← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

أجل تأمينه من السقوط خوفًا من انكشاف العورة، لا من أجل ستر العاتق، يفسره قوله في الرواية الأخرى: (وليخالف بين طرفيه)، فلو صلى بإزار وتحته سراويل لم يؤمر بستر العاتق، ولهذا لا يشترط أن يكون الثوب ساترًا لجميع العاتق على الصحيح، ولا أن يستر لون بشرة العاتق كما هو الشأن في ستر العورة، حتى قال بعضهم: يجزئه وضع حبل أو خيط من الثوب، كما تدل عليه كلمة (شيء) في قوله: (وليس على عاتقيه منه شيء) والتي يحصل فيها المراد بوضع أدنى شيء من الثوب. وقد سبق بحث هذه المسألة في المجلد الخامس، وبينت ذلك فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد، وإنما أعيد ذكر هذه المسألة لذكر الحنفية لها من مكروهات الصلاة فاقتضى التنبيه عليها في هذا الباب.

стр. 6232

المبحث الثالث في مكروهات الصلاة الخاصة بالقيام الفرع الأول النهي عن التخصر في الصلاة المدخل إلى المسألة • النهي عن التخصر في الصلاة مقطوع بصحته. • علة النهي عن التخصر في الصلاة مشابهة المشركين، وهذا مأثور عن أم المؤمنين عائشة ﵂. • الأصل أن ما كانت علته المخالفة فهو محمول على الكراهة إلا لقرينة صارفة، فقد يصل الأمر إلى ما أهو أعلى من التحريم كالشرك، وقد يصل الأمر إلى ما هو أدنى من الكراهة، وهو ما يعبر عنه بخلاف الأولى كترك الصلاة بالنعل. • القول بتحريم التخصر في الصلاة يعني بطلان الصلاة بفعله متعمدًا، وإفساد عبادة الناس يحتاج إلى برهان بيِّن. • حكى النووي الإجماع على كراهة التخصر في الصلاة، وإن لم يصح الإجماع، فهو دليل على أنه قول أكثر أهل العلم. تعريف التخصر: الخَصْر: خصر الإنسان وغيره، وهو وسطه المُسْتَدِقُّ فوق الوركين (١). والتخصر في الصلاة: أن يضع الرجل يده على خاصرته أو يضع يديه جميعًا على خاصرتيه (٢).

стр. 6233

واختلفوا في تفسير التخصر في الصلاة على أقوال: الأول: أن المختصر: هو الذي يصلي، ويده على خاصرته (١). قال النووي في المجموع: «وبه قال الجمهور من أهل اللغة وغريب الحديث والمحدثين والفقهاء» (٢). وقال ابن رجب: «وبهذا التفسير فسره جمهور أهل اللغة، وأهل غريب الحديث، وعامة المحدثين والفقهاء، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور» (٣). وقال الترمذي في السنن: « … الاختصار: أن يضع الرجل يده على خاصرته في الصلاة، أو يضع يديه جميعاً على خاصرتيه، ويُروى أن إبليس إذا مشى مشى مختصرًا» (٤). وبوب عليه النسائي في سننه (٥). الثاني: أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وبه قال الهروي. الثالث: أن يختصر السورة، فيقرأ من آخرها آية أو آيتين. الرابع: أن يختصر الصلاة، بأن يحذف، فلا يؤدي قيامها، وركوعها، وسجودها، وحدودها. الخامس والسادس: أن يختصر السجدة، وفسر على قولين: أحدهما: أن يقتصر على الآيات التي فيها السجدة، ويسجد فيها. الثاني: أن يقرأ سورة فإذا انتهى إلى السجدة جاوزها، ولم يسجد لها، ومنه أخذ مختصرات الطرق (٦).

стр. 6234

[م-٧٥٨] وقد اختلف العلماء في حكم وضع اليدين أو أحدهما على الخاصرة في الصلاة: فقيل: يكره تحريمًا، وهو ظاهر مذهب الحنفية، وصرح بتحريمه ابن حزم من الظاهرية (١). قال ابن حزم: «ومن تعمد في الصلاة وضع يده على خاصرته بطلت صلاته» (٢). وقيل: يكره تنزيهًا، وهو مذهب الجمهور (٣). وقيده بعض المالكية في القيام، والصحيح أن القيام قيد أغلبي لا مفهوم له. وعلى هذا فالعلماء متفقون على النهي عن التخصر في الصلاة، مختلفون في حكمه، فالجمهور يحملون النهي على الكراهة، والحنفية وابن حزم على التحريم. • دليل من قال: يحرم التخصر في الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٢٧٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى، حدثنا هشام، حدثنا محمد، عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل مختصرًا (٤). ورواه البخاري بالإسناد نفسه بلفظ: نُهِي أن يصلي الرجل مختصرًا. ورواه مسلم من طريق ابن المبارك، وأبي خالد (سليمان بن حيان) وأبي أسامة (حماد بن أسامة) جميعًا عن هشام به، عن النبي ﷺ أنه نهى أن يصلي الرجل مختصرًا.

стр. 6235

ورواه البخاري من طريق أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهي عن الخصر في الصلاة. فصار هشام تارة يرويه مرفوعًا صريحًا: (نهى النبي ﷺ )، وتارة يرويه مرفوعًا حكمًا بلفظ: (نُهِي) على البناء للمجهول. ورواه أيوب عن محمد على البناء للمجهول، ودلالتهما واحدة من حيث الحكم، لهذا لم أنشط في تخريج من رواه مرفوعًا صريحًا ومن رواه حكمًا خارج الصحيح (١). ولأن الصحابي إذا قال: نهي على البناء للمجهول، فالأصح أنه يرجع إلى نهي النبي ﷺ ؛ لأن غيره لا يملك الأمر والنهي الشرعي، وإنما هو مبلغ أو مخبر، على أن هذا الاختلاف يراه الدارقطني أنه من محمد بن سيرين ﵀، وليس من أبي هريرة. قال الدارقطني: «ابن سيرين من تورعه وتوقيه، تارة يصرح بالرفع، وتارة يومئ، وتارة يتوقف، على حسب نشاطه في الحال» (٢). ورواه أحمد ومن طريقه البيهقي عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: نُهِيَ عن الاختصار في الصلاة. قال: قلنا لهشام: ما الاختصار؟ قال: يضع يده على خَصره وهو يصلي. قال يزيد: قلنا لهشام: ذكره عن النبي؟ قال برأسه، أي: نعم (٣). ويزيد بن هارون ثقة.

стр. 6236

وجه الاستدلال بالحديث: أن الأصل في النهي التحريم كما هو مقرر في القواعد الأصولية. وذكر الرجل في الخبر خرج مخرج الغالب، فلا فرق فيه بين الرجل والمرأة. الدليل الثاني: (ح-٢٢٨٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سعيد بن زياد، عن زياد بن صبيح الحنفي قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خاصرتي، فضرب يدي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه (١). [حسن] (٢).

стр. 6237

الدليل الثالث: (ث-٥٤٧) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂ كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله. قال البخاري: تابعه شعبة، عن الأعمش (١). وأراد البخاري من هذا التعليق ليبين أن الأعمش قد سمعه من أبي الضحى؛ لأن شعبة لا يروي عن الأعمش إلا ما صرح فيه بالسماع. فأثر عائشة يكشف عن علة النهي، وأن العلة التشبه، وسوف أقف مع علة النهي لنتلمس، أيدل النهي على التحريم كما هو قول الحنفية وابن حزم، أم على الكراهة كما هو قول الجمهور، والله أعلم. • دليل من قال: النهي للكراهة: الدليل الأول: استدلوا بأدلة القول الأول، إلا أنهم حملوا النهي على الكراهة؛ لأنه المتيقن من النهي، فلا يحمل على التحريم إلا بقرينة. الدليل الثاني: العلة من النهي هي التشبه كما في أثر عائشة وهذه العلة الأصل فيها الكراهة إلا بقرينة تدل على التحريم، ولا قرينة. • ونوقش: بأن التشبه يقتضي التحريم؛ لأن المسلم مطلوب منه التميز عن غيره من الكفار، ولهذا نهي أن يلبس لباسهم، وأن يوافقهم في الظاهر، لما في ذلك من التشبه فيهم، والتشبه في الظاهر يقود إلى التشبه بالباطن. (ح-٢٢٨١) وقد روى أحمد من طريق ابن ثوبان (عبد الرحمن بن ثابت)، عن حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي،

стр. 6238

عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم (١). • ورد هذا النقاش بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن حديث من تشبه بقوم فهو منهم حديث ضعيف، والمحفوظ أنه مرسل (٢). الوجه الثاني: قد يكون التعليل بمخالفة المشركين قرينة صارفة للأمر من الوجوب إلى الكراهة، فالأصل أن ما كانت علته المخالفة فهو محمول على الكراهة إلا لقرينة صارفة، فقد يصل الأمر إلى ما أهو أعلى من التحريم كالشرك. وقد يصل الأمر إلى ما هو أدنى من الكراهة، وهو ما يعبر عنه بخلاف الأولى كترك الصلاة بالنعل. فإن لم يكن هناك قرينة فالأصل الكراهة (٣)؛ لأنها هي المتيقن، ولا قرينة بحمله على ما هو أعلى من الكراهة، خاصة أن عمدة من قال: إن الأصل في مخالفة المشركين هو الوجوب حديث من تشبه بقوم فهو منهم، وهو حديث مرسل (٤).

стр. 6239

الوجه الثالث: أن العلة أو الحكمة من النهي عن التخصر قد اختلف فيها، فقيل: إن التخصر من فعل اليهود، وهو قول عائشة كما سبق. وقيل: إن الاختصار في الصلاة راحة أهل النار. (ح-٢٢٨٢) فقد روى ابن خزيمة في صحيحه من طريق أبي صالح الحراني، أخبرنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: الاختصار في الصلاة راحة أهل النار (١). [منكر] (٢).

стр. 6240

وأشكل معنى الحديث كيف يكون الاختصار في الصلاة راحة أهل النار، فإن قصد أنه من فعل أهل النار بالدنيا، فيكون المعنى النهي الاختصار لكونه من فعل الكفار، وهم أهل النار، قال الخطابي: «المعنى: أنه فعل اليهود في صلاتهم، وهم أهل النار، لا على أن لأهل النار المخلدين فيها راحة … » (١). وقال القاضي عياض في إكمال المعلم نحوه (٢). وهذا خلاف غالب النصوص التي تنهى عن التشبه، فإنها تنهى عن التشبه بالكفار، أو بالمشركين أو بأهل الكتاب من يهود ونصارى، لكن لا يعرف إطلاق النهي عن التشبه بأهل النار ويريد بذلك الدنيا، وليس الآخرة. وإن قصد أن الاختصار من راحة أهل النار في الآخرة، فيكون النهي عن التشبه بأفعال أهل النار. (ث-٥٤٨) فروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق خالد بن معدان، عن عائشة، أنها رأت رجلًا واضعًا يده على خاصرته، فقال: هكذا أهل النار في النار (٣). [ضعيف] (٤). ونقل ابن رجب وابن الملقن عن مجاهد، أنه قال: هو استراحة أهل النار في النار (٥). وما في مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طريق ابن جريج، عن إسحاق بن

стр. 6241

عويمر، عن مجاهد، قال: وضع اليدين على الحقو استراحة أهل النار (١). [ضعيف] (٢). وهو بمعنى الحديث المرفوع، وليس فيه قيد كون ذلك (في النار). ونقل المناوي في فيض القدير عن القاضي قوله: يتعب أهل النار من طول قيامهم في الموقف فيستريحون بالاختصار (٣). ولا يصح حمله على ذلك؛ لأن الكفار لا راحة لهم في النار، قال تعالى: لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. وقيل: العلة حضور الشيطان. (ث-٥٤٩) وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن صالح بن نبهان، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يجعل يديه في خاصرته، فإن الشيطان يحضر ذلك (٤). [ضعيف] (٥). وحضور الشيطان لا يستدعي التحريم؛ فقد ثبت في الصحيح أن الشيطان إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ب وقيل: العلة في النهي عن الاختصار؛ لأنه من فعل المتكبرين، وليس من هيئة المصلين.

стр. 6242

وقيل: إن إبليس أهبط من الجنة متخصرًا، (ث-٥٥٠) فروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، قال: إنما يكره الاختصار في الصلاة، لأن إبليس أهبط مختصرًا (١). وهذا صحيح إلا أنه مقطوع على حميد. وقيل: لأنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المآتم (٢). قال ابن حجر: «قول عائشة أعلى ما ورد في ذلك، ولا منافاة بين الجميع» (٣)، والله أعلم. • الراجح: النهي عن التخصر في الصلاة مقطوع بصحته، ويبقى الاجتهاد في النهي، أهو للتحريم أم للكراهة، والسلف إذا كان النهي مقطوعًا به تجنبوه مطلقًا، وإنما البحث في حقيقة النهي، أيفيد التحريم أم الكراهة عندما تدعو إلى فعله حاجة، فالحاجة ترفع الكراهة، والضرورة ترفع التحريم، هذا ما يمكن الاستفادة منه في معرفة حكمه، ويتنازع الترجيح أصلان: الأول: الأصل في النهي التحريم. والثاني: علة النهي هي مخالفة المشركين، وقد نقلت لنا عائشة أن هذا من فعل اليهود، فهو كالصلاة في النعل مخالفة للمشركين، حيث كانوا يتعبدون بخلع نعالهم، فأمر النبي ﷺ بمخالفتهم على القول بصحة الأمر، والقول بالتحريم يعني بطلان الصلاة بفعلها متعمدًا، وهذا الأمر شديد، وإن كان الحنفية يرون أن المكروهات تحريمًا لا تفسد بها الصلاة، وهناك من يرى أن الحرام المختص بالصلاة ينبغي أن

стр. 6243

تفسد الصلاة بارتكابه عمدًا بلا عذر، إذا عرفت هذا لا يمكن القول بإبطال العبادة إلا ببرهان بيِّن، وجماهير أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة على كراهة التخصر، ونصوص الحنفية على القول بالكراهة، والمتأخرون من الحنفية كابن نجيم وابن عابدين حملوه على الكراهة التحريمية، تبعًا لقواعد المذاهب، وهو أن ما ثبت النهي عنه بدليل ظني وكان النهي صريحًا فهو مكروه تحريمًا، وما ثبت النهي عنه بدليل قطعي فيطلق عليه لفظ المحرم، وما أفاد الترك بلا نهي صريح فيحمل على الكراهة التنزيهية، وهو تفريق اصطلاحي عندهم كما فرقوا بين الفرض والواجب (١)، ولم أقف على نص من ظاهر الرواية يقول بكراهته تحريمًا، ولا من أقوال الشيوخ المتقدمين، لهذا كله أجدني أميل إلى القول بالكراهة؛ لأنه هو المتيقن، ولكون الصلاة لا تفسد بفعله عمدًا، ولم يقل أحد ببطلان الصلاة بفعله عمدًا إلا ابن حزم، وينبغي أن يكون على وفق مذهب الظاهرية، وقواعد استدلالهم، وهم يتعاملون مع النصوص بدلالتها اللغوية، وسبق أن أشرت في بحث سابق أن اللغة هي إحدى أدوات فهم النص، وليست الأداة الوحيدة لفهم النصوص الشرعية، فالنهي كما يستفاد منه التحريم، قد يأتي للكراهة، والأمر كما يستفاد منه الوجوب، يأتي للندب، ولابد من القول بفساد الصلاة أن يكون ذلك مأخوذًا من فهم السلف للنصوص الشرعية، والله أعلم.

стр. 6244

الفرع الثاني في كراهة المراوحة الكثيرة بين القدمين بلا حاجة المدخل إلى المسألة: • الأصل في القدمين أن تكونا على طبيعتهما حال القيام في الصلاة، بلا تفريج ولا إلصاق. • المراوحة بين القدمين في الصلاة لا ينافي القيام الواجب؛ لأن الاعتماد فيها على القدم، وليس على أمر خارج. • ما جاز فيه الاعتماد على كلتا القدمين جاز فيه الاعتماد على إحداهما؛ فلم يخرج المصلي بالمراوحة عن كونه معتمدًا على قدمه في الصلاة. • المراوحة اليسيرة الأصل فيها الإباحة؛ لأنه ليس من عادة الناس في الصلاة إذا قاموا في الصلاة ألا يتحرك منهم شيء. • المراوحة تأخذ حكم الحركة في الصلاة، فتنزل عليها أحكامها. • المراوحة إذا أعانت على مشروع كانت مشروعة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. • المراوحة الكثيرة تستحب مع الحاجة وتكره بلا حاجة؛ لما فيها من الحركة، والتفريج بين القدمين، وإظهار الكسل، وعدم ترويض النفس على العبادة. • المراوحة في النفل مع طول القيام مستحبة ما لم يلحقه تعب لا يدفع بالمراوحة؛ لقوله ﷺ : لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه. رواه مسلم. تفسير المراوحة: جاء في تفسير المراوحة قولان: أحدهما: أن يعتمد على إحدى قدميه مرة، وعلى الأخرى مرة؛ مع وضع القدمين على الأرض دون رفع إحداهما، وهذا تعريف الحنفية، والشافعية

стр. 6245

والحنابلة، وأحد التفسيرين في مذهب المالكية (١). القول الثاني: قال خليل في التوضيح: ترويح الرجلين: أن يرفع واحدة، ويعتمد على الأخرى (٢). وبعض المالكية جمع بين القولين، فعرَّف المراوحة: بأن يعتمد على واحدة، ويقدم الأخرى غير معتمد عليها، أو يرفعها، ويضعها على ساقه (٣). وإذا تأملت وجدت أن كلا الفعلين يَصْدُق عليه أن فيه مراوحة بين قدميه؛ لكون الاعتماد يقوم على إحدى قدميه ويُرِيح الأخرى، سواء أكان ذلك برفعها، أم بتخفيف الاعتماد عليها، وإن لم يرفعها، وإن كانت المراوحة في الصورة الأولى أخف من الصورة الثانية؛ لأن الصورة الأولى كلتا قدميه على الأرض، فهو أقرب إلى القيام المعتدل. [م-٧٥٩] وقد اختلف الفقهاء في المراوحة: فقيل: المراوحة أفضل، وهو مذهب الحنفية، وقطع بعض الحنابلة باستحبابه مطلقًا (٤). وقال أحمد في رواية حرب، «وقد سأله، الرجل يصف بين قدميه أحب إليك، أم يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة؟ قال: يراوح بين قدميه أحب إليَّ، يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة» (٥). وقال الأثر: «رأيت أبا عبد الله يفرِّج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما» (٦).

стр. 6246

وقيل: تباح مطلقًا، وبه قال مالك والشافعي، وابن حزم (١). قال خليل في التوضيح: «ظاهر المدونة جوازه مطلقًا» (٢). وقال ابن المنذر في الإشراف: «كان مالك وأحمد، وإسحاق لا يرون بأسًا أن يراوح الرجل بين قدميه، وبه نقول» (٣). وقيل: يكره إلا لطول قيام، اختاره ابن عبد السلام وابن فرحون من المالكية (٤). ومفهومه أن مع طول القيام تكون المراوحة مباحة. وقيل: تستحب المراوحة مع الحاجة كما لو طال القيام، وتكره كثرتها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥). ومفهومه: أن المراوحة اليسيرة بلا حاجة مباحة؛ لأنهم لم يكرهوا إلا الكثيرة. فصارت المراوحة إما مستحبة مطلقًا كالحنفية أومع طول القيام كما هو المعتمد عند الحنابلة. وإما تباح مطلقًا كما هو مذهب المالكية والشافعية، أو تباح مع طول القيام كما هو اختيار بعض المالكية. هذه الأقوال في المسألة، وأما أدلتها فقد تعرضت لها في كتاب صفة الصلاة في المجلد السابع تحت عنوان: في المراوحة بين القدمين في الصلاة، فأغنى ذلك عن

стр. 6247

إعادتها هنا، وإنما ذكرت هذه المسألة في باب مكروهات الصلاة تأسيًا ببعض الفقهاء حيث ذكروها في باب المكروهات، وحتى لا يظن من يطلب حكم هذه المسألة في باب مكروهات الصلاة أن هذه المسألة أغفلت من البحث، والله الموفق.

стр. 6248

الفرع الثالث في كراهة إلصاق إحدى القدمين بالأخرى المدخل إلى المسألة: • لم يرد في التفريق والضم سنة مرفوعة، ولو كانت من سنة الصلاة لجاءت بها السنة الواضحة. • ثبت عن الصحابة تفريق القدمين وضمهما، فدل على أن الأمر واسع. • الأصل فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف. • ضم القدمين فيه مشقة وتكلف كالمبالغة في تفريجهما. [م-٧٦٠] اختلف الفقهاء في كراهة إلصاق إحدى القدمين بالأخرى إذا قام في صلاته، ويسمى الصفد. فكره الحنفية والشافعية إلصاق إحدى القدمين بالأخرى، واستحب الحنابلة التفريق بينهما (١). قال الحنفية: ينبغي أن يكون بينهما مقدار أربع أصابع اليد، وبه قال بعض الشافعية (٢).

стр. 6249

وقال أكثر الشافعية: يسن أن يفرق بين قدميه بشبر خلافًا لقول الأنوار: بأربع أصابع (١). وكره المتقدمون من المالكية إقران القدمين معًا في القيام، واقتصر عليه خليل في مختصره (٢). واختلف المتأخرون في حقيقته: فقيل: ضم القدمين معًا سواء أَعْتَمَدَ عليهما معًا، أم راوح بينهما، فإذا فرق بينهما فلا كراهة، وهذا التفسير موافق لقول الجمهور. وقيل: المكروه التزام الاعتماد على القدمين معًا بصفة دائمة، سواء أكان ذلك مع تفريق القدمين أم كان ذلك مع ضمهما، بحيث يرى أن ذلك من سنة الصلاة، فإن فعل أحدهما (التفريق أو الضم) ولم يعتقد أن ذلك من سنة الصلاة، أو لم يعتمد عليهما دائمًا، بأن كان متى شاء رَوَّح واحدة، وأقام على الأخرى فهذا جائز بلا كراهة، سواء أَفَرَّقَ بينهما أم ضمهما، فالأمر واسع، يفعل من ذلك ما يسهل عليه، وهذا القول تفرد به المالكية (٣). قال اللخمي في التبصرة: «إلصاق القدم بالقدم في الصلاة، والتفريق بينهما في الصلاة واسع على قدر ما تيسر» (٤). يقصد بذلك أنه لا يعتقد أن ذلك من سنة الصلاة التي ينبغي عليه التزامها.

стр. 6250

هذه الأقوال في المسألة، وأما أدلتها فقد تعرضت لها في كتاب صفة الصلاة في المجلد السابع، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما ذكرت هذه المسألة في باب مكروهات الصلاة تأسيًا بالفقهاء حيث ذكرها بعض في هذا الباب، والله الموفق.

стр. 6251

الفرع الرابع في كراهة إطالة الركعة الثانية على الأولى المدخل إلى المسألة: • المكروه هو ما نهى عنه الشارع لا على سبيل الإلزام، ولم يحفظ نهي من الشارع عن إطالة الثانية على الأولى. • ترك السنن المؤكدة خلاف الأولى عند الشافعية خلافًا للحنفية. • إطالة الأولى لا يُعَدُّ من السنن المؤكدة بدليل أن النبي ﷺ كان يخالف ذلك كل أسبوع في الجمعة إذا قرأ بسبح والغاشية، والأولى تسع عشرة آية، والثانية ست وعشرون آية. • لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه. • يستحب إطالة الأولى غالبًا، ويجوز إطالة الثانية على الأولى أحيانًا؛ لورود مثل ذلك في نصوص القراءة المحفوظة. [م-٧٦١] اختلف العلماء في كراهة إطالة الركعة الثانية على الأولى: فقيل: يكره إطالة الثانية على الأولى في الفرائض دون النوافل. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وخص الحنفية الكراهة بزيادة ثلاث آيات فصاعدًا، فإن كان التفاوت بآية أو آيتين فلا يكره، كما أن الحنفية خصوا الكراهة في إطالة الثانية، فلا يكره عندهم إطالة الثالثة على الثانية والأولى. وقيل: يكره إطالة الثانية على الأولى مطلقًا في جميع الصلوات، وهو مذهب الحنابلة، وقول عند الحنفية. قال ابن العربي: «من لم يطل الأولى عن الثانية فهو جاهل» (١).

стр. 6252

وقال الإمام أحمد فيمن طول قراءة الثانية على الأولى: «يجزئه، وينبغي أن لا يفعل» (١). وقيل: لا بأس بطول قراءة ثانية الفريضة عن الأولى اختاره ابن عبد الحكم المالكي في مختصره، خلافًا للمعتمد من المذهب. ويحمل قوله: (لا بأس به) على الإجزاء، وإن كان غيره أفضل منه، فهو بنحو قول الإمام أحمد. ويستثنى من كراهة إطالة الثانية على الأولى ما ورد فيه نص، كقراءة سبح والغاشية في صلاة الجمعة والعيد واعتبره الحنابلة من التفاوت اليسير الذي لا أثر له. زاد الشافعية: أو كانت المصلحة تقتضي ذلك، كإطالة الركعة الثانية في صلاة الخوف على الأولى حتى تأتي الفرقة الثانية، أو ليلحق نحو المزحوم. قال ابن مفلح: « … ولعل المراد: لا أثر لتفاوت يسير، ولو في تطويل الثانية على الأولى؛ لأن الغاشية أطول من سبح، وسورة الناس أطول من الفلق، وصلى ﵇ بذلك، وإلا كره» (٢). فخلص لنا من الأقوال: كراهة إطالة الثانية على الأولى مطلقًا، في الفرائض والنوافل. كراهة إطالتها في الفرائض خاصة. جواز إطالة الثانية على الأولى. وإذا أحببت الوقوف على أقوال هذه المسألة موثقة، وعلى أدلتها فارجع إليها في صفة الصلاة، فقد سبق بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، فلله الحمد.

стр. 6253

المبحث الرابع في مكروهات الصلاة الخاصة بالقراءة الفرع الأول فى كراهة تكرار قراءة الفاتحة المدخل إلى المسألة: • تكرار الفاتحة في الصلاة لم ينقل، والأصل في العبادات التوقيف. • لم يحفظ قول فقهي بإباحة تكرار الفاتحة، والخلاف دائر بين التحريم والكراهة. • صفة العبادة كأصلها الأصل فيه المنع، وأقل أحواله الكراهة إلا بدليل. • تكرار الفاتحة لا يبطل الصلاة؛ لأنها قول مشروع في أصله داخل الصلاة؛ • تكرار الركن القولي لا يخل بهيئة الصلاة بخلاف الركن الفعلي. • إعادة الفاتحة بسبب شكٍّ، أو توهمِ خللٍ لا يدخل في تكرار الفاتحة، وهو مشروع إلا أن يكثر، فيدخل في الوسوسة. • إذا كان لا يقدر على قراءة سورة بعد الفاتحة، جاز له تكرارها، لأن ذلك أولى من الانتقال إلى الأذكار، وهو ليس من جنس القرآن، وأولى من إسقاط ذلك إلى غير بدل. • إذا لم يضر المصلي تكرار الآية التي هو فيها لم يضره تكرار الفاتحة. [م-٧٦٢] اختلف العلماء في حكم تكرار الفاتحة: فقيل: يكره في الفرض دون النفل من غير فرق بين تكرار الفاتحة وغيرها، وبه قال الحنفية (١).

стр. 6254

وقال المالكية: «يأثم إن تعمد تكرارها، وهل تبطل به الصلاة؟ المعتمد عندهم عدم البطلان» (١). وقيل: تبطل الصلاة بتكرار الفاتحة، وهو قول مرجوح في مذهب المالكية، واختاره بعض الشافعية، وحكي قولًا في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يكره إلا أن يكون تكريرها لسبب من عجز أو شك، ونحوه، وبه قال الشافعية (٣). وقال الحنابلة: يكره (٤). ولم أقف على قول يقول بالجواز مطلقًا، فصارت الأقوال تتفرع من قولين: التحريم، على خلاف بينهم في البطلان. والقول بالكراهة، وهو قول الجمهور على خلاف بينهم: أتكره مطلقًا، أم للقادر، أم تختص الكراهة في الفرض دون النفل. وقد سبق بحث هذه المسألة في صفة الصلاة، وذكرنا أدلتها هناك (٥).

стр. 6255

الفرع الثاني في كراهة تنكيس القراءة في الصلاة المسألة الأولى في كراهة تنكيس الآيات المدخل إلى المسألة: • ترتيب الآيات توقيفي بالإجماع، فلا مجال للاجتهاد فيه. • ترتيب الآيات واجب للتلاوة، لا فرق فيه بين الصلاة وخارجها، ولا بين الفرض والنفل، ولا بين الفاتحة وغيرها. • قراءة الصلاة قراءة واحدة، فتنكيس الآيات لا فرق فيه بين وقوعه في ركعة واحدة أو وقوعه في ركعتين. • وجوب تلاوة الفاتحة مرتبةً مختصٌ بالصلاة، وإن وجب الترتيب للتلاوة، والضابط في المختص: أن يقوم الدليل الخاص على وجوبه في الصلاة، وإن وجب في غيرها، كستر العورة. • الإخلال بترتيب الآيات مبطل للقراءة، ويوجب استئناف ما كان واجبًا منها كالفاتحة، وهل ترك الترتيب عمدًا يبطل الصلاة؛ لتركه واجبًا مختصًّا بالصلاة؟ • الإخلال بترتيب الآيات إذا وقع عمدًا، وتغير به المعنى بطلت به القراءة. [م-٧٦٣] اختلف العلماء في تنكيس آيات القرآن: ذهب الحنفية إلى كراهة تنكيس الآيات في صلاة الفرض دون النفل، سواء أوقع ذلك في ركعة واحدة أم وقع في ركعتين. وقال المالكية: يحرم تنكيس آيات سورة واحدة بركعة واحدة، وظاهره مطلقًا في الفرض والنفل، أما إن قرأ نصف السورة الأخير، ثم نصفها الأولى فهذا من

стр. 6256

التنكيس المكروه، سواء أكان ذلك في ركعة أم في ركعتين. قال الزرقاني في شرح خليل: «ومن التنكيس المكروه: قراءة نصف سورة أخير، ثم نصفها الأول، كل ذلك في ركعة أو ركعتين، ولا تبطل الصلاة» (١). وقال الشافعية: يحرم تنكيس الآيات في سورة واحدة، من غير فرق بين أن يكون التنكيس لجميع السورة أو لبعضها، كما لو قرأ نصف السورة الأخير، ثم نصفها الأول، وفي هذا التفريع يفارق مذهب الشافعية مذهب المالكية. فإذا ترك المصلي الترتيب عمدًا بطلت قراءته، ولم تبطل صلاته، ويلزمه استئناف الواجب منها وهي الفاتحة؛ لوجوبها نصَّا، وإن كان ساهيًا لم يُعْتَدَّ بالمؤخر، ويبني على المرتب من أول الفاتحة إلا أن يطول الفصل فيجب استئناف القراءة، وإن غير المعنى بطلت صلاته، هذا تفصيل مذهب الشافعية. قال ابن حجر الهيتمي: «إن كان التنكيس في آيات سورة واحدة حرم … » (٢). وقال الحنابلة: يجب ترتيب الفاتحة مطلقًا، فإن تركه عمدًا أو سهوًا لزمه استئنافها، ويكره في غيرها، وهو المعتمد في المذهب. وقال الإمام أحمد في رواية: يحرم تنكيس الآيات مطلقًا داخل الصلاة وخارجها، ورجحه ابن تيمية. قال حرب الكرماني: «سألت أحمد: يكره أن يقرأ الرجل من آخر السورة إلى أولها، أويأخذ القلم، فيكتب مثل ذلك، فكرهه كراهة شديدة» (٣). والكراهة الشديدة أقرب إلى التحريم منها إلى الكراهة التنزيهية، وظاهره لا فرق بين الفاتحة وغيرها، ولا بين الصلاة وخارجها. وقال ابن تيمية: «ترتيب الآيات مأمور به نصًّا، وأما ترتيب السور فمفوَّض إلى اجتهادهم» (٤).

стр. 6257

وظاهره لا فرق بين الفاتحة وغيرها، وبين الصلاة وخارجها. قال الخلوتي: «فعلى كلام الشيخ تقي الدين من أنه أيضًا واجب، أنه يحرم أيضًا تنكيس الآيات، ولكن لا تبطل به الصلاة؛ لعدم إخلاله بالنظم» (١). لعله يقصد: لا تبطل به الصلاة وإن بطلت به القراءة، ووجب معه استئناف الفاتحة، والله أعلم. هذه أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، ومن أحب أن ينظر في أدلتهم فقد عرضتها عند الكلام على صفة الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما ذكرت هذه المسألة في باب مكروهات الصلاة تأسيًا ببعض الفقهاء حيث ذكروها في باب المكروهات، وحتى لا يظن من يطلب حكم هذه المسألة في باب مكروهات الصلاة أن هذه المسألة غفل من البحث، والله الموفق.

стр. 6258

المسألة الثانية في تنكيس سور القرآن في الصلاة المدخل إلى المسألة: • تنكيس السور: أن يقرأ سورة ثم يقرأ سورة فوقها سواء أحصل ذلك في ركعة واحدة أم وقع ذلك في ركعتين. • نزول القرآن على نبينا ﷺ لم يكن مرتبًا، لا في آياته، ولا في سوره. • قال ابن تيمية: … ترتيب السور بالاجتهاد، لا بالنص في قول جمهور العلماء (١). • اختلاف ترتيب مصاحف الصحابة يلزم منه جواز التنكيس. • لا يحفظ نهي من الشارع ينهى عن التنكيس، ولا يؤثر قول فقهي يقول بتحريم التنكيس، والخلاف دائر بين الكراهة والجواز. • أمر الشرع بقراءة ما تيسر من القرآن والمطلق على إطلاقه، لا يقيده إلا نص، أو إجماع. • الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي، والأصل عدم الكراهة. • أكثر قراءة النبي ﷺ وأصحابه على الترتيب وهذا يقتضي الاستحباب إما دائمًا أو غالبًا، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه. • القول بأن التنكيس المأثور كان قبل العرض الأخير للقرآن، قول لا دليل عليه. [م-٧٦٤] اختلف الفقهاء في تنكيس السور في الصلاة: فقيل: يكره في الفريضة دون النافلة، فإن قرأ في الأولى سهوًا سورة الناس كررها في الثانية؛ لأن التكرار أهون من القراءة منكوسًا، وإذا ختم القرآن بالركعة الأولى قرأ من البقرة في الثانية، وهذا مذهب الحنفية. وقيل: يكره تنكيس السور مطلقًا، وهو مذهب المالكية، والحنابلة.

стр. 6259

واستثنى محمد الحطاب المالكي من الكراهة: لو بدأ بسورة الناس فإنه يقرأ السورة التي قبلها أولى من تكرار السورة. وقيل: لا يكره التنكيس، ويستحب الترتيب. وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه. قال ابن تيمية: «يجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة ﵃ في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سنه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها» (١). فقوله: (يجب اتباعها) أي يشرع لقوله قبل: يجوز قراءة هذه قبل هذه. وقيل: يكره تنكيس السور إذا كانت السورة الأولى متعلقة بالسورة الثانية، كما يقال: إن سورة قريش متعلقة بسورة الفيل، وهو قول لبعض الحنابلة (٢). فصارت الأقوال الأربعة ترجع إلى قولين: الكراهة، وهي على قولين: إما كراهته مطلقًا، أو كراهته في الفرض. والجواز، وهو على قولين أيضًا: إما جوازه مطلقًا، أو جوازه في النفل خاصة،

стр. 6260

وأما التحريم فلا قائل به. قال ابن بطال: «لا نعلم أن أحدًا منهم قال: إن ترتيب ذلك -يعني السور- واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه، وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج بعد الكهف … » (١). فمن أحب الوقوف على توثيق هذه الأقوال منسوبة إلى كتب المذاهب الفقهية فليراجع هذه المسألة في صفة الصلاة، فقد سبق لي بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما ذَكَّرت بالمسألة هنا؛ لتجدد المناسبة، ودفعًا للاستدراك، وتأسيًا ببعض الفقهاء، حيث ذكرها بعضهم في باب المكروهات، وحتى لا يظن من يطلب حكم هذه المسألة في باب مكروهات الصلاة أن هذه المسألة ليست موجود في البحث، والله الموفق.

стр. 6261

الفرع الثالث في كراهة القراءة من أواسط السور أو من أواخرها المدخل إلى المسألة: • القرآن في الصلاة على قسمين: معين لا يجزئ عنه غيره: وهي الفاتحة مع القدرة عليها. ومطلق: وهو فيما زاد على الفاتحة، وما جاء مطلقًا في النصوص فهو جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع، ولا مُقَيِّدَ هنا. • ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل. • الأدلة الدالة على أفضلية قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة لا تقتضي كراهة الاقتصار على بعض السورة، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه. [م-٧٦٥] اختلف الفقهاء في كراهة القراءة من أواسط السور أو من أواخرها: فقيل: يكره تنزيهًا، وهو قول في مذهب الحنفية، وإحدى الروايتين عن مالك، ورواية عن أحمد. وقيل: يقرأ من أواسط سورة واحدة، أو من أواخر سورة واحدة في الركعتين، فإن كان ذلك من سورتين كُرِهَ، قال في المحيط البرهاني: على ما هو ظاهر الرواية، ونسبه في فتح القدير والنهر الفائق لأكثر الحنفية. قال في النهر: «وينبغي أن يقرأ في الركعتين آخر سورة واحدة، لا آخر سورتين فإنه مكروه عند الأكثر» (١). وقيل: تكره القراءة من أواسط السور دون أواخرها، وهو رواية عن أحمد. قال أبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين: «واختلفت هل تكره القراءة من وسط السور؟

стр. 6262

فنقل صالح أما آخر السورة فأرجو، وأما وسطها فلا، وظاهر هذا الكراهة … » (١). وقيل: تكره المداومة، وهو رواية عن أحمد. وقيل: لا يكره مطلقًا، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وإحدى الروايتين عن مالك، ونسبه النووي للجمهور. وانظر الراجح من الأقوال في هذه المسألة، وأدلتها التفصيلية، وتوثيق الأقوال في المجلد التاسع، وإنما ذكرت أقوال المسألة هنا لتجدد المناسبة عند الكلام على مكروهات الصلاة عند الفقهاء، فأشرت إليها هنا، وأحلت على أدلتها ومراجعها حين ذكرت المسألة في المناسبة الأولى، وقد نبهت فيما سبق الحامل على التذكير بها هنا في باب المكروهات، والله أعلم (٢).

стр. 6263

الفرع الرابع في كراهة تكرار السورة الواحدة في ركعتين المدخل إلى المسألة: • لم يصح أن النبي ﷺ قرأ في صلاته سورة واحدة في الركعتين. • قراءة الصلاة قراءة واحدة، ولهذا يتعوذ في أول القراءة، ولا يتعوذ في سائر الركعات على الصحيح، وإذا كانت قراءة واحدة فلا حاجة إلى تكرار السورة مرتين إلا لمن لا يعرف غيرها، أو في الفاتحة لورود النص. • لا أعلم أحدًا قال باستحباب تكرار السورة الواحدة في الركعتين. • عموم الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن لا يمنع من جواز تكرار السورة. • أَقَرَّ النبي ﷺ الرجل الذي كان يختم قراءته بقل هو الله أحد، وهو من الإقرار الجائز، وليس المستحب، فالنبي ﷺ أكمل الأمة محبة ومعرفة بصفة الرحمن، ولم يفعل ذلك ولو مرة واحدة، ولم يأمر الأمة بفعله. • إنكار الصحابة على الرجل تكراره سورة الإخلاص في كل ركعة يدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لمخالفته لما عهدوه من عمل النبي ﷺ وأصحابه في صلاتهم؛ وقد أقرهم النبي ﷺ على هذا الإنكار. [م-٧٦٦] اختلف العلماء في تكرار سورة في ركعتين عدا الفاتحة: فقيل: يكره في الفرض إن كان يحفظ غيرها دون النفل، فإن كان لا يحفظ غيرها وجب تكرارها؛ لوجوب ضم سورة للفاتحة، وهو مذهب الحنفية. قال في نور الإيضاح: «ولا بأس بتكرار السورة في الركعتين من النفل» (١). وقيل: يكره مطلقًا، وإن سقطت به سنة القراءة، هو مذهب المالكية.

стр. 6264

وقيل: يجوز، ولكنه خلاف الأولى، وهو قول في مذهب المالكية. وقيل: يجوز بلا كراهة، وبه قال الشافعية والحنابلة. قال الرملي في نهاية المحتاج: «لو كرر سورة في الركعتين حصل أصل سنة القراءة» (١). وإذا أحببت الوقوف على أقوال هذه المسألة موثقة، وعلى أدلتها، وبيان الراجح، فارجع إليها في صفة الصلاة، المجلد التاسع، فقد سبق بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما أشرت إلى المسألة لتجدد المناسبة، فلله الحمد (٢).

стр. 6265

الفرع الخامس كراهة الجهر بالقراءة في موضع الإسرار وعكسه المدخل إلى المسألة: • الجهر والإسرار من هيئات لا من واجباتها. • مواظبة النبي ﷺ على كل من الجهر والإسرار في موضعه، لا تجعل من هذه الصفة صفة واجبة. • يوجد سنن كثيرة واظب عليها النبي ﷺ وليست واجبة كالوتر وركعتي الفجر. • ملازمة السنة يجعل منها سنة مؤكدة، ولا ينقلها إلى الواجبات. • إذا لم يحفظ في الشرع أمر بالجهر أو بالإسرار في موضعه لم يمكن القول بالوجوب بمجرد الفعل. • غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك بن الحويرث مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ . • كان النبي ﷺ ربما أسمع الصحابة الآية أحيانًا في الصلاة السرية، وظاهر الحديث أن هذا يتكرر منه ﵊، وأقل ما يدل عليه فعل النبي ﷺ الجواز. • إذا جازت المخالفة في الآية جازت المخالفة في أكثر منها؛ لأن الأصل أن إباحة القليل دليل على إباحة الكثير إلا بدليل. [م-٧٦٧] اختلف الفقهاء في كراهة الجهر بالقراءة في موضع الإسرار، وعكسه، فقال الشافعية والظاهرية: يكره الجهر في موضع الإسرار، وعكسه، فإن فعل أجزأته صلاته، ولا سجود عليه، وهو ظاهر مذهب الحنابلة. قال الماوردي: «الجهر والإسرار هيئة، ومخالفة الهيئات لا تبطل الصلاة،

стр. 6266

ولا توجب السهو قياسًا على هيئات الأفعال» (١). قال ابن حزم: «ويستحب الجهر في ركعتي صلاة الصبح، والأولتين من المغرب، والأولتين من العتمة، وفي الركعتين من الجمعة، والإسرار في الظهر كلها، وفي العصر كلها، وفي الثالثة من المغرب، وفي الآخرتين من العتمة، فإن فعل خلاف ذلك، كرهنا، وأجزأه» (٢). وقيل: واجب، وهو مذهب الحنفية، وقول ابن القاسم من المالكية، وقول عند الحنابلة. وقال المالكية: لو جهر في موضع الإسرار بحيث أسمع غيره، أو أَسَرَّ في موضع الجهر بحيث اقتصر على حركة اللسان، ففي مذهب مالك خلاف راجع إلى الاختلاف في الجهر والإسرار في محله، أهو من السنن المؤكدة، أم هو من مستحبات الصلاة: فمن عَدَّهما من السنن المؤكدة، قال: إن تركهما سهوًا سجد إلا أن يكون شيئًا يسيرًا، وإن تركهما عمدًا لم يسجد، وهل يعيد الصلاة، فيه قولان في المذهب، أشهرهما يعيد، وبه قال ابن القاسم. ومن عَدَّهما من مستحبات الصلاة لم يَرَ السجود في السهو، ولا الإعادة في العمد، وهذا القول خلاف ما في المدونة، هذا ملخص مذهب الإمام مالك. وقيل: الإسرار في السرية شرط لصحة الصلاة، قال ابن أبي ليلى: «من جهر فيما يسر به أعاد بهم الصلاة إن كان إمامًا» (٣). فصار الجهر والإسرار في موضعه يرجع إلى ثلاثة أقوال: أحدهما: يجب. والثاني: يسن، والثالث: شرط. فإن خالف فعلى القول بالوجوب: تحرم المخالفة. وعلى القول بالسنية: فقيل: يكره. وقيل: يعيد إن كان متعمدًا، ويسجد

стр. 6267

للسهو إن كان ساهيًا. وأضعف الأقوال القول بالشرطية، وحكيته دفعًا للاستدراك ليس إلا. وإذا أحببت الوقوف على أقوال هذه المسألة موثقة، وعلى أدلتها، وبيان الراجح، فارجع إليها في صفة الصلاة، المجلد التاسع، فقد سبق بحثها هناك، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما أشرت إلى المسألة في مكروهات الصلاة؛ لتجدد المناسبة، فلله الحمد (١).

стр. 6268

الفرع السادس في كراهة الصلاة بالقراءة الشاذة المدخل إلى المسألة: • كل قراءة صح سندها، ولها وجه في العربية، ولم تخالف رسم المصحف فإن القراءة بها بالصلاة صحيحة في الأصح، ولو كانت خارج القراءات العشر. • كل قراءة صح سندها، ولها وجه في العربية، وخالفت رسم المصحف فإنها تثبت قراءة على الصحيح، وهل تثبت قرآنًا؟ في ذلك خلاف. • لا نقطع بقرآنية ما خالف رسم المصحف؛ لمخالفتها ما أُجْمِعَ عليه، ولا ننفي قرآنيتها وقد صح سندها؛ لاحتمال أن تكون مسموعة من النبي ﷺ ، ونحتاط للصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين فلا نؤدي بها فرض القراءة، ونحتاط للشريعة فلا نهدرها فيستفاد منها في الأحكام والتفسير، على قاعدة: واحتجبي منه يا سودة. • كل قراءة كانت جائزة في حياته ﷺ حتى مات، فهي جائزة إلى يوم القيامة ولو خالفت الرسم إذا اشتهرت واستفاضت. • كل ما لم يصح سنده، ولا وجه له في العربية، وخالف رسم المصحف فهذا باطل، لا يعد قراءة. • القراءات في زمن النبي ﷺ لم تكن متواترة بين الصحابة، وإلا لما اختلف عمر وهشام بن حكيم في صفة قراءة سورة الفرقان، ولما اختلفوا في قرآنية البسملة. • قال الزركشي: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان (١). • قال الطوفي: اعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر

стр. 6269

القراءات، ظنًّا منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لما ذكرناه أول المسألة، من الفرق بين ماهية القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن (١). • لم يشترط الصحابة ﵃ حين جمعوا القرآن من بعضهم التواتر، وكل ما لم يكن شرطًا في جمعه، لا يكون شرطًا في أدائه. • كوننا نقطع بأن بعض هذه القراءات الشاذة قد قرأ بها النبي ﷺ ، وأخذها بعض الصحابة منه من حيث الجملة، لا يلزم منه القطع في أفراد هذه القراءات كالقول في حجة الوداع، فإن وقوعها متواتر، ولا يلزم من تواتر وقوعها تواتر الأخبار الواردة في صفتها. • أصل المسألة يرجع إلى أن القراءة الشاذة أهي مما نقطع بخطأ ناقلها لكونها تتوافر الدواعي على نقلها عادة أم نقطع بصوابه، أم لا نقطع بخطئه ولا نجزم بصوابه، فإن وافقت المصحف المجمع عليه قُبِلَت قراءة وقرآنًا ولو لم تتواتر؛ لعدالة ناقلها، وموافقتها ما أجمع عليه من الصحابة، وإن خالفت الرسم، وكانت آحادًا ولم تشتهر فيتوقف في قرآنيتها، ويستفاد منها في التفسير والأحكام؟ [م-٧٦٨] قال الأئمة الأربعة لا يقرأ بالقراءة الشاذة في الصلاة، فإن قرأ بها فاختلفوا في حكم ذلك: فقيل: يكره، وصلاته صحيحة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة، ورجحها ابن الجوزي، واختارها ابن تيمية وابن القيم، وصوبها المرداوي في الإنصاف، ورجحها الشوكاني. وقيل: تبطل مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره السرخسي من الحنفية. وقيل: تبطل إن اقتصر عليها، فإن قرأ معها من القرآن ما يُؤَدِّي به فرض القراءة لم تفسد صلاته، وهو مذهب الحنفية، وقول لبعض الشافعية، واختاره بعض الحنابلة.

стр. 6270

قال في الإنصاف: «واختار المجد أنه لا يجزئ عن ركن القراءة، ولا تبطل الصلاة به، واختاره في الحاوي الكبير» (١). وقيل: إن خالفت الرسم بطلت صلاته، وإن لم تخالف الرسم، فصلاته صحيحة، وإنْ حَرُمَت القراءة بها، وهو مذهب المالكية. وقيل: إن قرأ بالشاذ صحت صلاته إن لم يغيِّر معنى، ولا زاد حرفًا، ولا نقصه، وهو مذهب الشافعية، وقياس قول أبي حنيفة في صحة القراءة بالفارسية. فمن أحب الوقوف على توثيق هذه الأقوال منسوبة إلى كتب المذاهب الفقهية ومعرفة أدلتها التفصيلية، وبيان الراجح فليراجع هذه المسألة في صفة الصلاة، فقد سبق لي بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما ذَكَّرت بالمسألة هنا؛ لتجدد المناسبة، ودفعًا للاستدراك، وتأسيًا ببعض الفقهاء، حيث ذكرها بعضهم في باب المكروهات، وحتى لا يظن من يطلب حكم هذه المسألة في باب مكروهات الصلاة أن هذه المسألة ليست موجود في البحث، والله الموفق.
следующие страницы →