← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

وهو مذهب الحنفية والشافعية (١). ومذهب المالكية على نحو مذهب الحنفية والشافعية إلا أنهم لا يقولون بتوقيت مدة المسح، فالمشهور في مذهبهم أن المسح غير مؤقت (٢). لكن لو بطل المسح لتخرق فاحش، أو لنزع خفيه، فإن كان خارج الصلاة غسل رجليه مكانه، وأجزأه، وإن أخر ذلك ابتدأ الوضوء، وإن كان في صلاة بطلت (٣). فرجع قول المالكية إلى قول الحنفية والشافعية، وهو بطلان الصلاة ببطلان المسح في الصلاة. جاء في الفواكه الدواني: «ينتهي حكم المسح بحصول موجب غسل كحيض أو جنابة، وبخرق كبير، وهو قدر ثلث القدم، أو دونه إن انفتح، بحيث يصل البلل إلى الرجل، فيجب عليه نزع خفيه معًا، ويغسل رجليه، ولا يعيد الوضوء، وإن كان في صلاة بطلت» (٤). • وجه وجوب استئناف الصلاة عند الحنفية: أن البناء على ما صلى إنما ورد في الحدث إذا سبقه، وهو على خلاف القياس، فلا يقاس عليه، وانقضاء مدة المسح ليس بحدث، ولا يوجب الوضوء، وإنما

стр. 6407

يوجب غسل القدمين بسبب سابق، فليس داخلًا في المنصوص، ولا في معناه. • وجه الاستئناف عند المالكية: إذا تخرق الخف أو نزع خفه فإن كان خارج الصلاة غسل قدميه، ولا يعيد الوضوء؛ لأن الطهارة لم تبطل ببطلان المسح، فإن أخر ذلك عن فوره عمدًا أعاد الوضوء، وإن كان في صلاة قطعها؛ لأنه لا يمكنه أن يغسل قدميه ويبني؛ لأن البناء على ما صلى إنما ثبت عندهم في غسل الرعاف خاصة، فلا يقاس عليه، وقد سبق ذكر أدلتهم، ومناقشتها في مسألة البناء على الحدث. • وجه الاستئناف عند الشافعية: قال في تحفة المحتاج: «(وإن قصر بأن فرغت مدة خف فيها) فاحتاج لغسل رجليه (بطلت) قطعًا، كحدثه مختارًا» (١). قال الرافعي: «ولا يُخَرَّج على قول سبق الحدث؛ لأنه مقصر بإيقاع الصلاة في الوقت الذي تنقضي مدة المسح في أثنائها، فأشبه المختار في الحدث» (٢). وإذا وقع الحدث مختارًا بطلت صلاته بالإجماع. قال الخطيب: «بطلت قطعًا؛ لتقصيره حيث افتتحها في وقت لا يسعها؛ لأنه حينئذ يحتاج إلى غسل رجليه، أو الوضوء على القولين في ذلك، فلو غسل رجليه في الخف قبل فراغ المدة لم يؤثر؛ لأن مسح الخف يرفع الحدث، فلا تأثير للغسل قبل فراغ المدة، وكذا لو غسلهما بعدها؛ لمضي مدة، وهو محدث، حتى لو وضع رجليه في الماء قبل فراغ المدة واستمر إلى انقضائها لم تصح صلاته؛ لأنه لا بد من حدث ثم يرتفع، وأيضًا لا بد من تجديد نية؛ لأنه حدث لم تشمله نية الوضوء الأول» (٣). وقال في تحرير الفتاوى: «وحمله السبكي على ما إذا دخل ظانًّا بقاء المدة إلى فراغه، فإن قطع بأن المدة تنقضي فيها، قال: فيتجه: عدم انعقادها» (٤).

стр. 6408

وقيل: إذا انتهت مدة المسح بطلت الصلاة لبطلان الطهارة، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (١). وقيل: لا تبطل طهارته بانتهاء مدة المسح، وهو اختيار ابن حزم (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣). وهو الصحيح. وقد تعرضت في كتابي موسوعة الطهارة لمسألة بطلان الطهارة بانتهاء مدة المسح، فارجع إليه هناك، فقد أغنى ذكره هناك عن إعادته هنا، ولله الحمد (٤).

стр. 6409

المبحث الرابع بطلان الصلاة بسقوط الجبيرة المدخل إلى المسألة: • الأصل عدم بطلان الطهارة إلا بدليل. • سقوط الجبيرة ليس حدثًا يبطل الطهارة. • التعبد بالمسح، لا في بقاء الممسوح، فإذا مسح فقد حصل المطلوب، كما لو حلق شعره بعد مسحه في الوضوء أو بعد غسله في الجنابة. • من صحت طهارته بدليل شرعي لم تنقض طهارته إلا بدليل شرعي. [م-٧٨٩] اختلف العلماء القائلون بالمسح على الجبيرة في الحكم إذا سقطت الجبيرة في الصلاة. فقيل: إن سقطت الجبيرة قبل البرء، لم يبطل المسح، واستمر في صلاته؛ لأن العذر قائم، والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقيًا. وإن سقطت في الصلاة عن برء، بطل المسح لزوال العذر، فإن كان خارج الصلاة، ولم يكن محدثًا غسل موضع الجبيرة لا غير، وإن كان في الصلاة غسل موضعها، واستأنف الصلاة، ولا يبني، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: إذا سقطت الجبيرة، وهو في صلاة بطلت صلاته مطلقًا، فإن كان سقوطها عن برء غسل ذلك الموضع مباشرة، وإن كان لم يبرأ أعادها، ومسح عليها

стр. 6410

بشرط أن يفعل ذلك عن قرب، فإن تأخر حتى طال الفصل بغير عذر، استأنف الوضوء، وهو مذهب المالكية (١). وقيل: سقوطها مبطل للطهارة مطلقًا، سواء كان سقوطها عن برء أو عن غيره، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: لا تبطل الطهارة مطلقًا، سواء سقطت عن برء، أو عن غيره، وهو اختيار ابن حزم (٤). هذه مجمل أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، ومن أراد الوقوف على أدلة القوم فلينظر بحث هذه المسألة في كتابي موسوعة أحكام الطهارة.

стр. 6411

المبحث الخامس بطلان الصلاة لانكشاف العورة الفرع الأول في كشف العورة عمدًا في الصلاة المدخل إلى المسألة: • كل ما لا يمكن التحرز عنه أو يشق فهو عفو. • كل يسير فهو عفو إلا يسيرًا نص الشارع على عدم العفو عنه، كتحريم يسير الربا، ويسير الخمر، لقوله ﷺ : (من زاد أو استزاد فقد أربى)، وقوله: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، وقوله: (ويل للأعقاب من النار)، ونحو ذلك. • جاء العفو عن اليسير في الشريعة في أحكام كثيرة مختلفة، كالعفو عن يسير النجاسات، ويسير الغرر، والعمل القليل في الصلاة، وتملك اليسير من اللقطة، فيلحق بها ظهور شيء يسير من العورة في أثناء الصلاة. • اليسير إذا لم يُقَدَّر من الشرع فالمرجع في تقديره إلى العرف. • انكشاف العورة ليس بمنزلة كشفها فرقًا بين العمد وغيره. • ستر العورة من واجبات الصلاة على الصحيح، وترك الواجب لا يبطل الصلاة إما مطلقًا على أحد القولين، أو بشرط ألا يتعمده على القول الآخر. • انكشاف العورة ملحق بالمحظورات على الصحيح، وارتكاب المحظور لا يبطل الصلاة، ما لم يتعمده، كالصلاة في الثوب النجس. [م-٧٩٠] إذا كشف المصلي عورته عمدًا في الصلاة، فاختلف الفقهاء في بطلان الصلاة بكشفها:

стр. 6412

فقال الحنفية: قليل الانكشاف عفو، وبه قال ابن تميم من الحنابلة. على خلاف بين الحنفية في قدر القليل: فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: بما دون الربع من العضو. وقال أبو يوسف: القليل ما كان أقل من النصف، والكثير ما كان أكثر من النصف، وفي النصف له قولان، في القلة والكثرة (١). وقيل: إذا كشف المصلي عورته عمدًا بطلت صلاته مطلقًا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، واختاره بعض الحنفية (٢). وفرق المالكية في المشهور بين العورة المغلظة والمخففة: فالمخففة يتفقون على أن سترها ليس من شروط الصلاة، ولا تبطل الصلاة بكشفها ولو عمدًا، وتستحب لكاشفها إعادة الصلاة في الوقت (٣).

стр. 6413

والأصح في المغلظة أن تعاد الصلاة أبدًا في الوقت وغيره إذا انكشفت عمدًا أو جهلًا أو نسيانًا. ولا إعادة عليه لا بوقت ولا غيره إذا انكشف الفخذ من الرجل ولو عمدًا، وإن كان عورة على المشهور؛ لخفة أمره (١). وإذا أحببت الوقوف على أدلة هذه المسألة فارجع إليها في شروط الصلاة، فقد سبق بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، فالحمد لله على توفيقه (٢).

стр. 6414

الفرع الثاني في بطلان الصلاة لانكشاف العورة من غير قصد المسألة الأولى أن يتمكن من إعادة ساتر العورة في الحال المدخل إلى المسألة: • الأصل عدم بطلان الصلاة إلا بدليل. • العمل الكثير لمصلحة الصلاة لا يبطلها، والأصل فيه حديث ذي اليدين. • انكشاف العورة ليس بمنزلة كشفها فرقًا بين العمد وغيره. • كل ما هو يسير زمنًا أو قدرًا في الشرع فهو معفو عنه ما لم يرد نص بخلاف ذلك؛ لأن الاحتراز من اليسير يشق، فيعفى عنه. [م-٧٩١] ذهب الجمهور إلى أن الريح لو أزاحت ثوبه، فانكشفت عورته فأعادها في الحال بلا عمل كثير، فإن ذلك لا يضره، وبه قال ابن القاسم من المالكية (١). على خلاف بينهم في توجيه الصحة: فالجمهور عللوا الحكم بالصحة؛ لكونه معذورًا، ولأنه انكشاف يسير من غير قصد فكان مَعْفُوًا عنه.

стр. 6415

وعلل ابن قاسم القول بالصحة؛ لكون ستر العورة من سنن الصلاة (١). وإنما اشترط الجمهور ألا يترتب على رد السترة عمل كثير؛ لأن العمل الكثير ينافي الصلاة، فتبطل. وقيل: العمل الكثير في رد السترة لا يبطل الصلاة؛ لأنه لمصلحتها، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢). واعتبر الشافعية الريح قيدًا معتبرًا، فلو كشفه آدمي مميز لضر ذلك صلاته؛ لأن له قصدًا فيبعد إلحاقه بالريح (٣). وقال سحنون: «إذا سقط الساتر بطلت صلاته مطلقًا، وهو المشهور من مذهب المالكية» (٤). جاء في مواهب الجليل: «إن استتر بالقرب فصلاته وصلاتهم فاسدة، وهو قول سحنون .... وقول سحنون هو الجاري على المشهور من أن ستر العورة شرط» (٥). وإذا أحببت الوقوف على أدلة هذه المسألة فارجع إليها في شروط الصلاة، فقد سبق بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، فالحمد لله على توفيقه (٦).

стр. 6416

المسألة الثانية إذا انكشفت عورته ولم يرد الساتر في الحال المدخل إلى المسألة: • ستر العورة من واجبات الصلاة على الصحيح، لا من شروطها، ولا من سننها، وترك الواجب لا يبطل الصلاة إما مطلقًا على أحد القولين، أو بشرط أن لا يتعمده على القول الآخر. • انكشاف العورة ملحق بالمحظورات على الصحيح، وارتكاب المحظور لا يبطل الصلاة ما لم يتعمده بخلاف المأمورات. [م-٧٩٢] إذا لم يرد الساتر عن قرب، قال الجمهور: تبطل صلاته (١). وقال ابن القاسم من المالكية: يعيد الصلاة في الوقت استحبابًا على أصله من أن ستر العورة من سنن الصلاة (٢). جاء في البيان والتحصيل: «وقال ابن القاسم: إن استتر عن قرب فلا شيء عليه، وإن تمادى أعاد في الوقت على أصله من أن ستر العورة من سنن الصلاة، لا من فرائضها» (٣).

стр. 6417

وقال سحنون: «إذا انكشفت عورته المغلظة بطلت صلاته مطلقًا وإن رده في الحال، وهو المشهور من المذهب» (١). فتحصل ثلاثة أقوال: (١) تبطل مطلقًا. (٢) عكسه، لا تبطل مطلقًا. (٣) تبطل في العورة المغلظة. • سبب الخلاف: الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الخلاف في حكم ستر العورة: أهو من شروط الصلاة أم من واجباتها، أم هو فرض من أجل النظر، لا يختص بالصلاة، فإذا أمن النظر فهو ملحق بالسنن. فمن قال: الستر من السنن وهو من مفردات المذهب المالكي، لم يبطل الصلاة مطلقًا، رد الساتر أو تركه. ومن قال: هو من الشروط، فيوجب الإعادة مطلقًا، في الوقت وغيره؛ لتركه رد الساتر مع قدرته على ذلك. ومن قال: ستر العورة من الواجبات، وهو قول في مذهب المالكية، فيتنزل الخلاف في تعمد ترك الواجب، أهو مبطل للصلاة، أم لا؟ فمن الفقهاء من يقول: ترك الواجب في الصلاة لا يبطلها وإنما ينقص من أجرها، كالمالكية والحنفية، وقول في مذهب الحنابلة. وقال الحنابلة: تعمد ترك الواجب فيها يبطلها بخلاف الواجب لها، فلا يبطلها، وسبق البحث في هذه المسألة وذكرت أدلتها، ورجحت أن ترك الواجب فيها لا يبطلها كترك الواجب لها فرقًا بين الشرط والركن وبين الواجب، ولا تلازم بين التحريم والصحة.

стр. 6418

وحديث عمرو بن سلمة: (ألا تغطوا عنا است قارئكم) رواه البخاري (١). يدل على صحة الصلاة مع انكشاف العورة، وسبق مناقشة الحديث والاعتراضات عليه. قال القاضي عبد الوهاب المالكي: «اختلف أصحابنا في ستر العورة في الصلاة، فمنهم من يقول: إنها من شرط صحتها مع الذكر والقدرة، فإن لم يقدر عليها صلى عريانًا، وأجزأته، وكذلك إن نسي، وإن صلى مكشوف العورة عالمًا بأن له ما يسترها، قادرًا على ذلك، فإن صلاته باطلة. ومنهم من يقول: إنها واجبة مفترضة وليست من شرط الصحة، فإن صلى مكشوف العورة عالمًا عامدًا كان عاصيًا آثمًا، إلا أن الفرض قد سقط عنه» (٢). وإذا أحببت الوقوف على أدلة هذه المسألة فارجع إليها في شروط الصلاة، فقد سبق بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، فالحمد لله على توفيقه» (٣).

стр. 6419

المبحث السادس في بطلان الصلاة للشك في دخول الوقت المدخل إلى المسألة: • الشك تساوي الطرفين فإن رجح كان ظنًّا والمرجوح وهم. • كل عبادة تشترط فيها النية الجازمة لا يصح إيقاعها مع الشك؛ للتردد في النية ما لم يكن غلبة ظن. • الأصل عدم دخول الوقت؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. • الأصل بقاء ما كان على ما كان؛ استصحابًا للمتيقن على المشكوك فيه؛ لحديث: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا). • الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط ضرورة، فالشك في الطهارة يوجب الشك في الصلاة، فكذا الشك في سبب الوجوب. • كل مشكوك فيه ملغى في الشريعة، فمن شك في سبب أو شرط لم يرتب عليه حكمًا، ومن شك في طلاق لم تطلق عليه زوجته. • الشك بعد الفراغ من العبادة لا أثر له تقديمًا للظاهر على الأصل، فالأصل عدم الإتيان، والظاهر من أفعال المكلف أن تقع على وجه الكمال. • يصح نية التقرب بالمشكوك فيه إذا كان لا يخرج من العهدة إلا به، فمن شك في عين الصلاة المنسية ولم يمكنه التحري صلى خمس صلوات مع شكه في وجوبها. • إذا شك في مذكَّاة وميتة حرمتا معًا. [م-٧٩٣] إذا صلى وهو يشك في دخول الوقت فعليه الإعادة وإن أصاب، وهو مذهب الأئمة الأربعة، واختيار ابن حزم (١).

стр. 6420

قال خليل في مختصره: «وإن شك في دخول الوقت لم تجز، ولو وقعت فيه» (١). وقال زروق نقلًا من مواهب الجليل: «دخول الوقت شرط في جواز إيقاع الصلاة كوجوبها، فلا يصح إيقاعها إلا بعد تحققه بحيث لا يتردد فيه … » (٢). وقيل: إذا صلى وهو يشك في دخول الوقت، فبان أنه صلى في الوقت أجزأته؛ اعتبارًا بالموجود، وهو وقوع الصلاة في الوقت، اختاره بعض الحنفية، وقول في مذهب المالكية، ويروى عن ابن عباس (٣). وإذا أحببت الوقوف على أدلة المسألة فارجع إليها في كتاب شروط الصلاة، فقد سبق بحثها، ولله الحمد (٤).

стр. 6421

المبحث السابع في بطلان الصلاة بترك التوجه إلى القبلة الفرع الأول في ترك التوجه نسيانًا المدخل إلى المسألة: • النسيان عذر يسقط به الإثم بالاتفاق. • إذا صحت صلاة المخطئ في القبلة، صحت صلاة الناسي لها؛ لأن النسيان قرين الخطأ في الأحكام. • لا يصح قياس نسيان القبلة على نسيان الحدث؛ بجامع أن كلًّا منهما من المأمورات التي لا تسقط بالنسيان؛ لأ ن من ظن بقاء طهارته، فصلى محدثًا وجبت عليه إعادة الصلاة، ومن تحرى القبلة، فصلى، فتبين أنه مخطئ لم يُعِدْ. • الأركان لا تسقط بالنسيان قولًا واحدًا، والشروط المجمع على شرطيتها، إن كان من جنس المأمورات لا يسقط بالنسيان، كالطهارة من الحدث، وما تنازع الناس في سقوطه بالنسيان من هذه الشروط راجع إلى ضعف مأخذ الشرطية. • من صلى ناسيًا إلى غير القبلة يندب له الإعادة، ولا تجب، وهو من سقوط الوجوب بالنسيان عند المالكية (١). [م-٧٩٤] إذا صلى المصلي إلى غير القبلة متعمدًا بطلت صلاته، وحكي إجماعًا، قال خليل في مختصره: «وإن صادف»: أي وإن صادف القبلة. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه

стр. 6422

نحوها في صلاتهم هي الكعبة البيت الحرام بمكة، وأنه فرض على كل من شاهدها وعاينها استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها، وهو معاين لها، أو عالم بجهتها، فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى … » (١). وقد حكى الإجماع أيضًا الكاساني في البدائع (٢)، وابن حزم في مراتب الإجماع (٣)، وابن قدامة (٤). [م- ٧٩٥] واختلفوا في الرجل يصلي إلى غير القبلة ناسيًا. فقيل: الاستقبال لا يسقط بالنسيان (٥)، فإن صلى الفرض ناسيًا أعاد أبدًا، وهذا مذهب الجمهور (٦)، وشهره ابن الحاجب من المالكية، واختاره ابن حزم (٧). جاء في حاشية الجمل: «التوجه شرط، فلا يسقط بجهل، ولا غفلة، ولا إكراه، ولا نسيان، فلو استدبر ناسيًا، وعاد عن قرب لم يضر» (٨).

стр. 6423

وقال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: «شروط الصلاة لا تسقط بالنسيان» (١). وقيل: يسقط الاستقبال بالنسيان مطلقًا، ولو طال الفصل، وهو وجه في مقابل الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: إن صلى ناسيًا بغير مكة، ولم يتذكر إلا بعد الفراغ منها أعاد في الوقت استحبابًا، وإن تبين له الخطأ وهو فيها بطلت، وأعاد أبدًا، وشهره ابن رشد من المالكية (٣). قال ابن رشد: «وقد اختلف فيمن صلى إلى غير القبلة مستدبرًا لها، أو مُشَرِّقًا، أو مُغَرِّبًا عنها، ناسيًا، أو مجتهدًا، فلم يعلم حتى فرغ من الصلاة، فالمشهور في المذهب، أنه يعيد في الوقت .... » (٤). وقال الدسوقي: «ومحله أيضًا إذا تبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة … وأما لو تبين فيها فإنها تبطل، ويعيد أبدًا قولًا واحدًا» (٥). والخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة راجع لاختلافهم في توصيف الاستقبال، فقيل: الاستقبال ركن، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية. وقيل: واجب مع الذكر، وهو مقتضى مذهب المالكية القائلين باستحباب الإعادة في الوقت في أحد القولين. وقيل: شرط، وهو مذهب الجمهور. والقائلون بالشرطية اختلفوا: فقيل: شرط مع القدرة، فلا يسقط بالنسيان.

стр. 6424

وقيل: شرط بشرط القدرة والتذكر. وعلى القول بالشرطية فالفقهاء مختلفون في ترك الشروط نسيانًا، هل يوجب الإعادة؟ فقيل: يوجب الإعادة مطلقًا، في المأمورات والمنهيات. وقيل: يوجب الإعادة ما كان منها من جنس المأمورات، بخلاف المنهيات فيعذر فيها بالنسيان، كحديث أبي سعيد في خلع النبي ﷺ نعليه، وهو في الصلاة حين أخبره جبريل أن بهما أذى، وبنى على صلاته. وبعضهم يفرق بين الواجبات، فما كان مأخذ الوجوب منها قويًّا أوجب الإعادة أبدًا، وما كان مأخذ الوجوب ضعيفًا لم يوجب الإعادة، وربما أوجب الإعادة في الوقت. وقد تجَلَّت لنا أدلة هذه الأقوال ضمن خلاف الفقهاء في حكم استقبال القبلة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، فارجع إليه إن شئت. والراجح أن الاستقبال واجب مع القدرة، ويسقط بالعجز، والخوف، والنسيان، فإذا صحت صلاة المخطئ في القبلة، صحت صلاة ناسي القبلة، ولا يصح قياس نسيان القبلة على نسيان الحدث؛ بجامع أن كُلًّا منهما من المأمورات، فلا تسقط بالنسيان؛ لأن من ظن بقاء طهارته، فصلى، فتبين أنه محدث وجبت عليه إعادة الصلاة، ومن تحرَّى القبلة، فصلى، فتبين أنه مخطئ لم يُعِدْ. وهل سقوطه بالخطأ والنسيان يلحقه بالواجبات، أم هو من الشروط التي تسقط بالخطأ والنسيان، هذا محل اجتهاد، وليس في المسألة نص قاطع، ولعل الأقرب إلحاقه بالواجبات، والله أعلم. وإذا أحببت الوقوف على أدلة هذه المسألة، فانظرها في شروط الصلاة، فقد ذكرتها هناك، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا (١).

стр. 6425

الفرع الثاني في بطلان الصلاة بترك التوجه للقبلة خوفًا أو عجزًا المدخل إلى المسألة: • قبلة الخائف جهة أمنه حيثما كان وجهه، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وحذف المتعلق ليَعُمَّ، فيشمل الخوف حال القتال، ومن اللصوص وقطاع الطرق، ومن السباع، ومن تفويت ما يخاف تفويته. • الصلاة هي الغاية، والشروط بمنزلة الوسيلة لها، فلا تترك الغاية بالعجز عن تحصيل الوسيلة. • لا فرق في سقوط الاستقبال بالخوف بين الفرض والنفل، وهذا بالاتفاق. • إذا سقط الاستقبال بالعجز أو بالخوف انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة إذا قدر. [م-٧٩٦] اتفق الفقهاء على أن الخوف عذر يسقط به استقبال القبلة في صلاة الفرض والنفل، فإذا خاف على نفسه، أو على ماله، أو خاف من سبع صلى حيث كانت وجهته، راجلًا وراكبًا (١). واختلفوا في وجوب الإعادة: فقيل: لا يعيد أبدًا، وهو مذهب الحنفية والأصح عند الحنابلة (٢).

стр. 6426

لأن قبلة الخائف جهة أمنه، ولأن التوجه شرط في حال الإمكان، وأما في حال الخوف فهو غير مكلف، فجاز أن يتوجه إلى الجهة التي هو سائر فيها، لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال في البحر الرائق: «والخائف يصلي إلى أي جهة قدر؛ لأن الاستقبال شرط زائد يسقط عند العجز» (١). وقيل: تجب الإعادة أبدًا، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٢). وقيل: تستحب الإعادة في الوقت إن خاف من لِصٍّ أو سبعٍ، وهذا مذهب المالكية (٣). ومثل الخائف العاجز، كما لو كان مربوطًا إلى غير القبلة، أو مريضًا وليس عنده من يديره إلى القبلة (٤). واختلفوا في المسايفة (الالتحام بالقتال):

стр. 6427

فقيل: يصلي، ويسقط الاستقبال، ولا يعيد إذا أمن، وبه قال المالكية والحنابلة، والأصح عند الشافعية (١). وقيل: يصلي حال المسايفة، ويعيدها بعد ذلك، اختاره العراقيون من الشافعية، وحكوه عن ظاهر نص الشافعي (٢). وقال الحنفية: لا يصلي أحد حال المسايفة (٣). وإذا أحببت الوقوف على أدلة هذه المسألة، فانظرها في شروط الصلاة، فقد ذكرتها هناك، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا (٤).

стр. 6428

الفرع الثالث في بطلان الصلاة لترك التوجه إلى القبلة جهلًا المدخل إلى المسألة: • من صلى إلى غير القبلة من غير تعمد لم تبطل صلاته بذلك، ولا إعادة عليه؛ لانصراف النبي ﷺ عن القبلة في قصة سهوه ﵊، وبنائه على صلاته. • إذا صحت صلاة المخطئ في القبلة، صحت صلاة الجاهل؛ بجامع عدم التعمد في كل منهما، فالخطأ جنس يشمل الخطأ في الاجتهاد في تعيين القبلة، والخطأ في معرفة حكم القبلة، ويقابل الخطأ ترك القبلة عمدًا. • لا يصح قياس ترك القبلة جهلًا على نسيان الحدث؛ بجامع أن كُلًّا منهما من المأمورات التي لا تسقط بالنسيان؛ فلا تسقط بالجهل؛ لأن من ظن بقاء طهارته، فصلى محدثًا وجبت عليه إعادة الصلاة، ومن تحرى القبلة، فصلى، فتبين أنه مخطئ لم يعد. • الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها. • كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لا يكلف الإعادة، وهو حكم وضعي، فإن كان يمكنه التعلم فقصر استحق الإثم، وهو حكم تكليفي، ولا تلازم بينهما. [م-٧٩٧] اختلف الفقهاء في ترك التوجه للقبلة جهلًا في وجوب الاستقبال، أيعتبر عذرًا في صحة الصلاة، أم يجب عليه إعادة الصلاة أبدًا؟ فقيل: الجهل بوجوب الاستقبال ليس عذرًا، وهو قول الجمهور (١).

стр. 6429

قال ابن رشد: «إن صلى لغير القبلة جهلًا بوجوب استقبالها أعاد أبدًا اتفاقًا» (١). جاء في حاشية الجمل: «التوجه شرط، فلا يسقط بجهل، ولا غفلة، ولا إكراه، ولا نسيان، فلو استدبر ناسيًا، وعاد عن قرب لم يضر» (٢). وقد نص الحنابلة على أن شروط الصلاة لا تسقط عمدًا، ولا سهوًا، ولا جهلًا (٣). وقيل: يسقط الاستقبال بالجهل (٤). قال ابن تيمية: «وأما من لم يعلم الوجوب فإذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها، ولا إعادة عليه، كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال للأعرابي المسيء في صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصل … ) وقد أمره بإعادة صلاة الوقت، ولم يأمره بإعادة ما مضى من الصلاة مع قوله: (لا أحسن غير هذا). وكذلك لم يأمر عمر وعمارًا بقضاء الصلاة، وعمر لما أجنب لم يُصَلِّ، وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة، ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة، وهو جنب، ولم يأمر المستحاضة أن تقضي ما تركت مع قولها: (إني أستحاض حيضة شديدة منعتني الصوم والصلاة … )» (٥). إلخ كلامه ﵀. وقال ابن تيمية في موضع آخر: «وما ترك لجهله بالواجب، مثل من كان يصلي بلا طمأنينة، ولا يعلم أنها واجبة، فهذا قد اختلفوا فيه: هل عليه الإعادة بعد خروج الوقت أو لا؟ على قولين معروفين، وهما قولان في مذهب أحمد وغيره، والصحيح أن مثل هذا لا إعادة عليه؛ ثم استشهد بأدلته السابقة على صحة ما ذهب إليه» (٦).

стр. 6430

• سبب الخلاف: هذه المسألة فرد من مسائل كثيرة تنازع الفقهاء فيها، ويرجع الخلاف فيها لاختلافهم في اعتبار الجهل عذرًا تسقط به الأحكام: فمنهم من يعتبر الجهل عذرًا مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، وبه يأخذ ابن تيمية: وقد نقل ابن مفلح في الفروع عن شيخه ابن تيمية: أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأن كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لم يكلف الإعادة، ومثل له بمن ترك التيمم لعدم الماء؛ لظنه عدم الصحة به، أو أكل حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود؛ لظنه ذلك، أو لم تصلي مستحاضة ونحوه، قال: «والأصح لا قضاء، ولا إثم؛ للعفو عن الخطأ والنسيان، ومعناه: ولم يقصر، وإلا أثم، وكذا لو عامل بربًا، أو أنكح فاسدًا، ثم تبين له التحريم ونحوه» (١). ومنهم من لا يرى الجهل والنسيان عذرًا مطلقًا في شروط الصلاة. ومنهم من يقسم الشروط إلى قسمين: ما كان من قسم المنهيات فهذه تسقط بالجهل والنسيان، كمن صلى وثوبه نجس ناسيًا أو جاهلًا فصلاته صحيحة. وما كان من قسم المأمورات فإنها تسقط بالجهل، ولا تسقط بالنسيان، فالمستحاضة التي تركت الصلاة جهلًا منها لم تؤمر بالإعادة، ولو ترك المكلف الصلاة نسيانًا لم تسقط عنه الصلاة، فثبت الفرق بين الجهل والنسيان. ومنهم من يفرق بين من يمكنه التعلم، فيفرط في طلبه فيكلف الإعادة؛ لأن مثله ليس محلًّا للتخفيف فلا يعذر، وبين من لا يمكنه العلم، كحديث عهد بالإسلام، وكذا من نشأ في دار حرب، أو في بادية بعيدة عن أهل العلم، فمثله يعذر. ومنهم من يرى الجهل ليس بعذر مطلقًا بخلاف النسيان؛ فالنسيان لا ينفك عنه البشر حتى الأنبياء، وأما الجهل فهو متسبب به؛ يلام عليه، وقد كان عليه أن

стр. 6431

يتعلم، فلم يفعل. ولو أنهم عكسوا لكان أولى لهم؛ ذلك أن التكليف يناط بالعلم، ومع الجهل لا تكليف، وكونه قد يأثم لتقصيره في طلب العلم هذا منفك عن وجوب الإعادة، وأما الناسي فهو وإن اعتبر عذرًا حال النسيان إلا أنه لا يرفع أهلية التكليف كالنوم، ولذلك لو أتت الصلاة على الناسي والنائم من دخول الوقت إلى خروجه لم تسقط عنه الصلاة بحجة النوم والنسيان، ويجب عليه الصلاة إذا تذكر أو استيقظ، وهذا دليل على أهلية تكليفه. ومنهم من يعتبر الجهل ليس عذرًا ما دام في وقت العبادة، فإذا خرج الوقت لم يكلف الإعادة، ولهذا قال النبي ﷺ للرجل الذي أساء في صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصلِّ)، ومع النفي الصريح بأنه لم يصل، فلم يطلب منه الإعادة إلا للصلاة الحاضرة. انظر: أدلة هذه المسألة في الرجل يتكلم جاهلًا، فقد ذكرت أدلتها في هذا المجلد، فلله الحمد.

стр. 6432

المبحث الثامن في بطلان الصلاة برفض شرط من شروطها الفرع الأول في بطلان الصلاة برفض النية المدخل إلى المسألة: • يجب استصحاب حكم نية الصلاة من أول العبادة إلى آخرها، وهذا بالاتفاق، فإذا قطع نية العبادة في أثناء الصلاة بطلت؛ لانقطاع النية المستصحبة. •إذا قطع الرجل نيته في العبادة فإن خرج منها بطلت لعدم إتمامها، وإن أتمها بغير نية الامتثال الشرعي لم يَأْتِ بها على الأمر المشروع، كما لو أتم الوضوء بنية التبرد. • إذا فرغ المكلف من العبادة على الوجه المأمور به شرعًا سقط عنه التكليف بفعله، فمن ادعى أن التكليف يرجع مرة أخرى بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل. [م-٧٩٨] المصلي لا يدخل في الصلاة إلا بنية الصلاة، وهذا بالإجماع، فإذا دخل في الصلاة فهو يستصحب حكمها في جميع أفعال الصلاة؛ لأن كل عمل اشترط لصحته النية الفعلية اشترط لاستمراره على الصحة استصحاب حكمها (النية الحكمية)، وهذا بالاتفاق، فإذا نوى قطع النية، فهل تبطل الصلاة بمجرد القصد إلى إبطالها، أم لا يكفي رفض النية لإبطال الصلاة حتى يتلفظ بالإبطال؟ وهل يختلف الحكم برفض الصلاة إذا وقع بعد الفراغ منها؟ وللجواب على ذلك نقول: إن كان قطع نية الصلاة على ظن أنه قد أتمها، فهذا لا يفسدها إذا تبين أنها لم تتم، وله أن يبني عليها، ولا يلزمه الاستئناف (١).

стр. 6433

وهنا نقاش في تسمية مثل ذلك قطعًا، فالمصلي لم يَنْوِ القطع. وأما إذا نوى القطع، وهو يعلم، فاختلف الفقهاء في أثر تلك النية على فساد الصلاة: فقال الحنفية: «إن نوى قطع الصلاة لم تبطل، وكذا سائر العبادات، إلا إذا كبر في الصلاة بنية الدخول في أخرى، فالتكبير هو القاطع للأولى، لا مجرد النية» (١). وعليه فهم يشترطون لإبطال الصلاة التلفظ بإبطالها، لا بمجرد النية. وقال الجمهور: «إن نوى قطع الصلاة في أثناء العبادة بطلت، وبعد الفراغ منها لا تأثير لرفض النية» (٢). وذهب بعض المالكية إلى إبطال بعض العبادات برفض النية ولو بعد الفراغ منها، ومنها الصلاة (٣). فتحصَّل من الخلاف في إبطال الصلاة بقطع النية ثلاثة أقوال: - لا تبطل مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية. - تبطل مطلقًا، اختاره بعض المالكية. - تبطل إن قطعها في أثناء العبادة، ولا تبطل بعد الفراغ منها، وهذا قول الجمهور. قال الدردير: «وبطلت الصلاة برفضها: أي بنية إبطالها، وإلغاء ما فعله منها».

стр. 6434

وقال عبد الحق الصقلي في النكت والفروق: «قال غير واحد من شيوخنا: من رفض صلاته أو رفض صومه كان رافضًا، بخلاف من رفض إحرامه أو رفض وضوءه بعد كماله، أو في خلاله. والفرق بين ذلك: أن الفرض في الصوم الإمساك فيه، فإذا رفض الإمساك الشرعي المخاطب به، وأتى بنية الفطر، فقد حصل منه ضد ما خوطب به من الإمساك، فبطل صومه، والصلاة أيضًا إنما سبيل اتصال عملها على ما أوجبه الشرع، فإذا رفضها، ونوى تركها حتى استقر في نفسه أنه يتحدث أو يمشي، أو يأكل متى شاء، وتمادى على أنه في غير عمل من الصلاة فقد حصل منه ما ليس من سنة الصلاة، ولا بسبيلها. وأما من رفض وضوءه بعد كماله فلا يؤثر؛ لأن حكم الحدث قد ارتفع بطهارته، ورفضه هذا ليس بحدث دخل عليه فلا يلتفت إليه، وكذلك إذا رفض الوضوء، وهو لم يكمله؛ لأن ما غسل من أعضاء وضوئه قد ارتفع عنه حكم الحدث، فلا أثر لرفضه إياه إذا عاد، فأكمل وضوءه بالقرب» (١). وهذا فرع عن القول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو على وجه الاستقلال، وأما من قال: إن الحدث لا يرتفع إلا مرة واحدة وذلك بكمال الوضوء، فرفض النية يقطع الوضوء، والله أعلم. وانظر: أدلة الأقوال في هذه المسألة في شروط الصلاة من هذا الكتاب، فقد تعرضت لأحكام النية، ومنها قطع النية، فلله الحمد (٢).

стр. 6435

الفرع الثاني في بطلان الصلاة برفض الطهارة المدخل إلى المسألة: • الحدث إذا ارتفع لا يعود إلا بوجود سببه كالنوم، والبول، والجماع، ورفع النية ليس حدثًا، فقطع النية لا يبطل الطهارة. • هناك فرق بين رفض الوضوء ونقضه: فالنقض تجدد موجب جديد للطهارة، من بول، أو نوم، أو وطء، وهذا مبطل بالإجماع، بخلاف الرفض فإنه رفع له بعد وقوعه بلا ناقض طارئ. • القول بتفريق النية على أعضاء الوضوء لا يعرف له أصل من الكتاب أو السنة، أو من كلام الصحابة، وإن قال به بعض المحققين. • كل عبادة تشترط لها الطهارة يشترط لها كمالها، فلا يجوز مس المصحف حتى يكمل الطهارة، وهو دليل على أن الحدث لا يرتفع عن كل عضو بانفراده حتى يقال: رفض الوضوء لا يسري على ما سبق منه، قياسًا على الرفض بعد الفراغ. [م-٧٩٩] بطلان الصلاة بقطع نية الطهارة لا يتنزل إلا على قول من يرى أن رفض الطهارة بعد الفراغ منها يبطلها، وأما على القول بأن رفض الطهارة بعد كمالها لا يبطلها، فلا يتصور بطلان الصلاة برفض الطهارة. وقد اختلف الفقهاء في رفض الطهارة أثناء الوضوء، وبعد الفراغ منه على النحو التالي: فقيل: رفض الطهارة لا يضر سواء أكان بعد كمال الوضوء، أم في أثنائه بشرط أن يرجع عن قرب، ويكمل الطهارة بنية رفع الحدث، فإن طال الفصل، أو أكمله بنية أخرى كنية التبرد، أو النظافة بطل قولًا واحدًا. وهذا هو قول ابن القاسم، وهو المعتمد في المذهب عند المالكية، واستظهره ابن رشد

стр. 6436

في البيان والتحصيل، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية ورواية عن أحمد (١). وقيل: رفض الطهارة مبطل مطلقًا، سواء أكان بعد كمال الوضوء، أم في أثنائه، صرح به القرافي، ونقله عن العبدي، وحكاه الصيدلاني من الشافعية، وهو أحد القولين في مذهب الحنابلة (٢). وروى أشهب عن مالك: أن رفض نية الوضوء يبطله؛ تخريجًا على قول مالك: من تصنَّع للنوم فعليه الوضوء، وإن لم ينم. قال الشيخ أبو إسحاق: هذا يدل

стр. 6437

على أن رفض الوضوء يصح (١). وقيل: رفض النية في أثناء الوضوء يبطلها، وبعد الفراغ لا يؤثر، وهو أحد الأقوال في مذهب المالكية، حكاه صاحب الطراز، وقال ابن ناجي: «وعليه أكثر الشيوخ»، وهو وجه عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢). وقيل: قطع نية الوضوء في أثناء الطهارة يبطله، إلا أن يفرد كل عضو بنية مستقلة، بأن يقصد غسله في وضوئه، فإذا قطع الوضوء لم يبطل ما غسله بالفسخ، وبعد الفراغ من الوضوء لا تأثير لرفض النية، اختار هذا التفصيل ابن تيمية من الحنابلة. قال ابن تيمية في شرح العمدة: «أن لا يفسخها بأن ينوي قطع الوضوء … فإن فسخها بطلت في أقوى الوجهين، كما تبطل الصلاة والصيام، فإن أفرد كل عضو بنيته بأن يقصد غسله في وضوئه جاز، ولم يبطل ما غسله بالفسخ، كما لو نوى

стр. 6438

إبطالها بعد فراغها في الصحيح المشهور» (١). فتحصل أربعة أقوال في رفض نية الطهارة: لا يبطل مطلقًا. يبطل مطلقًا. يبطل الوضوء في أثناء الفعل، ولا يبطل بعد الفراغ منه. إن فرق النية على أعضاء الوضوء لم يبطل في أثنائه وإلا بطل، ولا يبطل بعد الفراغ منه. • الراجح: أن النية ينتهي التكليف بها إذا أدى العبادة، وهو مستصحب لحكمها، وإذا فرغ من العبادة فقد فرغ من نيتها، فلا يتصور إبطال النية بالقطع، وهو ليس متلبسًا بها، والله أعلم. وانظر: أدلة الأقوال في هذه المسألة في شروط الصلاة من هذا الكتاب، فقد تعرضت لأحكام النية، ومنها قطع نية الطهارة، فلله الحمد (٢).

стр. 6439

الفرع الثالث في بطلان الصلاة من أجل وقوع التردد في قطعها المدخل إلى المسألة: • الأصل بقاء النية، وقد دخل في الصلاة بنية متيقنة، فلا يخرج منها بالتردد والشك كسائر العبادات. • إبطال الصلاة بالتردد حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ولا دليل على إبطال النية بالتردد. • قطع النية مفسد للصلاة، والتردد في القطع كالتردد في فعل المحظور لا يفسد الصلاة حتى يفعله. [م-٧٩٠] اختلف العلماء في التردد في قطع نية الصلاة: فقال الحنفية: لا يقطع الصلاة؛ لأن قطع النية لا يبطل الصلاة عندهم، فالتردد في القطع من باب أولى (١). وإن اعتبر الحنفية أن التردد ينافي الجزم في غير قطع النية. فقالوا في من اشترى خادمًا للخدمة، أو فرسًا للركوب، أو بيتًا للسكنى، وهو ينوي إن أصاب ربحًا باعه: لا زكاة عليه؛ للتردد في نية التجارة. وقالوا أيضًا: لو نوى في يوم الشك: إن كان من شعبان فليس بصائم، وإن كان من رمضان كان صائمًا لم تصح نيته للتردد في أصل النية، وأما لو تردد في الوصف،

стр. 6440

بأن نوى: إن كان من شعبان فسيصوم نفلًا، وإن كان رمضان ففرضًا، صحت نيته؛ لأن أصل الصوم لا تردد فيه (١). وأما الخلاف عند غير الحنفية، فكالتالي: فقيل: تبطل صلاته بالتردد بالخروج منها، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢). قال النووي: «الإسلام والصلاة يبطلان بنية الخروج منهما، وبالتردد في أنه يخرج أم يبقى، وهذا لا خلاف فيه … » (٣). قال إمام الحرمين: «ولم أر فيه خلافًا» (٤). ولا أثر لعرض التردد في البال كما يجري للموسوس (٥). وقيل: لا تبطل، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٦). قال المرداوي في تصحيح الفروع: «إذا تردد في قطع النية، فهل تبطل أم لا؟ … الوجه الثاني: لا تبطل، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختاره ابن حامد … » (٧).

стр. 6441

• والراجح: أن التردد لا يبطل الصلاة حتى يعزم على القطع، والله أعلم، وقد تعرضت لهذه المسألة في مباحث شروط الصلاة، وذكرت فيها الأدلة، فارجع إليها إن شئت.

стр. 6442

المبحث التاسع في بطلان الصلاة إذا طرأ شك في نيتها المدخل إلى المسألة: • النية إذا ثبتت لا يزيلها الشك، وإذا شك في ثبوتها فالأصل عدم الثبوت. • دخوله في الصلاة دليل على وجود النية؛ فالظاهر أنه لا يصلي إلا بنية. • إذا شك في نية الصلاة بعد دخوله في الصلاة فهو من باب تعارض الأصل والظاهر، فالأصل أنه لم يَنْوِ حتى يتيقن أنه قد فعل، والظاهر: أن دخوله في الصلاة لا يكون إلا بنية. • إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما؛ فقد يترجح الظاهر في بعض المسائل، وقد يقدم الأصل، وقد يستويان في القوة. • الظاهر هنا أقوى من الأصل؛ لأن الأخذ بالأصل يفضي إلى الخروج من الصلاة بمجرد الشك، والله أعلم. [م-٧٩١] الشك في النية في الصلاة يقع على حالين: الحال الأولى: الشك في أصل النية، هل نوى أم لم يَنْوِ، وله صورتان. الصورة الأولى: أن يستمر معه الشك، فهذا يبطل الصلاة، إلا أن يكون الشك صادرًا من مبتلًى بالوساوس (١).

стр. 6443

وقال ابن تيمية: «يحرم خروجه لشكه في النية؛ للعلم بأنه ما دخل إلا بالنية، وكشكه هل أحدث» (١). وقال ابن حامد الحنبلي: «لا تبطل الصلاة بالشك بالنية، ويستمر في صلاته؛ لأن الشك لا يزيل حكم النية؛ بدليل أنه لو تذكر أنه قد نوى قبل أن يحدث عملًا فإنه يبني، ولو زال حكم النية بالشك لبطلت الصلاة، كما لو نوى قطعها» (٢). فهذا القول يتفق مع ابن تيمية، فهو يرى أن الشك لا يزيل حكم النية. الصورة الثانية: أن يتذكر أنه نوى قبل أن يخرج من صلاته. فإن قصر زمن الشك، ولم يعمل عملًا لم تبطل صلاته. قال النووي: بلا خلاف (٣). وإن طال زمن الشك، ولم يعمل عملًا ففي بطلان صلاته خلاف: فقيل: تبطل، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤). وقيل: لا تبطل؛ وهو وجه في مذهب الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة (٥). وقيل: إن عمل عملًا فعليًّا أو قوليًّا بطلت، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦). وقيل: إن كان العمل فعليًّا بطلت، وإن كان قوليًّا كما لو قرأ الفاتحة حال الشك لم يكن محسوبًا، ولم تبطل به صلاته، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، اختاره الغزالي، وبه قال بعض الحنابلة (٧).

стр. 6444

الحال الثانية: الشك في نية التعيين: فمنها: لو شك هل أحرم بظهر أم بعصر؟ هذه المسألة لا يختلف التفصيل فيها عند الشافعية والحنابلة عن المسألة، السابقة، فالشك في التعيين حكمه حكم ما لو شك في أصل النية، وهو الأصح عند الشافعية ومذهب الحنابلة (١). قال الماوردي: «لو شك هل نوى ظهرًا أو عصرًا، لم يجزه عن واحد منهما حتى يتيقنها، فإن تيقنها بعد الشك فعلى ما مضى من التقسيم والجواب» (٢). يقصد التقسيم والجواب في الشك في أصل النية، وقد تقدم لك التفصيل في حكم الشك في أصل النية. وقيل: يتمها نفلًا، وهو قول في مذهب الحنابلة. قال في الفروع: «وقيل يتمها نفلًا كشكه: هل أحرم بفرض أو نفل؟» (٣). ومنها: لو شك هل نوى التطوع أو الفرض؟ فقيل: ينعقد نفلًا، وهو مذهب المالكية، ونص عليه الإمام أحمد، وقال المجد ابن تيمية: الصحيح بطلان فرضه (٤). لأن الفرضية لا تثبت بالشك، وإذا بطلت الفرضية بقي مطلق الصلاة، فتكون نافلة. وقيل: يتمها نفلًا إلا أن يذكر أنه نوى الفرض قبل أن يحدث عملًا، فيبني عليه، نص عليه في الإقناع، واختاره ابن قدامة في المغني (٥). فرجع تفصيل القول فيها إلى الشك في أصل النية، وقد تقدم. ومنها: لو شك مسافر، هل نوى القصر أم الإتمام؟ وجب عليه الإتمام. قال

стр. 6445

المالكية: ويعيد في الوقت (١). لأن الأصل الإتمام، وعدم نية القصر. قال الشافعية والحنابلة: ولو زال الشك وتيقن أنه نوى القصر لم يكن له القصر؛ لأنه قد وجب عليه الإتمام بنفس الشك، بخلاف ما لو شك في أصل النية، وتذكر على القرب حيث تصح صلاته، ولا يكون ذلك قادحًا. وقال المجد ابن تيمية: «ينبغي عندي أن يقال فيه من التفصيل ما يقال فيمن شك، هل أحرم بفرض أو نفل؟» (٢). يعني بالتفصيل: أنه إن تذكر قبل أن يحدث عملًا بنى عليه، أو انقلب نفلًا. وعند أبي حنيفة: لا حاجة إلى نية القصر بناء على أنه عزيمة (٣). واختار بعض المالكية أنه يجوز أن يدخل بالصلاة على أنه بالخيار بين القصر والإتمام؛ لأن نية عدد الركعات في الصلاة لا تلزم (٤). وأرى والله أعلم أن هذه المسائل المختلفة يجب أن ترجع إلى قول واحد، وهو أثر الشك في الصلاة: فإذا استمر المصلي على الشك، فإن كان في أصل النية، بطلت الصلاة، وإن كان في التعيين انقلبت نفلًا. وإن تذكر قبل أن يحدث عملًا في الصلاة بنى عليه، وإن لم يتذكر إلا بعد أن أحدث عملًا رجع إلى الخلاف السابق، فإن كان في أصل النية بطلت الصلاة، وإن
следующие страницы →