• والراجح: أن التردد لا يبطل الصلاة حتى يعزم على القطع، والله أعلم، وقد تعرضت لهذه المسألة في مباحث شروط الصلاة، وذكرت فيها الأدلة، فارجع إليها إن شئت.
стр. 6442
المبحث التاسع في بطلان الصلاة إذا طرأ شك في نيتها
المدخل إلى المسألة:
• النية إذا ثبتت لا يزيلها الشك، وإذا شك في ثبوتها فالأصل عدم الثبوت.
• دخوله في الصلاة دليل على وجود النية؛ فالظاهر أنه لا يصلي إلا بنية.
• إذا شك في نية الصلاة بعد دخوله في الصلاة فهو من باب تعارض الأصل والظاهر، فالأصل أنه لم يَنْوِ حتى يتيقن أنه قد فعل، والظاهر: أن دخوله في الصلاة لا يكون إلا بنية.
• إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما؛ فقد يترجح الظاهر في بعض المسائل، وقد يقدم الأصل، وقد يستويان في القوة.
• الظاهر هنا أقوى من الأصل؛ لأن الأخذ بالأصل يفضي إلى الخروج من الصلاة بمجرد الشك، والله أعلم.
[م-٧٩١] الشك في النية في الصلاة يقع على حالين:
الحال الأولى: الشك في أصل النية، هل نوى أم لم يَنْوِ، وله صورتان.
الصورة الأولى: أن يستمر معه الشك، فهذا يبطل الصلاة، إلا أن يكون الشك صادرًا من مبتلًى بالوساوس (١).
стр. 6443
وقال ابن تيمية: «يحرم خروجه لشكه في النية؛ للعلم بأنه ما دخل إلا بالنية، وكشكه هل أحدث» (١).
وقال ابن حامد الحنبلي: «لا تبطل الصلاة بالشك بالنية، ويستمر في صلاته؛ لأن الشك لا يزيل حكم النية؛ بدليل أنه لو تذكر أنه قد نوى قبل أن يحدث عملًا فإنه يبني، ولو زال حكم النية بالشك لبطلت الصلاة، كما لو نوى قطعها» (٢).
فهذا القول يتفق مع ابن تيمية، فهو يرى أن الشك لا يزيل حكم النية.
الصورة الثانية: أن يتذكر أنه نوى قبل أن يخرج من صلاته.
فإن قصر زمن الشك، ولم يعمل عملًا لم تبطل صلاته. قال النووي: بلا خلاف (٣).
وإن طال زمن الشك، ولم يعمل عملًا ففي بطلان صلاته خلاف:
فقيل: تبطل، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: لا تبطل؛ وهو وجه في مذهب الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: إن عمل عملًا فعليًّا أو قوليًّا بطلت، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦).
وقيل: إن كان العمل فعليًّا بطلت، وإن كان قوليًّا كما لو قرأ الفاتحة حال الشك لم يكن محسوبًا، ولم تبطل به صلاته، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، اختاره الغزالي، وبه قال بعض الحنابلة (٧).
стр. 6444
الحال الثانية: الشك في نية التعيين:
فمنها: لو شك هل أحرم بظهر أم بعصر؟
هذه المسألة لا يختلف التفصيل فيها عند الشافعية والحنابلة عن المسألة، السابقة، فالشك في التعيين حكمه حكم ما لو شك في أصل النية، وهو الأصح عند الشافعية ومذهب الحنابلة (١).
قال الماوردي: «لو شك هل نوى ظهرًا أو عصرًا، لم يجزه عن واحد منهما حتى يتيقنها، فإن تيقنها بعد الشك فعلى ما مضى من التقسيم والجواب» (٢).
يقصد التقسيم والجواب في الشك في أصل النية، وقد تقدم لك التفصيل في حكم الشك في أصل النية.
وقيل: يتمها نفلًا، وهو قول في مذهب الحنابلة.
قال في الفروع: «وقيل يتمها نفلًا كشكه: هل أحرم بفرض أو نفل؟» (٣).
ومنها: لو شك هل نوى التطوع أو الفرض؟
فقيل: ينعقد نفلًا، وهو مذهب المالكية، ونص عليه الإمام أحمد، وقال المجد ابن تيمية: الصحيح بطلان فرضه (٤).
لأن الفرضية لا تثبت بالشك، وإذا بطلت الفرضية بقي مطلق الصلاة، فتكون نافلة.
وقيل: يتمها نفلًا إلا أن يذكر أنه نوى الفرض قبل أن يحدث عملًا، فيبني عليه، نص عليه في الإقناع، واختاره ابن قدامة في المغني (٥).
فرجع تفصيل القول فيها إلى الشك في أصل النية، وقد تقدم.
ومنها: لو شك مسافر، هل نوى القصر أم الإتمام؟ وجب عليه الإتمام. قال
стр. 6445
المالكية: ويعيد في الوقت (١).
لأن الأصل الإتمام، وعدم نية القصر.
قال الشافعية والحنابلة: ولو زال الشك وتيقن أنه نوى القصر لم يكن له القصر؛ لأنه قد وجب عليه الإتمام بنفس الشك، بخلاف ما لو شك في أصل النية، وتذكر على القرب حيث تصح صلاته، ولا يكون ذلك قادحًا.
وقال المجد ابن تيمية: «ينبغي عندي أن يقال فيه من التفصيل ما يقال فيمن شك، هل أحرم بفرض أو نفل؟» (٢).
يعني بالتفصيل: أنه إن تذكر قبل أن يحدث عملًا بنى عليه، أو انقلب نفلًا.
وعند أبي حنيفة: لا حاجة إلى نية القصر بناء على أنه عزيمة (٣).
واختار بعض المالكية أنه يجوز أن يدخل بالصلاة على أنه بالخيار بين القصر والإتمام؛ لأن نية عدد الركعات في الصلاة لا تلزم (٤).
وأرى والله أعلم أن هذه المسائل المختلفة يجب أن ترجع إلى قول واحد، وهو أثر الشك في الصلاة:
فإذا استمر المصلي على الشك، فإن كان في أصل النية، بطلت الصلاة، وإن كان في التعيين انقلبت نفلًا.
وإن تذكر قبل أن يحدث عملًا في الصلاة بنى عليه، وإن لم يتذكر إلا بعد أن أحدث عملًا رجع إلى الخلاف السابق، فإن كان في أصل النية بطلت الصلاة، وإن
стр. 6446
كان في التعيين انقلبت نفلًا، والله أعلم.
وإذا أردت أن تقف على حجج هذه الأقوال فانظرها في شروط الصلاة، فقد تكلمت عليها هناك في أحكام النية، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، فلله الحمد.
стр. 6447
الفصل الثاني المبطلات المتعلقة بأركان الصلاة وواجباتها
المبحث الأول في بطلان الصلاة للشك في تكبيرة الإحرام
المدخل إلى المسألة:
• الشك عند الأصوليين تساوي الطرفين، فإن رجح كان ظنًّا والمرجوح وهم.
• كل عبادة تشترط فيها النية الجازمة لا يصح إيقاعها مع الشك؛ للتردد في النية.
• كل من شك في شيء أَفَعَلَهُ أم لا؟ فالأصل أنه لم يَفْعَلْهُ؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
• الأصل بقاء ما كان على ما كان؛ استصحابًا للمتيقن على المشكوك فيه؛ لحديث: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا).
• كل مشكوك فيه فهو ملغى في الشريعة، فمن شك في سبب أو شرط لم يرتب عليه حكمًا، ومن شك في طلاق لم تطلق عليه زوجته.
• الشك بعد الفراغ من العبادة لا أثر له؛ تقديمًا للظاهر على الأصل، فالأصل عدم الإتيان، والظاهر من أفعال المكلف أن تقع على وجه الصحة.
• الشك الذي لا يستند لعلامة لغوٌ؛ لأنه وسوسة، فلا قضاء إلا لشك عليه دليل.
• تصح نية التقرب بالمشكوك فيه إذا كان لا يخرج من العهدة إلا به، فمن شك في عين الصلاة المنسية ولم يمكنه التحري صلى خمس صلوات مع شكه في وجوبها.
• إذا شك في مذكَّاة وميتة حرمتا معًا.
стр. 6448
• ليس للفقهاء قاعدة مطردة في مسائل الشك، فمنها ما يكفي فيه غلبة الظن كالاجتهاد في القبلة، ومنها ما يطرح الشك والظن ويعمل فيه باليقين، كالشك والظن في خروج الحدث في الصلاة، ومثل هذه المسائل ما لو تعارض الأصل والظاهر، كمسألتنا هذه، فالأصل هو المتيقن، والظاهر: ملحق بالظن، فهل يقدم الأصل أو العكس؟ ليس في المسألة ضابط مطرد، بل كل مسألة لها حكم خاص، فيقدم الأقوى من الأصل أو الظاهر.
[م-٧٩٢] إن وقع الشك في تكبيرة الإحرام بعد الفراغ من العبادة لم يلتفت إلى الشك، وإن كان الأصل عدم الإتيان به، وعدم براءة الذمة؛ تقديمًا للظاهر على الأصل، فالظاهر من أفعال المكلفين وقوعها على وجه الصحة.
وقال الشافعية: لو شك بعد السلام في ترك فرض غير النية وتكبيرة الإحرام لم يؤثر، على المشهور.
وأما إن وقع الشك قبل الفراغ من العبادة، فشك في تكبيرة الإحرام، فهل تبطل صلاته؟ في ذلك خلاف بين العلماء:
فقيل: إن كان ذلك أول مرة استقبل الصلاة، وإلا مضى في صلاته، وهذا مذهب الحنفية (١).
والظاهر أن التفريق بين كونه أول مرة، وبين تكراره، أن الشك إذا تكرر فقد يكون من باب الوهم، بخلاف الشك أول مرة، فإن الشك في تكبيرة الإحرام يجعل الأصل عدم الفعل، فلا تنعقد صلاته.
وقيل: الشك في تكبيرة الإحرام يوجب الاستئناف، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
стр. 6449
واستدلوا على بطلان الصلاة:
بأن المصلي إذا شك في تكبيرة الإحرام شك في انعقاد صلاته، والأصل عدم الانعقاد؛ لأنه المتيقن، وغيره مشكوك فيه، فيجب عليه الدخول في الصلاة بيقين كما يجب عليه أن يدخل في وقتها بيقين، ولا تقوم باقي التكبيرات عن التحريمة؛ لأن التحريمة ركن، والباقي إما سنة على الصحيح، وإما واجب على أحد القولين.
واستدلوا على وجوب الاستئناف:
بأن جميع أفعال الصلاة يجب أن تقع بعد التحريمة، فلا تتقدمها، فإذا حكمنا بأنه لم يكبر للتحريمة للشك فيها، كانت كل الأفعال التي وقعت بعد ذلك في حكم العدم؛ لأنها وقعت قبل التحقق من دخوله في الصلاة، وهي لا تتقدم على التحريمة.
وقال المالكية: إذا شك في تكبيرة الإحرام فإن كان فذًّا أو مأمومًا، وكان ذلك قبل أن يركع كبَّر بغير سلام، واستأنف القراءة.
وإن وقع الشك بعد الركوع، ففي القطع والتمادي قولان.
فقال ابن القاسم: بالقطع والاستئناف (١).
стр. 6450
وقال ابن الماجشون: «يتمادى ويعيد، لا فرق بين المأموم والفذ» (١).
وقيل: المأموم يتمادى ويعيد مطلقًا، ولو شك قبل أن يركع، حكاه ابن رشد في المقدمات بصيغة التمريض.
وهل يعيد أبدًا أو في الوقت؟ قولان مبنيان على الخلاف عند المالكية في حكم تكبيرة الإحرام للمأموم، وعلى الخلاف في حكم الصلاة مع التمادي، أهو مع اعتقاد الصحة فيعيد في الوقت، أم مع اعتقاد البطلان فيعيد أبدًا (٢).
وإن كان إمامًا، فقال سحنون: «يمضي في صلاته، وإذا سلم سألهم، فإن قالوا: أحرمت رجع لقولهم، وإن شكوا أعادوها جميعًا، وخرج اللخمي قولًا بالبطلان» (٣).
стр. 6451
هذا ملخص مذهب المالكية.
• وجه من قال: إذا شك في التحريمة قبل أن يركع كبر واستأنف القراءة:
لأن الشك قبل التكبير للركوع بمنزلة من أيقن عدم التكبير، فلم يدخل في حكم الصلاة، فلا يحتاج خروجه من الصلاة إلى تسليم، بل يكبر للإحرام ويستأنف القراءة.
• وجه من قال: إذا كبر للركوع قطعها بسلام، ثم أحرم:
فوجب عليه الخروج من الصلاة بناء على الحكم ببطلان الصلاة للشك في تكبيرة الإحرام، فلا يلزمه التمادي في صلاة لا تجزيه، فيصير كمن وجبت عليه صلاتان، وإنما عليه واحدة.
ووجب الخروج منها بسلام؛ لأن من أهل العلم من يرى أن تكبيرة الركوع تنوب عن تكبيرة الإحرام، فمراعاة لهذا الخلاف أمرناه بالخروج منها بسلام، بخلاف ما إذا وقع الشك قبل الركوع فيكبر للإحرام، ويستأنف القراءة، ولا يحتاج الخروج من الصلاة إلى سلام؛ لأنه لم يدخل فيها.
• ونوقش ذلك:
بأننا لا نوجب عليه صلاتين، وإنما يجب عليه الخروج من العهدة بيقين، ولذلك من نسي صلاة لا يعرف عينها، يؤمر أن يصلي خمس صلوات حتى يحصل له اليقين ببراءة ذمته، فإذا لم يبعد إيجاب خمس صلوات، والواجب صلاة واحدة، لم يبعد إيجاب الصلاتين والواجب واحدة.
• ورد هذا النقاش:
بأن الواجب على من جهل قدر الفوائت فيه خلاف بين العلماء، أيصلي بالتحري، وغلبة الظن، أم لا بد أن يخرج من العهدة بيقين؟
فقيل: يتحرى، فإن لم يمكنه التحري قضى حتى يتيقن أنه لم يَبْقَ عليه شيء. وهذا مذهب الحنفية (١).
стр. 6452
وهو معنى قول بعض المالكية: إذا غلب على ظنه براءته كفى.
قال في شرح الإرشاد: «حتى يغلب على ظنه براءته؛ لأن غالب الظن كاليقين، فالمدار أن يتحقق براءة ذمته، ولو بغلبة الظن» (١).
وقيل: لا يتحرى، بل يصلي حتى يتيقن أنه قد أبرأ ذمته، وخرج من العهدة بيقين، وهذا مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (٢).
وقد ذكرت أدلة هذه المسألة في المجلد الثالث، فارجع إليه إن شئت.
• وجه من قال: إذا كبر للركوع تمادى وأعاد:
أما جوب التمادي لاحتمال صحة الصلاة، فقد يكون كبر للتحريمة.
وأما وجوب الإعادة فلاحتمال البطلان.
• وجه من قال: المأموم يتمادى مطلقًا، ولو وقع الشك قبل الركوع، ويعيد:
مبني على مراعاة الخلاف في حكم تكبيرة الإحرام للمأموم.
فالقول بالإعادة أبدًا، موافقة لقول الإمام ربيعة: إن الإمام لا يحمل عن المأموم تكبيرة الإحرام؛ وهذا هو المشهور (٣).
والقول بالتمادي، والإعادة في الوقت موافقة لقول سعيد بن المسيب
стр. 6453
والزهري: إن الإمام يحمل تكبيرة الإحرام عن المأموم، لهذا رأى الإمام مالك ألا يبطل عملًا اخْتُلِفَ في إجزائه، فجمع بينهما احتياطًا، فقال: يتمادى ويعيد (١).
وقد بين أصحاب الإمام مالك وجه قول كل واحد منهما:
ووجه قول ربيعة: «أن الإحرام فرض، كالركوع والسجود والسلام، فلم يجز أن يحمل ذلك عنه الإمام، والفرق بين الإحرام وقراءة القرآن: أن الأصل أن لا يحمل الإمام عن المأموم فرضًا، فخصت السنة أن يحمل الإمام قراءة القرآن، وبقي ما سواها من فرائض الصلاة على أصله» (٢).
قال ابن رشد في المقدمات: «وقد روى ابن وهب وأشهب عن مالك أنه استحب للمأموم إذا لم يكبر للإحرام، ولا للركوع إعادة الصلاة، ولم يوجب ذلك، وقال: أرجو أن يجزئ عنه إحرام الإمام، وهو شذوذ في المذهب» (٣).
وقال القاضي عياض: «رواية ابن وهب عن مالك: أن تحريم الإمام يجزئ فيها عن المأموم، وكله خلاف المشهور» (٤).
ولعل الإمام مالكًا لم يتبين له الصواب من الخلاف، فاعتبر الاحتياط من الجهتين، فلم يخرجه من الصلاة، وفي نفس الوقت أمره بالإعادة.
وقد روى أشهب عن مالك، أنه إذا نسي تكبيرة الإحرام خلف الإمام حتى صلى بعض صلاته، قال: «أرى الاحتياط إعادة الصلاة، ولا أدري أذلك عليه أم لا؟» (٥).
فرواية ابن وهب وأشهب عن مالك تشعرك أن الإمام لم يكن يجزم بالصواب من قولي ربيعة وسعيد بن المسيب.
وقد سبق لك أن من قال: إن سعيد بن المسيب والزهري يقولان: «إن تكبيرة
стр. 6454
الإحرام سنة، فلذلك حملها الإمام، قال ابن يونس في الجامع: ليس ذلك بصحيح، ولو كانت سنة لاستوى في نسيانها الإمام والفذ والمأموم، ولم يُبْطِل نسيانُها على أحد منهم صلاته» (١).
وقد انتقد ابن عبد البر ﵀ اختلاف أصحاب الإمام مالك في هذه المسألة، قال في الاستذكار: «وقد اضطرب أصحابه في هذه المسألة اضطرابًا كثيرًا ينقض بعضه ما قد أصَّلوه في إيجاب تكبيرة الإحرام، ولم يختلفوا في وجوبها على المنفرد والإمام، كما لم يختلفوا أن الإمام لا يحمل فرضًا من فروض الصلاة عمن خلفه، فقف على هذا كله من أصولهم يتبيَّن لك وجه الصواب إن شاء الله» (٢).
وقول ابن عبد البر: إن الإمام لا يحمل فرضًا من فروض الصلاة عمن خلفه، يستثنى من ذلك القراءة، فالإمام يحملها على الصحيح، وهو قول الجمهور، والشافعي في القديم.
وإذا كان القول بتمادي المأموم مع الشك مخرج على قول من يقول: إن تكبيرة الإحرام سنة في حقه، فقد سبق لنا أن هذا القول رواية عن الإمام أحمد، فيمكن تخريج القول على روايته أيضًا.
قال ابن رجب في شرحه للبخاري: «والتفريق بينهما -أي بين الإمام والمنفرد وبين المأموم- له مأخذان:
أحدهما: أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير، كما يتحمل عنه القراءة، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد.
قال حنبل: «سألت أبا عبد الله عن قول: إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع رأيت ذلك مجزئًا عنه؟ فقال أبو عبد الله: يجزئه إن كان ساهيًا؛ لأن صلاة الإمام له صلاة.
فصرح بالمأخذ، وهو تحمل الإمام عنه تكبيرة الإحرام في حال السهو.
стр. 6455
ذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال صاحب كتاب الشافي، وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب.
والمذهب عندهم: أنه لا يجزئه، كما لا يجزئ الإمام والمنفرد، وقد نقله غير واحد عن أحمد ..... » (١).
• الراجح:
هذه المسألة فرد من مسائل كثيرة، إذا وقع فيها الشك، أيكفي فيها العمل بغلبة الظن مطلقًا، أم لا يكفي مطلقًا؟ أم يكفي الظن، إذا تعذر اليقين؛ لأن التكليف باليقين مع تعذره من باب التكليف بما لا يطاق.
والفقهاء ليست لهم قاعدة مطردة في هذا الباب، فهناك من المسائل ما يكفي فيها غلبة الظن كالاجتهاد في القبلة.
وهناك من المسائل ما قدم فيها اليقين وطرح الشك والظن، كما لو شك أو ظن خروج الحدث في صلاته، فإنه مأمور ألا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
ومثل هذه المسائل ما لو تعارض الأصل والظاهر، كمسألتنا هذه، فالأصل هو المتيقن، والظاهر: ملحق بالظن، فهل يقدم الأصل أو العكس؟ وليس في المسألة ضابط مطرد، بل كل مسألة لها حكم خاص، فيقدم الأقوى من الأصل أو الظاهر (٢).
стр. 6456
وكل مسألة أمكن فيها العمل باليقين لم يذهب إلى الظن إلا أن يكون الأخذ باليقين فيه مشقة كبيرة، كما لو اشتبه عليه ثياب نجسة بثياب طاهرة، وكانت الثياب كثيرة، فالقول بأنه يصلي في عدد الثياب النجسة ويزيد صلاة، فيه مشقة.
والراجح في هذه المسألة قول الجمهور، وأن من شك في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، فذًّا كان أم إمامًا أم مأمومًا، إلا أن يكون كثير الشكوك، فلا يلتفت له.
стр. 6457
المبحث الثاني بطلان الصلاة بترك قراءة الفاتحة
المدخل إلى المسألة:
• النفي في قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) محمول على نفي الصلاة الشرعية، وذلك يقتضي عدم الإجزاء والاعتداد بها شرعًا.
• أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بالقراءة في الصلاة، ولا تجب قراءة في الصلاة سوى الفاتحة، فكان المجمل في حديث المسيء مبيَّنًا في حديث عبادة.
• أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بالقراءة، والركوع، والرفع والسجود، وقال في آخره: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، فكانت كل هذه فروضًا في جميع الركعات.
• كل موضع شرعت فيه قراءة الفاتحة في الصلاة، فإن انتفاء الفاتحة من ذلك الموضع يعني: انتفاء ذلك من صلاته، وإذا بطل بعض الصلاة بطلت كلها.
• جمهور الفقهاء وأهل الحديث خلافًا للشافعي في الجديد على ترك القراءة فيما جهر به الإمام.
• حديث: (إذا قرأ فأنصتوا) حديث معلول في أصح قولي أهل العلم.
• حديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) لم يثبت من حديث صحيح.
• حديث: (لا تفعلوا إلا بأم القرآن) لا يصح مرفوعًا، وهو صحيح موقوفًا على عبادة بن الصامت.
[م-٧٩٣] إذا ترك المأموم قراءة الفاتحة لم تبطل صلاته مطلقًا، سواء أكانت الصلاة سرية أم جهرية، وهو مذهب الجمهور، خلافًا للشافعي في الجديد (١).
وأما إذا ترك الإمام أو الفذ قراءة الفاتحة عمدًا في الصلاة:
стр. 6458
فقيل: لا تبطل صلاته على خلاف بينهم في حكم قراءة الفاتحة.
فقيل: سنة، اختاره ابن شبلون من المالكية، وبه قال أحمد في رواية إلا أنه قال: يجزئ غير الفاتحة، قال في الفروع: «ظاهره أن الفاتحة سنة، وبه قال الحسن وجماعة من التابعين» (١).
وقيل: قراءة الفاتحة واجبة، والفرض مطلق القراءة، ولا يتعين ذلك في الفاتحة، على خلاف في مقدار الفرض، فقيل: آية واحدة مطلقًا، وهو ظاهر الرواية عن الإمام أبي حنفية، ورواية عن الإمام أحمد (٢).
стр. 6459
وقيل: الفرض آية طويلة أو ثلاث آياتٍ قصارٍ، وهو رواية عن الإمام أبي حنفية، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد بن الحسن (١).
وقيل: يجزئ ما يصدق عليه اسم قرآن، ولو كان بعض آية إذا كان بقصد قراءة القرآن، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن أحمد في رواية: يقرأ ما تيسر (٢).
ومحل فرض القراءة عند الحنفية في الركعتين الأوليين من كل صلاة، وسنة في الأخريين، فإن شاء قرأ، وإن شاء سبح، فلو تركهما في الأوليين وقرأها في الأخريين كانت قضاء (٣).
وإذا كانت قراءة الفاتحة واجبة عند الحنفية فإن ترك الواجب ولو عمدًا لا يبطل الصلاة عندهم، ويكره تحريمًا تركها، ويمضي فيها، ويعيدها وجوبًا (٤)، وهذا الحكم في كل صلاة أُدِّيَت مع الكراهة (٥).
стр. 6460
وقال الجمهور: قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، فإذا ترك الإمام أو الفذ قراءة الفاتحة ولو في ركعة واحدة منها بطلت صلاته، وهو قول مالك في المدونة، وشهره ابن بشير، وابن الحاجب، وعبد الوهاب، وهو الصحيح من مذهب المالكية، ومذهب الشافعية، والمعتمد عند الحنابلة (١).
وقال مالك: تجب قراءة الفاتحة في أكثر الركعات إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية، وإليه رجع مالك، فإن كانت ثنائية وجبت في كل ركعة، وقال إسحاق نحوه.
قال الدسوقي: «القول بوجوبها في الجل شهره ابن عسكر في الإرشاد، وقال القرافي: هو ظاهر المذهب. اه وضعفه خليل في التوضيح» (٢).
стр. 6461
وقيل: فرض في ركعة، وسنة في الباقي، وهو رواية عن الحسن البصري، والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث من المالكية (١).
وقيل: واجبة في النصف، سنة في الباقي. وهو قول في مذهب المالكية (٢).
ومع القول بالسنية في البعض، فهم لا يعطونها حكم السنن من كل وجه، قال الدردير في الشرح الكبير: «وتسن في الأقل، لكن لا كحكم السنن؛ لاتفاق القولين على أن تركها عمدًا مبطل؛ لأنها سنة شهرت فرضيتها» (٣).
لعله يقصد شهرت شرعيتها؛ لأن السنة والفرضية قسيمان.
هذا ملخص الأقوال في المسألة عند فقهائنا عليهم رحمة الله جميعًا.
وقد بحثت هذه المسألة في صفة الصلاة إلا أني قَسَّمت هذا الخلاف على أكثر من عنوان؛ حتى يحسن فهم أدلة كل فرع منها، وحين تجدد ذكر هذه المسألة جمعت لك الأقوال هنا، فإن رمت الوقوف على أدلة هذه الفروع مفصلة فارجع إليها في المجلد الثامن تحت العناوين التالية:
قراءة المأموم فاتحة الكتاب (٤).
حكم قراءة الفاتحة (٥).
стр. 6462
أقل ما يجزئ من قراءة الفاتحة (١).
وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (٢).
• والراجح:
أن قراءة الفاتحة للإمام والفذ فرض في كل ركعة، وتبطل الصلاة بتركها، وأما المأموم فلا يقرأ إذا جهر الإمام بالقراءة، وتستحب له القراءة في سكتات الإمام، والاحتياط ألا يدع المأموم القراءة في الصلاة السرية؛ احتياطًا للعبادة، ومراعاة لقوة الخلاف، وإن كنت لا أجزم بوجوبها عليه، ولا أجرؤ على مطالبته بالإعادة إذا جاء مستفتيًا، وقد بينت ذلك في الخلاف في قراءة صلاة المأموم، والله أعلم.
стр. 6463
المبحث الثالث في بطلان الصلاة بترك القيام في الفرض مع القدرة
مدخل إلى المسألة:
• القيام ركن من أركان الصلاة المفروضة وجزء من حقيقتها للقادر غير المسبوق، كالركوع والسجود، والجلوس.
• ركن الشيء: ما لا وجود لذلك الشيء إلا به، ويطلق على جزء الماهية، ولا يثبت إلا بالنص.
• الواجب القيام استقلالًا، فإن عجز ففرضه القيام متكئًا أو مستندًا، فإن عجز انتقل إلى الجلوس استقلالًا، فإن عجز ففرضه الجلوس مستندًا، فإن عجز صلى مضطجعًا.
• مراعاة الأركان مقدمة على مراعاة الشروط؛ لأن الأركان جزء من ماهية الصلاة بخلاف الشروط.
• الصلاة بأركانها غاية، والشرائط من التوابع، فلا يُخلُّ بالغايات رعايةً للتوابع.
• مفسدة العري لا تزول كلها بالقعود.
[م-٧٩٤] من صلى جالسًا في الفرض مع قدرته على القيام، وعلى ستر عورته بطلت صلاته بالاتفاق.
وقد حكى الإجماع على فرضية القيام جمعٌ من أهل العلم، كابن نجيم الحنفي (١)، وابن العربي، وأبي الوليد الباجي من المالكية (٢)، والخطيب من الشافعية (٣)، وغيرهم.
стр. 6464
قال القرطبي: «أجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، منفردًا كان أو إمامًا» (١).
وقال ابن رشد: «من تركه مع القدرة عليه فلا صلاة له» (٢).
وقال النووي: «القيام في الفرائض فرض بالإجماع لا تصح الصلاة من القادر عليه إلا به، حتى قال أصحابنا: لو قال مسلم: أنا أستحل القعود في الفريضة بلا عذر، أو قال: القيام في الفريضة ليس بفرض كفر، إلا أن يكون قريب عهد بإسلام» (٣).
وقال ابن حزم: «وأما صلاة الفرض، فلا يحل لأحد أن يصليها إلا واقفًا إلا لعذر: من مرض، أو خوف من عدو ظالم؛ أو من حيوان، أو نحو ذلك؛ أو ضعف عن القيام، كمن كان في سفينة، أو من صلى مؤتمًّا بإمام مريض، أو معذور فصلى قاعدًا، فإن هؤلاء يصلون قعودًا» (٤).
واختلفوا في حكم القيام في الصلاة للرجل يصلي وحده، وهو عاجز عن ستر عورته.
فقيل: يصلي قاعدًا استحبابًا، ويومئ بالركوع والسجود، فإن صلى قائمًا أجزأه، وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: يلزمه أن يصلي قائمًا يركع ويسجد، ولا يومئ بهما، وهو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها الآجري (٦).
стр. 6465
وقال الشافعية في وجه: «يتخير، إن شاء صلى قاعدًا، وإن شاء صلى قائمًا» (١).
وقيل: يلزمه أن يصلي جالسًا، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل من الحنابلة، ووجه عند الشافعية اختاره المزني (٢).
وقد سبق بحث هذه المسألة في صفة الصلاة، لكن أعيد ذكر الأقوال عند تجدد ذكر المسألة، ولم أذكر الأدلة اكتفاء بذكرها هناك، فلله الحمد (٣).
• والراجح:
أن العاري إن صلى وحده صلى قائمًا، ويتم الركوع والسجود، وإن صلى بحضرة الناس صلى جالسًا. والله أعلم.
стр. 6466
الفرع الأول في بطلان صلاة من صلى مستندًا إلى جدار ونحوه
المدخل إلى المسألة:
• القيام الواجب ما اعتمد فيه المصلي على قدميه في وقوفه بالصلاة.
• كل استناد لولاه لسقط المصلي، فإنه منافٍ للقيام الواجب.
• الاستناد المنافي للقيام يبطل صلاة الفريضة؛ لأنه في حكم التارك للقيام.
• الاستناد الذي إذا زال لا يسقط به المصلي منافٍ لكمال القيام، ولا يبطل الصلاة.
• لا فرق في الحكم بين أن يقع الاستناد في القراءة الواجبة أو في القراءة المستحبة؛ لأن ما زاد على الواجب إن تميز، كإخراج صاعين منفردين في زكاة الفطر، فهو ندب بالاتفاق، وإن لم يتميز فالكل في حكم الواجب على الصحيح؛ لأن ما لا يتجزأ فحكم بعضه حكم كله.
[م-٧٩٥] إذا استند المصلي في الفرض، وهو قادر على القيام، فإن كان في حالٍ بحيث لو أزيل ما يستند إليه لم يسقط المصلي، وبقي قائمًا:
فقيل: تصح صلاته مع الكراهة؛ لتنقيص كمال القيام، وهو قول الجمهور، واستحب له المالكية الإعادة في الوقت بناء على قواعد مذهبهم (١).
وقيل: لا تصح صلاته، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية (٢).
وإن كان بحيث لو أزيل ما اتكأ عليه سقط:
فقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية، واختاره صاحب الطراز من المالكية (٣).
стр. 6467
وقال الشافعية في الأصح: «يكره ما لم يكن معلقًا بحيث يمكنه رفع رجليه دون أن يسقط، فإن صلاته تبطل؛ لأنه غير قائم» (١).
وقيل: لا تصح صلاته، وهو مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (٢).
وقال المالكية: «لا يستند في ما هو فرض عليه في صلاته، فلا يستند للإحرام ولا لقراءة الفاتحة في حق من تجب عليه القراءة، ولا يستند في الركوع، ولا في هُوِيِّ الركوع والقيام، فإن استند عمدًا أو جهلًا، لا سهوًا بطلت، ويجوز الاستناد في قراءة ما زاد على الفاتحة دون الجلوس؛ فإنه يخل بهيئتها» (٣).
والصحيح أن الاعتماد يخل بالقيام، وترك القيام في الفريضة لا يجوز إلا من عذر، كما أن الصحيح أن جميع قيامه من قبيل الفرض، وليس الفرض قدر الفاتحة، لأن الزيادة في القيام إن تميزت كصلاة التطوع بالنسبة إلى المكتوبات فهي ندب بالاتفاق، وإن لم تتميز فالكل في حكم الواجب على الصحيح من قولي أهل العلم.
وانظر: أدلة هذه المسألة في بحث صفة الصلاة، فقد بحثتها هناك، فأغنى ذلك عن إعادة الأدلة هنا، فلله الحمد (٤).
стр. 6468
الفرع الثاني في بطلان صلاة الفريضة إذا صلاها على الراحلة
المدخل إلى المسألة:
• ما صح في الفرض صح في النفل، ولا ينعكس، فالنفل أوسع من الفرض.
• صلاة الفريضة على الدابة يؤدي إلى الإخلال بركن القيام، وإلى الإيماء بالركوع والسجود من غير ضرورة.
• كل فعل يؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط من شروط الصلاة في الفريضة لا تصح معه الصلاة إلا من ضرورة.
• إذا فعل المصلي ما يفسد الفريضة عالمًا عامدًا بطلت الفريضة، والجمهور على أنها لا تنقلب نافلة.
• قلب نية الفريضة إلى نافلة أخف من التقرب بفريضة باطلة عالمًا عامدًا.
• إبطال نية الفرض لا يلزم منه إبطال نية مطلق الصلاة، فالنية في الصلاة مركبة: من نية الصلاة، ونية الفرضية، وإبطال نية الفرضية لا يستلزم إبطال نية الصلاة؛ لأن إبطال الأخص لا يستلزم إبطال الأعم.
[م-٧٩٦] مما يبطل صلاة الفريضة أن يصليها الرجل على دابته من غير ضرورة، وهذا بالاتفاق، وهل تنقلب نفلًا؟ فيه خلاف سآتي عليه بعد قليل.
ويقاس على الدابة السيارة، وكذا يقاس عليها كل وسيلة للركوب لا يتمكن فيها مصلي الفريضة من التوجه إلى القبلة، وأداء الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها.
(ح-٢٣١٥) فقد روى الشيخان من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قِبَلَ أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (١).
стр. 6469
فصلاة الفريضة على الدابة يخل ببعض أركان الصلاة، وبعض شروطها، فالإخلال بالأركان: حيث لا يتمكن المصلي على الدابة من أداء فرض القيام، كما أنه يومئ بالركوع والسجود من غير ضرورة.
والإخلال بالشروط حيث يترك التوجه إلى القبلة.
وكل هذه الأفعال لا يجوز الترخص فيها في صلاة الفريضة إلا من ضرورة كالخوف والعجز، ونحو ذلك، والله أعلم.
وهل إذا بطلت الفريضة تنقلب نفلًا حكمًا؟ في ذلك خلاف بين العلماء مبني على الخلاف في بناء صلاة على تحريمة صلاة أخرى:
فقيل: لا تنقلب الفريضة نفلًا؛ وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية مطلقًا، واستثنى أبو حنيفة وأبو يوسف ثلاث مسائل قالوا بصحة انقلاب الفرض فيها إلى نفل إذا فسدت الفريضة، ليست منها هذه المسألة؛ واستثنى المالكية والشافعية مسألتين ليست منها هذه المسألة، فيصح القول أن عدم انقلابها نفلًا هو قول الجمهور (١).
стр. 6470
• وجه هذا القول:
أن المصلي نوى الفرض ولم ينوِ النفل، فإذا بطل الفرض لم تصح نفلًا؛ لأن النفل لم يَنْوِهِ، وقد قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات).
ولأن الفريضة إذا فسدت سرى الفساد للتحريمة؛ لفساد ما انعقدت عليه، فبطلت الصلاة ضرورة.
ولأن انقلاب الفريضة نفلًا في بعض المسائل كما لو اعتقد دخول الوقت، فبان أن الوقت لم يدخل، أو شرع في الفريضة، ثم تذكر أنه قد صلاها، وكما لو دخل في الحاضرة، فتذكر أن عليه فائتة قبل إكمالها، فهذه الصور قد تحقق فيها العذر للمصلي، وأما صلاته الفريضة على الدابة فليس معذورًا بانعقادها، فهو كما لو صلى الفريضة قبل الوقت عالمًا عامدًا لم تنقلب نفلًا.
وقيل: تنقلب نفلًا مطلقًا، حتى لو نوى قلب الفرض إلى نفل مع سعة الوقت جاز ذلك مع الكراهة، وهو مذهب الحنابلة، وهو أوسع المذاهب في قلب النية من الفرض إلى نفل مطلق (١).
стр. 6471
واستدلوا على ذلك: بأن النية مشتملة على أمرين: نية الصلاة، وصفة الفرضية، ولا يلزم من بطلان وصف الفرضية بطلان الأصل؛ لأنه يُتَصَوَّرُ من دونها.
وكنت قد تعرضت لأقوال المذاهب في قلب نية الصلاة إلى نية أخرى عند الكلام على مباحث النية في شروط الصلاة فانظره مشكورًا للوقوف على الأدلة (١).
والذي أميل إليه أن صلاته على الدابة إن كان لجهل في الحكم فيعذر لجهله، فإن كان الوقت قائمًا انقلب الفرض نفلًا، ويصلى فرضه، وإن كان قد خرج الوقت أجزأته إن شاء الله تعالى.
وإن كان عالمًا بأن صلاة الفريضة لا تصح على الدابة بطلت فريضته، ولم تنقلب نفلًا؛ لأن الصلاة لم تنعقد فرضًا، ولا فيها معنى القربة، وهي فعل محرم، وهذه مسألة أخرى تختلف عن حكم قلب نية الفريضة إلى نافلة؛ لأن القلب إن جوزناه لا يكون في التحول إلى نافلة معصية لله، بخلاف الصلاة على الدابة، وهذا القول ليس قولًا خارجًا عن اجتهاد الأئمة، بل هو مركب من أقوالهم، ومخرج على مسائل العذر بالجهل، وعلى مسألة الصلاة قبل الوقت عالمًا عامدًا، والله أعلم.
стр. 6472
المبحث الرابع في بطلان الصلاة بزيادة ركن فعلي أو تركه عمدًا
الفرع الأول في بطلان الصلاة بزيادة ركن فعلي
المدخل إلى المسألة:
• قال الجوهري: ركن الشيء جانبه الأقوى، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. أي: عز ومنعة.
• الصلاة ماهية مركبة من قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه هي أركان الصلاة الفعلية، وقد اصطلحوا على عد أجزاء الماهية أركانًا.
• كل جزء عبر به عن الكل فهو دليل على ركنية ذلك الجزء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة.
• قال ﷺ : (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) فأمره بالركوع، والأصل في الأمر الوجوب.
• لا يختلف العلماء أن الركوع ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة من دونه.
[م-٧٩٧] إذا زاد المصلي ركنًا فعليًّا من ركوع أو سجود، أو جلوس، في الصلاة متعمدًا، بطلت صلاته بلا خلاف؛ لأنه تغيير لهيئة الصلاة المشروعة (١).
(ح-٢٣١٦) وقد روى الشيخان من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،
стр. 6473
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد.
رواه البخاري، قال: حدثنا يعقوب،
ورواه مسلم، حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح، وعبد الله بن عون الهلالي، ثلاثتهم، عن إبراهيم بن سعد به (١).
ورواه مسلم من طريق عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم به، وفيه: … من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢).
وقيدت الركن بأن يكون فعليًّا؛ ليخرج القولي، فلو كرر الفاتحة لم تبطل صلاته على الصحيح على خلاف في كراهة الفعل أو تحريمه، وقد تقدم الخلاف.
وقيدت البطلان بزيادة الركن عمدًا، فلو زاده سهوًا لم تبطل صلاته، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى ما يجب عليه في أحكام سجود السهو، بلغنا الله ذلك بحوله وقوته، والحمد لله رب العالمين.
стр. 6474
الفرع الثاني بطلان الصلاة بنقص ركن منها
[م-٧٩٨] إذا ترك من الصلاة ركنًا عالمًا متعمدًا بطلت صلاته بلا خلاف.
وإن تركه سهوًا ثم تذكره، فإن كان لا يمكن تداركه كالنية إن قلنا: إنها ركن وكتكبيرة الإحرام فإن صلاته لم تنعقد.
وإن كان يمكن تداركه فإنه يأتي به ما لم يفت، على خلاف بينهم متى يحكم للركن المتروك بالفوات، وهل يقضي الركن وحده، أم يقضيه ويقضي ما بعده؛ لوقوعه في غير محله، وإذا فات الركن المتروك، فهل تبطل الصلاة بالكلية، أم تبطل الركعة الذي وقع فيها الخلل؟ هذا ما سوف نتعرض له في هذا المبحث إن شاء الله تعالى، وإليك تفصيل أقوالهم.
القول الأول: مذهب الحنفية:
الترتيب بين أركان الصلاة عند الحنفية منه ما هو فرض، ومنه ما هو واجب، فإذا ترك ركنًا لا يكون الترتيب فيه فرضًا فإنه يأتي به وقت تذكره، وله تأخيره إلى آخر الصلاة فيقضيه، ولا يأتي بما بعده، وإن ترك ركنًا يكون الترتيب فيه فرضًا فهذا يلزمه إعادته مرتبًا على ما قبله، كما لو سجد قبل أن يركع، فهذا السجود لا يعتد به بالإجماع؛ لوقوعه في غير محله، فلو تذكر ذلك في السجود لزمه العود إلى الركوع؛ لأن الترتيب بين السجود والركوع فرض، وارتفض ما هو فيه من السجود؛ لوقوعه في غير محله، وعليه سجود السهو.
فالمقصود بالترتيب: وجود كل ركن في محله، والمقصود بفرضيته: توقف صحة الركن المؤدى على وقوعه مرتبًا مع الركن الذي قبله.
والترتيب يكون فرضًا عند الحنفية فيما شرع غير مكرر من أفعال الصلاة، كالتحريمة، والقعدة الأخيرة، ومثله ما شرع غير مكرر في الركعة الواحدة كالقيام،
стр. 6475
والقراءة والركوع والسجود.
ويكون الترتيب واجبًا بين ما يتعدد في كل الصلاة كالركعات، أو يتعدد في كل ركعة كالترتيب بين السجدتين.
فالترتيب بين الركعات ليس بفرض؛ لتكراره، فالمسبوق يصلي آخر الركعات قبل أولها على رواية: (وما فاتكم فاقضوا)، على رأي أبي حنيفة وأبي يوسف.
وكذا الترتيب بين السجدتين واجب، وليس بفرض، فالركعة تتقيد بسجدة واحدة، والثانية تكرار، فإذا ترك الترتيب بين السجدتين عمدًا أثم، وصلاته صحيحة، وإن تركه سهوًا سقط الترتيب، ويقضيها إذا تذكرها في الصلاة، ولو في غير محلها، فلو تذكر في الركوع الثاني أنه ترك سجدة من الركعة الأولى، فانحط من ركوعه فسجد، لا يلزمه إعادة الركوع، وله أن يؤخرها إلى آخر الصلاة فيقضيها، ويجبر فوات الترتيب الواجب بسجود السهو (١).
ولو تذكر السجدة في القعدة الأخيرة، فسجدها، أعاد القعدة؛ لأنه بسجوده ارتفضت القعدة؛ لأنها ما شرعت إلا خاتمة لأفعال الصلاة.
جاء في فتح القدير: فلو «تذكر في ركوع أنه لم يسجد في الركعة التي قبلها سجدها، وهل يعيد الركوع والسجود المتذكر فيه؟
ففي الهداية: أنه لا يجب إعادته، بل يستحب معللًا بأن الترتيب ليس بفرض بين ما يتكرر من الأفعال (يقصد: الترتيب بين الركعات).
والذي في فتاوى قاضي خان وغيره: أنه يعيده معللًا بأنه ارتفض بالعود إلى ما قبله من الأركان؛ لأنه قبل الرفع منه يقبل الرفض، ولهذا ذكره فيما لو تذكر سجدة بعد ما رفع من الركوع، أنه يقضيها، ولا يعيد الركوع؛ لأنه بعد ما تم بالرفع لا يقبل الرفض، فعلم أن الاختلاف في إعادتها ليس بناء على اشتراط الترتيب وعدمه، بل على أن الركن المتذكر فيه، هل يرتفض بالعود إلى ما قبله من الأركان أو لا؟ [قال ابن عابدين: والمعتمد ما في الهداية] (٢)، وفي كافي الحاكم الشهيد أبي الفضل
стр. 6476
الذي هو جمع كلام محمد ﵀: رجل افتتح الصلاة، وقرأ، وركع، ولم يسجد، ثم قام فقرأ، وسجد، ولم يركع، فهذا قد صلى ركعة، وكذلك إن ركع أولًا، ثم قرأ، وركع، وسجد، فإنما صلى ركعة واحدة، وكذلك إن سجد أولًا سجدتين، ثم قام فقرأ في الثانية، وركع، ولم يسجد، ثم قام فقرأ، وسجد في الثالثة، ولم يركع، فإنما صلى ركعة واحدة، وكذلك إن ركع في الأولى ولم يسجد، وركع في الثانية، ولم يسجد ثم سجد في الثالثة، ولم يركع، فإنما صلى ركعة واحدة» (١).
وحجتهم على هذا التفريع:
أن الرجل إذا ترك سجدة صلبية من ركعة، ثم تذكرها آخر الصلاة قضاها، وتمت صلاته؛ لأن الركعة الثانية صادفت محلها؛ لأن محلها بعد الركعة الأولى، وقد وجدت الركعة الأولى؛ لأن الركعة تتقيد بسجدة واحدة، وإنما الثانية تكرار، ألا ترى أنه ينطلق عليها اسم الصلاة؟ حتى لو حلف لا يصلي فقيد الركعة بالسجدة يحنث، فكان أداء الركعة الثانية معتبرًا معتدًّا به، فلا يلزمه إلا قضاء المتروك، بخلاف ما إذا قدم السجود على الركوع؛ لأن السجود ما صادف محله؛ لأن محله بعد الركوع لتقييد الركعة، والركعة بدون الركوع لا تتحقق فلم يقع معتدًّا به، فهو الفرق.
وعلى هذا الخلاف إذا تذكر سجدتين من ركعتين في آخر الصلاة - قضاهما وتمت صلاته عندنا، ويبدأ بالأولى منهما ثم بالثانية؛ لأن القضاء على حسب الأداء، ثم الثانية مرتبة على الأولى في الأداء فكذا في القضاء.
стр. 6477
أما إذا كان المتروك ركوعًا فلا يتصور فيه القضاء، وكذا إذا ترك سجدتين من ركعة واحدة؛ لأنه لا يعتد بالسجود قبل الركوع؛ لعدم مصادفته محله، فلو قرأ، وسجد قبل أن يركع، ثم قام إلى الثانية، فقرأ، وركع وسجد، فهذا قد صلى ركعة واحدة، ولا يكون هذا الركوع قضاء عن الأول؛ لأنه إذا لم يركع لا يعتد بالسجود؛ لعدم مصادفته محله؛ إذ محله بعد الركوع.
وكذا إذا افتتح فقرأ، وركع، ولم يسجد، ثم رفع رأسه، فقرأ ولم يركع، وسجد، فهذا قد صلى ركعة واحدة، ولا يكون هذا السجود قضاء عن الأول؛ لأن ركوعه معتبر لمصادفته محله، إلا أنه توقف على أن يقيد بسجدة، فقيامه، وقراءته بعد ذلك غير معتد به؛ لعدم مصادفته محله، وسجوده بعد في محله، وكذا إذا قرأ وركع، ثم رفع رأسه فقرأ وركع وسجد، فإنما صلى ركعة، والمعتبر الركوع الأول؛ لكونه صادف محله ولأن مدركه مدرك للركعة، فوقع الركوع الثاني مكررًا فيلغو، ويلحق سجوده بالركوع الأول، فتصح له ركعة كاملة، وكذا لو قرأ ولم يركع وسجد، ثم قام فقرأ وركع ولم يسجد، ثم قام فقرأ ولم يركع، وسجد، فإنما صلى ركعة واحدة.
ويسجد للسهو في هذه المواضع، ولا تفسد صلاته إلا في رواية عن محمد: أن زيادة السجدة الواحدة كزيادة الركعة بناء على أصله أن السجدة الواحدة قربة، وهي سجدة الشكر، وعندهما: السجدة الواحدة ليست بقربة إلا سجدة التلاوة، بخلاف ما إذا زاد ركعة كاملة؛ لأنه فعل صلاة كاملة فانعقد نفلًا، فصار منتقلًا إليها فلا يبقى في الفرض ضرورة (١).
• ويناقش:
بأن دعوى أن الترتيب بين السجدتين واجب، والترتيب بين الركوع والسجود فرض، لا تقوم على دليل أثري يمكن التسليم له، ولا دليل نظري مطرد، فالصحيح أن كل ركن في الصلاة مستقل بنفسه، لا فرق بين ركن لا يتكرر، وبين ركن يتكرر في كل ركعة، وإذا كنتم لا تعتبرون الركوع يتكرر، مع أنه يتكرر في كل ركعة،
стр. 6478
فكذلك لا تأثير لتكرر السجود، والحنفية يعدون القعدة الأخيرة فرضًا لا يتكرر، مع وجود قعدة أولى في الصلاة من جنسها، فلا يصح في التفريق أثر يمكن الاحتجاج به، ولا نظر مطرد يمكن التسليم له.
وأما احتجاجهم بأن الترتيب بين الركعات ليس من الفروض بحجة أن ما يقضيه المسبوق، فهو أول صلاته، فهذه مسألة خلافية، والأصح فيها أن ما يقضيه هو آخر صلاته؛ لرواية الصحيحين: (وما فاتكم فأتموا)، وسوف تأتي هذه المسألة في مبحث خاص في أحكام الائتمام، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن من ترك ركنًا من أركان الصلاة سهوًا، فإما أن يكون النقص من الركعة الأخيرة أو من غيرها.
فإن كان النقص من الركعة الأخيرة، فإما أن يسلم معتقدًا التمام، أو لا.
فإن لم يسلم، فإن كان المتروك هو الفاتحة انتصب قائمًا، فقرأها، ثم أتم ركعته، وإن كان الركوع رجع قائمًا لينحط له من قيام، وندب له ليقرأ شيئًا من غير الفاتحة ليكون ركوعه عقب قراءة، ثم يركع ويتم ركعته، وإن كان المتروك الرفع منه رجح محدودبًا، فإذا وصل الركوع اطمأن ثم رفع وأتم ركعته، وقال ابن حبيب: يرجع قائمًا. وإن كان المتروك السجود، فإن كان سجودًا واحدًا، سجده وهو جالس، وأعاد التشهد، وسلم، وإن كان المتروك سجدتين، أتى بهما من قيام؛ لينحط لهما من قيام، فلو فعلهما من جلوس عمدًا كره، ولم تبطل صلاته، وسهوًا يسجد لتركه قبل السلام، فالانحطاط لهما غير واجب.
وإن سلم من الركعة الأخيرة معتقدًا تمام صلاته ثم تذكر الركن المتروك منها فات التدارك؛ وألغى ركعة النقص فيصلي ركعة بدلها إن قرب تذكره عرفًا، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الفصل أو خرج من المسجد بطلت صلاته.
وإن كان النقص من غير الركعة الأخيرة، فإنه يأتي به على التفصيل السابق ما لم يعقد ركوعًا، وعقد الركعة عند ابن القاسم: يكون برفع رأسه من ركوع يلي ركعة النقص، فإذا رفع رأسه من الركوع معتدلًا مطمئنًّا فات التدارك، وبطلت ركعة النقص،
стр. 6479
وانقلبت الثانية أولى.
وقال أشهب: «عقد الركعة يكون بوضع اليدين على الركبتين» (١). هذا ملخص القول في مذهب المالكية.
قال في إرشاد السالك: «أما الأركان فلا يجزئ إلا الإتيان بها ما لم يفت محل التلافي، فإن فات بطلت الركعة» (٢).
وقال الدردير: «من ترك ركنًا فإنه يتداركه إن لم يسلم، ولم يعقد ركوعًا، وإلا فات التدارك» (٣).
وفوات التدارك يبطل الركعة التي ترك فيها الركن ولا يبطل الصلاة إلا إذا سلم وطال الفصل عرفًا.
دليل المالكية على أن فوات الركن المتروك يكون بعقد الركوع أو بالسلام:
أما فوات التدارك بعقد الركوع: لأن إدراك الركوع يحصل به إدراك الركعة، وتفوت الركعة بفواته، فما لم يرفع من الركوع فإن عليه أن يرجع إلى الركن المتروك؛ ويلغي كل فعل فعله بعده.
وأما فوات التدارك بالسلام: فلأن السلام ركن حصل بعد ركعة بها خلل، فأشبه عقد الركوع في غيرها، فيأتي بركعة كاملة إن قرب سلامه، ولم يخرج من المسجد، وإلا ابتدأ الصلاة؛ لعدم بناء الركعة على ما قبلها.
القول الثالث:
ذهب الشافعية إلى أن ما فعله بعد المتروك لغو؛ لوقوعه في غير محله، فإن تذكر المتروك قبل بلوغ مثله من ركعة أخرى رجع إليه فورًا وجوبًا، فإن تأخر بطلت
стр. 6480
صلاته، فلو شك في سجوده، هل ركع رجع إلى القيام؛ ليركع منه، وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله تمت به ركعته؛ لوقوعه عن متروكه ولغا ما بينهما، وتدارك الباقي من صلاته، وسجد في آخرها للسهو (١).
• وجه قول الشافعية:
أن المصلي إذا ترك ركنًا، وهو في الصلاة لم يعتد بما فعله بعد الركن المتروك؛ لأن الترتيب بين أركان الصلاة فرض، فإذا فات الترتيب وقع الخلل في أفعال الصلاة، كما لو تقدم السجود على الركوع.
فإن تذكر الركن المتروك قبل أن يصل إلى مثله في الركعة التالية لزمه الرجوع إلى الركن المتروك؛ ليأتي به وبما بعده، ولا يجوز الاستمرار في أفعال الصلاة، وهي أفعال في غير محلها.
وإن لم يتذكر الركن المتروك حتى فعل مثله في ركعة أخرى أجزأه عن متروكه، وكان ما بينهما لغوًا، لوقوعها سهوًا في غير محلها، وتدارك الباقي.
القول الرابع:
قال الحنابلة: «من ترك ركنًا فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها وحدها، وجعل الأخرى مكانها، ويتم صلاته، ويسجد للسهو، فإن رجع عالمًا عامدًا بطلت صلاته.
وإن ذكره قبله عاد وجوبًا فأتى به وبما بعده، فإن لم يعد عمدًا بطلت صلاته، وسهوًا أو جهلًا بطلت الركعة فقط على الصحيح من المذهب. وإن علم بالركن المتروك بعد السلام فإن كان المتروك تشهدًا أخيرًا أو سلامًا أتى به وسجد وسلم، وإن كان المتروك غيره كركوع أو سجود أتى بركعة كاملة مع قرب الفصل عرفًا، فإن طال الفصل بطلت الصلاة؛ لتعذر البناء مع طول الفصل.