بأن دخوله في الصلاة وهو يدافع الأخبثين، إما أن يؤدي إلى الإخلال بفرائض الصلاة أو لا:
فإن أدى إلى ذلك حرم الدخول في الصلاة في هذه الحال من حيث الحكم التكليفي.
فإن دخل في الصلاة واختل فرض من فرائضها فسدت الصلاة لذلك الاختلال، لا بمدافعة الأخبثين، كما لو اختل هذا الفرض بلا مدافعته لهما.
وإن لم يُؤَدِّ ذلك إلى الإخلال بفرائضها فصلاته مكروهة.
وقول القاضي عياض: «إن بلغ به ما لا يعقل صلاته ولا يضبط حدودها: إن أراد بذلك الشك في شيء من الأركان، فحكمه حكم من شك في ذلك بغير هذا السبب، وله العمل على غلبة الظن، فإن لم يوجد بنى على اليقين.
وإن أراد به أنه يذهب الخشوع بالكلية فحكمه حكم من صلى بغير خشوع، وتقدم الكلام على حكمه» (٢).
والخشوع في الصلاة إن كان المراد به سكون الجوارح؛ لأن حركة الجوارح تخالف الخشوع، وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ [فصلت: ٣٩]. فجعل حركتها في مقابل خشوعها، فهذا لا تأثير لمدافعة الأخبثين أو حضور الطعام عليها، فيمكن للمصلي أن يحافظ على جوارحه ساكنة، وإن كان يدافع الأخبثين، أو يتشوف إلى الطعام، وحركة الجوارح لا تبطل الصلاة ما لم يكثر ذلك في صلاته حتى يخرج عن هيئة المصلي.
وإن كان المقصود بالخشوع حضور القلب، فهذا مختلف في وجوبه، والأكثر على
стр. 6169
عدم الوجوب وحكاه النووي إجماعًا، كما حكى الإجماع على أن الصلاة لا تبطل (١).
وعلى القول بوجوبه فهو ليس واجبًا للخروج من عهدة التكليف وأداء الواجب، وإنما هو شرط لحصول الثواب عند الله، فالتقصير فيه ينقص من ثواب الصلاة بمقدار ما نقص له من خشوعها، ولا تبطل الصلاة بفواته ولو عمدًا، وأما الإجزاء فقد سقطت الصلاة عنه بفعلها، ولأن الإعادة تحتاج إلى دليل، ولا دليل على وجوب الإعادة.
• دليل من قال: يكره أن يصلي، وهو حاقن أو بحضرة طعام:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٦٩) استدلوا بما رواه مسلم من حديث عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (لا صلاة بحضرة الطعام) نفي بمعنى النهي، أي لا يصلي أحد بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان، والنفي هنا نفي للكمال، وليس للصحة، لجمع النبي ﷺ بين النهي عن الصلاة بحضرة الطعام، وبين النهي عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين، والعلة في الاثنين انشغال القلب، وتشويشه، فلو أن المصلي حين حضر الطعام قدم الصلاة لم يوجب ذلك فساد صلاته إذا قام بفرائضها، وحدودها، فكذلك إذا صلى، وهو يدافع الأخبثين، فعلم أن النفي للكمال، وليس للصحة.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٧٠) روى البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه. وكان ابن عمر: يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام (٣).
стр. 6170
في هذا الحديث دليل على فضيلة تقديم حضور القلب في الصلاة على فضيلة أول الوقت، وهكذا ينبغي تقديم كل فضيلة تتعلق بذات العبادة على ما يتعلق بمكانها، أو أول وقتها.
الدليل الثالث:
حكى ابن عبد البر الإجماع، قال: «أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته، ولم يترك من فرائضها شيئًا أن صلاته مجزية عنه» (١).
• الراجح:
أن الصلاة مكروهة في حال مدافعة الأخبثين، وفي حال حضور الطعام، والكراهة قد تشتد إذا كانت المدافعة والجوع شديدين، وإذا كان الأمر خفيفًا خفت الكراهة تبعًا لذلك، فإن عاد ذلك بالنقص على فرائض الصلاة، وأخل بها بطلت صلاته، وإلا كرهت، والله أعلم.
стр. 6171
الفصل الثاني في المكروهات الخاصة بالصلاة
المبحث الأول في المكروهات المتعلقة بالمكان
الفرع الأول في كراهة ارتفاع مكان الإمام على المأموم
المدخل إلى المسألة:
• تميز الإمام عن المأموم في المكان منه ما هو مشروع كتقدمه عليهم إذا كانت الجماعة اثنين فأكثر، ومنه ما هو منهي عنه كعلوه في المكان عليهم.
• الإمامة تعطي الإمام حق التقدم على المأموم، لا حق العلو عليهم في المكان.
• صح النهي عن علو الإمام على المأموم بنص له حكم الرفع، وأثر صحيح موقوف.
• النهي عن علو الإمام على المأموم حكم معلل، وليس تعبديًّا.
• إذا قال الصحابي أُمِرنا أو نُهِينا فإن له حكم الرفع على الصحيح؛ لأنه محمول على أن الناهي والآمر من يملك الأمر والنهي الشرعي، وهو النبي ﷺ ، واحتمال أن يكون الآمر الخليفة نادر، والأمور محمولة على الغالب.
• علة النهي مستنبطة، وليست منصوصة.
• بعض الفقهاء يرى العلة منع التشبه بالنصارى، والبعض يرى العلة أن الإمامة ولاية شرعية، والولاية نوع من التكليف لا تعطي للإمام حق العلو على المأموم في مقام العبادة، وحتى لا يحمله هذا على التكبر عليهم، وهذه طريقة المالكية، وهكذا سائر الولايات هي تكليف، لا تشريف.
стр. 6172
• صلى النبي ﷺ على المنبر بقصد تعليم الصحابة صلاته ﷺ .
• فعل النبي ﷺ لا يعارض قوله.
• إذا نهى النبي ﷺ عن شيء وفعله كان النهي محمولًا على الكراهة، إلا أن يدل دليل صريح على أن الفعل خاص به.
[م-٧٤٧] اختلف الفقهاء في حكم علو الإمام على المأموم في مكان الصلاة:
قال الحنفية: يكره انفراده في مكان مرتفع بلا عذر، فإن كان مع الإمام بعض القوم لم يكره في الأصح، وكذا إن كان الارتفاع لعذر (١).
وقال المالكية: «إن قصد بِعُلِوِّه الكِبْرَ بطلت صلاتُه، وإن لم يقصده ففي المذهب قولان، أحدهما: الكراهة، قال الدردير: وهو المعتمد» (٢).
والثاني: يحرم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، واختاره جماعة المالكية (٣).
стр. 6173
ويستثنى من ذلك ما لو قصد التعليم، أو كان لضرورة كضيق المكان، أو لم يدخل على ذلك كما لو صلى منفردًا بمكان عالٍ، فاقتدى به شخص أو أكثر.
وهل الكراهة أوالتحريم مطلقًا سواء أكان الإمام وحده عاليًا، أم كان معه غيره، أم يجوز إن كان مع الإمام غيره من سائر الناس، خلاف في المذهب، وظاهر المدونة المنع مطلقًا، قال سند: ظاهر المذهب الإطلاق (١).
واختار ابن الجلاب الجواز إذا كان معه غيره من عموم الناس، أو مثل غيرهم في الشرف. قال الدسوقي: وهو المعتمد (٢).
قال ابن بشير: «وإن صلى الإمام غير قاصد للتكبر فإن كان الارتفاع يسيرا صحت الصلاة بلا خلاف، وإن كان الارتفاع كثيرا فللمتأخرين قولان: صحة الصلاة، وأُخِذَ من قوله في تعليل البطلان؛ لأن هؤلاء يعبثون.
وقال الشافعية: يكره أن يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم إلا لتعليم.
قال الشيرازي في التنبيه: «والمستحب -وفي المهذب والسنة- أن لا يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم إلا أن يريد تعليمهم أفعال الصلاة» (٣).
стр. 6174
وصرح النووي بالمنهاج وبالمجموع بالكراهة، ونسبه للأصحاب (١).
قال النووي: «قال أصحابنا يكره أن يكون موضع الإمام أو المأموم أعلا من موضع الآخر، فإن احتيج إليه لتعليمهم أفعال الصلاة، أو ليبلغ المأموم القوم تكبيرات الإمام ونحو ذلك استحب الارتفاع؛ لتحصيل هذا المقصود .... » (٢).
وفي مذهب الحنابلة أربعة أقوال:
الأولى: الكراهة مطلقًا، سواء أراد تعليمهم الصلاة، أم لم يرد، وهذا هو المعتمد في المذهب (٣).
وقيل: يكره إلا لإرادة التعليم، وعلى القولين، إن فعل فصلاته صحيحة.
وقيل: إن فعل، وكان كثيرًا لم تصح صلاته، وهو وجه في مذهب الحنابلة، قاله ابن حامد، وصححه ابن عقيل (٤).
وقال ابن قدامة: «وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره» (٥).
فخلصت الأقوال في المسألة كالتالي:
الأول: التحريم، فإن فعل بطلت صلاته، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الحنابلة، وبه قال الأوزاعي (٦).
الثاني: الجواز، حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد، وهو اختيار ابن حزم (٧).
стр. 6175
الثالث: الكراهة، والقائلون بالكراهة اختلفوا:.
فقيل: مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنفية في مقابل الأصح، وقول في مذهب المالكية، ومذهب الحنابلة.
وقيل: بشرط تفرده، فإن شاركه بعض المأمومين لم يكره، وهو الأصح عند الحنفية، والمعتمد عند المالكية.
واستثنى المالكية والشافعية من الكراهة الارتفاع بقصد التعليم، وهو قول في مذهب الحنابلة. وقيل: هو رواية عن أبي حنفية، ذكر ذلك في شرح منية المصلي.
واستثنى الحنفية والمالكية الارتفاع لضرورة المكان، زاد المالكية: أو لم يدخل على ذلك، بأن صلى منفردًا في مكان عالٍ، فاقتدى به بعد ذلك شخص أو أكثر في مكان أسفل من الإمام.
واختلفوا في مقدار العلو المنهي عنه:
فقيل: ما جاوز قامة الإنسان، قاله الطحاوي من الحنفية، وأبو المعالي من الحنابلة (١).
وجهه: لأنه لا يمكنه أن يقتدي بالإمام إلا بعد رفع رأسه إليه، وهو منهي عنه؟
وقيل: الكثير ذراع فأكثر، وما دون الذراع يسير، وهو قول الحنابلة والمالكية، واختاره بعض مشايخ الحنفية (٢).
لحديث سهل بن سعد في صلاة النبي ﷺ على المنبر، ولأن النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر في الصلاة، وهذا يخص الكثير.
• دليل من قال بالتحريم أو بالكراهة مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٧١) ما رواه أبو داود من طريق يعلى، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام:
أن حذيفة أمَّ الناس بالمدائن على دُكَّانٍ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا يُنْهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرتُ حين مَدَدتَني (٣).
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٧٢) ما رواه أبو داود من طريق ابن جريج: أخبرني أبو خالد، عن عدي بن ثابت الأنصاري:
حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأقيمت الصلاةُ، فتقدَّم عمار، وقام على دكَّان يصلِّي، والناسُ أسفلَ منه، فتقدم حذيفة، فأخذ على يديه، فاتَّبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمعْ
стр. 6178
رسول الله ﷺ يقول: إذا أمَّ الرجلُ القومَ فلا يَقُمْ في مكانٍ أرفعَ من مقامهم، أو نحو ذلك؟ قال عمار: لذلك اتَّبعتُك حين أخذتَ على يدَيَّ (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 6179
الدليل الثالث:
(ث-٥٣٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، عن عبد الله، أنه كره أن يرتفع الإمام على أصحابه (١).
ورواه الطبراني من طريق شعبة، عن أبي قيس، قال: سمعت هزيل بن شرحبيل، قال: جاء ابن مسعود إلى مسجدنا، وأقيمت الصلاة، فقيل له تقدم: فقال: يتقدم إمامكم، قلنا: إمامنا ليس ههنا، قال: ليتقدم رجل منكم، فتقدم رجل فقام على دكان في قبلة المسجد، فنهاه عبد الله (٢).
[صحيح].
وجه الاستدلال:
رواية همام عن حذيفة حديث صحيح، وله حكم الرفع.
وأثر ابن مسعود من رواية هزيل عنه، صحيح موقوفًا.
وكلاهما يدلان على النهي عن علو الإمام على المأموم:
فاستدل بذلك من قال بالتحريم اعتمادًا على الأصل في النهي التحريم.
واستدل بهما من قال بالكراهة مطلقًا، وجعل الصارف للنهي عن التحريم العلة من النهي:
فمن قال: العلة في النهي التشبه بأهل الكتاب، حيث يتميز مكان الإمام عن مكان المأموم كالحنفية، رأى أن علة التشبه الأصل فيها الكراهة؛ لأنه هو المتيقن، ولا يصرف إلى التحريم إلا بقرينة، وقد سبق بيان ذلك في مسألة سابقة.
وبعضهم رأى أن الصارف عن التحريم على القاعدة الفقيهة: أن النبي ﷺ إذا نهى عن شيء وفعله، دل على أن النهي ليس للتحريم، وإذا أمر بالشيء ولم يلتزم
стр. 6180
فعله أن الأمر ليس للوجوب، وهذا التوجيه أقوى من تعليل الحنفية، فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى على المنبر، فلو كان النهي للتحريم لم يفعله ﵊.
هذا توجيه الأدلة عند القائلين بالتحريم وعند القائلين بالكراهة مطلقًا.
• دليل من قال: يكره إلا لتعليم أو ضرورة:
(ح-٢٢٧٣) استدلوا بما رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري من طريق سفيان بن عيينة: حدثنا أبو حازم، قال:
سألوا سهل بن سعد: من أي شيء المنبر؟ فقال: ما بقي بالناس أعلم مني، هو من أثل الغابة، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله ﷺ ، وقام عليه رسول الله ﷺ حين عُمل ووُضع، فاستقبل القبلة، كبَّر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى، فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه (١).
ورواه البخاري من طريق يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد الإسكندراني.
ومسلم من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، كلاهما عن أبي حازم به، وفيه: … قال رسول الله ﷺ : أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي (٢).
فكان النهي عن الصلاة في مكان أعلى من المأموم للكراهة بدليل أن النبي ﷺ انتهك النهي لحجة التعليم فكانت صلاة النبي ﷺ على المنبر لحاجة التعليم، وهذا دليل على أن الحاجة تبيح الكراهة.
• دليل من قال: يكره إلا أن يصلي معه طائفة من المأمومين:
صاحب هذا القول يذهب إلى أن علة النهي عن علو الإمام خشية أن يكون علوه على المأمومين سببًا في تكبره عليهم، ولقد كان الرجل يأتي إلى النبي ﷺ وهو بين أصحابه، فلا يستطيع تمييزه عن بقية أصحابه مع كونه خير ولد آدم.
(ح-٢٢٧٤) فقد روى البخاري من حديث أنس بن مالك، قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم
стр. 6181
عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم .... الحديث (١).
فإذا شارك الإمام غيره من المأمومين في المكان انتفت الكراهة؛ لانتفاء علة التكبر على المأمومين، والله أعلم.
• دليل من قال بالجواز مطلقًا:
استدلوا بفعل النبي ﷺ وصلاته على المنبر، وسبق ذكره من مسند سهل بن سعد المتفق على صحته.
قال الدارمي: في ذلك رخصة للإمام أن يكون أرفع من أصحابه.
وقال البخاري في صحيحه: قال علي بن عبد الله: سألني أحمد بن حنبل، ﵀، عن هذا الحديث، قال: فإنما أردت أن النبي ﷺ كان أعلى من الناس، فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث .... (٢).
• ويجاب عن هذا من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
بأن ما ذكره البخاري عن الإمام أحمد، قال عنه ابن رجب: «هذا غريب عن الإمام أحمد، لا يعرف عنه إلا من هذا الوجه، وقد اعتمد عليه ابن حزم وغيره، فنقلوا عن أحمد: الرخصة في علو الإمام على المأموم.
وهذا خلاف مذهبه المعروف عنه، الذي نقله عنه أصحابه في كتبهم، وذكره الخرقي ومن بعده، ونقله حنبل ويعقوب بن بختان، عن أحمد، أنه قال: لا يكون الإمام موضعه أرفع من موضع من خلفه» (٣).
وقال ابن دقيق العيد: «من أراد أن يجيز هذا الارتفاع من غير قصد التعليم، فاللفظ لا يتناوله، والقياس لا يستقيم؛ لانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضي المناسبة اعتباره» (٤).
стр. 6182
الوجه الثاني:
لو لم يصح النهي عن علو الإمام لكانت صلاة النبي ﷺ على المنبر دليل على الجواز المطلق، سواء أفعل هذا لداع الحاجة أم لا.
أمَّا وقد صح النهي عن علو الإمام على المأموم، فلا يمكن القول بأن الفعل دالًا على الجواز، ولا يصح أن يكون فِعْلُ النبي ﷺ معارضًا لقوله، فالقول أقوى من الفعل، خاصة أن النبي ﷺ صلَّى على المنبر مرة واحدة، وصرح أنه فعل هذا من أجل مصلحة التعليم، لا من أجل بيان الجواز المطلق.
نعم يستفاد من فعل النبي ﷺ أن النهي في السنة القولية ليس للتحريم، ولكن لا يمكن أن يعارض القول العام للأمة بالفعل الذي دعت له الحاجة إلى التعليم مرة واحدة، فالقول أصرح؛ لأن فعل النبي ﷺ يدخله عدة احتمالات: فيحتمل في غير مسألة الباب: أن النبي ﷺ فعل ذلك لبيان أن النهي ليس للتحريم، ويحتمل أن هذا الفعل خاص به ﵊ والقول عام للأمة، ويحتمل أنه فعل ذلك نسيانًا أو لحاجة. فالفعل لا يقوى على معارضة القول، والله أعلم.
الوجه الثاني:
بعضهم يرى أنه لا يصح الاستدلال بصلاة النبي ﷺ على المنبر، فالنهي عن علو الإمام على المأموم محمول فيما إذا كان العلو كبيرًا، وصلاة النبي ﷺ على المنبر في درجه الأسفل فالعلو يسير، فلا يكون معارضًا للنهي.
• ورد هذا:
بأن القول بأن صلاة النبي ﷺ على الدرج الأسفل ليس ظاهرًا من الحديث، ولو صلى فيه لم يتبين الإمام للناس؛ ليتعلموا الناس منه، فإن الصف الأول يحجب أكثر قامة النبي ﷺ ، ولهذا قال ابن دقيق العيد: الصلاة كانت على العليا (١).
الوجه الثالث:
أن الرواية عن الإمام أحمد بالجواز حكاها ابن قدامة في المغني، فلا وجه
стр. 6183
لاستنكارها، وإن كان القول بالكراهة هو المعتمد في مذهبه، والله أعلم.
قال في المغني: «وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره» (١).
• الراجح:
أن النهي للكراهة، والمكروه تبيحه الحاجة، ومن ذلك تعليم المصلين إن كان بهم حاجة إلى التعليم، والله أعلم.
стр. 6184
الفرع الثاني في علو المأموم على الإمام
المدخل إلى المسألة:
• النهي عن العلو في المكان ورد في حق الإمام، وما كان ربك نسيًّا
• النهي عن علو الإمام على المأموم حكم معلل، وليس تعبديًّا.
• تَعْدِيَةُ الحكم من الإمام إلى المأموم مشروط بوجود العلة في حق المأموم.
• العلة في نهي الإمام عن العلو مستنبطة، وليست منصوصة.
• الحكم المعلل بعلة مستنبطة تنشر الحكم على الصحيح وهو قول الجمهور بشرط وجود العلة الجامعة في الفرع.
• العلة في نهي الإمام، إن كانت هي التشبه، فالعلة منتفية في حق المأموم، وإن كانت العلة حتى لا يتكبر أصحاب الولايات الشرعية على متبوعيهم، فالمأموم تابع لإمامه، فهذا المعنى منتف أيضًا في حق المأموم، فيمتنع الإلحاق.
[م-٧٤٨] اختلف الفقهاء في علو المأموم على الإمام:
فقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية، والشافعية (١).
وقيل: لا بأس أن يصلي المأموم في مكان أرفع من الإمام نص عليه الطحاوي من الحنفية، وهو مذهب المالكية، والحنابلة (٢).
وقال به جماعة من التابعين (٣).
стр. 6185
• حجة من قال بالكراهة:
قياس المأموم على الإمام، فإذا كره علو الإمام مع فضله، فلأن يكره أن يعلو المأموم من باب أولي.
ولأن المأموم تابع لإمامه، فلا يعلو عليه.
• ونوقش:
بأن الحكم في الإمام إما أن يكون تعبديًّا وإما أن يكون معللًا، فإن قلنا: إنه تعبديٌّ فلا مجال لتعدية الحكم؛ لأن ما شرع تعبديًّا لا يتجاوز الحكم به مورد النص.
وإن قلنا: إنه معلل، فيشترط في تعدية الحكم إلى المأموم وجود العلة في المأموم، وهي ليست موجودة، انظر العلة في حق الإمام في أدلة القول الثاني.
• حجة من قال: لا بأس بعلو المأموم:
الدليل الأول:
(ث-٥٣٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب،
عن صالح، مولى التوأمة، قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل (١).
[حسن] (٢).
стр. 6186
الدليل الثاني:
(ث-٥٤٠) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن حميد، قال:
كان أنس يجمع مع الإمام وهو في دار نافع بن عبد الحارث، بيت مشرف على المسجد له باب إلى المسجد، فكان يجمع فيه، ويأتم بالإمام (١).
وروى ابن المنذر عن هشيم، عن حميد،
ورواه ابن المنذر في الأوسط، من طريق حجاج، قال: ثنا حماد، كلاهما، (حميد وحماد) قالا:
أخبرني جبلة بن أبي سليمان، قال: رأيت أنس بن مالك يصلي في دار عبد الله في الباب الصغير الذي يشرف على المسجد، وهو يرى ركوعهم، وسجودهم (٢).
[صحيح إن كان حميد سمعه من أنس فأخشى أن يكون قد دلسه] (٣).
стр. 6187
الدليل الثالث:
أن النهي عن العلو ورد في حق الإمام، وما كان ربك نسيًا.
الدليل الرابع:
العلة في نهي الإمام: إن كانت هي التشبه، فالعلة منتفية في حق المأموم، وإن كانت العلة حتى لا يتكبر أصحاب الولايات الشرعية على متبوعيهم، فالمأموم تابع لإمامه، فهذا المعنى أيضًا منتف في حقه.
• الراجح:
إذا ارتفع المأموم عن إمامه، فإن كان لضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات، فكيف بما هو أخف منها؟.
وإن كان ارتفاع المأموم لغير ضرورة:
فإن كان الارتفاع لطائفة كاملة من المأمومين، فهذا جائز، كما فعل أبو هريرة في الصلاة على ظهر المسجد،، وكما يفعل المسلمون اليوم في صلاتهم في المسجد الحرام.
أما إذا كان العلو لواحد من المأمومين، فهذا يأخذ حكمه حكم المنفرد خلف الصف، فإن كان لحاجة كمن يبلغ عن الإمام أفعاله عن طريق الرؤية، إذا كان صوت الإمام والمبلِّغ لا يبلغ المأموم، فيرتفع المأموم لكي يقتدي به من وراءه عن طريق رؤية أفعاله، فيهتدي بها على أفعال الإمام فهذه حاجة، والحاجات تبيح المكروهات.
وإن كان هذا الفعل بلا حاجة، فقد ثبت النهي عن صلاة المنفرد خلف
стр. 6188
الصف، والجمهور على الكراهة خلافًا للحنابلة، وسوف تأتينا إن شاء الله تعالى هذه المسألة في أحكام الاقتداء، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، والله أعلم.
стр. 6189
الفرع الثالث كراهة الصلاة في المحراب
المدخل إلى المسألة:
• المحاريب لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ ، ولا على عهد الخلفاء الراشدين.
• لا يثبت حديث مرفوع في النهي عن المحاريب مطلقًا، ولا يثبت أثر عن صحابي في النهي عن المحاريب، ويقصد بها محاريب المساجد.
• ما زال المسلمون في سائر البلاد يتخذون المحاريب من غير نكير.
• حث الشرع على بناء المساجد، ولم يأت في النصوص شكل للمسجد لا يجوز مخالفته، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فانحناء جدار القبلة بمقدار متر أو مترين الأصل فيه الإباحة.
• بناء المساجد من أفضل القربات، وأما شَكْلُ المسجد وموادُ بنائه، وتقوس جدار قبلته فليس توقيفيًّا، فالقباب لم تكن موجودة في المساجد، ثم أحدثت.
• لا يوجد ما يمنع من بناء المحاريب إلا أن يكون في ذلك إسراف أو زخرفة.
• اختفاء الإمام عن بعض المأمومين في المحراب لا يكفي لكراهة المحراب، فيكفي أن يراه بعضهم، وليس من شرط الاقتداء أن تقع الرؤية من جميع المصلين.
• سئل الإمام أحمد: تكره المحراب في المسجد؟ فقال: ما أعلم فيه حديثًا يثبت، ورب مسجدٍ يحتاج إليه، يرتفق به، ووافقه الإمام إسحاق.
• اعتماد الإمام أحمد على جواز بناء المحاريب؛ لعدم ثبوت النهي عنها يدل على أنها من العادات؛ إذ لو كان اتخاذها من العبادات لكان جواز البناء يتوقف على ثبوت دليل مبيح؛ لأن العبادات الأصل فيها الحظر.
стр. 6190
• لو كان الصحابة متفقين على كراهتها لما انتشرت المحاريب في عصر التابعين، ولما ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز بنائها في الجملة، وإنما اختلفوا في الصلاة فيها، وهما مسألتان.
• اتخاذ المحاريب في شرع من قبلنا لا يعني كراهة اتخاذها في شريعتنا إلا لو جاء في شرعنا ما يدل على النهي عنها، ولم يصح في النهي عنها شيء يعتمد عليها، لا من الأحاديث، ولا من الآثار.
[م-٧٤٩] المحراب معروف، ويطلق عليه الطاق، قال الجوهري: الطاق ما عطف من الأبنية، والجمع طاقات، وطيقان: فارسي معرب.
هذه المسألة لها علاقة في كراهة اختلاف مكان الإمام عن مكان المأموم، فالجماعة عقدت من أجل الاجتماع، واجتماع الأبدان وسيلة لاجتماع القلوب، فإذا كره للإمام أن ينفرد عن جماعته بمكان مرتفع، كره له أن يغيب عن جماعته في المحراب، فلا يراه كثير من المصلين، فأين صلاة الجماعة، وأين الاجتماع؟
قال في شرح الجامع الصغير: ويكره -يعني الصلاة في المحراب- لأنه يشبه اختلاف المكانين، ألا ترى أن الإمام إذا كان في الدكان منفردًا يكره (١).
[م-٧٥٠] وقد اختلف العلماء في الصلاة في المحراب:
فقيل: يكره قيام الإمام في المحراب، أما لو قام خارجه وسجد في المحراب فلا بأس، وهذا مذهب الحنفية والمشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب المالكية، واختاره الأذرعي من الشافعية.
وكره السيوطي من الشافعية وابن حزم اتخاذ المحاريب في المساجد، وهذا أعم من كراهة الصلاة فيها (٢).
стр. 6191
جاء في الإقناع: «ويباح اتخاذ المحراب نصًّا، ويكره للإمام الصلاة فيه إذا كان يمنع المأموم مشاهدته إلا من حاجة المسجد، كضيق المسجد، لا سجوده فيه (١).
وجاء في شرح زروق على الرسالة: «ثلاثة من جهل الإمام: المبادرة إلى المحراب قبل تمام الإقامة، والتعمق في المحراب بعد دخوله، والتنفل به بعد الصلاة» (٢).
وجاء في الجامع الصغير: «لا بأس أن يكون مقام الإمام في المسجد، وسجوده في الطاق، ويكره أن يقوم في الطاق». اه والطاق: هو المحراب.
وقال الجصاص: «يعني بالطاق: المحراب إذا كان طاعنًا في الحائط يمكن أن يغيب فيه الإمام ببدنه، حتى لا يبصره من على جنبتيه، وكذا كانت محاريب الكوفة قديمًا» (٣).
واختلف مشايخ الحنفية في كلام محمد بن الحسن على طريقين:
أحدهما: علل الكراهة بالتشبه بأهل الكتاب (٤).
والطريق الثاني: علل الكراهة في اشتباه حال الإمام على مَنْ في يمينه ويساره.
стр. 6192
فعلى الأول، يكره مطلقًا.
وعلى الثاني: لا يكره عند عدم الاشتباه، وأيَّد الثاني ابن الهمام؛ لأن امتياز الإمام في المكان مطلوب، وتقدمه واجب عندهم (١).
قال ابن نجيم: «وقد يقال إن امتياز الإمام المطلوب في الشرع حاصل بتقدمه من غير أن يقف في مكان آخر، فمتى أمكن تمييزه من غير تشبه بأهل الكتاب تعيَّن فحينئذ وقوفه في المحراب تشبه بأهل الكتاب لغير حاجة، فكره مطلقًا» (٢).
ونقل ابن عابدين في منحة الخالق عن الرملي قوله: الذي يظهر من كلامهم أن الكراهة تنزيهية (٣).
وقيل: يجوز بلا كراهة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبه قال إسحاق، وهو ظاهر مذهب المالكية، ومذهب الشافعية (٤).
جاء في مسائل الكوسج: «قلت: تكره المحراب في المسجد؟
قال: ما أعلم فيه حديثًا يثبت، ورب مسجد يحتاج إليه، يرتفق به.
قال إسحاق: كما قال» (٥).
وقال الزركشي الشافعي في «إعلام الساجد بأحكام المساجد بعد أن حكى الخلاف في الصلاة في المحراب، قال: «والمشهور الجواز بلا كراهة، ولم يزل عمل الناس عليه من غير نكير» (٦).
стр. 6193
وقيل: تستحب الصلاة فيه، وهو رواية عن أحمد (١).
جاء في الإنصاف: «يباح اتخاذ المحراب على الصحيح من المذهب، ونص عليه أكثر الأصحاب، وعنه ما يدل على الكراهة، واقتصر عليه ابن البنا، وعنه يستحب، اختاره الآجري، وابن عقيل، وقطع به ابن الجوزي في المذهب، وابن تميم في موضع، وقدمه في الآداب الكبرى» (٢).
وكلام صاحب الإنصاف في اتخاذ المحراب، وقد ساق ابن مفلح الأقوال الثلاثة في الصلاة فيه.
قال في الفروع: «ويكره وقوف الإمام في المحراب بلا حاجة … وعنه: لا، كسجوده فيه، وعنه: يستحب» (٣).
وقدم في الآداب أنه يستحب اتخاذ المحراب فيه، وفي المنزل (٤).
وقد فهم عامة الأئمة عندنا في نجد استحباب تقوس السترة على هيئة المحراب، ولو صلى في وسط المسجد، ولا أدري أهم يستحبون صورته، أم يتخذونه على هذا النحو للاتكاء عليه إذا جلس الإمام داخله.
فخلص لنا ثلاثة أقوال في الصلاة في المحراب، الكراهة، والجواز، والاستحباب.
• دليل من قال: يكره للإمام أن يصلي في المحراب:
الدليل الأول:
المحاريب لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ ، ولا على عهد الخلفاء الراشدين، فهو عمل محدث، وفي اتخاذها تشبه بالنصارى، وقد نهينا عن التشبه بهم.
فكأن كراهة الصلاة فيها فرع عن كراهة اتخاذها.
• ويناقش:
بناء المساجد من أفضل القربات، وأما شكل المسجد ومواد بنائه فليس
стр. 6194
توقيفيًّا، فالقباب لم تكن موجودة في المساجد، ثم أحدثت، ولا يوجد ما يمنع منها إلا أن يكون في ذلك إسراف أو زخرفة.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٧٥) ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
فقوله: (فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم) أي اقتدوا بأفعالي، وليقتد بكم من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، فدل الحديث أن الصف الأول ينظر إلى الإمام ليقتدي بأفعاله، وينظر الصف الثاني إلى الصف الأول للغرض نفسه، فكل صف منهم إمام لمن وراءه فإذا غاب الإمام في المحراب لم يراه أصحاب الصف الأول، فأشبه ما لو كان بينهم وبينه حجاب، ولو أخطأ في القيام، أو الركوع، أو السجود لم يقدروا على معرفة ذلك وتنبيهه.
• ويجاب:
اختفاء الإمام عن بعض المأمومين في المحراب لا يكفي لكراهة المحراب، فيكفي أن يراه بعضهم، وليس من شرط الاقتداء الرؤية من جميعهم،
(ث-٥٤١) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب،
عن صالح، مولى التوأمة، قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل (٢).
[حسن] (٣).
стр. 6195
وما زال الناس يصلون بالحرمين، ولا يرى أكثرهم الإمام، بل يصلي بعضهم في الدور الثاني وفي سطح الحرم، ولا يؤثر ذلك على صحة الاقتداء.
الدليل الثالث:
(ح-٢٢٧٦) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سهل بن زنجلة، حدثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء، عن ابن أبجر، عن نعيم بن أبي هند، عن سالم بن أبي الجعد،
عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: اتقوا هذه المذابح. يعني المحاريب (١).
[رفعه شاذ ويقصد بالمحاريب تصدر المجالس] (٢).
ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن المحفوظ أنه مقطوع على سالم بن أبي الجعد.
الوجه الثاني:
تفسير المذابح بالمحاريب ليس مرفوعًا، ولا يدرى أهو من كلام الصحابي ﵁، أم هو من كلام التابعي فمن دونه؟
وعلى الاحتمال الثاني، فليس فيه حجة، وعلى احتمال أن يكون من كلام الصحابي، وتفسيره حجة، لكونه أعلم بما روى، يبقى السؤال: ما المقصود بالمحاريب؟ فيه خلاف:
فبعضهم حملها على محاريب المساجد، واستدل على أن المحاريب تطلق في اللغة ويراد بها محاريب المساجد، وتطلق ويراد بها صدر الشيء، وأشرف موضع فيه، وقد جاءت آثار كثيرة، وإن كانت ضعيفة تحذر من محاريب المساجد،
стр. 6198
فليحمل الحديث عليها (١).
وهذا الحمل ضعيف؛ لأن قوله: (اتقوا هذه المذابح) فاستخدام اسم الإشارة الخاص بالقريب (هذه المذابح) يجعل (أل) في المذابح للعهد؛ فكأنه يشير إلى شيء معهود، وموجود، ومعروف لهم، ومحاريب المساجد لم تكن موجودة في عصر الوحي، ولا في عصر الخلفاء الراشدين، فلو أن الحديث قال: (اتقوا المذابح) لقيل: يحذر منها قبل وجودها، بخلاف قوله: (اتقوا هذه المذابح)، فتعين حملها على ما كان موجودًا في عصر الوحي، وهي صدور المجالس.
وهذا ما حمله عليه جماعة من العلماء، منهم الهيثمي في مجمع الزوائد، والمناوي في فيض القدير، والشوكاني، والصنعاني (٢).
قال ابن الأثير: «المحراب: الموضع العالي المشرف، وهو صدر المجلس أيضًا، ومنه سمي محراب المسجد، وهو صدره وأشرف موضع فيه، ومنه حديث أنس ﵁ (أنه كان يكره المحاريب) أي لم يكن يحب أن يجلس في صدر المجلس ويترفع على الناس» (٣).
الدليل الرابع:
(ث-٥٤٢) ما رواه البزار من طريق أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت الكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب. يعني: أنه كره الصلاة في الطاق.
قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من حديث أبي حمزة بهذا الإسناد … » (٤).
[إسناده ضعيف، ورواه النخعي عن ابن مسعود بإسناد أصح، ولكن بلفظ:
стр. 6199
اتقوا هذه المحاريب] (١).
• ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن الأثر الثابت عن ابن مسعود: (اتقوا هذه المحاريب)، وليس فيه إشارة إلى علة التشبه. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى ما المقصود بالمحاريب: يحتمل محاريب المسجد، ويحتمل: التحذير من القيام في صدر المجلس طلبًا للتصدر.
стр. 6200
والثاني أرجح؛ لأن وفاة عبد الله بن مسعود كان في عام ٣٢، أو ٣٣ هـ قبل ظهور المحاريب في المساجد، فهو يشير بقوله: (هذه المحاريب) إلى محاريب قائمة وموجودة، وقد كان أقرب تاريخ يذكر لنا ظهور المحاريب في آخر المائة الأولى في عهد عمر بن العزيز، فيبعد قوله: (هذه المحاريب) أنه عنى بها محاريب المساجد، إلا لو ثبت أن ظهور المحاريب كان في الثلث الأول من القرن الأول، وهذا مخالف لما ذكره السيوطي وغيره عن تاريخ ظهورها. فتأمل، والله أعلم.
الوجه الثاني:
إذا حملنا قوله: (هذه المحاريب) على محاريب المساجد، فإن هذا الأثر يدل على ظهور المحاريب في وقت مبكر من عصر الصحابة ﵃، أي قبل وفاة عثمان ﵁، فإن وفاة عثمان سنة ٣٥ هـ ووفاة ابن مسعود قبل ذلك في عام ٣٢، أو ٣٣ هـ وقد جاء في الدرة الثمينة في أخبار المدينة لابن النجار (ت ٦٤٣) وفيها: «مات عثمان، وليس في المسجد شرفات، ولا محراب، فأول من أحدث الشرفات والمحراب عمر بن عبد العزيز» (١).