ولا توجب السهو قياسًا على هيئات الأفعال» (١).
قال ابن حزم: «ويستحب الجهر في ركعتي صلاة الصبح، والأولتين من المغرب، والأولتين من العتمة، وفي الركعتين من الجمعة، والإسرار في الظهر كلها، وفي العصر كلها، وفي الثالثة من المغرب، وفي الآخرتين من العتمة، فإن فعل خلاف ذلك، كرهنا، وأجزأه» (٢).
وقيل: واجب، وهو مذهب الحنفية، وقول ابن القاسم من المالكية، وقول عند الحنابلة.
وقال المالكية: لو جهر في موضع الإسرار بحيث أسمع غيره، أو أَسَرَّ في موضع الجهر بحيث اقتصر على حركة اللسان، ففي مذهب مالك خلاف راجع إلى الاختلاف في الجهر والإسرار في محله، أهو من السنن المؤكدة، أم هو من مستحبات الصلاة:
فمن عَدَّهما من السنن المؤكدة، قال: إن تركهما سهوًا سجد إلا أن يكون شيئًا يسيرًا، وإن تركهما عمدًا لم يسجد، وهل يعيد الصلاة، فيه قولان في المذهب، أشهرهما يعيد، وبه قال ابن القاسم.
ومن عَدَّهما من مستحبات الصلاة لم يَرَ السجود في السهو، ولا الإعادة في العمد، وهذا القول خلاف ما في المدونة، هذا ملخص مذهب الإمام مالك.
وقيل: الإسرار في السرية شرط لصحة الصلاة، قال ابن أبي ليلى: «من جهر فيما يسر به أعاد بهم الصلاة إن كان إمامًا» (٣).
فصار الجهر والإسرار في موضعه يرجع إلى ثلاثة أقوال:
أحدهما: يجب. والثاني: يسن، والثالث: شرط.
فإن خالف فعلى القول بالوجوب: تحرم المخالفة.
وعلى القول بالسنية: فقيل: يكره. وقيل: يعيد إن كان متعمدًا، ويسجد
стр. 6267
للسهو إن كان ساهيًا.
وأضعف الأقوال القول بالشرطية، وحكيته دفعًا للاستدراك ليس إلا.
وإذا أحببت الوقوف على أقوال هذه المسألة موثقة، وعلى أدلتها، وبيان الراجح، فارجع إليها في صفة الصلاة، المجلد التاسع، فقد سبق بحثها هناك، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما أشرت إلى المسألة في مكروهات الصلاة؛ لتجدد المناسبة، فلله الحمد (١).
стр. 6268
الفرع السادس في كراهة الصلاة بالقراءة الشاذة
المدخل إلى المسألة:
• كل قراءة صح سندها، ولها وجه في العربية، ولم تخالف رسم المصحف فإن القراءة بها بالصلاة صحيحة في الأصح، ولو كانت خارج القراءات العشر.
• كل قراءة صح سندها، ولها وجه في العربية، وخالفت رسم المصحف فإنها تثبت قراءة على الصحيح، وهل تثبت قرآنًا؟ في ذلك خلاف.
• لا نقطع بقرآنية ما خالف رسم المصحف؛ لمخالفتها ما أُجْمِعَ عليه، ولا ننفي قرآنيتها وقد صح سندها؛ لاحتمال أن تكون مسموعة من النبي ﷺ ، ونحتاط للصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين فلا نؤدي بها فرض القراءة، ونحتاط للشريعة فلا نهدرها فيستفاد منها في الأحكام والتفسير، على قاعدة: واحتجبي منه يا سودة.
• كل قراءة كانت جائزة في حياته ﷺ حتى مات، فهي جائزة إلى يوم القيامة ولو خالفت الرسم إذا اشتهرت واستفاضت.
• كل ما لم يصح سنده، ولا وجه له في العربية، وخالف رسم المصحف فهذا باطل، لا يعد قراءة.
• القراءات في زمن النبي ﷺ لم تكن متواترة بين الصحابة، وإلا لما اختلف عمر وهشام بن حكيم في صفة قراءة سورة الفرقان، ولما اختلفوا في قرآنية البسملة.
• قال الزركشي: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان (١).
• قال الطوفي: اعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر
стр. 6269
القراءات، ظنًّا منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لما ذكرناه أول المسألة، من الفرق بين ماهية القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن (١).
• لم يشترط الصحابة ﵃ حين جمعوا القرآن من بعضهم التواتر، وكل ما لم يكن شرطًا في جمعه، لا يكون شرطًا في أدائه.
• كوننا نقطع بأن بعض هذه القراءات الشاذة قد قرأ بها النبي ﷺ ، وأخذها بعض الصحابة منه من حيث الجملة، لا يلزم منه القطع في أفراد هذه القراءات كالقول في حجة الوداع، فإن وقوعها متواتر، ولا يلزم من تواتر وقوعها تواتر الأخبار الواردة في صفتها.
• أصل المسألة يرجع إلى أن القراءة الشاذة أهي مما نقطع بخطأ ناقلها لكونها تتوافر الدواعي على نقلها عادة أم نقطع بصوابه، أم لا نقطع بخطئه ولا نجزم بصوابه، فإن وافقت المصحف المجمع عليه قُبِلَت قراءة وقرآنًا ولو لم تتواتر؛ لعدالة ناقلها، وموافقتها ما أجمع عليه من الصحابة، وإن خالفت الرسم، وكانت آحادًا ولم تشتهر فيتوقف في قرآنيتها، ويستفاد منها في التفسير والأحكام؟
[م-٧٦٨] قال الأئمة الأربعة لا يقرأ بالقراءة الشاذة في الصلاة، فإن قرأ بها فاختلفوا في حكم ذلك:
فقيل: يكره، وصلاته صحيحة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة، ورجحها ابن الجوزي، واختارها ابن تيمية وابن القيم، وصوبها المرداوي في الإنصاف، ورجحها الشوكاني.
وقيل: تبطل مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره السرخسي من الحنفية.
وقيل: تبطل إن اقتصر عليها، فإن قرأ معها من القرآن ما يُؤَدِّي به فرض القراءة لم تفسد صلاته، وهو مذهب الحنفية، وقول لبعض الشافعية، واختاره بعض الحنابلة.
стр. 6270
قال في الإنصاف: «واختار المجد أنه لا يجزئ عن ركن القراءة، ولا تبطل الصلاة به، واختاره في الحاوي الكبير» (١).
وقيل: إن خالفت الرسم بطلت صلاته، وإن لم تخالف الرسم، فصلاته صحيحة، وإنْ حَرُمَت القراءة بها، وهو مذهب المالكية.
وقيل: إن قرأ بالشاذ صحت صلاته إن لم يغيِّر معنى، ولا زاد حرفًا، ولا نقصه، وهو مذهب الشافعية، وقياس قول أبي حنيفة في صحة القراءة بالفارسية.
فمن أحب الوقوف على توثيق هذه الأقوال منسوبة إلى كتب المذاهب الفقهية ومعرفة أدلتها التفصيلية، وبيان الراجح فليراجع هذه المسألة في صفة الصلاة، فقد سبق لي بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما ذَكَّرت بالمسألة هنا؛ لتجدد المناسبة، ودفعًا للاستدراك، وتأسيًا ببعض الفقهاء، حيث ذكرها بعضهم في باب المكروهات، وحتى لا يظن من يطلب حكم هذه المسألة في باب مكروهات الصلاة أن هذه المسألة ليست موجود في البحث، والله الموفق.
стр. 6271
الفرع السابع في كراهة القراءة من المصحف بالصلاة
المدخل إلى المسألة:
• يرجع الخلاف في القراءة من المصحف في الصلاة إلى اختلافهم في تقليب أوراق المصحف، والنظر فيه، أهو من العمل الكثير في الصلاة أم لا، وإذا كان كثيرًا، أيغتفر؛ لكونه لمصلحة الصلاة، أم لا، أم يفرق بين الحافظ وغيره، وبين الفرض والنفل؛ لكون النفل أوسع من الفرض.
• ذكر الحنفية أنه لو نظر إلى مكتوب، وفهمه بقلبه لم تفسد صلاته بالإجماع، يقصدون بذلك ولم يحرك لسانه؛ لكون السكوت في الصلاة لا يقطع الموالاة.
• حكى أبو الطيب الطبري الإجماع على أنه لو تفكر طويلًا، أو نظر طويلًا لم تبطل صلاته، فكذلك إذا جمع بينهما.
• إذا اعتبرنا النظر في المصحف عبادة، قال النووي: لم أَرَ فيها خلافًا، فإذا نظر فيه فقرأ بلسانه ما يشرع له قراءته لم تبطل صلاته؛ لأن انضمام العبادة إلى عبادة أخرى لا يفسدها.
• عمل السلف على جواز القراءة من المصحف في النفل؛ لطول القيام في النفل فيحتاج إليه بخلاف الفرض.
• هل يقال: ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل؟ وقد سئل أحمد عن القراءة من المصحف في الفرض، فقال: لم أسمع فيه شيئًا، أم يقال: لم يكن من عمل الناس بالفرض، والأصل في العبادات المنع، الأول أقرب، وإبطال العبادة يفتقر إلى دليل، والأصل صحتها.
стр. 6272
• قلب الورقة إذا فرغ من قراءتها عمل يسير جدًّا، والعمل الكثير إذا كان متفرقًا غير متصل ولمصلحة الصلاة لا يبطلها.
• صح في النفل الصلاة راكبًا وقاعدًا، وإلى غير القبلة، فالحركة الكثيرة إذا احتيج إليها في النفل لا تبطلها بخلاف الفرض، فيغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض.
• الحاجة ترفع الكراهة، والضرورة ترفع التحريم.
[م-٧٦٩] اختلف الفقهاء في القراءة من المصحف في الصلاة:
فقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يكره مطلقًا، وصلاته صحيحة.
وقيل: يكره في الفريضة، وهو مذهب المالكية وقول عند الحنابلة، واختلفوا في النافلة وقيام رمضان:
فقيل: تجوز مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة، وبه قال الزهري وإسحاق وجماعة من السلف.
وقيل: إن ابتدأ النافلة بالقراءة من المصحف جاز، وإن ابتدأ بغير مصحف فأراد النظر فيه في أثناء النفل كره، وهو مذهب المالكية.
وقيل: تجوز في النفل لغير حافظ، فإن كان حافظًا كرهت كالفرض، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة.
وقيل: لا تجوز، وإن قرأ من المصحف فسدت صلاته، وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم وحكاه عن ابن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، وأبي عبد الرحمن السلمي.
وقيل: تحرم على الحافظ فقط، وتجوز لغيره، وهو رواية عن أحمد.
هذه مجمل الأقوال في المسألة، وخلاصتها.
التحريم مطلقًا.
التحريم على الحافظ.
الجواز مطلقًا.
стр. 6273
الكراهة مطلقًا.
التفريق بين الفريضة فيكره، واختلفوا في النافلة على أقوال منها:
الجواز مطلقًا، والكراهة من الحافظ. والجواز إذا ابتدأ القراءة من المصحف وإلا فلا، فهذه سبعة أقوال.
فمن أحب الوقوف على توثيق هذه الأقوال منسوبة إلى كتب المذاهب الفقهية ومعرفة أدلتها التفصيلية، وبيان الراجح فليراجع هذه المسألة في صفة الصلاة، فقد سبق لي بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما ذَكَّرت بالمسألة هنا؛ لتجدد المناسبة، ودفعًا للاستدراك، وتأسيًا ببعض الفقهاء، حيث ذكرها بعضهم في باب المكروهات، وحتى لا يظن من يطلب حكم هذه المسألة في باب مكروهات الصلاة أن هذه المسألة ليست موجود في البحث، والله الموفق.
стр. 6274
الفرع الثامن في كراهة عَدِّ الآي في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• عَدُّ الآي والتسبيح إنما يكون في القلب أو في الأصابع دون تحريك اللسان.
• تحريك اللسان بغير القرآن والذكر يعتبر كلامًا في الصلاة، وتعمده بلا مصلحة للصلاة يفسدها.
• قال تعالى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ مع قوله تعالى ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ فإذا لم تكن الإشارة كلامًا بنص القرآن لم يكن عد الآي والتسبيح بالأصبع كلامًا في الصلاة.
• عَدُّ الآي والتسبيح ليس من أعمال الصلاة.
• عَدُّ الآي والتسبيح إن كان وسيلة لتحقيق سنة كان مطلوبًا كما في عَدِّ الإمام تكبيرات العيد، ولأن الحركة الأجنبية لمصلحة الصلاة لا تفسدها.
• كل عمل أجنبي في الصلاة ليس لمصلحتها يغتفر منه اليسير، والمتفرق، دون الكثير المتوالي.
[م-٧٧٠] عد الآي في الصلاة إن كان باللسان أفسد الصلاة، وحكاه ابن نجيم وابن عابدين اتفاقًا؛ لأنه كلام أجنبي في الصلاة، نص على هذا الحنفية والإمام الشافعي ﷺ (١).
وإن كان عد الآي بالقلب، أو بالغمز برؤوس الأصابع، فقال في العناية: غير مكروه بالاتفاق (٢).
стр. 6275
وإن كان عد الآي باليد دون اللسان، فاختلف العلماء في كراهته:
فقيل: يكره كراهة تحريمية مطلقًا، اختاره بعض الحنفية، وقال ابن حزم: يحرم فإن تعمده بطلت صلاته (١).
وقيل: يكره كراهة تنزيهية، مطلقًا في الفرض والنفل باتفاق أئمة الحنفية في ظاهر الرواية، واختاره بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٢).
وقيل: لا بأس به مطلقًا، روي ذلك عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن في غير ظاهر الرواية، ونص عليه أحمد، وهو المعتمد في مذهبه (٣).
ولم أقف على قول المالكية من كتبهم، وظاهر إشارة ابن مفلح في الفروع أنه مباح عندهم (٤).
وقيل: الأولى اجتنابه، ولا يبلغ القول بالكراهة، وهو المعتمد عند الشافعية (٥).
جاء في المهمات في شرح الروضة والرافعي: «قال الشافعي: ولو ترك عَدَّ الآي
стр. 6276
في الصلاة كان أحب إلىّ. هذا لفظه بحروفه، ومن (الأم) نقلته.
ومقتضاه عدم الكراهة، وبه صرح في (شرح المهذب) فقال: مذهبنا أنه لا يكره، بل هو خلاف الأولى، قال: وهو مراد (المهذب) بقوله: إنه يكره ألا ترى إلى قوله بعد ذلك: فكان خلاف الأولى. هذا كلامه» (١).
وكأن هذا القول يرى استحباب اجتنابه، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.
وقيل: يكره في الفرض ويرخص في التطوع، روي ذلك عن أبي حنفية (٢).
والخلاف في عَدِّ التسبيح كالخلاف في الآي، وتوقف أحمد في عد التسبيح. وفي كراهتها عند الحنابلة وجهان، الصحيح من المذهب أنه لا يكره (٣).
وإذا احتياج إلى العد ارتفعت الكراهة، كما لو احتاج لعد تكبيرات العيد.
فخَلُصَ الخلاف في المسألة إلى أربعة أقوال:
أحدها: التحريم.
الثاني: يكره تنزيهًا مطلقًا في الفرض والنفل.
والثالث: أنه خلاف الأولى، وهي كراهة مخففة، ويثبت ذلك في كل فعل لم يثبت النهي عنه بذاته، وكان ارتكابه يؤدي إلى ترك السنة المؤكدة.
الرابع: يكره في الفرض دون النفل.
هذا تصور الخلاف من جهة الأقوال، وبقي ذكر أدلتها من نص أو تعليل.
• دليل من قال: يكره تنزيهًا:
الدليل الأول:
عَدُّ الآي ليس من أعمال الصلاة، والاشتغال به يؤدي إلى ذهاب الخشوع أو
стр. 6277
ذهاب كماله، والخشوع مستحب أو واجب.
• ويناقش:
الأصح في خشوع القلب في الصلاة أنه مستحب بخلاف خشوع الجوارح، وترك المستحب، لا يلزم منه الوقوع في المكروه.
الدليل الثاني:
ولأنه حركة أجنبية في الصلاة لا يحتاج إليها، وبإمكانه أن يفعل ذلك قبل الدخول في الصلاة.
• ويناقش::
بأن عد الآي إن كان لمصلحة الصلاة كان مطلوبًا، وإن كان لغير مصلحتها، أخذ حكم الحركة في الصلاة، واليسير منه مباح.
• دليل من قال: يحرم:
استدل بأدلة من قال بالكراهة إلا أنه حملها على التحريم.
• دليل من قال: لا بأس به:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٨٣) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق هشام بن عمار، حدثنا عبد الله بن يزيد البكري، عن نصر بن طريف، عن عطاء ابن السائب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: رأيت رسول الله ﷺ يعد الآي في الصلاة (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 6278
الدليل الثاني:
حكى ابن قدامة الإجماع على جواز عَدِّ الآي في الصلاة.
قال في المغني: «لنا: أنه إجماع، رواه الأثرم بإسناده عن يحيى بن وثاب، وطاوس، والحسن، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، والمغيرة بن حكيم، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف مع أن الظاهر أن ذلك ينتشر ولا يخفى، فيكون، إجماعًا» (١).
يقصد ابن قدامة بالإجماع الإجماع السكوتي، وهو حجة، إلا أن دلالته ظنية، وقد يعكر على نقل الإجماع أنه قد نقل عن عمرو بن ميمون وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا لا يعدان الآي في الصلاة، والله أعلم (٢).
• ويجاب عن هذا:
ترك العد منهما في الصلاة، لا يدل على كراهتهما له، وإنما يحتج بالترك لو كنا نقول: إن العد سنة، أما إذا قيل: إن عد الآي وتركه مباح، فلا يعد تارك المباح ناقضًا للقول بالإباحة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
الكراهة حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ولا يحفظ في النصوص دليل
стр. 6279
ينهى عن عد الآي.
الدليل الرابع:
ولأن عد الآي من جنس الحركة اليسيرة في الصلاة لا تؤثر على الخشوع، فهي على الإباحة، ولو قدر أنها خلاف الأولى فالحاجة تبيحها، فالمصلي قد يحتاج إلى معرفة عدد الآي ليتحرى مقدار السنة في القراءة، كما أنه قد يحتاج إلى عد تكبيرات العيد فرقًا بين الركعة الأولى، والثانية.
• دليل من فرق بين الفرض والنفل:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٨٤) ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق أبي سعيد الشامي، عن مكحول،
عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ قال: عد الآي في التطوع، ولا تعده من الفريضة (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثاني:
النافلة أوسع من الفرض، ولهذا صحت النافلة قاعدًا مع القدرة، وعلى الراحلة، فيغتفر فيها ما لا يتغتفر في الفرض.
• الراجح:
أن عد الآي إن كان محتاجًا إليه فلا بأس، وإن كان لا يحتاج إليه فالأولى تركه، باعتباره حركة أجنبية في الصلاة، والله أعلم.
стр. 6280
الفرع التاسع في كراهية الدعاء قبل القراءة
[م-٧٧١] اختلف العلماء في دعاء الاستفتاح،
فكرهه الإمام مالك في رواية، وهي المشهور من مذهبه، ونص على ذلك في المدونة (١).
وقيل: يجوز، رواه ابن شعبان عن مالك (٢).
وقال أبو داود في السنن: حدثنا القعنبي، قال: قال مالك: لا بأس بالدعاء في الصلاة، في أوَّله، وأوسطه، وفي آخره، في الفريضة وغيرها (٣).
خَرَّجه أبو داود في أدعية الاستفتاح لبيان أن الإمام مالكًا محفوظ عنه القول
стр. 6281
بمشروعية الاستفتاح، وهو يؤيد ما نقله ابن شعبان المصري عن مالك، والله أعلم
فقيل: يستحب الاستفتاح سِرًّا بعد الفراغ من تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الجمهور، واختيار الظاهرية، ورواية عن مالك، وصوَّبه ابن العربي من المالكية (١).
وهذا القول هو الراجح.
وقد بحثت المسألة في المجلد السابع من صفة الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
стр. 6282
المبحث الخامس في مكروهات الركوع والسجود
الفرع الأول في كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود
المدخل إلى المسألة:
• ورد النهي عن القراءة في الركوع والسجود في حديثين لابن عباس وعليٍّ ﵄.
• الأصل في النهي التحريم، وهو قول الأكثر، إلا أنه ينبغي ألا يتشدد في الصوارف.
• تعامل الفقهاء مع الصوارف يختلف من مسألة إلى أخرى.
• قد يتساهل الفقهاء في الصارف فيصرفون النهي لقرينة لفظية، أو معنوية أو لعمل كثير من الصحابة، أو لكون النهي يتعلق بالآداب، أو لكونه يتعلق بالصحة.
• يتساهل بعض الفقهاء في الصارف إذا كانت أحاديث النهي قد تكلم فيها.
• حديث ابن عباس تكلم في إسناده الإمام أحمد، وحديث علي ضعفه البخاري.
• قد تكون علة النهي صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة.
• الراجح في علة النهي عن القراءة في الركوع والسجود كون الركوع والسجود موضع ذلة وخضوع للعبد ينزه عنه كلام الرب.
• إذا كان الراكع والساجد يذكر الله بأسمائه وصفاته، ولا ينزه أسماء الرب ولا صفاته في الركوع والسجود، فكلامه صفة من صفاته، وإن وجد فرق بينهما فهو ما يجعل النهي للكراهة، لا للتحريم، وهو قول الأئمة الأربعة.
стр. 6283
• الركوع والسجود موضع للذكر، ومحل لتعظيم الرب، والقرآن أعظم الذكر، ولولا النهي لقيل: إن قراءة كتاب الله من تعظيم الله.
• القراءة مشروعة في القيام بالإجماع، فإذا ذكر المصلي ما كان مشروعًا في القيام في محل الركوع والسجود أو في أي موضع في الصلاة لم يَأْتِ بما ينافي صلاته، فلا يكون مبطلًا، وإذا لم يكن مبطلًا كان مكروهًا.
[م-٧٧٢] اختلف العلماء في هذه المسألة على خمسة أقوال:
فقيل: تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد، وهو قول جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «مذهب الجمهور كراهة القراءة والدعاء في الركوع» (١).
وقال ابن رجب: «أكثر العلماء على كراهة القرآن في الركوع والسجود، ومنهم من حكاه إجماعًا» (٢).
إلا أن يأتي بالقرآن بقصد الدعاء والثناء فلا يكره.
وقيل: تجوز القراءة في الركوع والسجود، وروي عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ البقرة في سجوده (٣)، واختاره جماعة من التابعين، ونسبه ابن رشد للإمام البخاري.
وقيل بتحريم القراءة على خلاف بين القائلين بالتحريم:
فقيل: تحرم قراءة القرآن مطلقًا في الركوع والسجود، وهو قول للشافعية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم، ورجحه الشوكاني.
وقيل: تحرم قراءة الفاتحة خاصة وتكره قراءة غيرها.
وهو قول لبعض المالكية، وقول عند الشافعية، حكاه الخراسانيون وجهًا في
стр. 6284
مذهب الشافعية، وصاحب الحاوي.
وقيل: تحرم القراءة في الركوع، وتجوز في السجود، حكاه ابن رشد عن الإمام مالك (١).
قال ابن رشد في البيان: «ولا اختلاف في أنه لا تجوز قراءة القرآن في الركوع، واختلف في قراءته في السجود، فروي عن مالك إجازة ذلك» (٢).
ولو عبر بالمنع لكان أدق؛ لأن حكاية الاتفاق في أن القراءة في الركوع لا تجوز مخالف للمعتمد من المذهب، ولقول الجمهور بأنه مكروه.
ورخص بعضهم في قراءة النفل في الركوع دون الفرض، ولا أعلم وجهًا للتفريق بين الفرض والنفل.
وهذه المسألة قد سبق بحثها عند التعرض لصفة الصلاة في مباحث المجلد العاشر، فارجع إليه إن شئت، وإنما اقتضى التنبيه عليها لتجدد المناسبة عند ذكر أحكام مكروهات الصلاة عند الفقهاء، وحتى لا يظن من يطلب هذه المسألة في المكروهات أن البحث غفل منها، والله أعلم.
стр. 6285
الفرع الثاني في كراهة مسح الحصى من موضع السجود
المدخل إلى المسألة:
• مسح الحصى في الصلاة فعل أجنبي ليس من أفعال الصلاة.
• كل حركة أجنبية عن الصلاة، لا يحتاج إليها المصلي فهي ضرب من العبث، وهو علة النهي عن مسح الحصى في الصلاة.
• يرجع حكم مسح الحصى إلى حكم الحركة في الصلاة، فما كان لحاجة المصلي أو لمصلحة الصلاة فيباح، ويكره اليسير منه بلا حاجة، وما كان كثيرًا متواليًّا بلا حاجة ولا مصلحة للصلاة فيخشي منه إبطال الصلاة ما لم يكن معذورًا بجهل.
• قوله: (إن كنت فاعلًا فواحدة) دليل على أن الترك أفضل مطلقًا، لأن معناه: لا تفعل فإن كنت فاعلًا فواحدة، ومفهومه: المنع من الزيادة على الواحدة.
• يجب المسح لو كان المصلي لا يتمكن من وضع القدر الواجب من الجبهة إلا به ولو كان ذلك أكثر من مرة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والأولى أن يفعل ذلك قبل الصلاة.
• تخصيص الحصى بالذكر قيد أغلبي؛ أو مفهوم لقب لا مفهوم له، فيشمل كل ما يصلى عليه من نحو رمل، وتراب، وطين.
• قول النووي: اتفق العلماء على كراهة المسح. لا تصح حكاية الاتفاق، وإطلاق الكراهة ظاهره يشمل حتى المسحة الواحدة مع الحاجة، وهذا خلاف السنة.
[م-٧٧٣] اختلف العلماء في حكم مسح الحصى من موضع السجود:
فإن كان لا يمكنه وضع القدر الواجب من الجبهة إلا به تعين، ولو تكرر ذلك
стр. 6286
أكثر من مرة (١)؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وإنما أذن في تسوية الحصى مرة واحدة؛ لأن المصلي غالبًا لا يحتاج في تسويتها لأكثر من مرة، فإن زاد كان عبثًا، وذلك لا ينفي جواز التسوية بما يحتاج منه إلى زيادة على المرة الواحدة (٢).
ولا يختص الحكم بالحصى، بل يشمل كل ما يصلى عليه من تراب أو غيره.
فإن كان مسح موضع السجود من أجل كمال السجود، فاختلفوا:
فقال الحنفية: «يكره فإن احتاج لإتمام سجوده فمرة واحدة وتركه أولى، وظاهر الكراهة تحريمية، وهو مذهب الحنفية» (٣).
وقال ابن حزم: «يجوز مسح الحصى مرة واحدة مع الكراهة، فإن زاد على
стр. 6287
الواحدة متعمدًا حرم وبطلت صلاته» (١).
قال ابن حجر تعليقًا: «وأفرط بعض أهل الظاهر فقال إنه حرام إذا زاد على واحدة لظاهر النهي» (٢).
وكأن ابن حجر لم يعلم أن الكراهة عند الحنفية تحريمية.
والفرق بين قول الحنفية وابن حزم: أنهم يتفقون في تحريم ما زاد على الواحدة، ويختلفون في إبطال الصلاة بتعمد ذلك، فالحنفية لا تبطل خلافًا لابن حزم، ولو صح التحريم لكان قول ابن حزم أقعد؛ لأن ما كان محرمًا والنهي مختصًا بالصلاة كان تعمده مبطلًا للصلاة.
وقال الشافعية والحنابلة: يكره مسح الحصى إلا من حاجة، ولم يقيدوا ذلك بمرة واحدة (٣).
ورخصت في مسح الحصى، طائفة من أهل العلم، ذكر ذلك ابن المنذر.
قال في الأوسط: «اختلف أهل العلم في مس الحصى، فرخصت فيه طائفة، كان ابن عمر يصلي، فيمسح الحصى برجله» (٤).
ولم يتعرض خليل في مختصره لحكم المسألة، ولهذا قال الخطابي، في معالم السنن: «كان مالك بن أنس لا يرى به بأسًا ويسوي الحصى في صلاته غير مرة» (٥).
وقال القاضي عياض: «حكى أبو سليمان (يعني الخطابي) عن مالك جواز مسح الحصى مرةً، وثانيةً في الصلاة، والمعروف عنه ما عليه الجمهور» (٦).
стр. 6288
وقد سُبِق الخطابي في النقل عن مالك،
قال ابن المنذر: «وكان مالك يفعل ذلك أكثر من مرة واحدة في صلاة واحدة، قال: وكان لا يرى بالشيء الخفيف منه بأسًا عند العذر» (١).
فإن قيل: إن ابن المنذر والخطابي من الشافعية، فقول القاضي عياض مقدم عليهما، فالجواب أن ابن بطال قد حكى مثل ذلك عن الإمام مالك، وهو من المالكية، وسيأتي النقل عنه إن شاء الله تعالى.
قال ابن حجر: ولعل مالكًا لم يبلغه الخبر (٢).
فعلق على ذلك الزرقاني في شرح الموطأ: «والأولى -إن صح ذلك عن مالك- أنه كان يفعله مرة واحدة مسحًا خفيفًا كفعل ابن عمر، وترجي أنه لم يبلغه الخبر بعيد جدًّا، أو ممنوع مع ذكره حديث أبي ذر، وإن كان موقوفًا بقوله» (٣).
يقصد ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد،
أنه بلغه أن أبا ذر كان يقول: مسح الحصباء مسحة واحدة، وتركها، خير من حمر النعم (٤).
(ث-٥٥١) وروى مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن، حدثنا أبو جعفر القارئ، قال: رأيت ابن عمر إذا أراد أن يسجد سوَّى الحصى تسوية خفيفة (٥).
وليس في فعل ابن عمر ما يفيد تقييد الجواز بمرة واحدة، والخفيف يقصد به اليسير، فهو بمنزلة الحركة، وتكرارها مع الحاجة لا يمنع إذا كانت غير متوالية، والله أعلم.
وهو ظاهر نقل ابن المنذر عن ابن عمر (٦).
стр. 6289
قال ابن بطال: «كان مالك لا يرى بالشيء الخفيف منه بأسًا» (١).
وظاهره ولو كان أكثر من مرة، كما لو كان ذلك متفرقًا، فكأنه ألحقه بالحركة في الصلاة، ولهذا قال ابن عبد البر: «السنة في الصلاة أن لا يعمل جوارحه في غيرها، ومسح الحصباء ليس من الصلاة، فلا ينبغي أن يمسح، ولا يعبث بشيء من جسده، ولا يأخذ شيئًا، ولا يضعه، فإن فعل لم تنتقض بذلك صلاته، ولا سهو عليه» (٢).
فيصح لنا أن نقول: إن النقل عن مالك على قولين:
أحدهما: جواز التسوية الخفيفة، وظاهره ولو تكررت، نقل ذلك ابن بطال وابن المنذر والخطابي عن مالك.
الثاني: أن قول الإمام مالك مثل قول الجمهور، يكره إلا للحاجة، حكى ذلك القاضي عياض، وحكى ابن مفلح القولين عن مالك في الفروع (٣).
فتلخص لنا أن الخلاف في المسألة على النحو التالي:
يجب مسح الحصى إن تعين لإمكان السجود الواجب، ولا ينبغي الاختلاف على ذلك، والأولى أن يفعل ذلك قبل أن يدخل في الصلاة.
فإن كانت التسوية لتمام السجود:
فقيل: يجوز الخفيف منه مطلقًا، وظاهره ولو تكرر مع الحاجة.
وقيل: مرة واحدة للحاجة، وتركه أفضل.
فإن زاد على المرة:
فقيل: يحرم، وتبطل الصلاة بعمده.
وقيل: يحرم، ولا تبطل الصلاة به.
стр. 6290
وقيل: يكره إلا من حاجة، وهو مذهب الجمهور.
وإذا وقفت على أقوال أئمتنا، فلتأذن بالانتقال إلى عرض أدلة المسألة.
• دليل من قال: يحرم مسح الحصى وتجوز مرة واحدة للحاجة:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٨٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال:
حدثني معيقيب: أن النبي ﷺ قال: في الرجل يسوي التراب حيث يسجد، قال: إن كنت فاعلًا فواحدة (١).
ورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير به … قال: ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد يعني الحصى قال: إن كنت لا بد فاعلًا فواحدة (٢).
ورواه أبو داود حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام به، بلفظ: أن النبي ﷺ قال: لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت لا بد فاعلًا، فواحدة تسوية الحصى (٣).
[لفظ (لا تمسح وأنت تصلي) تفرد به مسلم بن إبراهيم على اختلف عليه] (٤).
وجه الاستدلال:
قوله: (إن كنت فاعلًا فواحدة) دليل على أن الترك أفضل مطلقًا، وقوله: (فواحدة) مفهومه: المنع من الزيادة على الواحدة، حيث لم تدخل في الإذن، وهو ما جاء منطوقًا في لفظ أبي داود في قوله: (لا تمسح وأنت تصلي فإن كنت فاعلًا فواحدة)، ومع أن النهي الصريح ليس محفوظًا من لفظه، إلا أنه مستفاد من المعنى، فإن قوله: (إن كنت فاعلًا فواحدة) معناه: لا تفعل، فإن كنت فاعلًا فواحدة.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٨٦) ما رواه أحمد، حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن شرحبيل بن سعد،
عن جابر بن عبد الله، قال: سألت النبي ﷺ ، عن مسح الحصى، فقال: واحدة، ولئن تمسك عنها، خير لك من مائة ناقة، كلها سود الحدقة (١).
ورواه أحمد، حدثنا أبو النضر، عن ابن أبي ذئب ح، وابن أبي بكير، أخبرنا ابن أبي ذئب به، وزادا: فإن غلب أحدكم الشيطان، فليمسح مسحة واحدة (٢).
стр. 6295
[ضعيف] (١).
الدليل الثالث:
(ح-٢٢٨٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي الأحوص،
عن أبي ذر، يبلغ به النبي ﷺ : إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى (٢).
ورواه أحمد من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: سمعت أبا الأحوص،
стр. 6296
مولى بني ليث يحدثنا في مجلس ابن المسيب، وابن المسيب جالس،
أنه سمع أبا ذر، يقول: إن رسول الله ﷺ قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرحمة تواجهه، فلا يحرك الحصى، أو لا يمس الحصى (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٢٢٨٨) ما رواه البزار في مسنده من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي، قال: قال لي النبي ﷺ : إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تفتح على الإمام في الصلاة، ولا تعبث بالحصى في الصلاة، ولا تفقع أصابعك في الصلاة، ولا تلتفت عن يمينك ولا عن شمالك في الصلاة، ولا تفترش ذراعيك افتراش السبع في الصلاة.
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي، إلا من هذا الوجه ورواه عن أبي إسحاق، يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (ولا تعبث بالحصى في الصلاة) فيه إشارة إلى علة النهي عن مسح الحصى والتراب ونحوهما، وأن هذا الفعل ليس من أفعال الصلاة، فتسوية محل السجود تحصل بمرة واحدة، لهذا وردت الرخصة بمرة واحدة، فالزيادة على المرة حركة أجنبية في الصلاة لا يحتاج إليها المصلي، ولهذا جاء النهي عنها بقوله:
стр. 6302
(ولا تعبث بالحصى في الصلاة)، فكل حركة أجنبية عن الصلاة، لا يحتاج إليها المصلي فهي ضرب من العبث، ومن أجل هذا كره مسح الحصى، وهو نظير النهي عن مس الحصى، والإمام يخطب يوم الجمعة، بقوله: (من مس الحصى فقد لغى) (١).
الدليل الرابع:
قال النووي: اتفق العلماء على كراهة المسح؛ لأنه ينافي التواضع (٢).
وانتقد ابن حجر حكاية الإجماع، فقال: «حكى النووي اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة وفيه نظر فقد حكى الخطابي في المعالم عن مالك أنه لم ير به بأسا وكان يفعله فكأنه لم يبلغه الخبر وأفرط بعض أهل الظاهر فقال إنه حرام إذا زاد على واحدة لظاهر النهي ولم يفرق بين ما إذا توالى أو لا مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع» (٣).
وسبق لي توثيق النقول عن مالك في مطلع البحث.
• دليل من قال: يكره مسح الحصى إلا من حاجة:
أدلتهم هي أدلة من قال بالتحريم، إلا أنهم حملوا هذه الأدلة على الكراهة، والصارف لها إلى الكراهة علة النهي:
فإن كانت علة النهي راجعة إلى كون المسح حركة أجنبية في الصلاة بلا حاجة.
فالحركة لا تحرم في الصلاة إلا إذا كانت كثيرة متوالية، بلا حاجة، ولغير مصلحة الصلاة.
أما إذا كانت الحركة يسيرة لغير حاجة فهي مكروهة، ومسح موضع السجود أكثر من مرة يصدق عليه أنه حركة يسيرة متفرقة لغير حاجة، فتكره.
وإن كان النهي من أجل المحافظة على الخشوع في الصلاة:
стр. 6303
رجع الحكم في مسح الحصى إلى حكم الحركة أيضًا باعتبار أن الحركة الكثيرة لغير حاجة تذهب الخشوع؛ فكان اليسير منه لغير حاجة مكروهًا حتى لا يفضي ذلك إلى ذهاب الخشوع أو كماله.
ولم يحرم المسح باعتبار أن الخشوع في الصلاة ليس واجبًا على الصحيح، حتى حكي في ذلك الإجماع على عدم الوجوب.
وعلى القول بوجوب الخشوع فإنما يحرم من المسح ما يحرم من الحركة في الصلاة، واليسير من المسح بلا حاجة داخل في الحركة اليسيرة، فلا يحرم، ويباح مع الحاجة ويكره بدونها.
وإن كانت العلة في النهي عن المسح؛ هو ما علل به في حديث أبي ذر، وهو كون الرحمة تواجهه.
فقد فسر ذلك كما تقدم بأن العبد إذا صلى فإن الله قبل وجهه حتى يلتفت فإذا التفت انصرف الله عنه، فالجزاء من جنس العمل، فكان مسح الحصى بلا حاجة نوعًا من التفات المصلي عن الصلاة المؤدي إلى انصراف الله عن العبد، وعبر بالرحمة، وهو من التعبير بالشيء بلازمه، وانصراف الله عن العبد لا يعني تحريم المسح، وإنما هو من باب قطع الثواب، لا من باب العقوبة، ولو كان ذلك من باب العقوبة لكان ذلك من الكبائر، ولبطلت الصلاة بالالتفات، سواء أكان ذلك بالتفات الوجه، أم كان ذلك بالتفات القلب بعمل أجنبي عن الصلاة ومنه مسح الحصى بلا حاجة، والعبث بلحيته أو بثوبه، ونحو ذلك.
وقد ورد إعراض الله سبحانه على العبد بفعل ما ليس بمعصية، كخبر النفر الثلاثة في حديث أبي وقد الليثي في الصحيحين، حيث قال النبي ﷺ في حق الثالث: وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه (١).
وليس الجلوس في حلقة الذكر من الواجبات الشرعية، وإلا لأنكر النبي ﷺ على الرجل تركه الجلوس في الحلقة، ولدعاه إلى الجلوس، وقد أقره النبي ﷺ على ترك الجلوس، ولكن معنى أعرض الله عنه بأن حرمه ثواب الجلوس في حلقة الذكر، فهو من
стр. 6304
حرمان الثواب، وليس من موجبات العقاب المترتبة على ارتكاب المحرم، والله أعلم.
وإذا لم تبطل الصلاة بالالتفات لم تبطل بالمسح أكثر من مرة باعتباره نوعًا منه، وكان الحكم مكروهًا، كما كان الحكم في الالتفات، والله أعلم.
• دليل من قال: يجوز مسح موضع السجود:
أن المسح أكثر من مرة في الصلاة إما أن يكون متفرقًا في الصلاة، أو متواليًا في السجدة الواحدة.
فإن كان متفرقًا فهو في حكم الحركة اليسيرة في الصلاة، والأصل فيها الإباحة.
وإن كان متواليًا، فالغالب أن المصلي لا يفعله إلا لمصلحة السجود، والحركة الكثيرة لمصلحة الصلاة جائزة.
فإن قيل: إن هذا مخالف لتقييد الحديث في الصحيحين: (فإن كنت فاعلًا فواحدة).
فالجواب: إنما أذن في تسوية الحصى مرة واحدة؛ لأن المصلي غالبًا لا يحتاج في تسويتها لأكثر من مرة، فإن زاد كان عبثًا، وذلك لا ينفي جواز التسوية بما يحتاج منه إلى زيادة على المرة الواحدة (١).
ولذلك لو كان المسح لإمكان السجود، لوجب التسوية أكثر من مرة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فواجب.
• الراجح:
أن مسح الحصى ومثله التراب قد يكون واجبًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون محرمًا.
فيجب إذا كان لا يمكنه السجود إلا بالتسوية، ولو تكرر ذلك أكثر من مرة.
ويكره إذا مسح بلا حاجة، كما لو مسح مرة أو أكثر من مرة وكان متفرقًا.
ويباح إذا مسح مرة واحدة لحاجة، وكان يمكنه السجود بلا مسح.
ويحرم إذا كثر وكان متواليًا بلا حاجة، ولا مصلحة للصلاة، والله أعلم.
стр. 6305
الفرع الثالث في كراهة الدعاء في الركوع والسجود
المدخل إلى المسألة:
• الدعاء في الركوع كتعظيم الرب في السجود لا يكرهان، وإن استحب الإكثار من الدعاء في السجود، والتعظيم في الركوع.
• لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
• الشرط في حديث ابن عباس (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء) إذا قصد به التكثير فلا مفهوم له، فلا يكره التعظيم في السجود، ولا الدعاء في الركوع.
• منطوق حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) مقدم على مفهوم حديث ابن عباس؛ لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم بالإجماع.
• علة الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود كونه أقرب للإجابة، وهذه العلة لا تقتضي تخصيصًا، وإلا لكان المسلم مأمورًا ألا يدعو إلا في مواطن الإجابة.
[م-٧٧٤] اختلف العلماء في حكم الدعاء في الركوع والسجود،
فقيل: يكره مطلقًا، وهو قول الإمام مالك.
وقيل: يكره الدعاء في الركوع والسجود زيادة على التسبيح في الفريضة دون النافلة، وهو رواية عن أحمد.
وحملها بعض الحنابلة في حق الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين، أونقص بدعائه عن التسبيح عن أدنى الكمال، أما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه.
وقيل: الدعاء في الركوع لا يشرع إلا ما ورد به النص، من قول: (سبحانك اللهم