ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن المحفوظ أنه مقطوع على سالم بن أبي الجعد.
الوجه الثاني:
تفسير المذابح بالمحاريب ليس مرفوعًا، ولا يدرى أهو من كلام الصحابي ﵁، أم هو من كلام التابعي فمن دونه؟
وعلى الاحتمال الثاني، فليس فيه حجة، وعلى احتمال أن يكون من كلام الصحابي، وتفسيره حجة، لكونه أعلم بما روى، يبقى السؤال: ما المقصود بالمحاريب؟ فيه خلاف:
فبعضهم حملها على محاريب المساجد، واستدل على أن المحاريب تطلق في اللغة ويراد بها محاريب المساجد، وتطلق ويراد بها صدر الشيء، وأشرف موضع فيه، وقد جاءت آثار كثيرة، وإن كانت ضعيفة تحذر من محاريب المساجد،
стр. 6198
فليحمل الحديث عليها (١).
وهذا الحمل ضعيف؛ لأن قوله: (اتقوا هذه المذابح) فاستخدام اسم الإشارة الخاص بالقريب (هذه المذابح) يجعل (أل) في المذابح للعهد؛ فكأنه يشير إلى شيء معهود، وموجود، ومعروف لهم، ومحاريب المساجد لم تكن موجودة في عصر الوحي، ولا في عصر الخلفاء الراشدين، فلو أن الحديث قال: (اتقوا المذابح) لقيل: يحذر منها قبل وجودها، بخلاف قوله: (اتقوا هذه المذابح)، فتعين حملها على ما كان موجودًا في عصر الوحي، وهي صدور المجالس.
وهذا ما حمله عليه جماعة من العلماء، منهم الهيثمي في مجمع الزوائد، والمناوي في فيض القدير، والشوكاني، والصنعاني (٢).
قال ابن الأثير: «المحراب: الموضع العالي المشرف، وهو صدر المجلس أيضًا، ومنه سمي محراب المسجد، وهو صدره وأشرف موضع فيه، ومنه حديث أنس ﵁ (أنه كان يكره المحاريب) أي لم يكن يحب أن يجلس في صدر المجلس ويترفع على الناس» (٣).
الدليل الرابع:
(ث-٥٤٢) ما رواه البزار من طريق أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت الكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب. يعني: أنه كره الصلاة في الطاق.
قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من حديث أبي حمزة بهذا الإسناد … » (٤).
[إسناده ضعيف، ورواه النخعي عن ابن مسعود بإسناد أصح، ولكن بلفظ:
стр. 6199
اتقوا هذه المحاريب] (١).
• ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن الأثر الثابت عن ابن مسعود: (اتقوا هذه المحاريب)، وليس فيه إشارة إلى علة التشبه. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى ما المقصود بالمحاريب: يحتمل محاريب المسجد، ويحتمل: التحذير من القيام في صدر المجلس طلبًا للتصدر.
стр. 6200
والثاني أرجح؛ لأن وفاة عبد الله بن مسعود كان في عام ٣٢، أو ٣٣ هـ قبل ظهور المحاريب في المساجد، فهو يشير بقوله: (هذه المحاريب) إلى محاريب قائمة وموجودة، وقد كان أقرب تاريخ يذكر لنا ظهور المحاريب في آخر المائة الأولى في عهد عمر بن العزيز، فيبعد قوله: (هذه المحاريب) أنه عنى بها محاريب المساجد، إلا لو ثبت أن ظهور المحاريب كان في الثلث الأول من القرن الأول، وهذا مخالف لما ذكره السيوطي وغيره عن تاريخ ظهورها. فتأمل، والله أعلم.
الوجه الثاني:
إذا حملنا قوله: (هذه المحاريب) على محاريب المساجد، فإن هذا الأثر يدل على ظهور المحاريب في وقت مبكر من عصر الصحابة ﵃، أي قبل وفاة عثمان ﵁، فإن وفاة عثمان سنة ٣٥ هـ ووفاة ابن مسعود قبل ذلك في عام ٣٢، أو ٣٣ هـ وقد جاء في الدرة الثمينة في أخبار المدينة لابن النجار (ت ٦٤٣) وفيها: «مات عثمان، وليس في المسجد شرفات، ولا محراب، فأول من أحدث الشرفات والمحراب عمر بن عبد العزيز» (١).
стр. 6201
وقال السيوطي في رسالته، إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب: «لم يكن في زمانه -يعني النبي ﷺ - قط محراب، ولا في زمان الخلفاء الأربعة إلى آخر المائة الأولى، وإنما حدث في آخر -الصواب أول- المائة الثانية» (١).
ولو سلمنا جدلًا أن المحاريب موجودة في وقت ابن مسعود، وقبل وفاة عثمان ﵁، فإن لذلك دلالته الفقهية، فلو كان الصحابة متفقين على كراهة بنائها لما فعلت في عصرهم، فإن انتشارها يرجع لعدم اتفاقهم على كراهتها، ولا يظن بالتابعين أن الصحابة يتفقون على كراهة المحاريب ثم تنتشر في عصرهم وعصر التابعين إلى يومنا هذا، ولو كان الصحابة متفقين على كراهتها لما ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز بنائها في الجملة، وإنما اختلفوا في الصلاة فيها، وهما مسألتان:
فالمالكية والشافعية ورواية عن أحمد لا يرون بالصلاة فيها بأسًا، واستحب أحمد في رواية الصلاة فيها.
ومن كره الصلاة في المحراب كالحنفية والحنابلة في رواية إنما كرهوا القيام في المحراب، فلو قام خارج المحراب، وكان سجوده في المحراب فلا كراهة،
стр. 6202
إشارة إلى عدم كراهة بنائه.
أترى أن الصحابة يتفقون على كراهتها، ثم يتفق الأئمة الأربعة في الجملة على جواز بنائها، حتى قال أحمد حين سئل عن بنائها: لا أعلم فيه حديثًا يثبت، ورب مسجدٍ يحتاج إليه، يرتفق به، ووافقه إسحاق بن راهويه.
والإمام أحمد من أعلم الأئمة بالآثار، ومن أحرص العلماء على اتباعها، والاحتجاج بها، بل ربما احتج بآثار التابعين، ولم يتجاوزها، فكيف ذهب إلى جوازها، وفي رواية إلى استحبابها، وما يقال عن الإمام أحمد يقال عن الإمام مالك والشافعي.
ولو سُلِّم القول بكراهة بنائها والصلاة فيها، فالمكروه تبيحه الحاجة، فهي معلم يدل على معرفة القبلة، وكراهتها لعلة التشبه إنما يصدق ذلك لو كان شكل المحاريب واحدة، فمحاريب المسلمين مختلفة عن محاريب أهل الكتاب، حيث محاريب النصارى مرتفعة جدًّا كالشرفة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]، فلولا ارتفاعه لما تسوروه، بخلاف محاريب المسلمين فهي مستوية في المكان مع المصلين.
الدليل الخامس:
(ث-٥٤٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، عن أبيه،
عن علي ﵁ أنه كره الصلاة في الطاق (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 6203
الدليل السادس:
(ح-٢٢٧٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: أخبرنا أبو إسرائيل،
عن موسى الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزال هذه الأمة -أو قال أمتي- بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل السابع:
(ث-٥٤٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن إدريس، عن ليث بن أبي سليم،
عن قيس، عن أبي ذر، قال: من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد (٣).
[ضعيف] (٤).
الدليل الثامن:
(ث-٥٤٥) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا حميد،
عن موسى بن عبيدة، قال: رأيت مسجد أبي ذر فلم أر فيه طاقًا (٥).
وموسى بن عبيدة وإن تكلموا في حفظه، لكنه هنا يخبر عن شيء أدركه بالحس
стр. 6204
والمشاهدة، وليس اعتمادًا على الحفظ الذي يحتاج إلى قوة ضبط، ويتطرق له الوهم، فلعل مثل ذلك يحتمل له، والله أعلم.
• ويجاب عنه:
أبلغ من هذا الدليل أن مسجد النبي ﷺ في عصره، وفي عصر الخلافة الراشدة ليس فيه محراب، ولكن ترك المحراب يصلح ردًا على من يقول: إن المحراب سنة، وأما من يقول: اتخاذ المحراب مباح، فلا يعترض عليه بكون مسجد أبي ذر ﵁، لا محراب فيه، لأن فعل المباح على التخيير، إن شاء فعل، وإن شاء ترك.
الدليل التاسع:
(ث-٥٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيد بن أبي الجعد، قال:
كان أصحاب محمد ﷺ يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد، يعني الطاقات (١).
[ضعيف] (٢).
وتفسير المذابح بالطاقات لا يدري ممن هذا التفسير، أهو من عبيد بن أبي الجعد، أو ممن دونه، والله أعلم، ولعله تفسير بالمعنى، فأراد أن يفسرها بالمحاريب، فقال: الطاقات، والمحاريب أعم من الطاقات، لأنها تحتمل صدور المجالس، وتحتمل الطاقات.
وإذا فسرت المذابح بالطاقات، فلا أدري وجه الشبه بين المذابح والطاقات، فالمذابح: أماكن مرتفعة يقدم فيها القرابين.
стр. 6205
والطاقات: موضع يقوم فيه الإمام بالصلاة، واختلاف وظيفة مذابح النصارى عن محاريب المسلمين مما يضعف كراهة المحاريب لعلة التشبه.
قال محقق الطبراني: «المذابح: جمع مذبح … وهي في الأصل للنصارى، وسميت مذابح؛ لأنهم يذبحون عندها … » (١).
وجاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية: «المذبح عند أهل الكتاب مقصورة مرتفعة نحو متر ونصف المتر ذات أعمدة ليس بينهما حواجز، وفوقها سقف تحته خلاء توضع فيه القرابين. وهذه المقصورة داخل حجرة فسيحة أمام المعبد، يصعد إليها بسلم ذي درجات قليلة تسمى الهيكل، لا يدخله إلا الكهنة وأرباب الخطايا الذين يريدون المغفرة، وهذه المحاريب للكنائس وبيوت العبادة لأهل الكتاب، وكانت تتعبد فيها مريم كما جاء في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] .... فهل محاريب المساجد الإسلامية الآن مثل محاريب النصارى؟ لا؛ لأنها ليست غرفًا، وليست مرتفعة عن أرض المسجد، ولم يتميز بالجلوس فيها جماعة من المسلمين، وإنما هي علامات على اتجاه القبلة، وقد تكون مجوفة وغير مجوفة، تبين مقام الإمام من المأمومين، لأن السنة أن يقف الإمام إزاء وسط الصف، فالحكم بكراهة اتخاذ المحاريب أساسه إما اختفاء الإمام عن المأمومين، وإما ارتفاعه عليهم بدون مبرر، وكان الصحابة يكرهون أن يكون الإمام مرتفعًا عليهم؛ لأنه يوحى بالكبر.
ومحاريب المسلمين الآن لا صلة لها بهذه الأسباب، فهي -كما سبق- علامة على القبلة، وتعليم جهتها أمر مشروع، وقد غرز النبي ﷺ خشبة في مسجد قوم جابر بن أسامة بعد أن خطه لهم، ليكون دليلا على القبلة. فدل هذا على مشروعية إرشاد المصلى إلى القبلة .... » (٢).
стр. 6206
• دليل من قال: بإباحة المحاريب أو استحبابها:
الدليل الأول:
حث الشرع على بناء المسجد، ولم يأت في النصوص شَكْلٌ للمسجد لا يجوز مخالفته، والمطلق جار على إطلاقه، فانحناء جدار القبلة بمقدار متر أو مترين الأصل فيه الإباحة، ولهذا نص الحنابلة على إباحة بناء المحاريب، فلم يروا بناءها من العبادات، وهي أولى من بناء القباب في المساجد، ولم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ ، المهم ألا يكون في المحاريب زخرفة ولا إسراف، فهي أمكان للعبادة، وليست أماكن للمباهاة والتفاخر.
ولا يخلط بين التعبد ببناء المسجد، وبين إباحة شكله ومواد بنائه، فإن ذلك متروك حسب عادات الناس.
ولهذا اعتمد الإمام أحمد في جواز بنائها على عدم ثبوت نهي عن اتخاذ المحراب، ولو كان اتخاذ المحراب عبادة لكان اتخاذه يتوقف على نص يبيح ذلك، لأن العبادات الأصل فيها الحظر.
جاء في مسائل الكوسج: «قلت: تكره المحراب في المسجد؟
قال: ما أعلم فيه حديثًا يثبت، ورب مسجدٍ يحتاج إليه، يرتفق به، قال إسحاق: كما قال» (١).
وقال الزركشي: «لم يزل عمل الناس عليه من غير نكير» (٢).
• واعترض عليه:
بأن بعض السلف قد أنكر هذه المحاريب.
• ورد هذا:
بأنه لا يثبت حديث مرفوع في النهي عن المحاريب كما قال الإمام أحمد، وما جاء عن الصحابة فغالبه ضعيف، وما صح منه لا يمكن حمله على محاريب المساجد، بل على صدور المجالس، وأما الآثار عن التابعين فهي معارضة بمثلها،
стр. 6207
فقد جاء عن جماعة من التابعين القول بجوازه، وليس قبول قول المانعين بأولى من قبول قول المجوزين، والمذاهب الأربعة على القول بالجواز، ومن كره منهم القيام فيها لم يمنع من السجود فيها، وهو دليل على جواز بنائها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن المحاريب كانت في شرع من قبلنا، ولم يأت في شرعنا ما يحرمه.
قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]
وقال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]
وهل يمكن أن يتحول شرع من قبلنا كدليل من أدلة الشرع المختلف فيها إلى علة للكراهة بدعوى التشبه، وإنما التشبه الممنوع بما أحدثوه في دينهم، لا فيما شرعه رسلهم من عند الله.
فبعض النصوص الفقهية تنص على أن هناك نوعًا من التشابه بين المحاريب النصرانية والمحاريب الإسلامية، قال في المقنع: «وإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا، لم يلتفت إليها» (١).
فهذا النص أهو من الفقه الافتراضي، أم هو يعبر عن وجود تشابه بين المحاريب الإسلامية والنصرانية؟
فيه احتمال، والذي يقوي أنه من الفقه الافتراضي أن المرداوي فرض محاريب لغير النصارى من أصحاب الملل الأخرى.
قال في الإنصاف: «لا يجوز الاستدلال بمحاريب الكفار إلا أن يعلم قبلتهم كالنصارى» (٢).
فعمم سائر الكفار، وكأن المحراب موجود في ملل كثيرة.
وما حاجة النصارى إلى محاريب كمحاريب المسلمين، وصلاتهم ليست كصلاتنا، ولكن دعونا نناقش الأمر على سبيل الافتراض.
فلنفرض أن الكنائس في عصر من العصور الإسلامية أو لدى بعض الطوائف
стр. 6208
النصرانية فيها محاريب تشبه محاريب المسلمين.
فالمنهي عنه لعلة التشبه على نوعين:
نوع نص الشارع بفعله أو تركه مخالفة للمشركين.
فهذا نتمسك بالنص مطلقًا، حتى ولو تغير حال المشركين، كإعفاء اللحى مخالفة للمشركين، وتغيير الشيب للعلة نفسها، فلو أن المشركين أعفوا لحاهم لم يحملنا ذلك على حلق اللحية؛ لأنهم حينئذ تشبهوا بالمسلمين، وليس العكس.
والنوع الثاني: كان إلحاقه بالتشبه عن طريق الاجتهاد، كمسألة المحاريب حيث لا يوجد نص مرفوع ينهى عن اتخاذ المحاريب مخالفة للمشركين.
فهذا النوع من التشبه متى انتفى انتفت الكراهة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالمقطوع فيه في هذا العصر أنه لا يوجد أي تشابه بين المحاريب الإسلامية، ومحاريب أهل الكتاب إلا من حيث الدلالة اللغوية، باعتبار أن المحراب في اللغة: صدر المجلس والمكان والبيت، وأشرف موضع فيه.
فالمحاريب اليوم لدى النصارى هي منصة مرتفعة مشرفة على مجموعة من المصلين يستقبلهم القس ويستقبلونه فيقوم عليها مرددًا ابتهالاته، ويفتتحها بقوله: (أباءنا الذي في السموات ليتقدس اسمك … ) ويختمها بهذا الدعاء، وليس لصلاتهم أي شروط تتعلق بالطهارة ولا باللباس، ولا بالوقت، ولا بالاستقبال، فقبلة القس استقبال المصلين وقبلة المصلين استقبال القس، وتعلق الصلاة بالوقت هي مسألة تنظيم راجع لاختيار المصلين.
فأين هذه المنصة المشرفة عن محاريب المسلمين والتي هي مجرد انحناء في حائط المسجد، بمقدار متر أو مترين لا يرتفع فيه الإمام على المصلين، فلا محاريبنا تشبه محاريبهم، ولا صلاتنا تشبه صلاتهم، فما أبعد قول من قال: إنها تشبه محاريب النصارى وبإمكان كل باحث أن يدخل إلى قوقل، ويبحث: كيف يصلي النصارى في كنائسهم؛ ليشاهد كيف يصلون، فلعلها سميت محرابًا عند النصارى من جهة اللغة، لا من جهة تشابه البناء، فهي مكان مرتفع يشرف على مجموعة من الكراسي يقعد عليها من يدخل الكنيسة للصلاة، وهي أشبه بالمسرح منها بمحراب المسجد،
стр. 6209
وتشابه الأسماء لا يغير الحقائق، ولذلك يسمى المحراب عند الفقهاء ب (الطاق)، وهو لا يشبه محاريب النصارى.
ولقد طلبت من بعض الإخوة أن يسأل دعاة مختلفين، من أفريقيا، ومن البرازيل ومن المكسيك ممن يدخل الكنائس، ويجادل أهلها، وكانت إفادتهم بأنه لا توجد في كنائسهم محاريب، وصور لي هذا الصديق الشامي المقيم في تركيا مسجدًا كان أصله كنيسة أثرية بنيت من الصخور الكبيرة عمرها يعود لأكثر من ألف سنة، فلم يعثر فيها على محراب إلا ما أحدثه المسلمون بعد تحويلها إلى مسجد، ومن مشاهدة صورة المحراب تعرف أنه عصري لا ينتمي إلى تاريخ بناء المكان.
فهذا الافتراض الأول: أن يكون إطلاق المحاريب من جهة اللغة، لا من جهة التوافق على الشكل.
الافتراض الثاني: أن تكون هذه المحاريب تشبه محاريب المسلمين في شكل البناء، فإن مكان القس في المحراب مرتفع جدًّا عن بقية المصلين بخلاف محاريب المسلمين فإنها مستوية ليست مرتفعة، فلماذا نرى فقط وجه الشبه، ولا نرى وجه الاختلاف بينها وبين محاريب المسلمين، فوجود فروق بينها يجعل علة الشبه ضعيفة، قال ابن نجيم في البحر الرائق: « .... على أن أهل الكتاب إنما يخصون الإمام بالمكان المرتفع على ما قيل، فلا تشبه» (١).
الافتراض الثالث: أن يكون الشبه مطابقًا من كل وجه، وهذا نفرضه جدلًا، فالتشبه المنهي عنه هو ما أحدثه أهل الكتاب، لا ما شرعه رسلهم، ولهذا الأصوليون يدخلون في الأدلة المختلف فيها: شرع من قبلنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولم يدخلوه في حكم التشبه، فالأصح أن ما شرعه الرسل فهو شريعة لنا إلا أن يأتي في ديننا ما ينسخه، ولقد استقبل نبينا ﵊ بيت المقدس حتى نسخ ذلك إلى استقبال الكعبة، فهل يعتبر ترك النبي ﷺ لبناء المحراب في مسجده هل يعد ذلك نسخًا، أو يقال: إن بناء المحراب، يدخل في شكل المسجد، وشكله من المباحات، وليس من العبادات، ولم يكن هناك حاجة في عصر الوحي إلى بناء
стр. 6210
المحراب، الأظهر الثاني.
الدليل الثالث:
أن في المحراب مصلحة تعود للمسجد، ومصلحة تعود للمصلي:
أما المصلحة التي تعود للمسجد، فإنه من المعلوم أن الإمام سوف يتقدم المأموم، وينفرد عن جماعة المصلين، فإذا لم يتخذ محرابًا، فسوف يعطل الإمام من المسجد بقدر صف كامل بحسب عرض المسجد؛ ليحصل التمايز بين مكان الإمام ومكان المأمومين، فإذا خرج محراب للإمام بقدر متر أو مترين فسوف يوفر مساحة بعرض المسجد ينتفع منه المصلون.
والمنهي عنه ارتفاع مكان الإمام، لا تميز الإمام في مكان يصلي فيه، فإن الأصل أن الإمام يتميز عن المأموم في المكان، ولهذا تقدمهم.
وهذا يقال إذا علم أن المسجد يضيق بأهله، خاصة في بعض البلدان، أما بلادنا فالمساجد فسيحة، والجماعة قليلة، فتبقى المصلحة التالية.
وفيه مصلحة تعود للمصلين: فهو يهدي إلى موضع القبلة، ولذلك منع جمهور الفقهاء من الاجتهاد في الحضر؛ لإمكان من لا يعرف القبلة أن يهتدي إليها بالنظر إلى محاريب البلدة.
• الراجح:
أن بناء المحاريب من الأمور المباحة، والصلاة فيها جائز، ويكره زخرفتها بما يشغل المصلي عن صلاته، والله أعلم.
стр. 6211
المبحث الثاني في مكروهات اللباس
الفرع الأول في كراهة كف الثوب والشعر في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• النهي عن كف الثوب والشعر حكم معلل في النظر الفقهي.
• حكم كف الثوب من حيث الحكم الوضعي غير مفسد للصلاة وحكي فيه الإجماع إلا ما نقل عن الحسن البصري.
• النهي عن كف الثوب الأصل فيه التحريم إلا أنه صرف للكراهة لكون الكف لا تعلُّقَ له بستر العورة، ولا تشبُّهَ فيه، ومن الحركة اليسيرة في الصلاة، فكان حكمه التكليفي مكروهًا.
• العلة في كراهة كف الثوب والشعر داخل الصلاة لكونه يؤدي إلى الاشتغال بذلك عن الصلاة، ولا يبطلها لكونه يسيرًا.
• كراهة الكف قبل الدخول في الصلاة معلل بأن الشعر يسجد مع المصلي، وهو وإن صَحَّ موقوفًا إلا أن مثله لا يقال بالرأي.
• بعضهم علل النهي عن الكف بأن المصلي قد يفعله ترفعًا، ومثل هذا لا يليق بمقام العبودية.
كف الثوب في الاصطلاح (١):
стр. 6212
أن يجمع الرجل ثيابه ويرفعها عن الأرض، ومنه تشمير الكم وكفه، كما يدخل فيه أن يصلي وشعره معقوص، أو مردود تحت عمامته.
وعند أكثر الحنفية: أن يرفع ثوبه من بين يديه أو من خلفه إذا أراد السجود.
وقيل: بأن يجمع ثوبه ويشده من وسطه لما فيه من التجبر المنافي للخشوع (١).
[م-٧٥١] اختلف العلماء في حكم كف الثوب والشعر في الصلاة.
فقال الحنفية: يكره، وظاهره تحريمًا، والأصح مطلقًا أي سواء أفعلها من أجل الصلاة أم لا، وسواء أكان يقصد حفظ ثوبه وشعره عن التراب أم لا، والقول بالتحريم هو اختيار ابن حزم من الظاهرية (٢).
قال ابن عابدين: «الأشبه بسياق الأحاديث أنها تحريم إلا إن ثبت على التنزيه
стр. 6213
إجماع فيتعين القول به» (١).
قال ابن حزم: «ولا يحل للمصلي أن يضم ثيابه أو يجمع شعره قاصدا بذلك للصلاة» (٢).
وقيل: لا بأس بصون ذلك عن التراب، وهو قول في مذهب الحنفية (٣).
وقيل: يكره تنزيهًا، سواء أتعمده للصلاة أم لا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وقول عند المالكية زاد الحنابلة: إِنْ فَعَلَهُ بلا سبب (٤).
وقال المالكية: إن كان ذلك لباسه قبل ذلك، أو كان يعمل عملًا فكف ثوبه أو شعره فدخل في صلاته على هيئته فلا كراهة، وإن فعل ذلك في صلاته أو لأجلها كره (٥).
وقيد بعضهم: إذا كان ينوي أن يعود لعمله وإلا كره (٦).
وظاهر تبويب البخاري أن كف الشعر في الصلاة مكروه مطلقًا، فعله في الصلاة أو قبلها، ثم صلى كذلك، بخلاف كف الثوب، فإنه إنما يكره فعله في الصلاة خاصة لما فيه من العبث، والجمهور على التسوية بينهما (٧).
هذا فيما يتعلق بالأقوال، وأما أدلتها فقد ذكرت هذه المسألة فيما سبق، عند
стр. 6214
الكلام على ما يكره من اللباس في الصلاة في المجلد الرابع (١)، فأغنى ذلك عن إعادتها، ولله الحمد والمنة.
стр. 6215
الفرع الثاني في كراهة كشف العاتقين في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الأمر بستر العاتق جاء مقيدًا بما إذا صلى بالثوب الواحد، ولو كان ستر العاتق مقصودًا لذاته لجاء الأمر به مطلقًا، سواء أصلَّى في ثوب واحد أم أكثر.
• مفهوم قوله ﷺ لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء، أن الرجل إذا صلى في ثوبين كما لو صلى، وتحت إزاره سراويل لا يؤمر بوضع الثوب على العاتق.
• ستر العاتق متردد في علة مشروعيته، أهو من أجل اتخاذ الزينة، أم من أجل أنه عورة في الصلاة، وإن لم يكن عورة في النظر، أم من أجل تأمين الثوب الواحد من السقوط خوفًا من انكشاف العورة، لا من أجل ستر العاتق، الراجح الأخير، يفسره قوله في الرواية الأخرى: (وليخالف بين طرفيه).
• وضع الثوب على العاتق في الصلاة لم يأت الأمر به بلفظ الستر، حتى قال بعض الحنابلة: يجزئ ولو بحبل أو خيط.
• كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا يثبت بمجرد الأمر به.
• لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
[م-٧٥٢] نص الحنفية على كراهة كشف المنكبين في الصلاة كراهة تنزيهية (١).
стр. 6216
وقيل: سترهما سنة، وهو رواية عن أحمد (١).
واستحبه المالكية في الصلاة وعند الخروج إليها (٢).
واستحب الشافعية أن يجعل على عاتقه منه شيء (٣).
ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
وقيل: سترهما لازم على خلاف بينهم:
فقيل: شرط مطلقًا في الفرض والنفل، وهو رواية عن أحمد، وجزم به الخرقي، وبه قال أبو جعفر محمد بن علي (٤).
وقيل: سترهما واجب، وليس بشرط، فلو صلى ولم يسترهما صحت مع الإثم (٥).
وقيل: ستر جميع أحد العاتقين شرط في الفرض، ومستحب في النفل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره القاضي أبو يعلى (٦).
والصحيح من مذهب الحنابلة: أنه يجب ستر جميع العاتق، وقال بعض الحنابلة: يجزئ ولو بحبل أو خيط، ونسبه بعضهم إلى أكثر الأصحاب (٧).
فخلصت الأقوال إلى ستة أقوال:
الأول: كراهة كشف العاتقين، واستحباب سترهما، وهو قول الحنفية، وهذا القول هو ما حملنا على ذكر هذه المسألة في مكروهات الصلاة.
стр. 6217
الثاني: استحباب الستر، وهو قول المالكية، ورواية عن أحمد.
الثالث: استحباب أن جعل شيئًا على عاتقه، وهو مذهب الشافعية.
الرابع: وجوب سترهما، وهو قول في مذهب الحنابلة.
الخامس: يشترط سترهما في الفرض والنفل. وهو رواية عن أحمد.
السادس: يشترط في الفرض ويستحب سترهما في النفل، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة.
وأرجحهما مذهب الشافعية.
هذا ما وقفت عليه من الأقوال في المسألة، وأما أدلتها فانظره في المجلد الرابع، فقد سبق بحث المسألة هناك، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
стр. 6218
الفرع الثالث في كراهة النقاب والبرقع في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• لم أقف على خلاف في كراهة الانتقاب في الصلاة إذا لم يكن هناك أجانب.
• التعبد بتغطية الوجه في الصلاة بلا حاجة من التنطع في الدين، والابتداع في الشريعة.
• تغطي وجهها إذا احتاجت كما لوكان هناك أجانب أو روائح كريهة.
[م-٧٥٣] كره جمهور الفقهاء صلاة المرأة متنقبة أومتبرقعة، وحكي إجماعًا (١).
وقال الحنابلة: إلا أن يكون ذلك لحاجة، كحضور أجانب -قال الشافعية: لا يحترزون عن النظر إليها- فلا كراهة (٢).
قال الدردير في الشرح الكبير: «وكره انتقاب امرأة أي تغطية وجهها بالنقاب، وهو ما يصل للعيون في الصلاة؛ لأنه من الغلو، والرجل أولى ما لم يكن من قوم عادتهم ذلك» (٣).
وظاهِرهٌ الكراهةُ مطلقًا حتى لو كان ذلك بحضور أجانب.
стр. 6219
قال النووي: «ويكره أن يصلي الرجل ملثمًا، والمرأة متنقبة» (١).
وجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «ويكره أن يصلي … الرجل متلثمًا، والمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان، وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها، فلا يجوز لها رفع النقاب» (٢).
وقال البهوتي في كشاف القناع: «فإن كان لحاجة كحضور أجانب، فلا كراهة» (٣).
على خلاف بين الفقهاء في علة الكراهة: أهو من أجل أن النقاب والتبرقع منافيًا لهيئة المصلي من استحباب الوقار في صلاته، أم لدفع التنطع والتكلف باعتقاد أن تغطية الوجه مشروعة في الصلاة ولهذا استثنوا من الكراهة ما إذا كان ذلك عادة القوم، أم لكونه يمنع من مباشرة الأنف والجبهة على القول بأن مباشر الأنف والجبهة مستحبة، والله أعلم.
وانظر بحث المسألة في المجلد الرابع من هذا الكتاب، فقد ناقشت هذه التعليلات، والله أعلم.
стр. 6220
الفرع الرابع كراهة اللثام وتغطية الفم في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• لم يصح حديث في كراهة اللثام في الصلاة.
• الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي.
• بعض التعاليل لكراهة اللثام وجيهة والكراهة ينبغي أن تقيد بشرطين: ألا يكون وضع اللثام من عادة القوم، وألا تدعو إليه حاجة.
• إذا خص الصلاة بوضع اللثام كُرِهَ.
[م-٧٥٤] كره جمهور الفقهاء اللثام في الصلاة:
وفسره الحنفية والحنابلة بتغطية الأنف والفم، وهو أحد التفسيرين عند الشافعية (١).
وفسره بعض الشافعية: بأنه تغطية الفم وحده (٢).
وفسر المالكية اللثام بتغطية الشفة السفلى وما تحتها من الوجه (٣).
стр. 6221
وكره المالكية اللثام خارج الصلاة، إلا أن يكون من قوم عادتهم ذلك (١).
والخلاف إنما هو في تفسير اللثام، وأما الكراهة فعامة الفقهاء يكرهون تغطية الأنف والفم، سواء أغطاهما معاً، أم غطى فمه وحده.
وقال الحسن: يكره أن يغطي أنفه وفمه جميعًا، فإن غطى فمه دون أنفه فلا بأس (٢).
وقيل: لا يكره التلثم، وهو رواية عن أحمد (٣).
فخلصنا من هذا أن الأقوال تنتهي إلى ثلاثة:
الأ، ول: يكره تغطية الأنف والفم، سواء أغطاهما معًا، أم غطى فمه وحده.
الثاني: لا يكره اللثام مطلقًا، وهو رواية عن أحمد في مقابل المشهور عنه.
الثالث: يكره تغطيتهما معًا، ولا يكره تغطية الفم وحده، وهذا قول الحسن.
هذا ملخص الأقوال، وانظر أدلة هذه المسألة في المجلد الرابع من هذه الموسوعة، فقد سبق بحثها في شروط الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
стр. 6222
الفرع الخامس في كراهة السدل في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• قال ابن المنذر: لا أعلم في النهي عن السدل خبرًا يثبت.
• الأصل صحة صلاة من سدل ثوبه إذا لم تنكشف عورته في أثناء صلاته.
• صح عن بعض الصحابة النهي عن السدل، وهو كَافٍ في ثبوت الكراهة.
• المنقول عن بعض الصحابة في تعليل النهي عن السدل هو التشبه باليهود.
• العلة في النهي عن السدل إن كان عليه قميص هو التشبه باليهود، وإن لم يكن عليه قميص أضيف إلى ذلك الخوف من انكشاف العورة.
[م-٧٥٥] اختلف الفقهاء في حكم السدل في الصلاة:
فقيل: يكره السدل مطلقًا في الصلاة كراهة تحريمية، سواء أكان على المصلي قميص أم لا، وهو مذهب الحنفية، وبه قال أحمد في رواية، وزاد: فإن صلى سادلًا أعاد. قال في الإنصاف: وهي من المفردات (١).
وقيل: يكره مطلقًا، سواء أكان عليه ثوب أم لا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
стр. 6223
وقيل: يباح مطلقًا، وبه قال المالكية، ورجحه ابن المنذر من الشافعية، وهو رواية عن أحمد (١).
جاء في المدونة: «قال مالك: لا بأس بالسدل في الصلاة وإن لم يكن عليه قميص إلا إزار ورداء فلا أرى بأسًا أن يسدل، قال مالك: ورأيت بعض أهل الفضل يفعل ذلك، قال مالك: ورأيت عبد الله بن الحسن يفعل ذلك» (٢).
وقيل: يكره إن لم يكن تحته ثوب خوفًا من انكشاف عورته، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن أحمد، وبه قال الحسن وابن سيرين، والنخعي (٣).
وقيل: إن سدل للخيلاء حرم في الصلاة وفي غيرها، وإلا كره، وهو مذهب الشافعية، وهذا التفصيل مبني على تفسيرهم السدل بالإسبال (٤).
هذا فيما يتعلق بالحكم التكليفي للسدل، فالحنابلة على أنه مكروه كراهة تنزيه، وبه قال الشافعية إذا لم يكن معه خيلاء.
وقال الحنفية: مكروه كراهة تحريم، وهو رواية عن أحمد.
وخالف المالكية، فقالوا: لا بأس به.
وأما الحكم الوضعي للسدل، فمن قال: إنه مباح، أو مكروه كراهة تنزيه فلا اختلاف بينهم أنه لو صلى سادلًا ثوبه فإن صلاته صحيحة.
واختلف القائلون بأنه مكروه كراهة تحريم كالحنفية وأحمد في إحدى
стр. 6224
الروايتين هل تصح صلاة المسدل ثوبه؟
فقال الحنفية: تصح (١).
وقال أحمد في رواية: «يجب أن يعيد، قال المرداوي: وهي من المفردات» (٢)
وانظر أدلة هذه المسألة في المجلد الخامس، فقد ذكرت هذه المسألة في مناسبة سابقة، وتجدد ذكرها هنا في مناسبة مختلفة، فأشرت إلى الأقوال، وأحلت على الأدلة، فلله الحمد.
стр. 6225
الفرع السادس في كراهة اشتمال الصماء في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• اشتمال الصماء لا يقصد منه النهي عن مطلق الاشتمال، وإنما يراد به النهي عن اشتمال مخصوص، لصلاة النبي ﷺ في ثوب واحد مشتملًا به كما في الصحيح.
• النهي عن اشتمال الصماء معقول المعنى، وليس حكمًا تعبديًّا.
• اختلافهم في العلة راجع لاختلافهم في تفسير اشتمال الصماء.
• النهي عن الاشتمال تضمن الإشارة لعلة النهي لقوله في الحديث: (فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب)، وهو وصف للاضطباع إلا أنه في ثوب واحد.
• النهي عن الاضطباع في الثوب الواحد، أتكون العلة فيه الخوف من كشف العورة، أم مرده إلى النهي عن كشف العاتق في الصلاة، أم العلة مجموعهما؟ والأُولَى هي الأَوْلَى.
• الاضطباع في الثوب الواحد يؤدي إلى بقاء أحد عاتقيه عاريًا، وأحد شقيه باديًا ترى منه عورته، والمحذور الثاني آكد.
• الاضطباع في الثوبين لا كراهة فيه في الصلاة على الصحيح؛ لأنه لباس المحرم في الطواف، فإذا لم يكن عورة في النظر لم يكن عورة في الصلاة.
[م-٧٥٦] اختلف العلماء في الرجل يشتمل بردائه اشتمال الصماء، وعليه إزار، أو قميص بحيث يؤمَنُ معه انكشاف العورة.
فقيل: يحرم، وهو مذهب الحنفية، واختيار ابن حزم (١).
стр. 6226
وقيل: يجوز بلا كراهة، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، ومذهب الحنابلة، وقول قديم لمالك، ورجحه ابن العربي (١).
جاء في النهر الفائق: «ويكره اشتمال الصماء .... وهل يشترط عدم الإزار مع ذلك؟ عن محمد: نعم، وعن غيره: لا» (٢).
وقال القرافي: «فإن كان عليه مئزر فلا بأس به» (٣). يعني اشتمال الصماء.
وقال ابن قدامة: «أما إن كان عليه إزار فتلك لبسة المحرم، فلو كان لا يجزئه لم يفعله النبي ﷺ » (٤).
وقيل: يكره، وهو آخر القولين للإمام مالك، ونصره المتأخرون من أصحابه، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٥).
стр. 6227
جاء في البيان والتحصيل: «سئل مالك عن الصماء كيف هي؟ قال: يشتمل الرجل ثم يلقي الثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحت الثوب وليس عليه إزار، فقيل له: أفرأيت إن لبس هكذا وعليه إزار؟ قال لا بأس بذلك. قال ابن القاسم: ثم كرهه بعد ذلك وإن كان عليه إزار» (١).
وقيل: يكره مع الإزار دون القميص، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
• وسبب الاختلاف اختلافهم في علة اشتمال الصماء:
فمن قال: العلة هي خوف انكشاف العورة، أو قال: إن جواز الاضطباع في الطواف دليل على جوازه خارج الطواف ذهب إلى جواز اشتمال الصماء إذا كان عليه إزار، أو قميص.
ومن قال: إن العلة التشبه باليهود أو لكونه لا يستطيع أن يخرج يديه من الثوب ليسجد إلا من تحت ثوبه فيتحقق كشف عورته، منع منها مطلقًا، سواء أكان متزرًا أم لا.
إذا عرفت سبب الخلاف نأتي إلى ذكر الأدلة ومناقشتها.
وانظر أدلة الأقوال في المجلد الرابع، فقد ذكرت هذه المسألة في مناسبة سابقة أغنى ذلك عن إعادتها هنا، فلله الحمد.
стр. 6228
الفرع السابع في كراهة الصلاة وعاتق المصلي مكشوف
المدخل إلى المسألة:
• عورة النظر معقولة المعنى، وعورة الصلاة كذلك على الصحيح.
• العاتق ليس بعورة في الصلاة، ووضع الثوب على العاتق في الصلاة لم نؤمر به من أجل ستره، ولم يَأْتِ الأمر به بصفة الستر.
• لا يشترط أن يكون الثوب ساترًا لجميع العاتق على الصحيح، ولا أن يستر لون البشرة حتى قال بعضهم: يجزئه وضع حبل أو خيط من الثوب، كما تدل عليه كلمة (شيء) في قوله: (وليس على عاتقيه منه شيء) والتي يحصل فيها المراد بوضع أدنى شيء من الثوب.
• أمرنا بوضع طرفي الثوب على العاتقين إذا صلينا في الثوب الواحد من أجل تأمينه من السقوط خوفًا من انكشاف العورة، لا من أجل ستر العاتق، يفسره قوله في الرواية الأخرى: (وليخالف بين طرفيه).
• إذا كان تحت إزاره سراويل لم يؤمر بوضع الثوب على العاتق؛ لمفهوم قوله ﷺ لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء، وهذا قد صلى في ثوبين.
[م-٧٥٧] اختلف العلماء في حكم ستر العاتق في الصلاة:
فقال الحنفية: يكره تنزيهًا أن يصلي الرجل وليس على عاتقيه شيء من ثوبه (١).
واستحب الشافعية ستر المنكبين في الصلاة، واستحبه المالكية في صلاة الجماعة (٢).
стр. 6229
وقيل: سترهما لازم على خلاف بينهم:
فقيل: شرط مطلقًا في الفرض والنفل، وهو رواية عن أحمد، وجزم به الخرقي، وبه قال أبو جعفر محمد بن علي (١).
وقيل: سترهما واجب، وليس بشرط، فلو صلى ولم يسترهما صحت مع الإثم (٢).
وقيل: ستر جميع أحد العاتقين شرط في الفرض، ومستحب في النفل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره القاضي أبو يعلى (٣).
والصحيح من مذهب الحنابلة: أنه يجب ستر جميع العاتق، وقال بعض الحنابلة: يجزئ ولو بحبل أو خيط، ونسبه بعضهم إلى أكثر الأصحاب (٤).
وقيل: أمر بذلك لئلا يسقط ثوبه عنه، فإن أمسكه بيده شغله ذلك عن سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى، ووضع اليدين على الركبتين ونحوها، وهذا مذهب الشافعية، وبه قال المازري من المالكية (٥).
стр. 6230
فصارت الأقوال إلى ثلاثة:
الأول: كراهة تعري العاتقين في الصلاة، وهو مذهب الحنفية.
الثاني: استحباب سترهما، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، وهو مذهب المالكية والشافعية ورواية عن أحمد، على اختلاف بينهم أيستحب ذلك مطلقًا في الصلاة، أم يستحب لمن صلى في جماعة.
والثالث: القول بالوجوب على التفصيل الذي سبق لك ذكره عند الكلام على مذهب الحنابلة.
ومستند الحنفية على الكراهة: ورود النهي الصريح في حديث متفق عليه.
(ح-٢٢٧٨) فقد روى الشيخان من طريق أبى الزناد، عن الأعرج،
عن أبى هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقيه منه شيء (١).
وكان مقتضى قواعد أصول الحنفية أن النهي إذا ورد صريحًا، وكان الحديث ظني الثبوت، فإن الكراهة تحريمية، ولكن لعل ما حملهم على صرف النهي إلى الكراهة ثبوت صحة الصلاة في الإزار وحده؛ لقوله ﷺ : (أولكلكم ثوبان)
ولثبوت صلاة النبي ﷺ متزرًا كما أخذ ذلك من صلاته في مرط عائشة بينها وبينها والحديث في مسلم.
ولا أعلم لماذا لم يذهب المالكية والشافعية إلى القول بالكراهة مع ثبوت النهي عن النبي ﷺ .
وأما الحنابلة فحملوه على أن ستر العاتق فرض، وهو من المفردات.
والحمل على الكراهة هو الصحيح إلا أنه مقيد بما إذا صلى في ثوب واحد، وليس مطلقًا، فليس المقصود من النهي تحصيل ستر العاتق، فلم يرد الحديث بلفظ الستر، وإنما أمرنا بوضع طرفي الثوب على العاتقين إذا صلينا في الثوب الواحد من
стр. 6231
أجل تأمينه من السقوط خوفًا من انكشاف العورة، لا من أجل ستر العاتق، يفسره قوله في الرواية الأخرى: (وليخالف بين طرفيه)، فلو صلى بإزار وتحته سراويل لم يؤمر بستر العاتق، ولهذا لا يشترط أن يكون الثوب ساترًا لجميع العاتق على الصحيح، ولا أن يستر لون بشرة العاتق كما هو الشأن في ستر العورة، حتى قال بعضهم: يجزئه وضع حبل أو خيط من الثوب، كما تدل عليه كلمة (شيء) في قوله: (وليس على عاتقيه منه شيء) والتي يحصل فيها المراد بوضع أدنى شيء من الثوب.
وقد سبق بحث هذه المسألة في المجلد الخامس، وبينت ذلك فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد، وإنما أعيد ذكر هذه المسألة لذكر الحنفية لها من مكروهات الصلاة فاقتضى التنبيه عليها في هذا الباب.
стр. 6232
المبحث الثالث في مكروهات الصلاة الخاصة بالقيام
الفرع الأول النهي عن التخصر في الصلاة
المدخل إلى المسألة
• النهي عن التخصر في الصلاة مقطوع بصحته.
• علة النهي عن التخصر في الصلاة مشابهة المشركين، وهذا مأثور عن أم المؤمنين عائشة ﵂.
• الأصل أن ما كانت علته المخالفة فهو محمول على الكراهة إلا لقرينة صارفة، فقد يصل الأمر إلى ما أهو أعلى من التحريم كالشرك، وقد يصل الأمر إلى ما هو أدنى من الكراهة، وهو ما يعبر عنه بخلاف الأولى كترك الصلاة بالنعل.
• القول بتحريم التخصر في الصلاة يعني بطلان الصلاة بفعله متعمدًا، وإفساد عبادة الناس يحتاج إلى برهان بيِّن.
• حكى النووي الإجماع على كراهة التخصر في الصلاة، وإن لم يصح الإجماع، فهو دليل على أنه قول أكثر أهل العلم.
تعريف التخصر:
الخَصْر: خصر الإنسان وغيره، وهو وسطه المُسْتَدِقُّ فوق الوركين (١).
والتخصر في الصلاة: أن يضع الرجل يده على خاصرته أو يضع يديه جميعًا على خاصرتيه (٢).
стр. 6233
واختلفوا في تفسير التخصر في الصلاة على أقوال:
الأول: أن المختصر: هو الذي يصلي، ويده على خاصرته (١).
قال النووي في المجموع: «وبه قال الجمهور من أهل اللغة وغريب الحديث والمحدثين والفقهاء» (٢).
وقال ابن رجب: «وبهذا التفسير فسره جمهور أهل اللغة، وأهل غريب الحديث، وعامة المحدثين والفقهاء، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور» (٣).
وقال الترمذي في السنن: « … الاختصار: أن يضع الرجل يده على خاصرته في الصلاة، أو يضع يديه جميعاً على خاصرتيه، ويُروى أن إبليس إذا مشى مشى مختصرًا» (٤).
وبوب عليه النسائي في سننه (٥).
الثاني: أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وبه قال الهروي.
الثالث: أن يختصر السورة، فيقرأ من آخرها آية أو آيتين.
الرابع: أن يختصر الصلاة، بأن يحذف، فلا يؤدي قيامها، وركوعها، وسجودها، وحدودها.
الخامس والسادس: أن يختصر السجدة، وفسر على قولين:
أحدهما: أن يقتصر على الآيات التي فيها السجدة، ويسجد فيها.
الثاني: أن يقرأ سورة فإذا انتهى إلى السجدة جاوزها، ولم يسجد لها، ومنه أخذ مختصرات الطرق (٦).
стр. 6234
[م-٧٥٨] وقد اختلف العلماء في حكم وضع اليدين أو أحدهما على الخاصرة في الصلاة:
فقيل: يكره تحريمًا، وهو ظاهر مذهب الحنفية، وصرح بتحريمه ابن حزم من الظاهرية (١).
قال ابن حزم: «ومن تعمد في الصلاة وضع يده على خاصرته بطلت صلاته» (٢).
وقيل: يكره تنزيهًا، وهو مذهب الجمهور (٣).
وقيده بعض المالكية في القيام، والصحيح أن القيام قيد أغلبي لا مفهوم له.
وعلى هذا فالعلماء متفقون على النهي عن التخصر في الصلاة، مختلفون في حكمه، فالجمهور يحملون النهي على الكراهة، والحنفية وابن حزم على التحريم.
• دليل من قال: يحرم التخصر في الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٧٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى، حدثنا هشام، حدثنا محمد،
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل مختصرًا (٤).
ورواه البخاري بالإسناد نفسه بلفظ: نُهِي أن يصلي الرجل مختصرًا.
ورواه مسلم من طريق ابن المبارك، وأبي خالد (سليمان بن حيان) وأبي أسامة (حماد بن أسامة) جميعًا عن هشام به، عن النبي ﷺ أنه نهى أن يصلي الرجل مختصرًا.
стр. 6235
ورواه البخاري من طريق أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهي عن الخصر في الصلاة.
فصار هشام تارة يرويه مرفوعًا صريحًا: (نهى النبي ﷺ )، وتارة يرويه مرفوعًا حكمًا بلفظ: (نُهِي) على البناء للمجهول.
ورواه أيوب عن محمد على البناء للمجهول، ودلالتهما واحدة من حيث الحكم، لهذا لم أنشط في تخريج من رواه مرفوعًا صريحًا ومن رواه حكمًا خارج الصحيح (١).
ولأن الصحابي إذا قال: نهي على البناء للمجهول، فالأصح أنه يرجع إلى نهي النبي ﷺ ؛ لأن غيره لا يملك الأمر والنهي الشرعي، وإنما هو مبلغ أو مخبر، على أن هذا الاختلاف يراه الدارقطني أنه من محمد بن سيرين ﵀، وليس من أبي هريرة.
قال الدارقطني: «ابن سيرين من تورعه وتوقيه، تارة يصرح بالرفع، وتارة يومئ، وتارة يتوقف، على حسب نشاطه في الحال» (٢).
ورواه أحمد ومن طريقه البيهقي عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: نُهِيَ عن الاختصار في الصلاة.
قال: قلنا لهشام: ما الاختصار؟ قال: يضع يده على خَصره وهو يصلي.
قال يزيد: قلنا لهشام: ذكره عن النبي؟ قال برأسه، أي: نعم (٣).
ويزيد بن هارون ثقة.