← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

على الحقيقة الشرعية. • أجيب: (ث-٧٥٥) بأن القرينة ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا أبو النضر، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا وجد أخذة الرعاف، وهو في الصلاة، انصرف، فغسل نُخْمَةَ دمه، ولم يكلم أحدًا، ثم رجع فأتم ما بقي من صلاته (١). ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: إذا رأى الإنسان في ثوبه دمًا، وهو في الصلاة، فانصرف، يغسله، أَتَمَّ ما بقي على ما مضى، ما لم يتكلم. قال الزهري: وقال سالم: كان ابن عمر ينصرف لقليله وكثيره (٢). [صحيح] (٣).

стр. 6337

• ويرد على هذا الجواب: أما حمل الوضوء على الغسل فلو صح في الرعاف، فلا يتصور في المذي. (ث-٥٥٨) وقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: إذا رعف الرجل أو ذرعه القيء أو وجد مذيًا فإنه ينصرف، فيتوضأ، ثم يرجع فيبني ما بقي على ما مضى إن لم يتكلم. [صحيح وسبق تخريجه] (١). وأما الجواب عن الاعتراض برأي المسور بن مخرمة: فقالوا: إن ابن عمر، وعلي بن أبي طالب ﵃ أفقه من المسور بن مخرمة، وأكثر رواية وملازمة للنبي ﷺ . • ويرد على هذا: إن كان الاحتجاج بقول ابن عمر وعلي، لكونه قول صحابي فقط، فالمسور يشاركهم في هذا الفضل، وإن كان الترجيح يرجع لقوة القول من حيث الاستدلال أي: لأمر خارج عن فضل الصحبة، فينظر في أقوى القولين وأقربهما للحق؛ ولم يقدم قول أحد من الأئمة في مسألة خلافية؛ لكون أحدهما أفقه أو أعلم، لأن المفضول قد يصيب، والفاضل قد يخطئ، فإذا نظرنا إلى قول المسور فهو تؤيده السنة المرفوعة كما سبق بيانه، ويترجح بكونه موافقًا للقياس، فكان أولى بالاتباع. وقد يعكس هذا عند آخرين، فيقولون: ما كان موافقًا للقياس قد يكون قاله برأيه واجتهاده، وأما قول ابن عمر وعلي ﵃ فلما خالفا القياس، فهو قرينة على أنهما أخذاه من الشارع؛ إذ لا مدخل للرأي فيه، والله أعلم. قال ابن رشد: «واختار مالك رحمه الله تعالى بالبناء على الاتباع للسلف، وإن خالف ذلك القياس والنظر، وهذا على أصله: أن العمل أقوى من القياس؛ لأن العمل المتصل لا يكون أصله إلا عن توقيف، وقال أيضًا: ليس البناء في الرعاف

стр. 6338

بواجب، وإنما هو من قبيل: إما الجائز أو المستحب» (١). • دليل من قال: يقطع إذا كان الحدث من السبيلين ويبني من غيرهما: الدليل الأول: (ح-٢٢٩٦) ما رواه أبو داود من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف فليتوضأ وَلْيُعِدِ الصلاة (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 6339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6341

قال ابن حبان: «وفيه دليل على أن البناء على الصلاة للمحدث غير جائز» (١). الدليل الثاني: حكم نجاسة السبيل أغلظ، والأثر إنما ورد بالبناء في الخارج من غير السبيل،

стр. 6342

فلا يلحق به ما ليس في معناه (١). • ويناقش: إن كان المقتضي للبناء هو نوع الحدث، فالأحداث كلها تبطل الطهارة، فلا فرق فيه بين حدث وآخر، وإن كان المقتضي للبناء هو التفريق بين وقوع الحدث متعمدًا أو مغلوبًا، فهذا أيضًا لا فرق فيه بين حدث وآخر، فالذي يتفقون عليه هو في صاحب الحدث الدائم، فهذا الذي حدثه لا يبطل الطهارة، فلا يبطل الصلاة، أما إذا كان حدثه ليس دائمًا، فإن الحدث يبطل الطهارة ولو كان بغير اختياره، والله أعلم. • الراجح: إذا اختلف الصحابة رضوان الله عليهم كان الاجتهاد في تحري أقرب القولين إلى الحق، ومن ذلك أشبه القولين بالأصول والقواعد الفقهية وأقرب إلى الأدلة المرفوعة، فنفسي تميل إلى أن وجوب الاستئناف لأن الطهارة إذا بطلت بطلت الصلاة، على أن هذا القول يتسع لقول الإمام مالك في الرعاف وفي كل ما ليس حدثًا إذا انصرف لغسله، ورجوعه إلى صلاته، إلا أنني أقيد ذلك بأن يكون عملًا يسيرًا، وبشرط ألا يستدبر القبلة، ويأخذ تصرفه هذا لإيقاف الدم حكم الحركة لحاجة، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى حكم الحركة للصلاة، وما هي الحركة التي تبطل الصلاة، والحركة التي لا تبطلها، فارجع إليه، والله أعلم. قال ابن العربي: «قال مالك ﵁: البناء في الرعاف، وهي مسألة معضلة ليس في المذهب أشكل منها وردها عامة الفقهاء إلا أبا حنيفة … ولضعف المسألة استحب مالك ﵁ للراعف أن يتكلم، ولا يبني .. » (٢).

стр. 6343

الفرع الثاني في إبطال الصلاة لوقوع نجاسة على المصلي المدخل إلى المسألة: • إبطال الصلاة لوقوع نجاسة على ثوب المصلي مرده إلى القول بأن الطهارة من الخبث شرط لصحة الصلاة، والأصل عدم الشرطية إلا بدليل. • القول بالشرطية قدر زائد على القول بالوجوب. • كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا تثبت الشرطية بمطلق الأمر. • طهارة السترة من واجبات الصلاة على الصحيح، وفواته لا يبطل الصلاة، إما مطلقًا على أحد القولين، أو بشرط ألا يتعمده على القول الآخر. • نجاسة الثوب ملحق بالمحظورات على الصحيح، وارتكاب المحظور إذا لم يتعمده لا يبطل الصلاة، بخلاف المأمورات. [م-٧٨٠] إذا وقعت عليه نجاسة، فإن كانت جافة، وأمكن أن يلقيها عنه في الحال، أو كانت رطبة وأمكن طرح ثوبه المتنجس في الحال، كما لو كان عليه غيره: فقيل: يتمادى في صلاته، ولا شيء عليه، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وبه قال أبو الفرج وإسماعيل ومطرف من المالكية (١).

стр. 6344

(ح-٢٢٩٧) والأصل فيها ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني، فأخبرني أن بهما خبثًا، فإذا جاء أحدكم المسجد، فليقلب نعله، فلينظر فيها، فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١). [صحيح] (٢). ولأن النجاسة الكثيرة في الزمن القليل كالنجاسة اليسيرة في الزمن الكثير، فاليسير عفو في الشريعة. وقال المالكية في المشهور: إذا سقطت عليه نجاسة غير معفو عنها بطلت صلاته، ولو سقطت عنه النجاسة مكانها؛ لإيقاعه جزءًا منها متحملًا للنجاسة، وسواء أمكن نزعها أم لا، وسواء نزعها أم لا، بشرط القدرة على إزالتها لو قطع، وسعة الوقت، فإن ضاق الوقت أو كان عاجزًا عن أزالتها تمادى في صلاته؛ لأن الطهارة من النجاسة شرط لصحتها مع التذكر والقدرة على إزالتها (٣).

стр. 6345

قال خليل في مختصره: «وسقوطها -أي النجاسة- في صلاة مبطل كذكرها فيها» (١). قال الحطاب: «يعني: أن سقوط النجاسة على المصلي مبطل لصلاته يريد، ولو سقطت عنه النجاسة مكانها، كما في الرواية، وهذا على رواية ابن القاسم، وهو المشهور، وسواء أمكنه نزعها، أو لم يمكنه، وسواء نزعها أو لم ينزعها» (٢). وقيل: صلاته صحيحة مطلقًا طرحها عنه أم لا، ويستحب الإعادة في الوقت، وهو تفريع على قول في مذهب المالكية في أن إزالة النجاسة سنة (٣). • فتلخص القول في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال: القطع مطلقًا، وهو المعتمد في مذهب المالكية. الصحة مطلقًا، طرح النجاسة، أو بقيت عليه، وهو قول في مذهب المالكية. صحة الصلاة بشرط طرح النجاسة أو الثوب المتنجس في الحال. وإن تأخر المصلي في إزالة النجاسة، أو كانت رطبة فتنجس ثوبه، ولم ينزعه، فاختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: تبطل مطلقًا، وهو المشهور من مذهب المالكية، والجديد من قولي الشافعي، ومذهب الحنابلة (٤).

стр. 6346

وقيل: يخرج، ويغسل ثوبه أو يستبدله، ويبني، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وأشهب من المالكية، والقديم من قولي الشافعي، ورواية عن أحمد (١). وقيل: إن أصابته نجاسة مانعة من الصلاة من غير سبق حدث لم يبن، وإن كانت النجاسة من سبق الحدث بنى، سواء أكانت النجاسة من بدنه أم من الخارج، وهو مذهب الحنفية (٢).

стр. 6347

والفرق بينهما: أن غسل النجاسة إن كان ابتداء من غير سبق حدث لم يصح البناء؛ لأن البناء جاء على خلاف القياس، وإنما سلمنا الحكم للنص، وهو إنما ورد في الحدث الأصغر، وبقي ما عداه على الأصل من المنع على البناء. وإن كانت النجاسة من سبق الحدث، كما لو قاء أو رعف فأصاب ثوبه كان غسل النجاسة تبعًا للحدث، فيتوضأ ويغسل ثوبه تبعًا للوضوء. وقيل: إذا لم يمكنه نزعه تمادى، وأعاد، اختاره ابن الماجشون (١). وهذه الأقوال ترجع إلى مسألة حكم اشتراط الطهارة من النجاسة في الصلاة، فالفقهاء يتفقون على اشتراط الطهارة من الحدث لصحة الصلاة، ويختلفون في اشتراط الطهارة من الخبث لصحة الصلاة: وقد سبق لي بحث هذه المسألة في شروط الصلاة، وكان اختلافهم فيها على النحو التالي. فقيل: الطهارة من النجاسة شرط على خلاف بينهم، فقيل: شرط مطلقًا حتى مع العجز، على اختلاف بينهم إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا، فقيل: يصلي عاريًا، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، وبه قال أبو الفرج من المالكية. وقيل: يصلي بالنجس ويعيد وجوبًا إذا قدر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية. وقيل: شرط على القادر فقط دون العاجز، فإن صلى بالنجس ناسيًا لم يجزئه، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن وهب من المالكية، والمزني من الشافعية. وقيل: شرط مع القدرة والتذكر دون العاجز والناسي، فلو صلى بالنجاسة ذاكرًا قادرًا على إزالتها أعاد أبدًا في الوقت وغيره. وإن صلى بها عاجزًا، أو ناسيًا صحت صلاته، ويعيدها في الوقت، وهو مذهب المدونة، وقال الحطاب: وهو المعتمد في المذهب. وقيل: الطهارة من النجاسة واجبة وليست بشرط، فإن صلى بالنجاسة عامدًا

стр. 6348

صحت، ويعيد في الوقت جبرًا للنقص، وهو قول في مذهب المالكية، اختاره أشهب، ورجحه ابن القصار، والمازري في التلقين. وقيل: الطهارة من النجاسة سنة، ويعيد ندبًا في الوقت، واعتبره ابن رشد الجد وعبد الحق في النكت وابن يونس هو المشهور من مذهب مالك، وقال الدردير: حكى بعضهم الاتفاق عليه. وتفريعات المالكية في مدوناتهم الفقهية على أن الطهارة شرط مع القدرة والتذكر. وإذا أردت توثيق هذه الأقوال من مصادرها والوقوف على أدلتها فارجع إليها في بحث طهارة الساتر، فقد أغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا، فلله الحمد (١). كما أن عليك إذا أحببت الوقوف على أدلة من قال: يغسل النجاسة ويبني على ما صلاه إلى المسألة التي قبل هذه، فقد تعرضت لها هناك، ولله الحمد.

стр. 6349

الفرع الثالث في بطلان صلاة المأموم لبطلان صلاة إمامه توطئة [م-٧٨١] بعد أن بحثنا حكم المصلي فذًّا وإمامًا إذا بطلت طهارته كما لو سبقه الحدث، أو طرأ عليه نجاسة، أيبني أم يستأنف؟ فإن رجحنا أن للإمام أن يبني على ما صلى لم تبطل صلاة المأموم تبعًا للإمام، وإن رجحنا بطلان صلاة الإمام فالبحث في حكم صلاة المأموم، أتبطل صلاته لبطلان صلاة إمامه أم أن لكل منهما صلاته؟ فمن المعلوم أن الإمام يتحمل عن المأموم قراءة الفاتحة على الصحيح، وقراءة ما تيسر في الصلاة الجهرية، ويتحمل عنه السهو إذا وقع في صلاته بالاتفاق، وإذا أدرك المأموم الإمام راكعًا، صحت له الركعة، وتحمل عنه الإمام القراءة والقيام، ويجب على المأموم المسبوق متابعة إمامه حتى لو اختلف نظم صلاته، فربما جلس المأموم للتشهد في الصلاة الواحدة أربع تشهدات دفعًا للاختلاف على الإمام، ولو قام الإمام عن التشهد الأول وجب عليه أن يتبعه في تركه، فهذه الأمور كلها تدل على وجود ارتباط بين صلاة الإمام وصلاة المأموم؛ لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه … ). فالمأموم تابع، ومن شأن التابع ألا يستقل عن متبوعه. والسؤال: هل هذا الارتباط يعني: أن صلاة الإمام إذا فسدت يسري ذلك إلى صلاة المأموم، أم أن بطلان صلاة الإمام لا يلزم منها بطلان صلاة غيره؛ لأن كل واحد منهما له صلاته المستقلة، فالاختلاف المحرم: هو الاختلاف عليه في الأفعال: ولذلك بين ذلك بقوله: (فلا تختلفوا عليه: فإذا كبر، فكبروا، وإذا

стр. 6350

ركع فاركعوا .... ). فكأن الإجمال في قوله ﷺ : (فلا تختلفوا عليه) قد فسره بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا) وليس ذلك يعني: الاختلاف عليه في غير أفعال الصلاة، كالاختلاف بين نية الإمام ونية المأموم. وكما أن بطلان صلاة المأموم لا يعني بطلان صلاة الإمام فكذلك العكس؟. وقد اختلف الفقهاء في ارتباط صلاة الإمام بصلاة المأموم إلى ثلاثة أقوال: الأول: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في الجملة، حتى إن الإمام لو صلى، وهو محدث، فتذكر في أثناء الصلاة، أو بعد الفراغ منها، فسدت صلاته وصلاة كل من صلى خلفه، إلا إذا سبقه حدث أصغر بغير اختياره، وهو يصلي، فيتوضأ، ويبني، وإذا لم يبطل ما صلاه الإمام لم يبطل ما صلاه المأموم. وهذا مذهب الحنفية. الثاني: وهو قول الإمام الشافعي: «أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام مطلقًا، حتى إن الإمام لو تعمد الحدث في الصلاة، أو تمادى في صلاته بعد أن تذكر أنه محدث، فصلاته باطلة، ويستحق الإثم، ولا تبطل صلاة المأموم إلا أن يكون عالمًا بحدث إمامه، وتمادى بالصلاة معه». الثالث: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في الجملة، فإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم إلا أن يكون الإمام معذورًا، كما لو صلى الإمام، وهو محدث، فلم يتذكر الإمام حتى فرغ من الصلاة، فإنه يعيد وحده دون المأموم؛ لأن دخول الإمام بالصلاة معذور؛ لاعتقاده طهارته، والمأموم معذور لجهله بحال الإمام، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وإن اختلفوا في مسألة ما لو تذكر الإمام الحدث قبل الفراغ من الصلاة، فقال المالكية: يبني المأموم وقال الحنابلة: يستأنف. وسوف يأتينا العزو والاستدلال لهذه المسائل إن شاء الله تعالى على وجه التفصيل. ومسألة ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه يتعلق بها فروع كثيرة هي محل خلاف بين فقهائنا عليهم رحمة الله، ولا أحب الخوض في كل تفريعاتها، وهي سوف تأتينا إن شاء الله تعالى في أحكام الإمامة والائتمام. من ذلك النزاع في اقتداء المفترض بالمتنفل، واقتداء من يصلي الظهر خلف من يصلي العصر أو المغرب ونحو ذلك، فالخلاف فيها يرجعه بعض الفقهاء إلى القول بارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه. كما أن المذهب الواحد تجده يقول في مسألة بصحة الاستخلاف في الصلاة، وفي أخرى يمنعه، والقول بالاستخلاف فرع

стр. 6351

عن ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، والله أعلم. كل ذلك يفرض على الباحث إذا تحرى الدقة أن يفرد كل صورة من صور الخلاف، ولا يجمعها تحت مسمى واحد، ما دام أن المذهب الواحد يختلف حكمه فيها. لذلك أريد أن أخص البحث في هذا الفصل فيما له علاقة بمبطلات الصلاة، فإذا حكمنا ببطلان صلاة الإمام، كما لو دخل في الصلاة ناسيًا أنه محدث، أو سبقه الحدث، وهو يصلي، أو انكشفت عورته، ولم يستطع سترها في الحال، فهل إذا بطلت صلاة الإمام تبطل صلاة المأموم؛ لكون المأموم تابعًا للإمام في صلاته، أم أن للمأموم إن شاء أكمل صلاته منفردًا، وإن شاء استخلف، والمفسد إنما يخص فاعله، وإبطال الاقتداء لا يعني بطلان صلاته كمنفرد؟. هذا هو موضع البحث فيما له علاقة ببطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، والبحث فيها في مسألتين: المسألة الأولى: أن يبطل ما صلاه الإمام، كما لو تذكر في الصلاة أنه كان محدثًا، أو سبقه الحدث على القول بأنه يستأنف، ولا يبني، وهو الصحيح، أو انكشفت عورته المغلظة، ولم يتمكن من سترها، أو تنجس ثوبه، وليس له ثوب غيره، ونحو ذلك. المسألة الثانية: أن يطرأ عليه عجز أثناء الصلاة يمنعه من إتمام صلاته، وحكم هذه المسألة يتعلق بصحة الاستخلاف في الصلاة، وهل يمكن للصلاة الواحدة أن يكون لها إمامان، فمن قال له الاستخلاف، وهو مذهب الجمهور، والقول الجديد للشافعي، ورواية عن أحمد، قالوا: لا تبطل صلاة المأموم. وأما من منع من الاستخلاف، فاختلفوا في صحة صلاة المأموم على قولين: فقيل: تبطل صلاة المأموم، وهو المعتمد عند الحنابلة. وقيل: لهم أن يتموها فرادى، ولا يستخلف، وهو القول القديم للشافعي. هذا ما سوف أتوجه له بالبحث، أسأل الله أن يفهمني من لدنه، وأن يسهل علي البحث بعونه وتوفيقه.

стр. 6352

المطلب الأول في بطلان صلاة المأموم إذا تذكر الإمام أنه محدث المسألة الأولى إذا لم يعلم الإمام والمأموم إلا بعد الفراغ من الصلاة المدخل إلى المسألة: قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾. • صلى عمر بجماعة، ثم وجد في ثوبه أثر احتلام، فأعاد الصلاة وحده، ولم يأمرهم بالإعادة، وكذلك فعل عثمان وابن عمر ﵃، وكان هذا من غير نكير من الصحابة ﵃، ولا يعلم لهم مخالف. • درك الخطأ أي تبعته على من فعله وحده؛ لحديث: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطؤوا فلكم وعليهم)، إلا أن يعلم المأموم بحدث إمامه، ثم يقتدي به؛ لأن الإمام نفسه لا تجوز منه الصلاة، فكذلك من اقتدى به عالمًا. • إذا صلى الإمام بالناس ناسيًا حدثه فالمأموم معذور في الاقتداء به؛ لأنه لا يكلف علم الغيب، فإن علم الإمام في أثناء الصلاة بطلت صلاته، وبنى المأموم على ما صلى، وإن علم بعد الفراغ منها أعاد الإمام وحده. • بطلان صلاة الإمام لا تعود بالبطلان على صلاة المأموم؛ لأن من صلى امتثالًا للأمر الشرعي فصلاته على الصحة، ولا يطلب منه الإعادة إلا بدليل شرعي. • ارتباط صلاة المأموم بالإمام يعني: الاقتداء به في أفعاله؛ لقوله: (فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، ولا يعني ذلك بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه.

стр. 6353

[م-٧٨٢] إذا صلى الرجل بالناس، وهو يتذكر أنه محدث، بطلت صلاته بالإجماع، وكذلك تبطل صلاة من صلى خلفه، وهو عالم بحدثه. لحديث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. وقال الطحاوي: «أجمعوا أن رجلًا لو صلى خلف جنب، وهو يعلم بذلك، أن صلاته باطلة» (١). فإذا لم يعلم الإمام والمأموم إلا بعد الفراغ من الصلاة: فقيل: يعيد الإمام وحده، وهو مذهب الجمهور (٢). قال ابن قدامة: «إذا صلى بالجماعة محدثا، أو جنبا، غير عالم بحدثه، فلم يعلم هو ولا المأمومون، حتى فرغوا من الصلاة، فصلاتهم صحيحة، وصلاة الإمام باطلة» (٣). وقال الحنفية: يعيد المأموم أيضًا؛ لبطلان صلاة الإمام، وبه قال حماد شيخ أبي حنيفة، وسفيان الثوري في أشهر الروايتين عنه ورواية ضعيفة عن أحمد (٤). قال ابن اللحام في القواعد: «لو صلى خلف من يظنه طاهرًا من الأحداث، فبان محدثًا، وجهل هو والمأموم حتى فرغت الصلاة، فلا إعادة على المأموم في أصح الروايتين. وعن الإمام أحمد رواية في لزوم الإعادة كالإمام، اختارها أبو الخطاب في انتصاره» (٥).

стр. 6354

• دليل الجمهور على صحة صلاة المأموم: الدليل الأول: (ح-٢٢٩٨) ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (١). وجه الاستدلال: جاء في فتح الباري: «قوله: (وإن أخطئوا) أي ارتكبوا الخطيئة، ولم يرد به الخطأ المقابل للعمد؛ لأنه لا إثم فيه» (٢). وقال ابن تيمية: «فهذا نص في أن الإمام إذا أخطأ كان درك خطئه عليه، لا على المأمومين» (٣). وقال ابن المنذر كما في فتح الباري: «هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه» (٤). الدليل الثاني: (ح-٢٢٩٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن عاصم، قال: حدثني عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي علي الهمداني، قال: صحبنا عقبة بن عامر في سفر، فجعل لا يؤمنا، قال: فقلنا له: رحمك الله، ألا تؤمنا وأنت من أصحاب محمد ﷺ ؟ قال: لا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أم الناس فأصاب الوقت، وأتم الصلاة فله ولهم، ومن انتقص من ذلك فعليه، ولا عليهم (٥).

стр. 6355

[حسن] (١).

стр. 6356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6357

الدليل الثالث: (ح-٢٣٠٠) ما رواه الدارقطني في السنن من طريق بقية بن الوليد، حدثنا عيسى بن عبد الله الأنصاري، عن جويبر بن سعيد، عن الضحاك بن مزاحم، عن البراء بن عازب، قال: صلى رسول الله ﷺ بقوم، وليس هو على وضوء، فتمت للقوم، وأعاد النبي ﷺ (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الرابع: (ث-٥٥٩) ما رواه عبد الرزاق، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زييد بن الصلت أنه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى الجرف، فنظر فإذا

стр. 6358

هو قد احتلم، فصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا وقد احتلمت وما شعرت، وصليت وما شعرت. قال: فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، ونضح ما لم ير، ثم أذن وأقام، ثم صلى بعد ما ارتفع الضحى متمكنًا (١). [صحيح] (٢).

стр. 6359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6361

قال ابن عبد البر: «وحسبك بحديث عمر في ذلك، فإنه صلى بجماعة من الصحابة صلاة الصبح، ثم غدا إلى أرضه بالجرف، فوجد في ثوبه احتلامًا فغسله واغتسل، وأعاد صلاته وحده، ولم يأمرهم بإعادة، وهذا في جماعتهم من غير نكير … » (١).

стр. 6362

وقال أيضًا: «فعل عمر ﵁ في جماعة الصحابة لم ينكره عليه، ولا خالفه فيه واحد منهم، وقد كانوا يخالفونه في أَقَلَّ من هذا مما يحتمل التأويل، فكيف بمثل هذا الأصل الجسيم، والحكم العظيم؟ وفي تسليمهم ذلك لعمر، وإجماعهم عليه ما تسكن القلوب في ذلك إليه؛ لأنهم خير أمة أخرجَت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فيستحيل عليهم إضافة إقرار ما لا يرضونه إليهم» (١). الدليل الخامس: (ث-٥٦٠) قال الأثرم، سمعت أبا عبد الله -يعني: الإمام أحمد- يقول: حدثنا هشيم، عن خالد بن سلمة، قال: أخبرني محمد بن عمرو بن المصطلق، أن عثمان بن عفان صلى بالناس صلاة الفجر، فلما أصبح وارتفع النهار فإذا هو بأثر الجنابة، فقال: كبرت والله، كبرت والله، فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم بأن يعيدوا (٢). [حسن إن كان محمد بن عمرو بن الحارث سمعه من عثمان] (٣).

стр. 6363

الدليل السادس: (ث-٥٦١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه صلى بهم الغداة، ثم ذكر أنه صلى بغير وضوء، فأعاد، ولم يعيدوا (١). [صحيح] (٢). الدليل السابع: (ث-٥٦٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة، أمره أن يغتسل ويعيد ولم يأمرهم أن يعيدوا (٣).

стр. 6364

[ضعيف جدًّا، وروي عن علي خلافه كما سيأتي في أدلة القول الثاني] (١). الدليل الثامن: حدث الإمام مما يخفى على المأموم، ولا سبيل إلى معرفته، فكان معذورًا. • دليل من قال: يعيد الإمام والمأموم: الدليل الأول: (ح-٢٣٠١) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (٢). [ضعيف] (٣). وجه الاستدلال: فإذا كان الإمام ضامنًا، فإذا بطلت صلاة الضامن بطلت صلاة المتضمَّن، وهذا ما جعل الحنفية يقولون: إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم، فإذا لم تكن للضامن صلاة لم تكن للمضمون له. • ونوقش: بأن الحديث ضعيف. الدليل الثاني: (ح-٢٣٠٢) ما رواه ابن شاهين في ناسخ الحديث، قال: حدثنا أحمد بن نصر

стр. 6365

ابن إشكاب البخاري، قال: حدثنا محمد بن خلف بن رجاء، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن صالح، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة من خلفه (١). [تفرد به مجموعة من المجاهيل، وأعرض عنه الأئمة في الأمهات، فلو كان صحيحًا لرووه؛ لشدة الحاجة إليه في بابه] (٢). الدليل الثالث: (ث-٥٦٣) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق أبي معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث: أن عمر ﵁ نسي القراءة في صلاة المغرب، فأعاد بهم الصلاة (٣). [صحيح عن عمر] (٤).

стр. 6366

وجه الاستدلال: قال الطحاوي: «لما أعاد بهم عمر ﵁ الصلاة؛ لتركه القراءة، وفي فساد الصلاة بترك القراءة اختلاف، كان إذا صلى بهم جنبًا أحرى أن يعيد بهم الصلاة» (١). • ويناقش: بأنه لا حجة فيه؛ لأن فرض القراءة في الصلاة منه ما هو ركن عند الأئمة الأربعة، خاصة أن هذا الركن مما يتحمله الإمام عن المأموم في أصح أقوال أهل العلم، فإذا علم المأموم أن الإمام لم يقرأ، بطلت صلاة الجميع، فهو كما لو علم أنه ترك من الصلاة ركوعًا أوسجودًا وتابعه على ذلك، وإنما لم يخرج المأموم من الصلاة؛ لاحتمال أن يكون الخليفة عمر ﵁ إنما ترك الجهر، ولم يترك القراءة، وهذا من السنن، وليس هذا موضع البحث، وإنما البحث لو أنه صلى محدثًا حتى فرغ من صلاته، ولم يعلم المأموم بطلت صلاة الإمام وحده، ولا يتصور هذا في ترك القراءة؛ لأن القراءة إن كانت سرية فسوف يقرأ المأموم الفاتحة، ويقيم الركن بنفسه، فإذا تركه الإمام لم تبطل صلاة المأموم، وإن كانت جهرية فسوف ينبه المأموم إمامه إلى القراءة، فإن أَصَرَّ على ترك القراءة فارقه، وصلى لنفسه، وقد صلى عمر ﵁، وهو جنب، فأعاد، ولم يأمر من صلى خلفه بالإعادة، وهذا أصرح من ترك ركن من أركان الصلاة، والله أعلم. الدليل الرابع: (ث-٥٦٤) روى عبد الرزاق في المصنف، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر أن عليًّا صلى بالناس، وهو جنب، أو على غير وضوء، فأعاد، وأمرهم أن يعيدوا. [موضوع] (٢).

стр. 6367

وقد روي عن علي ﵁ خلافه من طريق الحارث الأعور عنه، وسبق تخريجه في أدلة القول السابق. الدليل الخامس: (ح-٢٣٠٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن ابن أبي ذئب، عن أبي جابر البياضي، عن سعيد بن المسيب، أن النبي ﷺ صلى بالناس، وهو جنب، فأعاد وأعادوا (١). [مرسل بإسناد ضعيف جدًّا] (٢). الدليل السادس: من النظر، قال الطحاوي: «أجمعوا أن رجلًا لو صلى خلف جنب، وهو يعلم بذلك، أن صلاته باطلة، وجعلوا صلاته مضمنة بصلاة الإمام. فلما كان ذلك كذلك

стр. 6368

إذا كان يعلم بفساد صلاة إمامه، كان كذلك في النظر إذا كان لا يعلم بها. ألا ترى أن المأموم لو صلى، وهو جنب، وهو يعلم، أو لا يعلم، كانت صلاته باطلة. فكان ما يفسد صلاته في حال علمه به، هو الذي يفسد صلاته في حال جهله به، وكان علمه بفساد صلاة إمامه تفسد به صلاته. فالنظر على ذلك أن يكون كذلك جهله بفساد صلاة إمامه، فهذا هو النظر» (١). • ويناقش: بأن هناك فرقًا بين جهل المصلي بحدث إمامه، وبين جهله بحدث نفسه، فالأول لا يكلف المأموم معرفته؛ لأن الأصل في المسلم أنه لا يصلي إلا متطهرًا، وأما حدث نفسه فإذا صلى جاهلًا به لم تصح صلاته إذا علم؛ لأنه منسوب فيه إلى التفريط، وقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق. وفرق آخر هو في حكم الاقتداء، فإذا حرم الاقتداء على المأموم بطلت صلاته، وإذا أمر بالاقتداء لم تبطل، فإذا علم المأموم بحدث إمامه، حرم عليه الاقتداء به إجماعًا؛ لأن الإمام نفسه لا تجوز منه الصلاة، فإذا خالف المأموم بطلت صلاته، وإذا كان لا يعلم بحدث إمامه كان مأمورًا شرعًا بالاقتداء به، فإن علم المأموم أثناء الصلاة خرج عن إمامته، إما باستخلاف غيره، أو بالإتمام منفردًا وبنى على ما صلى، وإذا لم يعلم إلا بعد الفراغ منها فقد صحت صلاته. لأن كل من امتثل الأمر الشرعي حسب ما أُمِر فصلاته على الصحة، ومن أراد أن يبطل صلاة المأموم، وقد فعل ما يجب عليه فعليه الدليل، والأصل الصحة. والحنفية لم يطردوا، فإن الإمام إذا سبقه الحدث في الصلاة بطلت طهارته، وبطلانها يفسد صلاته؛ لانتقاض شرطها، ومع ذلك قالوا: للمأموم أن يبني على ما صلى. قال ابن المنذر: «والنظر مع ذلك دال على ذلك -يعني: على صحة صلاة المأموم-؛ لأن القوم لما صلوا كما أمروا، وأدوا فرضهم، ثم اختلف في وجوب الإعادة عليهم، لم يجز أن يلزموا إعادة ما صلوا على ظاهر ما أمروا به بغير حجة» (٢).

стр. 6369

الدليل السابع: الدليل على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، أن الإمام لو سها في صلاته لزم المأموم حكمه، مع أن السهو صدر من الإمام، بخلاف لو سها المأموم فإن الإمام لا يلزمه حكمه، فدل على أن صلاة المأموم تفسد بصلاة الإمام، ولا تفسد صلاة الإمام بفساد صلاة المأموم. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: لا نقاش في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، ولكن لا يلزم من هذا الارتباط فساد صلاة المأموم بفساد صلاة إمامه، فالسهو يوجب السجود، والسجود يتعلق بالأفعال، وقد نُهينا عن الاختلاف عليه فيها فيما هو مشروع من صلاته، قال ﷺ : (فلا تختلفوا عليه … فإذا سجد فاسجدوا). الوجه الثاني: أن الإمام لو قام إلى زائدة ونبهه المأموم، فلم يرجع وجبت مفارقته، وبطلت صلاة الإمام وحده، فدل على أن الارتباط لا يعني التزام فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام. • الراجح: أن الإمام إذا صلى، وهو محدث ناسيًا حدثه، ولم يتذكر حتى فرغ من الصلاة، فعليه الإعادة وحده، وصلاة المأموم صحيحة، والله أعلم.

стр. 6370

المسألة الثانية إذا تذكر الإمام حدثه وهو في الصلاة البند الأول أن يخرج الإمام من الصلاة ولا يتمادى فيها المدخل إلى المسألة: • خطأ المأموم لا يؤثر على صلاة الإمام بالاتفاق، فخطأ الإمام لا يؤثر على صلاة المأموم كذلك، فلكُلٍّ صلاته. • كل صلاة بطلت على الإمام لم تبطل على المأموم إلا أن يعلم ببطلان صلاته ويتمادى في الاقتداء به. • بطلان صلاة الإمام يمنع من الاقتداء به إذا علم المأموم، ولا يُبْطلُ صلاة المأموم. • إذا قام الإمام إلى خامسة ولم يرجع وجب على المأموم مفارقته، ولم تبطل صلاته، فكذلك إذا بطلت صلاة الإمام بأي مفسد وجبت مفارقته، ولم تبطل صلاة المأموم. إذا جاز الاستخلاف مع إمام لم تبطل صلاته، كما وقع لأبي بكر مع النبي ﷺ في حديث سهل بن سعد، جاز الاستخلاف من باب أولى مع إمام بطلت صلاته؛ لضرورته إلى الخروج منها، واحتياجهم إلى إمام. • صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية الائتمام، وبطلان نية الائتمام لا يبطل نية الصلاة، كما لو صلى الفريضة قبل الوقت، بطلت الفريضة بالإجماع، وصحت نافلة على الصحيح؛ لبقاء نية الصلاة. [م-٧٨٣] إذا تذكر الإمام أنه محدث، وهو في الصلاة، فخرج ولم يتماد،

стр. 6371

فصلاته باطلة بالإجماع (١)، ولا يمكنه البناء على ما صلى؛ لأن ما سبق من صلاته كان بغير طهارة، وإنما وقع الاختلاف بينهم في بطلان صلاة المأموم: فقيل: تبطل، وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند الحنابلة (٢). قال في الإنصاف: «تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه لعذر أو غيره على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور، قال في الفروع والمجد في شرحه: اختاره الأكثر» (٣). وقيل: لا تبطل صلاة المأموم، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٤).

стр. 6372

قال الدردير: «كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث، أو نسيانه … » (١). وقال النووي في المجموع: «قال أصحابنا: إذا خرج الإمام عن الصلاة بحدث تعمده، أو سبقه، أو نسيه، أو بسبب آخر، أو بلا سبب، ففي جواز الاستخلاف قولان مشهوران: الصحيح الجديد: جوازه» (٢). قال النووي: «إن لم نجوز الاستخلاف أتم القوم صلاتهم فرادى» (٣). فعلى هذا صلاة المأموم لم تبطل على كلا القولين: القديم والجديد، وإنما الخلاف بينهما في جواز الاستخلاف، وهو راجع للخلاف في صحة الصلاة الواحدة بإمامين، لا في صحة ما صلاه المأموم، ولا في صحة البناء عليه فرادى، فالقديم يمنع الاستخلاف، والجديد يجوزه (٤). وهو الراجح؛ لأن الصلاة بإمامين على التعاقب جائزة كما وقع لأبي بكر مع النبي ﷺ ، وحديثه في البخاري، قالوا: وإذا جاز هذا فيمن لم تبطل صلاته، ففي من بطلت بالأولى؛ لضرورته إلى الخروج منها، واحتياجهم إلى إمام. ومن فعل عمر لما طُعِن، حيث صلى بالناس عبد الرحمن بن عوف ﵄. • دليل من قال: لا تبطل صلاة المأموم: الدليل الأول: المأموم قد دخل في الصلاة امتثالًا للأمر الشرعي، ومن صلى كما أمر فصلاته على الصحة، ولا يطلب منه الإعادة إلا بدليل شرعي. الدليل الثاني: (ح-٢٣٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن

стр. 6373

عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة، فلما كبر انصرف، وأومأ إليهم: أي كما أنتم، ثم خرج فاغتسل، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما صلى، قال: إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل (١). • وأجيب: [بأن حديث أبي هريرة في الصحيحين (فلما قام في مصلاه، وانتظرنا أن يكبر انصرف) وهو المحفوظ] (٢). الدليل الثالث: (ح-٢٣٠٥) ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار، من طريق عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، عن سعيد- يعني: ابن أبي عروبة- عن قتادة، عن أنس قال: دخل النبي ﵇ في صلاة، فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم أن كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتانا، وقد اغتسل ورأسه يقطر ماء (٣). [رواه عبد الوهاب عن سعيد، عن قتادة، عن بكر المزني مرسلًا، وهو المحفوظ] (٤). الدليل الرابع: (ح-٢٣٠٦) روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ إلى أصحابه،

стр. 6374

أي: مكانكم، فذهب، وجاء ورأسه يقطر، فصلى بالناس (١). [لم يروه عن زياد الأعلم إلا حماد بن سلمة، وقد تغير بآخرة] (٢). الدليل الخامس: (ح-٢٣٠٧) ما رواه مالك في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي عن إسماعيل بن أبي حكيم، أن عطاء بن يسار أخبره أن رسول الله ﷺ ، كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا، فذهب، ثم رجع وعلى جلده أثر الماء (٣). [مرسل بإسناد صحيح] (٤). الدليل السادس: (ح-٢٣٠٨) ما رواه أبو داود في السنن قال: وكذلك حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان، عن يحيى، عن الربيع بن محمد، عن النبي ﷺ : أنه كبر (٥). [ضعيف] (٦).

стр. 6375

وجه الاستدلال من هذه الأحاديث: استدلَّ الشافعية بها على أن الصحابة بقوا على إحرامهم، وأن النبي ﷺ حين عاد بنوا على ما مضى من صلاتهم، فلم يستأنفوا تكبيرة الإحرام؛ لأن النبي ﷺ لو أمرهم أن يستأنفوا الصلاة لنقل ذلك، فلما لم ينقل عُلِم أنهم قد بنوا على ما مضى من إحرامهم. • ونوقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: ما ورد في الباب، لا يصح منه شيء، فحديث أبي هريرة لا يصلح للاعتبار؛ لأنه شاذ. وحديث أبي بكرة، ضعيف؛ لتفرد حماد بن سلمة به، وقد تغير بآخرة، وقد قيل: إن الحسن لم يسمعه من أبي بكرة. وحديث عطاء بن يسار صحيح الإسناد لكنه مرسل، وهو حجة عند من يرى الاحتجاج بالمرسل مطلقًا كجمهور الفقهاء خلافًا لجمهور المحدثين. وحجة كذلك عند من يشترط للاحتجاج بالمرسل أن يعتضد كالشافعي -عليه رحمة الله- فقد اعتضد بحديث أبي بكرة، وبمرسل بكر المزني، ومرسل الربيع بن محمد، فمجموعها يفيد قوة. وأصح هذه المراسيل مرسل عطاء بن يسار، ويعارضه مرسل ابن سيرين، فإنه يفيد عدم البناء؛ لأمرهم بالجلوس، وسوف يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. قال ابن رجب: «وهذه كلها مرسلات، وحديث الحسن عن أبي بكرة في معنى المرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين» (١). الوجه الثاني: على فرضنا أن يكون حديث أبي بكرة صحيحًا؛ لتقويته بالمراسيل، فإن هناك تجاذبًا قويًّا في دلالتها على مراد الشافعية. فمن أهل العلم من رأى أن حديث أبي بكرة وحديث أنس -أن النبي ﷺ تذكر بعد أن دخل في الصلاة- معارَضٌ بحديث أبي هريرة في الصحيحين، أنه تذكر قبل أن يكبر،
следующие страницы →