← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

فصلاته باطلة بالإجماع (١)، ولا يمكنه البناء على ما صلى؛ لأن ما سبق من صلاته كان بغير طهارة، وإنما وقع الاختلاف بينهم في بطلان صلاة المأموم: فقيل: تبطل، وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند الحنابلة (٢). قال في الإنصاف: «تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه لعذر أو غيره على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور، قال في الفروع والمجد في شرحه: اختاره الأكثر» (٣). وقيل: لا تبطل صلاة المأموم، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٤).

стр. 6372

قال الدردير: «كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث، أو نسيانه … » (١). وقال النووي في المجموع: «قال أصحابنا: إذا خرج الإمام عن الصلاة بحدث تعمده، أو سبقه، أو نسيه، أو بسبب آخر، أو بلا سبب، ففي جواز الاستخلاف قولان مشهوران: الصحيح الجديد: جوازه» (٢). قال النووي: «إن لم نجوز الاستخلاف أتم القوم صلاتهم فرادى» (٣). فعلى هذا صلاة المأموم لم تبطل على كلا القولين: القديم والجديد، وإنما الخلاف بينهما في جواز الاستخلاف، وهو راجع للخلاف في صحة الصلاة الواحدة بإمامين، لا في صحة ما صلاه المأموم، ولا في صحة البناء عليه فرادى، فالقديم يمنع الاستخلاف، والجديد يجوزه (٤). وهو الراجح؛ لأن الصلاة بإمامين على التعاقب جائزة كما وقع لأبي بكر مع النبي ﷺ ، وحديثه في البخاري، قالوا: وإذا جاز هذا فيمن لم تبطل صلاته، ففي من بطلت بالأولى؛ لضرورته إلى الخروج منها، واحتياجهم إلى إمام. ومن فعل عمر لما طُعِن، حيث صلى بالناس عبد الرحمن بن عوف ﵄. • دليل من قال: لا تبطل صلاة المأموم: الدليل الأول: المأموم قد دخل في الصلاة امتثالًا للأمر الشرعي، ومن صلى كما أمر فصلاته على الصحة، ولا يطلب منه الإعادة إلا بدليل شرعي. الدليل الثاني: (ح-٢٣٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن

стр. 6373

عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة، فلما كبر انصرف، وأومأ إليهم: أي كما أنتم، ثم خرج فاغتسل، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما صلى، قال: إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل (١). • وأجيب: [بأن حديث أبي هريرة في الصحيحين (فلما قام في مصلاه، وانتظرنا أن يكبر انصرف) وهو المحفوظ] (٢). الدليل الثالث: (ح-٢٣٠٥) ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار، من طريق عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، عن سعيد- يعني: ابن أبي عروبة- عن قتادة، عن أنس قال: دخل النبي ﵇ في صلاة، فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم أن كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتانا، وقد اغتسل ورأسه يقطر ماء (٣). [رواه عبد الوهاب عن سعيد، عن قتادة، عن بكر المزني مرسلًا، وهو المحفوظ] (٤). الدليل الرابع: (ح-٢٣٠٦) روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ إلى أصحابه،

стр. 6374

أي: مكانكم، فذهب، وجاء ورأسه يقطر، فصلى بالناس (١). [لم يروه عن زياد الأعلم إلا حماد بن سلمة، وقد تغير بآخرة] (٢). الدليل الخامس: (ح-٢٣٠٧) ما رواه مالك في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي عن إسماعيل بن أبي حكيم، أن عطاء بن يسار أخبره أن رسول الله ﷺ ، كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا، فذهب، ثم رجع وعلى جلده أثر الماء (٣). [مرسل بإسناد صحيح] (٤). الدليل السادس: (ح-٢٣٠٨) ما رواه أبو داود في السنن قال: وكذلك حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان، عن يحيى، عن الربيع بن محمد، عن النبي ﷺ : أنه كبر (٥). [ضعيف] (٦).

стр. 6375

وجه الاستدلال من هذه الأحاديث: استدلَّ الشافعية بها على أن الصحابة بقوا على إحرامهم، وأن النبي ﷺ حين عاد بنوا على ما مضى من صلاتهم، فلم يستأنفوا تكبيرة الإحرام؛ لأن النبي ﷺ لو أمرهم أن يستأنفوا الصلاة لنقل ذلك، فلما لم ينقل عُلِم أنهم قد بنوا على ما مضى من إحرامهم. • ونوقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: ما ورد في الباب، لا يصح منه شيء، فحديث أبي هريرة لا يصلح للاعتبار؛ لأنه شاذ. وحديث أبي بكرة، ضعيف؛ لتفرد حماد بن سلمة به، وقد تغير بآخرة، وقد قيل: إن الحسن لم يسمعه من أبي بكرة. وحديث عطاء بن يسار صحيح الإسناد لكنه مرسل، وهو حجة عند من يرى الاحتجاج بالمرسل مطلقًا كجمهور الفقهاء خلافًا لجمهور المحدثين. وحجة كذلك عند من يشترط للاحتجاج بالمرسل أن يعتضد كالشافعي -عليه رحمة الله- فقد اعتضد بحديث أبي بكرة، وبمرسل بكر المزني، ومرسل الربيع بن محمد، فمجموعها يفيد قوة. وأصح هذه المراسيل مرسل عطاء بن يسار، ويعارضه مرسل ابن سيرين، فإنه يفيد عدم البناء؛ لأمرهم بالجلوس، وسوف يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. قال ابن رجب: «وهذه كلها مرسلات، وحديث الحسن عن أبي بكرة في معنى المرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين» (١). الوجه الثاني: على فرضنا أن يكون حديث أبي بكرة صحيحًا؛ لتقويته بالمراسيل، فإن هناك تجاذبًا قويًّا في دلالتها على مراد الشافعية. فمن أهل العلم من رأى أن حديث أبي بكرة وحديث أنس -أن النبي ﷺ تذكر بعد أن دخل في الصلاة- معارَضٌ بحديث أبي هريرة في الصحيحين، أنه تذكر قبل أن يكبر،

стр. 6376

والسبيل في الأحاديث المتعارضة هو الجمع بينها إن أمكن بلا تكلف أو الترجيح. فقال أصحاب الترجيح: ما في الصحيحين مقدم على غيرهما. وقال أصحاب الجمع: إن معنى (كبَّر) أي أراد أن يكبر، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٨٩]، أي: إذا أردت قراءته. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] ولا إمساك بعد انقضاء العدة، فالمراد: إذا قاربت البلوغ. وحديث أنس كان النبي ﷺ : إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. متفق عليه (١). أي: إذا أراد دخوله. وممن ذهب إلى ذلك الطحاوي في شرح مشكل الآثار، والقاضي عياض في إكمال المعلم (٢). وقد نقل ابن رجب في الفتح ما يدل على أن الإمام أحمد يومئ إلى ترجيح رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأنه لم يكن كبَّر (٣). ولا يصح دعوى التعارض إلا مع إثبات أن الواقعة واحدة، وأما مع القول بتعدد الوقائع، كما رجح ذلك ابن حبان، والنووي وأبداه القرطبي احتمالًا (٤)، فلا حاجة إلى الترجيح أو التأويل، وقد يقال: الأصل عدم التعدد، وإذا أمكن الجمع فهو أولى من افتراض التعدد.

стр. 6377

الوجه الثالث: عدم النقل عن الصحابة أنهم استأنفوا التكبير ليس دليلًا صريحًا أنهم قد بنوا على ما مضى من صلاتهم، فالحديث لم ينقل أنهم قد بنوا، كما لم ينقل أنهم استأنفوا، فالراوي لم يتعرض لذلك في الحديث، لا نفيًا، ولا إثباتًا، فلا حجة فيها على فساد صلاة المأموم بفساد صلاة إمامه، ولا نص فيها على صحة صلاة المأموم ولو فسدت صلاة الإمام، فالحديث محتمل للأمرين. وأما الجزم بأنهم لو كبَّروا لنقل فغير مسلَّم، فالراوي لم ينقل أن الرسول ﷺ استأنف التكبير حين عاد إلى صلاته، فعلى هذه الطريقة من الاستدلال يقال: لو كان النبي ﷺ كبَّر لنقل، وإنما علمنا أنه يلزمه التكبير من الإجماع، ولا يستفاد من هذه الأحاديث. وأبو بكرة لم ينقل أن الصحابة كبروا حين كبر النبي ﷺ للمرة الأولى إلا ما نعلم من حال الصحابة، وحرصهم على المسارعة في المتابعة، وإلا فالحديث ورد بثلاثة ألفاظ، كلها لم ينقل في الرواية أن الصحابة قد دخلوا في الصلاة مع الرسول ﷺ . فرواه أبو الوليد الطيالسي، عن حماد بن سلمة به، بلفظ: (كبَّر في صلاة الفجر يومًا، ثم أومأ إليهم). ولفظ يزيد بن هارون عن حماد به، عند أحمد: (استفتح الصلاة فكبر، ثم أومأ إليهم أَنْ مكانكم … ). ولفظ عفان وأبي كامل وموسى بن إسماعيل وحبان وأبي عمر الضرير، كلهم عن حماد به: (دخل في صلاة الفجر، فأومأ إلى أصحابه: أي مكانكم … ). وهذا الذي حمل ابن الهمام فقال في فتح القدير بعد أن ساق الحديث: «سنده صحيح، ولا يقتضي أن ذلك كان بعد شروعهم؛ لجواز كون التذكر كان عقيب تكبيره بلا مهلة قبل تكبيرهم … » (١). فإن كانوا لم يدخلوا في الصلاة فذاك، وإن كانوا قد كبَّروا مع النبي ﷺ للمرة

стр. 6378

الأولى، وترك ذكره أبو بكرة ﵁ فهو دليل على أنه لا يمكن الجزم بأن عدم النقل نقل للعدم، فما المانع أن يكون الصحابة ﵃ حين عاد النبي ﷺ وكبَّر للدخول في الصلاة كبَّر معه الصحابة أيضًا، واستأنفوا صلاتهم؟ فإذا قلت: لم ينقل، قيل لك: ولم ينقل تكبير الصحابة في أول الأمر، ولا تكبير النبي ﷺ بعد عودته إلى الصلاة، فعدم النقل ليس حجة، ولا يعتبر نقلًا للعدم، وإنما شاء الله قدرًا أن يغفل الراوي عن نقل ذلك؛ لتكون من مسائل الخلاف توسعة على العباد، والله أعلم (١). فإن اعترض بحديث أنس: (فكبَّر وكبَّرنا معه)، فإن الراجح في هذا الحديث أنه مرسل، ومعارض بمرسل مثله أو أقوى منه. (ح-٢٣٠٩) فقد روى أبو داود معلقًا في السنن، قال: رواه أيوب، وابن عون، وهشام، عن محمد مرسلًا، عن النبي ﷺ ، قال: فكبر، ثم أومأ بيده إلى القوم: أن اجلسوا، فذهب، فاغتسل (٢). وقد وصله الشافعي في الأم، فرواه عن ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، واختصر لفظه (٣). وإسناد الشافعي إسناد صحيح، إلا أنه مرسل، ومرسلات ابن سيرين من أقوى المراسيل، وكان ابن سيرين لا يرى الرواية بالمعنى، وهي لا تعارض لفظ: (أن امكثوا) أو لفظ: (مكانكم). فإن صح أمرهم بالجلوس فهو دليل على أنهم لم يكونوا في صلاة، والله أعلم. وعلى كل حال انتظار الصحابة للنبي ﷺ وهم قيام، لا يعني أنهم كانوا في صلاة، فقد يكون أراد منهم النبي ﷺ أن يستمروا على الكيفية التي تركهم عليها، وهو قيامهم في صفوفهم المعتدلة لسرعة فيئه، ولو أراد النبي ﷺ بقاءهم على إحرامهم لأمرهم بالقراءة أو الذكر في الصلاة، بدلًا من وقوفهم في الصلاة من غير

стр. 6379

قراءة ولا ذكر إلى أن يرجع الإمام، والله أعلم. قال ابن حبان: «محال أن يذهب ﷺ ليغتسل ويبقى الناس كلهم قيامًا على حالتهم من غير إمام لهم إلى أن يرجع ﷺ ، ومن احتج بهذا الخبر في إباحة البناء على الصلاة لزمه ألا يفسد وقوف المأموم بلا إمام مقدار ما ذهب ﷺ فاغتسل إلى أن رجع من غير قراءة تكون منهم، ولما صح نفيهم جواز ما وصفنا صح أن البناء غير جائز في الصلاة … » (١). والذي أريد أن أصل إليه من خلال هذه المناقشة: أن هذه الأحاديث لا دلالة فيها على فساد صلاة المأموم بفساد صلاة إمامه، ولا على صحة البناء على ما صلى، فهي ليست نصًّا في موضع النزاع، فيطلب الدليل من غيرها، والقول بالبناء -وإن كان هو الراجح عندي- لكن دلالة هذه الأحاديث عليه ليست نصًّا قاطعًا على المراد، والله أعلم. ولذلك ذكر ابن رجب الحنبلي أن الحديث يحتمل الأمرين. قال ابن رجب: «ليس في الحديث أن النبي ﷺ بنى على ما مضى من تكبيرة الإحرام، وهو ناسٍ لجنابته، فإن قدر أن ذلك وقع فهو منسوخ؛ لإجماع الأمة على خلافه، كما ذكره ابن عبد البر وغيره، فلم يبق إلا أحد وجهين: أحدهما: أن يكون ﷺ لما رجع كبَّر للإحرام، وكبر الناس معه. وعلى هذا التقدير، فلا يبقى في الحديث دلالة على صحة الصلاة خلف إمام صلى بالناس محدثًا ناسيًا لحدثه. والثاني: أن يكون النبي ﷺ استأنف تكبيرة الإحرام، وبنى الناس خلفه على تكبيرهم الماضي .... » (٢). فلو كانت هذه الأحاديث نصًّا على صحة البناء؛ لما ذكر ابن رجب أنها تحتمل الأمرين، تحتمل الاستئناف، وتحتمل البناء. وعلى القول بالبناء فالشافعي استدل به على جواز إحرام المأموم قبل إمامه مطلقًا، وقد سبق بحثها في مباحث النية.

стр. 6380

قال ابن بطال: «لا أعلم من يقول: إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي، بناء على أصل مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون من كبر قبل إمامه» (١). ولا حجة في هذه الأحاديث على هذه المسألة، قال ابن رجب: لأن المأموم إنما كبر مقتديًا بإمام يصح الاقتداء به، ثم بطلت صلاته بذكره، فاستأنف صلاته، فلم يخرج المأموم عن كونه مقتديًا بإمام يصح الاقتداء به، فهو كمن صلى خلف إمام، ثم سبقه الحدث في أثناء صلاته في المعنى (٢). الدليل السابع: (ح-٢٣١٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم (لا تقبل صلاة أحدكم … ) (٣). فإذا تذكر الإمام حدثه فسدت صلاته؛ لانتفاء القبول عنها بنص الحديث، وأما المأموم فهو معذور في الاقتداء به؛ ولم يحصل منه حدث لتفسد صلاته، وفرق بين جهل المصلي بحدث إمامه، وبين جهله بحدث نفسه، فالأول لا يكلف المأموم في معرفته؛ لأن الأصل في المسلم أنه لا يصلي إلا متطهرًا، وأما حدث نفسه فإذا صلى جاهلًا به لم تصح صلاته إذا علم؛ لأنه منسوب فيه إلى التفريط، وقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق. فإذا صلى المأموم كما أمر، ثم علم الإمام أثناء الصلاة بحدثه بطلت صلاته وحده؛ وبنى المأموم على ما صلى، وإن علم بعد الفراغ منها أعاد الإمام وحده، كما لو صلى الإمام، ونعلاه فيهما نجاسة. الدليل الثامن: كل دليل استدل به من يقول: إذا علم الإمام بحدثه بعد الفراغ من الصلاة،

стр. 6381

صحت صلاة المأموم، وهو فعل عمر وعثمان وابن عمر ﵃، فكذلك إذا تذكر الإمام حدثه أثناء الصلاة. فإذا صحت صلاة المأموم كلها قبل التذكر، صح بعضها قبل التذكر، كما لو صلى في نعليه، وفيهما أذى. فالتذكر يفسد صلاة الإمام وحده، ويقطع الاقتداء، فللمأموم البناء على ما صلى: إما بالاستخلاف، وإما بإتمامها فرادى. وقد ذكرت هذه الأدلة في المسألة السابقة فارجع إليها. الدليل التاسع: ارتباط صلاة المأموم بالإمام يعني: الاقتداء به في أفعاله؛ لقوله: (فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، ولا يعني ذلك بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه. الدليل العاشر: القياس على مسألة: ما لو سبق الإمام الحدث في الصلاة، فإن صلاة المأموم لا تبطل، وله الاستخلاف أو إتمامها فرادى، فكذلك ها هنا. • ونوقش: بأن الإمام إذا سبقه الحدث بطلت طهارته، ولم يبطل ما صلاه على طهارة، فله البناء على ما صلى إذا تطهر، وإذا لم تبطل صلاة الإمام لم تبطل صلاة المأموم. • ورد على هذا: بأن الإمام إذا سبقه الحدث بطلت طهارته بالإجماع، وفساد الطهارة يفسد الصلاة في أصح قولي أهل العلم، وهو قول الجمهور، ولم يقل بالبناء إلا الحنفية، والأثر الوارد هو في الرعاف، وليس حدثًا، وغسله من باب قطع الأذى؛ حتى لا يلوث المسجد، لا من باب انتقاض الطهارة، وقد سبق تحرير الخلاف فيما سبق، ولله الحمد. • دليل من قال: إذا تذكر الإمام حدثه في الصلاة فسدت صلاة من خلفه: استدل أصحاب هذا القول بأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فإذا

стр. 6382

فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم، وقد ذكرنا أدلتهم في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، فارجع إليها غير مأمور. • الراجح: أن الإمام إذا تذكر حدثه فسدت صلاته، ولم تفسد صلاة المأموم، فللمأموم البناء على ما صلى، وله الاستخلاف، والله أعلم.

стр. 6383

البند الثاني أن يتذكر الإمام أنه محدث ويتمادى في الصلاة المدخل إلى المسألة: • الأصل في المسلم العدالة. • الأصل في صلاة الإمام الصحة حتى يتبين خلاف ذلك. • إذا لم يعلم المأموم حال إمامه؛ فهو معذور بالجهل، فلم يكلفه الله علم ما غاب عنه. • الجهل بحال الإمام عذر للمأموم إذا صلى خلف إمام محدث، سواء أكان ناسيًا حدثه حتى فرغ من الصلاة، أم تذكر حدثه في أثناء الصلاة، فتمادى فيها حياء، فالعلة واحدة. • فرق بين جهل المصلي بحدث إمامه، وبين جهله بحدث نفسه، فالأول لا يكلف المأموم معرفته؛ لأن الأصل في المسلم أنه لا يصلي إلا متطهرًا، بخلاف حدث نفسه، فإذا صلى جاهلًا به لم تصح صلاته إذا علم؛ لأنه منسوب فيه إلى التفريط، وقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق. • المأموم قد أذن له شرعًا الاقتداء بالإمام، وما ترتب على المأذون فغير مضمون. • لا يكلف المأموم صحة صلاة إمامه، بل هي أثر ناشئ عن فعل المصلي وحده إمامًا أو مأمومًا. [م-٧٨٤] إذا تذكر الإمام في صلاته أنه محدث، وتمادى في صلاته: فقيل: تبطل صلاته وصلاة من خلفه؛ وهو مذهب الجمهور، وقول في مذهب الشافعية (١).

стр. 6384

وجهه: بأنه أفسد الإمام عليهم، حيث صلى بهم، وهو يعلم أن صلاته باطلة. وقيل: صلاة القوم جائزة إذا لم يعلموا حدثه، وهو قول أشهب وابن نافع من المالكية، والإمام الشافعي (١). • وجه القول بالصحة: لا فرق بين مأموم صلى مع الإمام ناسيًا حدثه، ولم يتذكر الإمام حتى فرغ من الصلاة، فتكون صلاته على الصحة، وبين مأموم صلى مع الإمام وقد تذكر الإمام حدثه في الصلاة، فتمادى فيها حياء، ولم يعلم المأموم حال إمامه حتى فرغ من الصلاة؛ لأن العذر في الحالين هو الجهل بحال الإمام، فلم يكلفهم الله علم ما غاب عنهم، وقد صلوا خلف رجل مسلم، والأصل في الصلاة الصحة، وفي الإمام العدالة، وإنما تفسد صلاتهم إذا علموا أن إمامهم على غير طهارة، فتمادوا خلفه، فقد أفسدوا صلاتهم. • الراجح: إذا تمادى الإمام في الصلاة بعد أن تذكر أنه محدث، فقد ولج في الإثم، حيث

стр. 6385

صلى بالناس، وهو محدث، وصلاة المأموم على الصحة، فإن علم قبل الفراغ من الصلاة بنى على ما صلاه معه، وأتم وحده بقية صلاته، وإن لم يعلم حتى فرغ من الصلاة فصلاته صحيحة، والله أعلم.

стр. 6386

المطلب الثاني في بطلان صلاة المأموم إذا سبق الإمام الحدث المدخل إلى المسألة: • خطأ المأموم لا يؤثر على صلاة الإمام بالاتفاق، فخطأ الإمام لا يؤثر على صلاة المأموم كذلك، فلكُلٍّ صلاته. • كل صلاة بطلت على الإمام لم تبطل على المأموم إلا أن يعلم ببطلان صلاته ويتمادى في الاقتداء به. • جاء الدليل على صحة الصلاة بإمامين كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين، وهو دليل على صحة الاستخلاف مع بقاء صلاة الإمام. • جاء الأثر عن عمر باستخلاف ابن عوف حينما طعن، وهو دليل على صحة الاستخلاف مع بطلان صلاة الإمام، وكان مشهودًا ولم ينكر. • كل اختلاف بين الإمام والمأموم لا يترتب عليه اختلاف في الأفعال لا يخل بالائتمام، كاختلافهما في النية بأن يصلي مفترض خلف متنفل، أو مقيم خلف مسافر. • صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في وجوب متابعته، وعدم الاختلاف عليه في أفعاله. • بطلان صلاة الإمام يمنع من الاقتداء به إذا علم المأموم، ولا يُبْطلُ صلاة المأموم. • يتبع المأموم إمامه في أفعاله، فيجلس المسبوق لجلوس إمامه، ولو في غير موضع جلوس المأموم. • يحمل الإمام عن المأموم السهو، والقراءة على الصحيح. • إذا قام الإمام إلى خامسة ولم يرجع وجب على المأموم مفارقته، ولم تبطل صلاته، فكذلك إذا بطلت صلاة الإمام بأي مفسد وجبت مفارقته، ولم تبطل صلاة المأموم.

стр. 6387

[م-٧٨٥] إذا سبق الإمام الحدث في الصلاة، فهل تبطل صلاة المأموم؟ أما من قال: لا تبطل صلاة الإمام إذا سبقه الحدث، بل يتطهر ويبني على ما مضى من صلاته، فالمأموم كذلك؛ لأنه تبع له، وهو مذهب الحنفية، والقول القديم للشافعي، ورواية عن أحمد (١)، وسبق لنا الخلاف في هذه المسألة. وأما من قال: تبطل صلاة الإمام، كالمالكية، والشافعي في الجديد، والحنابلة في المعتمد، فهؤلاء اختلفوا في بطلان صلاة المأموم. فقيل: لا تبطل، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٢).

стр. 6388

قال الدردير: «كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث، أو نسيانه … » (١). وقال النووي في المجموع: «قال أصحابنا: إذا خرج الإمام عن الصلاة بحدث تعمده، أو سبقه، أو نسيه، أو بسبب آخر، أو بلا سبب، ففي جواز الاستخلاف قولان مشهوران: الصحيح الجديد: جوازه» (٢). وقيل: تبطل، وهو قول الشافعي في القديم، والصحيح من مذهب الحنابلة (٣). قال في الإنصاف: «اعلم أن الإمام إذا سبقه الحدث تبطل صلاته على الصحيح من المذهب كتعمده .... وأما المأموم فتبطل صلاته على الصحيح من المذهب» (٤). وأدلة هذه المسألة هي نفسها أدلة مسألة: إذا تذكر الإمام حدثه أثناء الصلاة، فارجع إليها إن شئت.

стр. 6389

المطلب الثالث في بطلان صلاة المأموم لعجز الإمام عن إكمال الصلاة المدخل إلى المسألة: • صلاة الإمام مستقلة عن صلاة المأموم، فليست متعلقة بها، ولا في ضمنها. • إذا صح في السنة انتقال المنفرد إلى إمام، كما في حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة، وانتقال الإمام إلى مأموم كما في انتقال أبي بكر من الإمامة إلى الائتمام؛ لحضور النبي ﷺ ، وانتقال المأموم إلى الانفراد كما في المسبوق إذا سلم إمامه، فكذلك يصح للمأموم الانتقال إلى الإمامة عند عجز الإمام. • نية الإمامة ليست بشرط على الصحيح، ولا يلزم الإمام تعيين المأموم لصحة إمامته. • خروج الإمام من الصلاة غاية ما فيه أنها تبطل الاقتداء به، ولا تبطل صلاة المأموم. • صلاة المأموم مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية الائتمام، وبطلان نية الائتمام لا يبطل نية الصلاة، كما لو صلى الفريضة قبل الوقت، بطلت الفريضة بالإجماع، ولم تبطل مطلق الصلاة فتكون نفلًا على الصحيح. [م-٧٨٦] إذا طرأ عجز يمنع الإمام من إكمال إمامته، أو من إكمال صلاته، فالموقف من صحة صلاة المأموم يتعلق بالخلاف في مسألتين: الأولى: في صحة الاستخلاف في الصلاة، وهل يمكن للصلاة الواحدة أن يكون لها إمامان؟ الثانية: في بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه في حال كان العجز يتعذر معه إكمال الإمام صلاته مأمومًا. وقد اتفق الأئمة الأربعة على أن الحصر عن القراءة الواجبة عذر يوجب

стр. 6390

الاستخلاف خلافًا لأبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية. واختلفوا في العجز بسبب مرض أو خوف. فقال الحنفية: إذا عجز عن القيام أتم قاعدًا؛ لجواز اقتداء القائم بالقاعد فلا حاجة إلى الاستخلاف، وجوز الحنابلة ذلك مع الإمام الراتب (١). وقال المالكية: إذا أصيب الإمام بعجز أو خوف جاز له الاستخلاف مطلقًا، ولو بطلت صلاة الإمام، وهو رواية عن أحمد (٢). وقال الحنابلة: له الاستخلاف إذا أصيب بمرض أو خوف أو حصر عن واجب بشرط بقاء صلاة الإمام، فإن بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم تبعًا له (٣).

стр. 6391

وقال الشافعية في الجديد: يصح الاستخلاف ولو بغير عذر، وبنوا مذهبهم على أنه لا ارتباط بين صلاة الإمام وصلاة المأموم (١). وقيل: لا يصح الاستخلاف مطلقًا، فإذا عجز الإمام أتم المصلون فرادى، وهو القول القديم للشافعي (٢). فصار الموقف من الاستخلاف في بطلان صلاة المأموم يؤول إلى قولين: الأول: لا تبطل صلاة المأموم، سواء قلنا: للمأموم الاستخلاف، أو قلنا: ليس له ذلك، بل يتمونها فرادى، وسواء بطلت صلاة الإمام أو أكمل معهم الصلاة مأمومًا. الثاني: إن بطلت صلاة الإمام بسبب العجز بطلت صلاة المأموم تبعًا له، فلا استخلاف، وإن بقيت صلاة الإمام كان المأموم بالخيار، إن شاء استخلف، وإن شاء أتمها فرادى، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة. فمن أجل هذا التفصيل عند الحنابلة أدخلت هذه المسألة في مبطلات الصلاة.

стр. 6392

• دليل من قال: يستخلف للعذر ولو بطلت صلاة الإمام: (ث-٥٦٥) روى البخاري في صحيحه من طريق حصين، عن عمرو بن ميمون، في قصة قتل عمر ﵁، وذكر فيه .... إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا … فما هو إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني الكلب حين طعنه … وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة .... الأثر (١). ورواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: صليت يوم قتل عمر الصبح، فما منعني أن أقوم مع الصف الأول إلا هيبة عمر قال: فماج الناس، فقدموا عبد الرحمن بن عوف، فقرأ إذا جاء نصر الله والفتح، وإنا أعطيناك الكوثر (٢). [صحيح] (٣). قال البيهقي: «وفي هذا دلالة على جواز الاستخلاف على ما جوزه الشافعي رحمه الله تعالى في الجديد، وكان في القديم لا يجوزه» (٤). ففي هذا الأثر دليل على جواز الاستخلاف ولو بطلت صلاة الإمام؛ لأن عمر ﵁ لما طعن نوى الخروج من الصلاة لعجزه، ولكلامه حيث قال: قتلني الكلب، وتَعَمُّدُ الكلام في الصلاة يبطلها، فهو أبلغ من الحدث إذا سبق، وقد فعله عمر في شهود كبار الصحابة ﵃ فكان إجماعًا سكوتيًّا، وهو حجة على الصحيح، وإن لم يكن كالإجماع الصريح.

стр. 6393

وفي الحديث رد على الحنفية الذين يشترطون للاستخلاف ألا يتكلم الإمام. • دليل من قال: يجوز الاستخلاف ولو كان من غير عذر: الدليل الأول: (ح-٢٣١١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ .... الحديث، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: جاز الاستخلاف مع قدرة الإمام على إتمام الصلاة، وقد كان لأبي بكر أن يبقى مكانه ويتم الصلاة، بدليل إشارة رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، وفي الحديث دليل على صحة الصلاة بإمامين على التعاقب، ولو من غير ضرورة. قال الشوكاني: «وللحديث فوائد … ثم ذكر منها: أن الاستخلاف في الصلاة لعذر جائز من طريق الأولى؛ لأن قصاراه وقوعها بإمامين» (٢). • ونوقش من وجوه: الوجه الأول: لا نسلم أن هذا استخلاف بلا عذر، فالعذر لأبي بكر ﵁ قد أفصح

стр. 6394

عنه في الحديث: وهو قول أبي بكر ﵁: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ . وقد فسر الحنفية العذر بأن أبا بكر حُصِر عن القراءة عند حضور النبي ﷺ ، فتقدم النبي ﷺ وتأخر أبو بكر ﵁ (١). وهذا قول ضعيف جدًّا، فأبو بكر لم يعتذر بالعجز، وإنما في عدم رغبته في التقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، وبينهما فرق، فالأول عيب، الثاني تعظيم لجناب الرسول ﷺ ، وهو الذي يليق بمقام النبي ﷺ ومقام صاحبه. الوجه الثاني: أن العذر أوسع من طروء الحدث، أوالعجز عن إكمال الصلاة، فالإمام الراتب له حق في الإمامة إذا حضر ورغب في إكمال الصلاة؛ لتقدم حقه، فلم يكن اتخاذ إمامين للصلاة دون سبب؛ وذلك لأن مطالبة صاحب الحق بحقه سبب وعذر في جواز انتقال النائب إلى الائتمام، وكون القوم ابتدؤوا بالصلاة لا يسقط أحقية الإمام الراتب بالإمامة إذا حضر، هذا ما دل عليه حديث سهل، نعم لو كان المطالب بالاستخلاف من جملة المصلين، ولا يفضل الإمام النائب بشيء، ورغب في التقدم فليس له الحق في هذا؛ لتساويهما، والأصل عدم الانتقال إلا لسبب. الوجه الثالث: أن هذا الحديث قد تنازع الفقهاء فيه، أكان خاصًّا بالنبي ﷺ فلا يقاس عليه، أو أن هذا للنبي ﷺ ولغيره؟ فأكثر العلماء -فيما قاله ابن بطال وأكثر الحنابلة، وحكاه ابن العربي إجماعًا- أن هذا خاص بالنبي ﷺ (٢). قال ابن العربي: «كلهم -يعني: العلماء- لا يجيز إمامين في صلاة واحدة

стр. 6395

من غير حدث يقطعها على الإمام، وفي إجماعهم على هذا دليل خصوص هذا الموضع لفضل رسول الله ﷺ ، وأنه لا نظير له … وموضع الخصوص في هذا الحديث: هو تأخر الإمام عن غير حدث. وأما من تأخر لعلة الحدث، فذلك جائز لما وصفنا» (١). ولأن النبي ﷺ لا يساويه أحد من المأمومين، وفضيلة الصلاة خلفه ليست كالصلاة خلف غيره. ولأن الله تعالى أمر ألا يتقدم أحد بين يديه، وهذا على عمومه في الصلاة والفتوى وغيرها، وهو حجة أبي بكر ﵁ في الاعتذار عن امتثال أمر النبي ﷺ ، وقد أقره النبي ﷺ على قوله. • ورد هذا الجواب: بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل عليها هنا، والأصل التأسي، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقد تقدم عبد الرحمن بن عوف بين يدي النبي ﷺ ، وصلى به، وأقره على ذلك، والحديث في مسلم (٢). وقيل: هذا خاص بالإمام الأعظم دون غيره، وهو وجه عند الحنابلة. وقيل: بل يشمل كل إمام راتب دون الإمام المتطوع، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واختيار ابن حزم (٣). وقيل: يصح مطلقًا، وهو أظهر القولين في مذهب الشافعية، وبه قال البخاري في صحيحه (٤).

стр. 6396

وكل هذا يرد دعوى الإجماع من ابن العربي عليه رحمة الله. فالراجح جواز الاستخلاف خاصة إذا كان تأخر الإمام وانتقاله إلى الائتمام له سبب، إما لكونه إمام الحي، أو لأنه الإمام الأعظم، أو لزيادة فضل؛ لكونه أقرأ، أو أعلم، ونحوها، وقد بحثت هذه المسألة في أحكام النية تحت عنوان: (انتقال الإمام إلى مأموم لرجوع الإمام الراتب)، فانظره هناك. الدليل الثاني: (ح-٢٣١٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس .... فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهَادَى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (١). [اختلف في الإمام أكان النبي ﷺ المقدم في الصلاة أم كان ذلك أبا بكر؟] (٢). وجه الاستدلال: في الحديث دلالة على أن الرسول ﷺ هو الإمام؛ لجلوسه ﷺ عن يسار أبي بكر، وهو موضع الإمام؛ ولقول عائشة ﵂: يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر، ففيه دليل على جواز الاستخلاف ولو لم يكن بالإمام علة.

стр. 6397

• ونوقش هذا: بأن الحديث وقع فيه اختلاف كبير في الإمام، أهو أبو بكر أم النبي ﷺ ، فعلى القول بأنه أبو بكر فلا دليل فيه على الاستخلاف، ويقوي ذلك أن حفص بن غياث بين أن الكلام عن إمامة النبي ﷺ كان من قول الأعمش، لا من قول عائشة ﵂، وقد أمر النبي ﷺ أبا بكر بأن يثبت في مكانه، وقد امتثل الأمر، ولا معنى لبقائه في موضع الإمامة إلا أن يبقى إمامًا، وتكاد كل الروايات تتفق على بقاء أبي بكر في موضعه، وأن أبا بكر امتثل أمر النبي ﷺ ، ولم يتأخر كما تأخر في حديث سهل بن سعد حين ذهب النبي ﷺ ليصلح بين بني عوف؛ حين كان الرسول ﷺ في كامل صحته، وعلى فرض أن يكون التصريح بإمامة الرسول ﷺ من قول عائشة، فإنها ﵂ لم تنقل هذا عن مشاهدة. فقد روى شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: مِنْ الناس من يقول: كان أبو بكر ﵁ المقدَّم بين يدي رسول الله ﷺ في الصف، ومنهم من يقول: كان النبي ﷺ المقدمَّ (١). وإذا كان الناس قد اختلفوا، ولم تكن عائشة شاهدًا على القصة كان قولها بأن الإمام أبو بكر ليس قاطعًا، وقد بدأ أبو بكر الصلاة إمامًا، وهذا موضع اتفاق، ثم اختلفت الرواية هل انتقل إلى الائتمام أم بقي إمامًا، فيستصحب بقاؤه إمامًا حتى نتيقن ذلك، ومع هذا الاختلاف الشديد، لا سبيل إلى الجزم بانتقاله إلى الائتمام، فلا يترك المُتيقن إلى المتنازع فيه. ومن الناس من يذهب إلى القول بتعدد القصة، وأن النبي ﷺ صلى أكثر من مرة في مرض موته، وقد سبق مناقشة دلالة هذا الحديث بتوسع، فالحمد لله (٢). • دليل من قال: لا يستخلف الإمام ويصلي المأمومون فرادى: الدليل الأول: (ح-٢٣١٣) روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا

стр. 6398

زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ إلى أصحابه، أي: مكانكم، فذهب، وجاء ورأسه يقطر، فصلى بالناس (١). [ضعيف الإسناد كما تقدم]. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يستخلف حين دخل في الصلاة ثم تذكر حدثه، ولو كان جائزًا لكان الأشبه أن يستخلف؛ لأن هذا هو الأيسر من أحد احتمالين: إما إبطال صلاة المأمومين بعد تلبسهم بالعبادة، أو وقوفهم منتظرين، وهم في الصلاة وقوفًا بلا ذكر أو قراءة طيلةَ ذهاب الإمام واغتساله وإيابه، ثم دخول الإمام في الصلاة وإمامته لهم مع تأخره عنهم في التحريمة، فلما تُرِكَ الاستخلافُ مع كونه الأيسر عُلِمَ أنه ليس مشروعًا؛ لأن من هدي النبي ﷺ أنه ما خيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وإذا لم يصح الاستخلاف مع الحدث لا يصح الاستخلاف مع العجز قياسًا عليه. • ونوقش هذا الاستدلال من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف، كما بينت ذلك في تخريج الحديث. وأجاب بعضهم: بأن الحديث قد حسنه بعض أهل العلم، وعلى فرض ضعفه، فقد تقوى بمجموعة من المراسيل، انظر: مناقشة تضعيفه في المسألة السابقة. الوجه الثاني: أن ترك الاستخلاف دليل الجواز، ولم يقل أحد بوجوب الاستخلاف. الوجه الثالث: أن الحديث لا دلالة فيه على أن الصحابة قد بنوا على ما صلوا، ولا دلالة فيه على أنهم استأنفوا، فالحديث محتمل للأمرين، وقد ناقشت هذه الدلالة في المسألة

стр. 6399

السابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وعلى افتراض أن يكون الصحابة قد بنوا فيقال: إن هدي الرسول ﷺ هو في تحري الأيسر ما لم يكن في تركه جلب مصلحة أكبر، أو دفع مفسدة، ولا شك أن المصلحة ظاهرة، فانتظارهم للرسول ﷺ ؛ لتحصيل فضيلة الصلاة خلفه أحب إلى الصحابة من استخلاف غيره، هذا على افتراض أن يكون الصحابة لم يستأنفوا الصلاة بعد عودة النبي ﷺ إلى الصلاة. الدليل الثاني: أنها صلاة واحدة فلا تجوز بإمامين، كما لو اقتدى بهما دفعة واحدة. • ونوقش: جاء الدليل على صحة الصلاة بإمامين كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين، والأصل التأسي. • دليل من قال: إن بطلت صلاة الإمام للعجز بطلت صلاة المأموم تبعًا: الدليل الأول: استدل أصحاب هذا القول بأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم، وقد ذكرنا أدلتهم في مسألة (بطلان صلاة المأموم إذا تذكر الإمام أنه محدث)، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، فارجع إليها غير مأمور. الدليل الثاني: (ح-٢٣١٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة .... فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى .... الحديث، ورواه مسلم (١).

стр. 6400

وجه الاستدلال: احتج به الحنابلة على أن الاستخلاف يجوز بشرط ألا تبطل صلاة الإمام، فإن بطلت صلاته لأي سبب بطلت صلاة المأموم، فلا استخلاف. • ويجاب: بأن هذا الحديث حكاية فعل وليس فيه دليل على أنه لا يجوز الاستخلاف في غيره، وقد استخلف عمر ﵁ بعدما طُعِن، وتكلم، وكان بمجمع من الصحابة ولم ينكر، والله أعلم. • الراجح: أنه لا فرق بين عجز الإمام عن إكمال إمامته، وبين عجزه عن إكمال صلاته، فإذا تعذر على الإمام إكمال إمامته، وكان بإمكانه أن يتمها مأمومًا، أو عجز عن إكمال صلاته، فخرج من الصلاة بسبب العجز، فإن ذلك لا يبطل صلاة المأموم، ولا فرق بين هذه وبين مسألة ما لو سبقه الحدث، وهو يصلي، أو دخل في الصلاة، وهو محدث ناسيًا حدثه، ثم تذكر أثناء الصلاة، فللمأموم أن يستخلف في كل ذلك من يكمل بهم الصلاة، ولهم أن يتموها فرادى، وكما ينتقل المنفرد إلى الإمامة كما لو دخل معه من يصلي معه، ولو لم يكن قد نوى الإمامة في أصح قولي أهل العلم، وسبق بحث ذلك، فكذلك يمكن أن ينتقل أحد المأمومين إلى الإمامة إذا تعذر على الإمام إكمال صلاته أو إمامته، ولو لم ينو الإمامة حين دخل في الصلاة، كما تقدم عبد الرحمن بن عوف، وأكمل بالمسلمين الصلاة حين طُعِن عمر ﵁، والله أعلم.

стр. 6401

المبحث الثاني بطلان صلاة المتيمم لوجود الماء وهو يصلي المدخل إلى المسألة: • طهارة التيمم تنتهي بوجود الماء. • من عليه جنابة إذا تيمم لفقد الماء صحت صلاته، فإذا وجد الماء كان عليه وجوب الاغتسال من الجنابة، وهذا حكم بعودة الحدث الأكبر بعد التيمم منه. • إذا عاد الحدث لوجود الماء فإن كان بعد الفراغ من العبادة لم يؤثر بطلان الطهارة على صحة الصلاة، كما لو أحدث بعد السلام منها، وإن كان قبل الفراغ من الصلاة بطلت طهارته؛ كما لو أحدث فيها. • إذا بطل التيمم بوجود الماء قبل الصلاة وبعدها، بطل التيمم بوجود الماء أثناء الصلاة. • ما جاز لعذر بطل بزواله. • الحادث بعد انعقاد السبب قبل إتمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السبب. [م-٧٨٧] اتفق العلماء على جواز الدخول في الصلاة بالتيمم عند عدم الماء، واختلفوا في قطعها إذا وجد الماء قبل الفراغ منها: فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، واختيار ابن حزم (١).

стр. 6402

وقيل: يتم صلاته، وهو المشهور من مذهب المالكية (١)، ورواية عن أحمد (٢)، وقيل: إن أحمد رجع عن هذا القول فتكون المسألة عند الحنابلة رواية واحدة كقول الجمهور (٣). وقيل: يتم صلاته إن كان تيممه يغنيه عن إعادة الصلاة، كما لو كان تيممه في السفر الطويل، وتبطل صلاته إن كان يجب عليه إعادة الصلاة، كما لو تيمم في الحضر، وهذا مذهب الشافعية (٤).

стр. 6403

وقيل: يتطهر، ويبني على صلاته، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). قال ابن العربي في شرح الموطأ: «أجمعوا على أن من تيمم بعد طلب الماء ولم يجده، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة؛ أن تيممه باطل لا يجزئه أن يصلي به؛ لأنه قد عاد لحاله قبل التيمم. واختلفوا إذا وجد الماء بعد دخوله في الصلاة: فقال مالك والشافعي وأصحابهما وداود والطبري: إنه يتمادى في صلاته ولا يقطع وتجزئه؛ … لأنه لم تثبت في ذلك سنة توجب عليه قطعها بعد دخوله فيها، ولا إجماع يجب التسليم له … قال ابن العربي: العريان إذا صلى، وطرأ عليه فيها ثوب، أخذه، والمتيمم إذا طرأ عليه الماء في الصلاة، لا يقطع، والفرق بينهما أن المتيمم صلى ببدل وهو التيمم، والعريان ليس به بدل» (٢). وقد استشهد ابن رجب على جواز البناء على ما صلى -إذا وجد الماء، وكان قريبًا- بقصة تحول الصحابة في القبلة حين بلغهم نسخها، وهم في الصلاة. قال ابن رجب: «إن كان التحويل قد وقع في أثناء الصلاة، وقد بنى النبي ﷺ على ما مضى من صلاته إلى بيت المقدس، استدل بذلك على أن الحكم إذا تحول المصلي في أثناء صلاته انتقل ما تحول إليه، وبنى على ما مضى من صلاته، فيدخل في ذلك الأمة إذا عتقت في صلاتها، وهي مكشوفة الرأس، والسترة قريبة، والمتيمم إذا وجد الماء في صلاته قريبًا، وقدر على الطهارة به، والمريض إذا صلى بعض صلاته قاعدًا ثم قدر على القيام. وإن كان التحويل وقع قبل صلاة النبي ﷺ بأصحابه؛ ولكن لم يبلغ غيرهم إلا في أثناء صلاتهم، فبنوا، استدل به على أن من دخل في صلاته باجتهاد سائغ إلى جهة، ثم تبين له الخطأ في أثناء الصلاة أنه ينتقل، ويبني، ويستدل به على أن حكم

стр. 6404

الخطاب لا يتعلق بالمكلف قبل بلوغه إياه» (١). وقد سبق لي بحث هذه المسألة في كتابي موسوعة الطهارة، الطبعة الثالثة، فإن شئت أن تقف على أدلة هذه المسألة فارجع إليها هناك، فقد أغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا (٢).

стр. 6405

المبحث الثالث في بطلان الصلاة بانتهاء مدة المسح على الخف وهو فيها المدخل إلى المسألة: • من ثبتت طهارته بدليل لم تبطل إلا بدليل صحيح صريح. • انتهاء مدة المسح تعني الامتناع عن المسح ولا تعني الرجوع على الطهارة بالإبطال وقد تمت بشروطها. • توقيت المسح على الخفين لا يعني توقيت الطهارة، فالطهارة لا ينقضها إلا حدث. • توقيت الوضوء ينافي أصول الطهارات، فإنها دائرة مع أسبابها، لا مع أزمانها. [م-٧٨٨] هذه المسألة فرع عن الخلاف في حكم الطهارة بعد انتهاء مدة المسح، فمن قال: إن الحدث يرجع إلى البدن، أو إلى القدمين فقط بانتهاء مدة المسح، فالقول ببطلان الصلاة فرع عنها؛ لأن عودة الحدث إلى البدن كاملًا أو إلى القدمين خاصة يوجب الوضوء أو غسل القدمين عند من لا يوجب الموالاة، فإذا خرج وفعل ما يجب عليه، فهل له أن يبني على ما مضى من صلاته، كما يقول ذلك بعض الفقهاء إذا سبقه الحدث، أو ليس له البناء؟ هذا ما سوف نتعرض له بالبحث إن شاء الله تعالى. ومن قال: إن انتهاء مدة المسح لا يسري على الطهارة بالبطلان؛ لأن مدة المسح ليس حدثًا ينقض الوضوء، لم ير بطلان الصلاة بانتهاء مدة المسح، فله أن يمضي في صلاته؛ لبقاء طهارته حتى يحدث. إذا عرفت ذلك نأتي إلى قول الفقهاء في الرجل تنتهي مدة المسح، وهو في الصلاة: فقيل: إن كان خارج الصلاة يكفيه غسل رجليه، وإن كان في الصلاة استأنف،

стр. 6406

وهو مذهب الحنفية والشافعية (١). ومذهب المالكية على نحو مذهب الحنفية والشافعية إلا أنهم لا يقولون بتوقيت مدة المسح، فالمشهور في مذهبهم أن المسح غير مؤقت (٢). لكن لو بطل المسح لتخرق فاحش، أو لنزع خفيه، فإن كان خارج الصلاة غسل رجليه مكانه، وأجزأه، وإن أخر ذلك ابتدأ الوضوء، وإن كان في صلاة بطلت (٣). فرجع قول المالكية إلى قول الحنفية والشافعية، وهو بطلان الصلاة ببطلان المسح في الصلاة. جاء في الفواكه الدواني: «ينتهي حكم المسح بحصول موجب غسل كحيض أو جنابة، وبخرق كبير، وهو قدر ثلث القدم، أو دونه إن انفتح، بحيث يصل البلل إلى الرجل، فيجب عليه نزع خفيه معًا، ويغسل رجليه، ولا يعيد الوضوء، وإن كان في صلاة بطلت» (٤). • وجه وجوب استئناف الصلاة عند الحنفية: أن البناء على ما صلى إنما ورد في الحدث إذا سبقه، وهو على خلاف القياس، فلا يقاس عليه، وانقضاء مدة المسح ليس بحدث، ولا يوجب الوضوء، وإنما

стр. 6407

يوجب غسل القدمين بسبب سابق، فليس داخلًا في المنصوص، ولا في معناه. • وجه الاستئناف عند المالكية: إذا تخرق الخف أو نزع خفه فإن كان خارج الصلاة غسل قدميه، ولا يعيد الوضوء؛ لأن الطهارة لم تبطل ببطلان المسح، فإن أخر ذلك عن فوره عمدًا أعاد الوضوء، وإن كان في صلاة قطعها؛ لأنه لا يمكنه أن يغسل قدميه ويبني؛ لأن البناء على ما صلى إنما ثبت عندهم في غسل الرعاف خاصة، فلا يقاس عليه، وقد سبق ذكر أدلتهم، ومناقشتها في مسألة البناء على الحدث. • وجه الاستئناف عند الشافعية: قال في تحفة المحتاج: «(وإن قصر بأن فرغت مدة خف فيها) فاحتاج لغسل رجليه (بطلت) قطعًا، كحدثه مختارًا» (١). قال الرافعي: «ولا يُخَرَّج على قول سبق الحدث؛ لأنه مقصر بإيقاع الصلاة في الوقت الذي تنقضي مدة المسح في أثنائها، فأشبه المختار في الحدث» (٢). وإذا وقع الحدث مختارًا بطلت صلاته بالإجماع. قال الخطيب: «بطلت قطعًا؛ لتقصيره حيث افتتحها في وقت لا يسعها؛ لأنه حينئذ يحتاج إلى غسل رجليه، أو الوضوء على القولين في ذلك، فلو غسل رجليه في الخف قبل فراغ المدة لم يؤثر؛ لأن مسح الخف يرفع الحدث، فلا تأثير للغسل قبل فراغ المدة، وكذا لو غسلهما بعدها؛ لمضي مدة، وهو محدث، حتى لو وضع رجليه في الماء قبل فراغ المدة واستمر إلى انقضائها لم تصح صلاته؛ لأنه لا بد من حدث ثم يرتفع، وأيضًا لا بد من تجديد نية؛ لأنه حدث لم تشمله نية الوضوء الأول» (٣). وقال في تحرير الفتاوى: «وحمله السبكي على ما إذا دخل ظانًّا بقاء المدة إلى فراغه، فإن قطع بأن المدة تنقضي فيها، قال: فيتجه: عدم انعقادها» (٤).

стр. 6408

وقيل: إذا انتهت مدة المسح بطلت الصلاة لبطلان الطهارة، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (١). وقيل: لا تبطل طهارته بانتهاء مدة المسح، وهو اختيار ابن حزم (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣). وهو الصحيح. وقد تعرضت في كتابي موسوعة الطهارة لمسألة بطلان الطهارة بانتهاء مدة المسح، فارجع إليه هناك، فقد أغنى ذكره هناك عن إعادته هنا، ولله الحمد (٤).

стр. 6409

المبحث الرابع بطلان الصلاة بسقوط الجبيرة المدخل إلى المسألة: • الأصل عدم بطلان الطهارة إلا بدليل. • سقوط الجبيرة ليس حدثًا يبطل الطهارة. • التعبد بالمسح، لا في بقاء الممسوح، فإذا مسح فقد حصل المطلوب، كما لو حلق شعره بعد مسحه في الوضوء أو بعد غسله في الجنابة. • من صحت طهارته بدليل شرعي لم تنقض طهارته إلا بدليل شرعي. [م-٧٨٩] اختلف العلماء القائلون بالمسح على الجبيرة في الحكم إذا سقطت الجبيرة في الصلاة. فقيل: إن سقطت الجبيرة قبل البرء، لم يبطل المسح، واستمر في صلاته؛ لأن العذر قائم، والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقيًا. وإن سقطت في الصلاة عن برء، بطل المسح لزوال العذر، فإن كان خارج الصلاة، ولم يكن محدثًا غسل موضع الجبيرة لا غير، وإن كان في الصلاة غسل موضعها، واستأنف الصلاة، ولا يبني، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: إذا سقطت الجبيرة، وهو في صلاة بطلت صلاته مطلقًا، فإن كان سقوطها عن برء غسل ذلك الموضع مباشرة، وإن كان لم يبرأ أعادها، ومسح عليها

стр. 6410

بشرط أن يفعل ذلك عن قرب، فإن تأخر حتى طال الفصل بغير عذر، استأنف الوضوء، وهو مذهب المالكية (١). وقيل: سقوطها مبطل للطهارة مطلقًا، سواء كان سقوطها عن برء أو عن غيره، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: لا تبطل الطهارة مطلقًا، سواء سقطت عن برء، أو عن غيره، وهو اختيار ابن حزم (٤). هذه مجمل أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، ومن أراد الوقوف على أدلة القوم فلينظر بحث هذه المسألة في كتابي موسوعة أحكام الطهارة.
следующие страницы →