الذي هو جمع كلام محمد ﵀: رجل افتتح الصلاة، وقرأ، وركع، ولم يسجد، ثم قام فقرأ، وسجد، ولم يركع، فهذا قد صلى ركعة، وكذلك إن ركع أولًا، ثم قرأ، وركع، وسجد، فإنما صلى ركعة واحدة، وكذلك إن سجد أولًا سجدتين، ثم قام فقرأ في الثانية، وركع، ولم يسجد، ثم قام فقرأ، وسجد في الثالثة، ولم يركع، فإنما صلى ركعة واحدة، وكذلك إن ركع في الأولى ولم يسجد، وركع في الثانية، ولم يسجد ثم سجد في الثالثة، ولم يركع، فإنما صلى ركعة واحدة» (١).
وحجتهم على هذا التفريع:
أن الرجل إذا ترك سجدة صلبية من ركعة، ثم تذكرها آخر الصلاة قضاها، وتمت صلاته؛ لأن الركعة الثانية صادفت محلها؛ لأن محلها بعد الركعة الأولى، وقد وجدت الركعة الأولى؛ لأن الركعة تتقيد بسجدة واحدة، وإنما الثانية تكرار، ألا ترى أنه ينطلق عليها اسم الصلاة؟ حتى لو حلف لا يصلي فقيد الركعة بالسجدة يحنث، فكان أداء الركعة الثانية معتبرًا معتدًّا به، فلا يلزمه إلا قضاء المتروك، بخلاف ما إذا قدم السجود على الركوع؛ لأن السجود ما صادف محله؛ لأن محله بعد الركوع لتقييد الركعة، والركعة بدون الركوع لا تتحقق فلم يقع معتدًّا به، فهو الفرق.
وعلى هذا الخلاف إذا تذكر سجدتين من ركعتين في آخر الصلاة - قضاهما وتمت صلاته عندنا، ويبدأ بالأولى منهما ثم بالثانية؛ لأن القضاء على حسب الأداء، ثم الثانية مرتبة على الأولى في الأداء فكذا في القضاء.
стр. 6477
أما إذا كان المتروك ركوعًا فلا يتصور فيه القضاء، وكذا إذا ترك سجدتين من ركعة واحدة؛ لأنه لا يعتد بالسجود قبل الركوع؛ لعدم مصادفته محله، فلو قرأ، وسجد قبل أن يركع، ثم قام إلى الثانية، فقرأ، وركع وسجد، فهذا قد صلى ركعة واحدة، ولا يكون هذا الركوع قضاء عن الأول؛ لأنه إذا لم يركع لا يعتد بالسجود؛ لعدم مصادفته محله؛ إذ محله بعد الركوع.
وكذا إذا افتتح فقرأ، وركع، ولم يسجد، ثم رفع رأسه، فقرأ ولم يركع، وسجد، فهذا قد صلى ركعة واحدة، ولا يكون هذا السجود قضاء عن الأول؛ لأن ركوعه معتبر لمصادفته محله، إلا أنه توقف على أن يقيد بسجدة، فقيامه، وقراءته بعد ذلك غير معتد به؛ لعدم مصادفته محله، وسجوده بعد في محله، وكذا إذا قرأ وركع، ثم رفع رأسه فقرأ وركع وسجد، فإنما صلى ركعة، والمعتبر الركوع الأول؛ لكونه صادف محله ولأن مدركه مدرك للركعة، فوقع الركوع الثاني مكررًا فيلغو، ويلحق سجوده بالركوع الأول، فتصح له ركعة كاملة، وكذا لو قرأ ولم يركع وسجد، ثم قام فقرأ وركع ولم يسجد، ثم قام فقرأ ولم يركع، وسجد، فإنما صلى ركعة واحدة.
ويسجد للسهو في هذه المواضع، ولا تفسد صلاته إلا في رواية عن محمد: أن زيادة السجدة الواحدة كزيادة الركعة بناء على أصله أن السجدة الواحدة قربة، وهي سجدة الشكر، وعندهما: السجدة الواحدة ليست بقربة إلا سجدة التلاوة، بخلاف ما إذا زاد ركعة كاملة؛ لأنه فعل صلاة كاملة فانعقد نفلًا، فصار منتقلًا إليها فلا يبقى في الفرض ضرورة (١).
• ويناقش:
بأن دعوى أن الترتيب بين السجدتين واجب، والترتيب بين الركوع والسجود فرض، لا تقوم على دليل أثري يمكن التسليم له، ولا دليل نظري مطرد، فالصحيح أن كل ركن في الصلاة مستقل بنفسه، لا فرق بين ركن لا يتكرر، وبين ركن يتكرر في كل ركعة، وإذا كنتم لا تعتبرون الركوع يتكرر، مع أنه يتكرر في كل ركعة،
стр. 6478
فكذلك لا تأثير لتكرر السجود، والحنفية يعدون القعدة الأخيرة فرضًا لا يتكرر، مع وجود قعدة أولى في الصلاة من جنسها، فلا يصح في التفريق أثر يمكن الاحتجاج به، ولا نظر مطرد يمكن التسليم له.
وأما احتجاجهم بأن الترتيب بين الركعات ليس من الفروض بحجة أن ما يقضيه المسبوق، فهو أول صلاته، فهذه مسألة خلافية، والأصح فيها أن ما يقضيه هو آخر صلاته؛ لرواية الصحيحين: (وما فاتكم فأتموا)، وسوف تأتي هذه المسألة في مبحث خاص في أحكام الائتمام، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن من ترك ركنًا من أركان الصلاة سهوًا، فإما أن يكون النقص من الركعة الأخيرة أو من غيرها.
فإن كان النقص من الركعة الأخيرة، فإما أن يسلم معتقدًا التمام، أو لا.
فإن لم يسلم، فإن كان المتروك هو الفاتحة انتصب قائمًا، فقرأها، ثم أتم ركعته، وإن كان الركوع رجع قائمًا لينحط له من قيام، وندب له ليقرأ شيئًا من غير الفاتحة ليكون ركوعه عقب قراءة، ثم يركع ويتم ركعته، وإن كان المتروك الرفع منه رجح محدودبًا، فإذا وصل الركوع اطمأن ثم رفع وأتم ركعته، وقال ابن حبيب: يرجع قائمًا. وإن كان المتروك السجود، فإن كان سجودًا واحدًا، سجده وهو جالس، وأعاد التشهد، وسلم، وإن كان المتروك سجدتين، أتى بهما من قيام؛ لينحط لهما من قيام، فلو فعلهما من جلوس عمدًا كره، ولم تبطل صلاته، وسهوًا يسجد لتركه قبل السلام، فالانحطاط لهما غير واجب.
وإن سلم من الركعة الأخيرة معتقدًا تمام صلاته ثم تذكر الركن المتروك منها فات التدارك؛ وألغى ركعة النقص فيصلي ركعة بدلها إن قرب تذكره عرفًا، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الفصل أو خرج من المسجد بطلت صلاته.
وإن كان النقص من غير الركعة الأخيرة، فإنه يأتي به على التفصيل السابق ما لم يعقد ركوعًا، وعقد الركعة عند ابن القاسم: يكون برفع رأسه من ركوع يلي ركعة النقص، فإذا رفع رأسه من الركوع معتدلًا مطمئنًّا فات التدارك، وبطلت ركعة النقص،
стр. 6479
وانقلبت الثانية أولى.
وقال أشهب: «عقد الركعة يكون بوضع اليدين على الركبتين» (١). هذا ملخص القول في مذهب المالكية.
قال في إرشاد السالك: «أما الأركان فلا يجزئ إلا الإتيان بها ما لم يفت محل التلافي، فإن فات بطلت الركعة» (٢).
وقال الدردير: «من ترك ركنًا فإنه يتداركه إن لم يسلم، ولم يعقد ركوعًا، وإلا فات التدارك» (٣).
وفوات التدارك يبطل الركعة التي ترك فيها الركن ولا يبطل الصلاة إلا إذا سلم وطال الفصل عرفًا.
دليل المالكية على أن فوات الركن المتروك يكون بعقد الركوع أو بالسلام:
أما فوات التدارك بعقد الركوع: لأن إدراك الركوع يحصل به إدراك الركعة، وتفوت الركعة بفواته، فما لم يرفع من الركوع فإن عليه أن يرجع إلى الركن المتروك؛ ويلغي كل فعل فعله بعده.
وأما فوات التدارك بالسلام: فلأن السلام ركن حصل بعد ركعة بها خلل، فأشبه عقد الركوع في غيرها، فيأتي بركعة كاملة إن قرب سلامه، ولم يخرج من المسجد، وإلا ابتدأ الصلاة؛ لعدم بناء الركعة على ما قبلها.
القول الثالث:
ذهب الشافعية إلى أن ما فعله بعد المتروك لغو؛ لوقوعه في غير محله، فإن تذكر المتروك قبل بلوغ مثله من ركعة أخرى رجع إليه فورًا وجوبًا، فإن تأخر بطلت
стр. 6480
صلاته، فلو شك في سجوده، هل ركع رجع إلى القيام؛ ليركع منه، وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله تمت به ركعته؛ لوقوعه عن متروكه ولغا ما بينهما، وتدارك الباقي من صلاته، وسجد في آخرها للسهو (١).
• وجه قول الشافعية:
أن المصلي إذا ترك ركنًا، وهو في الصلاة لم يعتد بما فعله بعد الركن المتروك؛ لأن الترتيب بين أركان الصلاة فرض، فإذا فات الترتيب وقع الخلل في أفعال الصلاة، كما لو تقدم السجود على الركوع.
فإن تذكر الركن المتروك قبل أن يصل إلى مثله في الركعة التالية لزمه الرجوع إلى الركن المتروك؛ ليأتي به وبما بعده، ولا يجوز الاستمرار في أفعال الصلاة، وهي أفعال في غير محلها.
وإن لم يتذكر الركن المتروك حتى فعل مثله في ركعة أخرى أجزأه عن متروكه، وكان ما بينهما لغوًا، لوقوعها سهوًا في غير محلها، وتدارك الباقي.
القول الرابع:
قال الحنابلة: «من ترك ركنًا فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها وحدها، وجعل الأخرى مكانها، ويتم صلاته، ويسجد للسهو، فإن رجع عالمًا عامدًا بطلت صلاته.
وإن ذكره قبله عاد وجوبًا فأتى به وبما بعده، فإن لم يعد عمدًا بطلت صلاته، وسهوًا أو جهلًا بطلت الركعة فقط على الصحيح من المذهب. وإن علم بالركن المتروك بعد السلام فإن كان المتروك تشهدًا أخيرًا أو سلامًا أتى به وسجد وسلم، وإن كان المتروك غيره كركوع أو سجود أتى بركعة كاملة مع قرب الفصل عرفًا، فإن طال الفصل بطلت الصلاة؛ لتعذر البناء مع طول الفصل.
стр. 6481
وقيل: لا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، وإنما يأتي بما تركه ويبني عليه» (١).
• وحجة الحنابلة:
أن المصلي إذا ترك ركنًا فإنه يجب العود إليه إن كان يمكن تداركه؛ لوجوب الترتيب بين أفعال الصلاة، فإذا شرع في قراءة ركعة أخرى فات الاستدراك؛ لتلبسه بالركعة التي بعدها، وإنما علق الفوات بالقراءة، لا بمجرد القيام؛ لأن القيام ركن غير مقصود في نفسه؛ لأنه إنما يلزم منه قدر القراءة الواجبة، فكانت القراءة هي المقصودة، وليس القيام.
• وأجيب عن ذلك بأجوبة منها:
الجواب الأول:
القول بأن القيام مقصود للقراءة هذه مسألة خلافية.
قال الخرشي: «فإن عجز عنها -أي عن الفاتحة- سقط القيام … وقيل: القيام واجب مستقل، فلا يسقط القيام عمن عجز عن قراءتها» (٢).
وقال إمام الحرمين: «القيام في الصلاة المفروضة ركن مقصود عندنا» (٣).
وجاء في كشاف القناع: القيام ركن مقصود في نفسه؛ لأنه لو تركه مع القدرة عليه لم يجزئه، فمع القدرة تجب القراءة والقيام بقدرها، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر لقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٤).
فلو لم يكن القيام مقصودًا في نفسه لم يلزم الأخرس؛ لأنه لا قراءة عليه.
ولأن القيام بعد الركوع ركن، ولا قراءة فيه.
ولأن القيام في نفسه تعظيم لله كالركوع والسجود، قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمر بالقيام في الصلاة.
стр. 6482
وأثنى سبحانه على المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤].
ولما كان القيام فيه من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله كان النبي ﷺ يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه (١).
ونهى النبي ﷺ أصحابه أن يصلوا خلفه قيامًا حين صلى قاعدًا في مرضه، وقال: إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود. رواه مسلم.
وقال ﷺ : من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار (٢).
الجواب الثاني:
لا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه في الوقت نفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه.
يقول ابن رجب في القواعد: «العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة» (٣).
ولأن الأصل في الصلاة الأفعال، والأذكار تبع لها.
(ح-٢٣١٧) وقد روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني
стр. 6483
الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (١).
[تفرد به إبراهيم بن طهمان] (٢).
فعلق الجواز قاعدًا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن القراءة.
الجواب الثالث:
أن ما قبل المتروك قد وقع في محله صحيحًا، فإبطاله لا دليل عليه، فلا يلزم المصلي إعادته، بل إن إعادته مع صحته يعتبر زيادة في صلاته، ويرى الحنابلة أن الركن المتروك لوكان في الركعة الأولى وأبطلت لشروعه في قراءة الركعة الثانية فإنه لا يشرع له إعادة دعاء الاستفتاح، وهذا يدل على أحد أمرين: وجود صلاة لا يشرع لها دعاء الاستفتاح بلا دليل. أو تصحيح دعاء الاستفتاح وهو جزء من ركعة باطلة، وهذا غير مستقيم؛ لأن الحكم بإبطال الركعة إبطال لكل ما فعل فيها.
• الراجح:
واضح أن المسألة ليس فيها نص يمكن أن يحسم الخلاف، وأرى أن أقرب الأقوال إلى الحق هو مذهب الشافعية، وللمسألة متعلق آخر للبحث يتعلق بسجود السهو لترك الركن، سواء قلنا بأنه يمكن تداركه، أو قلنا بفواته، ومحل السجود، أيكون قبل أو بعده، نؤجل الخوض فيه إلى أحكام سجود السهو إن شاء الله تعالى، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه وحوله وقوته.
стр. 6484
المبحث الخامس في بطلان الصلاة بفوات الطمأنينة
المدخل إلى المسألة:
• الصلاة الشرعية: ما جمعت شيئين: القيام بالأركان، والطمأنينة فيها، وترك أحدهما مبطل مطلقًا، بخلاف الواجب فسهوه لا يبطل بالاتفاق، وفي إبطال الصلاة بتعمد تركه خلاف.
• الطمأنينة وصف زائد على مجرد الركوع والسجود والاعتدال منهما.
• قال ﷺ : (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا) فإذا ثبتت ركنية الاطمئنان في الجلسة بعد السجود ثبت مثلها في القيام من الركوع حيث لا فرق.
[م-٧٩٩] إذا ترك الرجل الطمأنينة في الصلاة، فهل تبطل صلاته؟
اختلف الفقهاء في ذلك تبعًا لاختلافهم في حكم الطمأنينة في الصلاة.
فقيل: الطمأنينة ركن مطلقًا في الركوع والسجود، وفي الاعتدال منهما، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، اختاره ابن الحاجب والجلاب واللخمي والأصح على رأي خليل في التوضيح (١).
стр. 6485
وقيل: الطمأنية ليست بركن، على خلاف، أهي واجبة وهو الصحيح من مذهب الحنفية، أم سنة وهو قول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية (١).
стр. 6486
فمن قال: إنها ركن أبطل الصلاة بفوات الطمأنينة.
ومن اعتبرها من السنن لم تبطل صلاته، فإن تركها متعمدًا، فصلاته صحيحة، وإن تركها سهوًا رجع ذلك إلى الخلاف في مشروعية سجود السهو لترك السنن، وهو محل خلاف بين الفقهاء، سيأتينا إن شاء الله تعالى الوقوف عليه في أحكام سجود السهو.
ومن قال: إن الطمأنينة واجبة، فإن تركها سهوًا سجد للسهو.
وإن تركها عمدًا، فهل تبطل الصلاة بتركه؟ في ذلك خلاف بين العلماء في بطلان الصلاة بترك الواجب عمدًا.
فالحنفية وظاهر مذهب المالكية أن الصلاة لا تبطل بترك الواجب، وتعاد الصلاة؛ لتدارك ما فات.
وقال الشافعية والحنابلة: تبطل، والله أعلم، وقد سبق بحث هذه المسألة ولله الحمد.
وكنت قد بحثت في صفة الصلاة خلاف الفقهاء في الطمأنينة في الركوع والسجود وفي الاعتدال منهما، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد (١).
стр. 6487
المبحث السادس بطلان الصلاة بفوات الاعتدال من الركوع والسجود
المدخل إلى المسألة:
• كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية.
• القيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فرق بين قيام وقيام وقعود وآخر فعليه الدليل.
• الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي.
• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو؛ فإن ذلك دليل على ركنيته، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول ﷺ : (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).
• حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).
[م-٨٠٠] الاعتدال من الركوع والسجود يقصد به انتصاب القامة منهما، ولا يقصد به الرفع من الركوع والسجود، فالاعتدال: قدر زائد على مجرد الرفع منهما، كما أن الطمأنينة في الاعتدال قدر زائد على مطلق الاعتدال (١).
فإذا ترك الرجل الاعتدال من الركوع والسجود في الصلاة، فهل تبطل صلاته؟
стр. 6488
اختلف الفقهاء في ذلك تبعًا لاختلافهم في حكم الاعتدال في الصلاة.
فقيل: سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه ابن القاسم وابن رشد (١).
قال الزيلعي: «والقومة والجلسة: أي القومة من الركوع، والجلسة بين السجدتين، وهما سنتان عندنا خلافًا لأبي يوسف» (٢).
وقال ابن رشد في البيان: «الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها … » (٣).
وقيل: ركن، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره أشهب، واللخمي وابن الجلاب وخليل، وابن عبد البر من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٤).
стр. 6489
قال ابن عبد البر: «الاعتدال فرض … ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال» (١).
وقال ابن رشد في المقدمات: «وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة الاختلاف فيه في المذهب: ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض» (٢).
وقيل: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب من المالكية، وحكاه ابن القصار أيضًا (٣).
وهذا في الحقيقة ليس قولًا مستقلًّا، وإنما يبين متى يتحقق الاعتدال من الركوع، فإذا رفع حتى كان إلى القيام أقرب، حكم له بحكم القيام؛ لمقاربته إياه، وإن كان إلى الركوع أقرب كان في حكم الراكع الذي لم يرفع، ولم يوجد منه فصل بين
стр. 6490
الركوع والسجود، بناء على قاعدة: ما قارب الشيء يعطى حكمه.
وقيل: الاعتدال واجب، وعليه المتأخرون من الحنفية، فإن تركه سهوًا صحت صلاته، وجبره بسجود السهو (١).
فمن ذهب إلى أن الاعتدال من الركوع والسجود فرض وهو قول الجمهور أبطل الصلاة بفواته.
ومن اعتبره من السنن لم تبطل صلاته، فإن تركه متعمدًا فصلاته صحيحة، وإن تركه سهوًا رجع ذلك إلى الخلاف في مشروعية سجود السهو لترك السنن، وهو محل خلاف بين الفقهاء، سيأتينا إن شاء الله تعالى الوقوف عليه في أحكام سجود السهو.
ومن قال: إن الاعتدال واجب، فإن تركه سهوًا سجد للسهو، وإن تركه عمدًا
فهل تبطل الصلاة بتركه؟ في ذلك خلاف بين العلماء في بطلان الصلاة بترك الواجب عمدًا.
فالحنفية وظاهر مذهب المالكية أن الصلاة لا تبطل بترك الواجب، وتعاد الصلاة؛ لتدارك ما فات.
وقال الشافعية والحنابلة: تبطل، والله أعلم، وسبق بحث هذه المسألة ولله الحمد.
وكنت قد بحثت في صفة الصلاة خلاف الفقهاء في حكم الاعتدال من الركوع والسجود، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد (٢).
стр. 6491
المبحث السابع بطلان الصلاة لمسابقة الإمام بالرفع من الركوع والسجود
المدخل إلى المسألة:
• النصوص الصحيحة الصريحة تدل على تحريم مسابقة الإمام.
• لا يحفظ في النصوص نص واحد يأمر من سبق إمامه بإعادة الصلاة، والأصل الصحة.
• ما انعقد صحيحًا فهو على الصحة حتى يقوم دليل صحيح صريح على الفساد.
• أمر عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ من فعل ذلك أن يعود بمقدار ما سبق به الإمام، وهو يدل على عدم القول بالبطلان.
• سبق الإمام بجزء من الركن مخالفة يسيرة ليس بمنزلة من سبق الإمام بركن كامل، وهو يقع كثيرًا من الناس، واعتباره من المبطلات شديد.
• تعليل الإبطال بفوات واجب المتابعة لا يكفي حجة، فواجب المتابعة يفوت بموافقة الإمام في الانتقال، وبالتأخر عنه كثيرًا، لحديث: (إذا كبر فكبروا)، ولم تبطل بذلك الصلاة، فكذلك المسابقة اليسيرة.
[م-٨٠١] المشروع للمأموم أن يتابع إمامه، ويقتدي به في أفعاله؛ لقوله ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به.
فإن تعمد المأموم أن يرفع رأسه قبل إمامه في ركوعه أو في سجوده بعد أن مكث مقدار الفرض، فالعلماء على تحريم الفعل، والأئمة الأربعة على عدم إبطال الصلاة بهذا المقدار من المخالفة، وإذا كان يمكنه أن يعود ليرفع بعد إمامه، أيلزمه أن يعود، أم يستحب له العود، أم ينتظر حتى يلحقه الإمام، وهل يعود حتى لو علم أنه لو عاد لن يدرك الإمام في الركوع.
стр. 6492
وإذا عاد أيعتبر عوده تكرارًا للركن، فيبطل ذلك صلاته، أم يعتبر عوده تصحيحًا لفعله؟ في كل ذلك حصل خلاف بين العلماء.
فقيل: من ركع أو سجد قبل إمامه بطلت صلاته، وبه قال أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعية (١).
وقيل: يحرم فعله، وركوعه وسجوده صحيح، ولو تعمد ذلك، حكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء (٢)، على خلاف بينهم في حكم رجوعه:
فقال الحنابلة: يجب عليه أن يرجع ليأتي به بعده، فإن أبى الرجوع عالمًا عامدًا حتى أدركه إمامه فيه بطلت صلاته، وهو مذهب الحنابلة، وبه قال زفر من الحنفية (٣).
وقيل: إذا ركع قبل إمامه فأدركه إمامه فيه صح ركوعه إن كان ركوع المقتدي بعد ما قرأ الإمام قدر فرض القراءة، وكره تحريمًا للنهي عن المسابقة. فإن كان ركوع المقتدي قبل أن يقرأ الإمام مقدار الفرض، أو رفع المقتدي رأسه قبل أن يركع الإمام، لم يجزه، وهذا مذهب الحنفية (٤).
وقال المالكية: إن خفض قبل إمامه للركوع أو السجود فقد أساء في خفضه قبل إمامه، ولا يؤمر بالعود لاتباع إمامه.
وإن رفع قبل إمامه، وظن أنه لو رجع أدرك الإمام قبل أن يرفع، فقال مالك: يسن له أن يرجع ليرفع بعده، وبه قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء (٥).
стр. 6493
وقال الباجي: يجب. ذكرهما خليل في التوضيح ولم يرجح.
وقيل: الصحيح أنه لا فرق بين الرفع والخفض خلافًا لما اختاره خليل (١).
وإن علم أنه لو رجع لم يدركه، فقال مالك وأشهب: لا يرجع.
وقال سحنون: «يعود، ويبقى بعد الإمام بقدر ما انفرد الإمام به بعده، وبه قال عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄»، وسيأتي تخريج قوليهما في الأدلة إن شاء الله تعالى. هذا ملخص القول عند المالكية (٢).
وقال الشافعية: للمأموم انتظار إمامه حتى يلحقه الإمام، وهل له أن يعود ليرفع مع إمامه، في المذهب ثلاثة أقوال:
فقيل: إن تعمد السبق سن له العود؛ ليرفع مع إمامه، وإن فعله ساهيًا تخير بين الانتظار والعود، وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعية (٣).
وقال إمام الحرمين: لو ركع قبل الإمام أو رفع قبله عمدًا حرم العود؛ فإن عاد بطلت صلاته؛ لأنه زاد ركنًا عمدًا، واقتصر عليه البغوي. وقال ابن رجب: اختاره بعض المتأخرين من أصحابنا.
стр. 6494
وقال إمام الحرمين: وإن فعله سهوًا بأن سمع صوتًا فظن أن الإمام ركع، فركع، فبان أنه لم يركع، ففي جواز الرجوع وجهان.
وقال البغوي وغيره: في وجوب الرجوع وجهان:
أحدهما: يجب فإن لم يرجع بطلت صلاته.
وأصحهما: لا يجب بل يتخير بين الرجوع وعدمه (١).
وقيل: يجب العود، اختاره أبو حامد من الشافعية، وصاحب المهذب، وغيرهما من العراقيين (٢).
هذه تفاصيل أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، وخلاصتها كالتالي:
قيل: إذا ركع أو سجد عمدًا قبل إمامه بطلت صلاته، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن أحمد.
وقيل: يحرم الفعل، ولا تبطل الصلاة؛ لأن المخالفة يسيرة، وهو مذهب الأئمة الأربعة في الجملة، إلا أن الحنفية قالوا: يكره تحريمًا، وهما بمعنى.
وعبر الحنفية بالكراهة التحريمية بدلًا من التحريم جريًا على قاعدتهم في التفريق بين النهي إذا كان قطعيًّا فيفيد التحريم، أو ظنيًّا فيفيد الكراهة التحريمية، وقد ناقشت اصطلاحهم فيما سبق في مكروهات الصلاة.
واختلفوا في حكم رجوع المأموم إذا سبق إمامه:
فقيل: يجب الرجوع، وهو اختيار سحنون والباجي من المالكية، وأبي حامد وبعض العراقيين من الشافعية، وقال الحنابلة وزفر: إذا لم يرجع حتى أدركه الإمام بطلت صلاته.
وقال المالكية: إن خفض قبل إمامه للركوع أو السجود لم يؤمر بالعود لاتباع إمامه، وإن رفع من الركوع أو السجود قبل إمامه، وظن أنه لو رجع أدرك الإمام قبل أن
стр. 6495
يرفع، فقال مالك: يسن الرجوع إن علم أو ظن أنه لو رجع أدرك الإمام قبل أن يرفع.
وقيل: إن تعمد السبق سن له الرجوع، وإن كان سهوًا تخير، وهو المعتمد عند الشافعية.
وقيل: يحرم الرجوع، فإن رجع بطلت صلاته؛ لأنه يكون قد زاد ركنًا، اختاره إمام الحرمين، واقتصر عليه البغوي، ورجحه بعض المتأخرين من الحنابلة.
وإذا تصورت الأقوال في المسألة، فلننتقل إلى معرض الاستدلال عليها، سهل الله علينا ذلك، وأعاننا على الفهم.
• دليل من قال: إذا رفع أو ركع قبل الإمام بطلت صلاته:
الدليل الأول:
(ح-٢٣١٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن محمد بن زياد،
سمعت أبا هريرة، عن النبي ﷺ قال: أما يخشى أحدكم -أو: لا يخشى أحدكم- إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار، وهذا لفظ البخاري (١).
ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن محمد بن زياد به، بلفظ: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام، أن يحول الله رأسه رأس حمار؟ (٢).
ورواه أيضًا من طريق يونس بن عبيد، عن محمد بن زياد به، بلفظ: (ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام أن يحول الله صورته في صورة حمار) (٣).
وجه الاستدلال:
الحديث دليل على تحريم سبق الإمام للتوعد على الفعل، ولا يكون التوعد إلا على محرم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٣١٩) ما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل،
стр. 6496
عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفي. ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار (١).
الدليل الثالث:
(ح-٢٣٢٠) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فذكر قصة وفيه: .... قال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا؛ فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم … الحديث (٢).
• ونوقش:
هذه الأحاديث تدل على تحريم مسابقة الإمام، ولا خلاف في ذلك، إلا أن هذه الأحاديث على كثرتها لا يوجد فيها نص يأمر المتقدم بإعادة الصلاة، والقول ببطلان الصلاة أمر شديد، يحتاج فيه المفتي إلى حجة واضحة، وليس الاحتياط في الذهاب إلى القول بالبطلان؛ لأن ما انعقد صحيحًا فهو على الصحة حتى يقوم دليل صحيح صريح على الفساد، وقد أمر عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ من فعل ذلك أن يعود بمقدار ما سبق به الإمام، وهو يدل على صحة صلاته، وسوف يأتي تخريج قولهما إن شاء الله تعالى.
الدليل الرابع:
(ح-٢٣٢١) ما رواه مسدد في مسنده، كما في المطالب العالية، قال: حدثنا
стр. 6497
محمد بن جابر، حدثنا عبد الله بن بدر، عن علي بن شيبان،
عن أبيه ﵄، قال: صليت خلف النبي ﷺ فرفع رجل رأسه قبل النبي ﷺ ، فلما انصرف، قال: من رفع رأسه قبل الإمام أو وضع فلا صلاة له (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الخامس:
إذا ثبت النهي عن مسابقة الإمام في أدلة صحيحة صريحة؛ فالنهي يقتضي الفساد.
стр. 6498
(ح-٢٣٢٢) لما رواه الشيخان من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد (١).
ورواه مسلم من طريق عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم به، وفيه: … من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢).
والرد: هو المردود.
• ونوقش الدليلان السابقان:
بأن الدليل إما صريح لا يصح كحديث شيبان، وإما صحيح ليس صريحًا كحديث عائشة ﵂.
ولا تلازم بين التحريم والبطلان، فقد يجتمعان، وقد يوجد التحريم مع القول بصحة الصلاة، فكل ما يبطل الصلاة فهو محرم، وليس كل محرم مبطلًا للصلاة.
ولفظ: (فهو رد) مجمل، أيعني إبطال الثواب بالمقدار الذي خالف فيه الإمام، أم يعني: إبطال العمل؟
وإذا حمل على إبطال العمل، أهو رد للعمل كله بإبطال الصلاة، أم رد للركعة التي وقعت فيها المخالفة، أم رد للمقدار الذي وقعت فيه المخالفة فلا يعتد به؟ وإذا كان لا يعتد به، فهل يلزمه العود، أم يكفي أن يدركه الإمام في الرفع ليعتد به؟
ورأي الخليفة عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ يدل على صحة صلاته، وأن هذا المقدار من المخالفة لا يبطل الصلاة، والأصل عدم الإبطال، وسيأتي إن شاء الله تعالى تخريج الأثر عنهما، وهو قول جمهور العلماء.
والفقهاء مختلفون في النهي: أيقتضي الفساد بكل حال، أم أن ذلك مختص بالعبادات، أم أنه مختص بما إذا كان النهي عن الشيء لعينه، أو لوصف ملازم
стр. 6499
كالنهي عن البيوع الربوية وبيوع الغرر، فإذا عاد النهي عن الشيء لأمر خارج، كالبيع بعد نداء الجمعة، لم يقتض النهي الفساد، هذا نزاع بين أهل الأصول (١).
وقد تقدم بسط ذلك عند الكلام على الصلاة في الثوب المغصوب والدار المغصوبة، فارجع إليه تكرمًا.
• دليل من قال: يجب الرجوع إلى ما كان عليه إمامه وإلا بطلت صلاته:
الدليل الأول:
(ح-٢٣٢٣) ما رواه الإمام أحمد من طريق وهيب، حدثنا مصعب بن محمد، عن أبي صالح السمان،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإن صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون (٢).
[صحيح] (٣).
فهذا الحديث والأحاديث التي بمعناه والتي نهت عن مسابقة الإمام، قد بينت
стр. 6500
أن فعل المأموم يأتي بعد فعل الإمام: (إذا كبر فكبروا … ولا تكبروا حتى يكبر)، وتدل على أن ما سبق به الإمام لا يعتد به؛ لوقوعه على صفة غير مشروعة، وفي غير وقته، وعليه إذا رفع قبل إمامه فعليه أن يصحح هذا الفعل بإبطال ما فعله، والعودة إلى متابعة إمامه ما أمكنه ذلك، وبعض العلماء يعتبر إبطال جزء من الرفع إبطالًا للرفع كله، فلا يمكن أن يتبعض الإبطال في ركن واحد، فيكون العود واجبًا إلى ما كان عليه قبل الرفع.
الدليل الثاني:
أن متابعة الإمام واجبة، فيجب العود لتحصيلها، فإذا لم يعد بطلت صلاته؛ لأنه يكون قد ترك الواجب عمدًا حتى فات.
• ونوقش هذا بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن ما انعقد صحيحًا لا يجوز إبطاله إلا بدليل صحيح يدل على فساد العبادة، وكون الشيء منهيًّا عنه لا يكفي للقول بالفساد، وقد بينت أنه لا تلازم بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، فقد يحرم الشيء ويصح، والقول بالفساد مخالف لمذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد، ولا يعرف القول بالبطلان إلا للظاهرية، ورواية عن أحمد، ولولا هذه الرواية عن أحمد لم ألتفت لقول الظاهرية.
وأما الجواب عن فساد العبادة بترتبه على ترك المتابعة الواجبة، وأن ترك الواجب في الصلاة عمدًا يبطلها.
فهذه مسألة خلافية وقد سبق أن أفردتها في بحث خاص، فالحنفية والمالكية لا يرون فساد العبادة بترك الواجب فيها، إلا إذا كان هذا الواجب وجوب شرط أو ركن.
وإذا كانت المتابعة من جنس المأمورات، فإن مسابقة الإمام من جنس المنهيات، وهي أغلظ من المأمورات؛ لحديث: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) فهلا أبطلتم الصلاة بمجرد مسابقة الإمام. ومتابعة الإمام تفوت أيضًا بالموافقة، ومع ذلك لم تذهبوا لإبطال الصلاة بفواتها، مع أن قوله: (إذا
стр. 6501
كبر فكبروا)، يدل على وجوب الترتيب والتعقيب.
كما أنه لو تأخر عن إمامه لم تبطل الصلاة مع فوات التعقيب الواجب المفهوم من صيغة الأمر.
• دليل من قال: يستحب الرجوع إلى ما كان عليه إمامه:
المطلوب هو مشاركة الإمام في الركن، وقد شاركه في الركوع وفي الرفع منه بمقدار الفرض، فلم يسبقه بمقدار ركن كامل، ولا في تكبيرة الإحرام ولا بالسلام من الصلاة، فهذه الأركان التي إذا وقعت فيها المخالفة أثرت في صلاته، وأما كونه سبقه بجزء من الركن فهذه مخالفة يسيرة.
وإذا كان رفعه قبل إمامه وهو الذي قد جاء النهي عنه صريحًا في النصوص لم يبطل ركعته، فكذلك من باب أولى ألا يبطل ركوعه؛ لأنه جزء من الركعة، ولو كان ترك العود مبطلًا لركوعه لكان الرفع قبل إمامه مبطلًا من باب أولى؛ لأن ترك العود أثر عنه، وإذا صح ركوعه لم يكن العود إليه من التصحيح الواجب بل من المستحب، خاصة أنه لا يوجد في الأدلة المرفوعة الأمر له بالعود، وليس في الأحاديث ما يدل على بطلان الركوع، فضلًا عن بطلان الركعة، فضلًا عن بطلان كامل الصلاة. والله أعلم.
• دليل من قال: لا يرجع إن علم أنه لا يدرك الإمام فيما فارقه عليه:
لأنه إنما يؤمر بالرجوع من أجل تلافي مخالفة الإمام، وإذا كان لا يدركه أوقعه الرجوع بمخالفة أخرى للإمام، فلا يؤمر بذلك.
• دليل من قال: يرجع المأموم وإن علم أنه لا يدرك الإمام فيما فارقه عليه:
الدليل الأول:
(ث-٥٦٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال أخبرنا حصين، عن هلال بن يساف، عن أبي حيان الأشجعي -وكان من أصحاب عبد الله- قال:
قال عبد الله: لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه، والإمام ساجد فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبق به الإمام (١).
стр. 6502
[حسن] (١).
الدليل الثاني:
(ث-٥٦٧) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق ابن إسحاق، عن يعقوب بن عبد الله الأشج، عن بسر بن سعيد، عن الحارث بن مخلد،
عن أبيه، قال: قال عمر: من رفع رأسه قبل الإمام فليعد، وليمكث حتى يرى أنه أدرك ما فاته (٢).
[صحيح، وهذا إسناد حسن] (٣).
стр. 6503
الدليل الثالث:
(ث-٥٦٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا محمد بن هارون البصري، عن سليمان بن كندير،
стр. 6504
قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فرفعت رأسي قبل الإمام فأخذه فأعاده (١).
[صحيح] (٢).
стр. 6505
وجه الاستدلال:
دل أثر عمر وابن مسعود وابن عمر ﵃ على أن ما سبق فيه الإمام لغو، فعليه أن يعود ليقع فعله بعد فعل الإمام؛ من أجل واجب المتابعة، وإن أدى ذلك إلى مخالفة الإمام في الحال، كما يفعل ذلك من فاته بعض الركعة مع الإمام، فإنه يفعله، وإن خالف الإمام في الحال.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
دل أثر عمر وابن مسعود ﵄ أن المسابقة لا تبطل الصلاة،
стр. 6506
بل ولا تبطل الركعة، وظاهره يدل على أن الرجوع إلى الركوع على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب؛ لأن ذلك لوكان واجبًا لم يطلب منه أن يمكث قدر ما سبق به الإمام، بل إن كان قد اطمأن في الركوع الأول فيكفيه مجرد العود ليرفع بعد إمامه، وإن كان لم يطمئن في الركوع الأول مكث في ركوعه الثاني قدر الفرض، وربما لو مكث مقدار ما مكث الإمام لسجد الإمام قبل أن يشاركه في الرفع، فتقع المخالفة بأكثر من ركن، والله أعلم.
الوجه الثاني:
أن المنهي عنه هو مسابقة الإمام، ورجوعه إلى الركوع لا يرفع مفسدة المخالفة بعد وقوعها، والمطلوب مشاركة الإمام في الركن وقد حصل، وسبقه ببعض الركن لا يؤثر على صحة صلاته؛ لكون المخالفة يسيرة، وإن كان منهيًّا عنها، فإذا لحقه الإمام في الرفع من الركوع كان أشبه ما لو رفع مع إمامه، ولأن السبق اليسير يقع كثيرًا، فلا حاجة إلى مخالفة الإمام مرة أخرى، والعود إلى الركوع، والله أعلم.
• دليل من قال: إن تعمد سن له الرجوع، وإن كان ساهيًا تخير:
لما كان الساهي معذورًا في مسابقته للإمام كان بالخيار بين العود وعدمه؛ لعدم فحش المخالفة، بخلاف من تعمد مسابقة الإمام، فإنه غير معذور في تفويت المتابعة، فسن له العود لتحقيق المتابعة.
•ويناقش:
بأنه لو عكس لكان أصح، فالساهي لم يقصد مسابقة الإمام فكان رفعه خطأ ولا اعتداد بالخطأ، فسن له العود، بخلاف المتعمد فإنه قد سبق إمامه عالمًا متعمدًا، وتلبس بالركن الذي يليه عن قصد، وقد حصلت مفسدة المسابقة، ورجوعه لن يرفع هذه المفسدة، فلا يشرع له العود.
• دليل من قال: يعود إذا سبق الإمام في الرفع، ولا يعود إذا سبقه بالخفض:
(ح-٢٣٢٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن محمد بن زياد،
سمعت أبا هريرة، عن النبي ﷺ قال: أما يخشى أحدكم -أو: لا يخشى
стр. 6507
أحدكم- إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار، وهذا لفظ البخاري (١).
وجه الاستدلال:
أن الحديث دليل على منع تقدم المأموم على الإمام في الرفع، ولم ينه عن المسابقة في الخفض.
وفرق سحنون كما في التوضيح لخليل بين المسابقة بالرفع والمسابقة بالخفض بقوله عن الخفض: بأنه غير مقصود في نفسه، بلا خلاف في المذهب، وإنما المقصود منه الركوع والسجود … إلا أنه قد أساء في خفضه قبل إمامه (٢).
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
قال الخرشي في شرحه: «ما ذكره المؤلف من التفرقة بين الرفع والخفض هو المشهور كما قاله ابن عمر ونقله الطخيخي، ولكن مقتضى ما في ابن غازي والمواق: أن الخفض كالرفع، وهو المعول عليه كما يفيده كلام الحطاب» (٣).
الوجه الثاني:
سبق لنا حديث أنس ﵁ في صحيح مسلم: (إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام).
فنهى عن السبق بالركوع وبالسجود وهو سبق بالخفض، فصح أن النهي متوجه إلى المسابقة في الخفض كالرفع.
الوجه الثالث:
على فرض أنه لم يذكر السبق في الخفض فإنه مقيس عليه، لعدم الفرق بجامع المخالفة للإمام، ودعوى أن الرفع مقصود والخفض غير مقصود غير مسلم،
стр. 6508
فإن بعض الفقهاء يرى أن الرفع من السجود غير مقصود وإنما يشرع منه مقدار ما يتحقق به الفصل بين السجدتين، ويرى بعض الفقهاء أن جميع حركات الانتقال بين الأركان ليست مقصودة، وسواء قلنا: هي مقصودة أم غير مقصودة، فإن ذلك لا ينفي ركنيتها، وكونها جزءًا من ماهية الصلاة، كقولكم في القيام بأنه ركن، وهو غير مقصود عند المالكية والحنفية وقول في مذهب الحنابلة، والله أعلم.
• دليل من قال: إن رجع بطلت صلاته:
العودة إلى الركوع بعد ما رفع منه عمدًا يؤدي إلى تكرار الركن الفعلي، وتكرار الركن الفعلي زيادة تبطل الصلاة؛ حيث لا يشرع ركوعان في ركعة واحدة إلا في صلاة الكسوف.
• ويناقش:
بأن جميع مذاهب الأئمة الأربعة لا يعتبرون إلغاء ما وقع في غير محله، والعود إلى ما كان عليه تكرارًا للركن، فهؤلاء الحنابلة قالوا: لو نسي ركوعًا، فذكره بعد أن قام إلى الثانية وقبل أن يشرع في القراءة فعليه أن يعود إلى القيام؛ ليركع منه، ولم يعتبر عوده إلى القيام تكرارًا للقيام.
وفي مذهب المالكية: يجب أن يعود إلى القيام لينحط للركوع من قيام ما لم يرفع رأسه من ركوع يلي ركعة النقص.
وفي مذهب الشافعية: يجب أن يعود ما لم يبلغ مثله من ركعة أخرى.
ففي كل هذه المذاهب لا يعتبرون عوده إلى القيام تكرارًا للقيام، وقل مثل ذلك في مذهب الحنفية في ركن لا يتكرر. فكذلك رجوعه إلى الركوع لا يعتبر تكرارًا للركوع، فإذا عاد إلى الركوع فإن كل ما فعله أنه أبطل ما خالف فيه الشرع، واعتبر كأنه لم يفعله؛ لكونه في غير أوانه، فكان ركوعه في حكم الركوع الواحد الذي لم يتعدد، والله أعلم.
فإن قالوا: هذا القول في رجل نسي الركوع، والمسألة مفروضة في رجل تعمد الرفع من الركوع، فلا يستويان.
стр. 6509
فالجواب: أن النسيان كان للركوع، فلو أنه رجع إلى الركوع لكان هذا الاعتراض وجيهًا، وأما إن رجع إلى القيام بعد مفارقته لكان متعمدًا، والتكرار حصل للقيام، وليس للركوع الذي وقع فيه النسيان، والله أعلم.
• الراجح:
أن مسابقة الإمام محرمة، وكونها محرمة لا تقتضي البطلان، فإذا ركع قبل إمامه فأدركه الإمام في الركوع بمقدار الفرض صحت صلاته مع تحريم الفعل، وليس في الأدلة ما يقتضي فساد صلاة المأموم، بله ولا فساد الركعة، بله ولا فساد الركوع، ولو قيل: إذا كثرت مسابقة المأموم لإمامه متعمدًا بطل اقتداؤه به، ولم يحصل له أجر الجماعة؛ لأن الاقتداء واجب للصلاة، وليس واجبًا فيها، فالإخلال به لا يعود على صحة صلاة المأموم بالبطلان، فلو كان يصلي منفردًا لصحت صلاته قولًا واحدًا، لقيام شروطها وأركانها، وإنما الذي فسد ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، وتحمل الإمام عنه القراءة والسهو، ويأثم على هذا الفعل، ولا يعود ذلك على بطلان الصلاة بالكلية؛ لو قيل بهذا ربما كان له وجه، خاصة أن هناك من الفقهاء من يبيح للمأموم أن ينوي الانفراد عن الإمام مطلقًا، ولو من غير عذر، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١).
ومنهم من يبيحه للحاجة، كما لو حصر ببول، أو كان الإمام يطيل الصلاة إطالة تخالف السنة، أو كان الاقتداء يفوت غرضًا للمأموم، فما المانع أن يكون هذا الفعل من المأموم يحرمه أجر الجماعة، ولا يبطل صلاته، هذا إنما يقال لو أن أحدًا
стр. 6510
من السلف قال به، وإذ لم يقل به أحد فلا يعبأ به، وسوف أتعرض لهذه المسألة في أحكام الإمامة إن شاء الله تعالى، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
стр. 6511
المبحث الثامن في بطلان الصلاة إذا سلم قبل إتمامها وطال الفصل
المدخل إلى المسألة:
• كل ما يشترط فيه الولاء بين أفعاله فالفاصل الطويل يقطعه.
• إذا سلم ساهيًا بنية التحلل من الصلاة لم يضره استدباره للقبلة، ولا كلامه ولا خروجه من المسجد؛ لحديث عمران بن الحصين في مسلم.
• تفريق أفعال الصلاة الواحدة عمدًا يبطلها، وسهوًا يغتفر ما لم يتطاول الفصل في قول جمهور أهل العلم، وقيل: ما لم ينتقض وضؤوه.
• الخروج من المسجد لا يمنع من البناء على ما صلى؛ لأن المسجد ليس شرطًا في صحة الصلاة.
• إذا كان سلامه من الصلاة بنية التحلل، واستدباره للقبلة، وكلامه لم يمنع من البناء على ما صلى؛ لوقوعها سهوًا لم يمنع الخروج من المسجد للعلة نفسها.
• قال ابن رجب: «في حديث عمران بن حصين ما يدل على البناء مع طول الفصل» (١).
[م-٨٠٢] إن خرج المصلي من صلاته قبل إتمامها عمدًا بطلت صلاته بالاتفاق (٢).
وإن خرج منها يظن أن صلاته قد تمت، فهل خروجه منها بالسلام يكون مبطلًا لها مطلقًا، بحيث يجب عليه استئنافها، أو يمكن له العود، والبناء على ما صلى، وهل يختلف الحكم فيما لو طال الفصل، أو خرج من المسجد، أو تكلم؟
стр. 6512
اختلف العلماء في هذا:
فقال الحنفية: إذا سلم على رأس الركعتين ساهيًا في صلاة رباعية، وهو يظن أنه قد صلى أربعًا، ثم تذكر، ورجع إلى مكانه فإن كان بعد الخروج من المسجد بطلت صلاته بإجماع الحنفية، وإن كان قبل الخروج ولم يأت بما ينافي الصلاة -من كلام أو كشف عورة قدر أداء ركن، أو تعمد حدث، ونحوه- لم تفسد، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإحدى الروايتين عن محمد.
وقال محمد بن الحسن في رواية: «إذا سلم فسدت صلاته، وبه قال عبيد الله ابن الحسن العنبري، ويعلى بن عبيد وعطاء بن أبي رباح» (١).
ولم يشترط الحنفية للبناء إلا شرطين: عدم الخروج من المسجد، وعدم
стр. 6513
المنافي، وظاهره أنه يبني ولو طال الفصل (١).
القول الثاني: مذهب المالكية.
ذهب المالكية إلى أن الرجل إذا سلم من ركعتين بنى على ما صلى بتكبيرة يحرم بها، ولا تبطل بتركه، إنْ قَرُب ولم يخرج من المسجد، وهو المعتمد في المذهب (٢).
قال خليل: «وبنى إن قرب، ولم يخرج من المسجد بإحرام، ولم تبطل بتركه (يعني: بترك الإحرام)، وجلس له على الأظهر» (٣).
فقول خليل: (بنى) أي على ما صلاه من ركعات كاملة، فإن كان في الركعة الأخيرة نقص ألغاها، وأتى بركعة كاملة بدلها، على ما تقدم تفصيله عند الكلام على مسألة: بطلان الصلاة بنقص ركن منها.
وقوله: (إنْ قرب) مفهومه أنه إن تباعد عرفًا، أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته (٤).
وقيل: يبني ولو بعد، وهو قول في مذهب المالكية خلافًا للمعتمد، قال خليل: وظاهره: ولو خرج من المسجد (٥).
وقول خليل: (بإحرام)، أي بتكبير ونيةِ إتمامِ ما بقي، ولو قرب البناء جدًّا في
стр. 6514
الأصح على ما نقله ابن القاسم عن مالك؛ لأن السلام من الصلاة بنية التحلل أخرجه من الصلاة، فاحتاج إلى إحرام للدخول فيها إذا أراد البناء (١).
وقول خليل: (ولم تبطل بتركه)، أي بترك الإحرام، فهو واجب وليس بشرط، خلافًا لابن نافع (٢).
وقيل: يبني بغير إحرام، وهو قول آخر في مذهب المالكية (٣).
وقول خليل: (وجلس له على الأظهر)، يريد أنه لو سلم من ركعتين يظن التمام، فتذكر قائمًا، فإنه يجلس قبل أن يكبر للإحرام، ليأتي بالتكبير من جلوس، ثم يبني؛ لأنه إذا كبر قائمًا فقد زاد في الصلاة: الانحطاط من حال القيام إلى حال الجلوس.
وإن كان قد سلم من ركعة، أو من ثلاث، فذكر وهو قائم، رجع إلى حالة رفع رأسه من السجود، وأحرم منه، ولا يجلس؛ ليرجع إلى الموضع الذي فارق فيه الصلاة (٤).
وقيل: بالتفصيل: إن قرب بنى بغير إحرام، وإن بعد أحرم، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
стр. 6515
القول الثالث: مذهب الشافعية:
قالوا: من سلم ناسيًا ثم تيقن عدم إكمال الصلاة فإنه يبني، ولا يضره كلام يسير، أو استدبار للقبلة، وخروج من المسجد ما لم يتطاول الفصل، أو يطأ نجاسة (١).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
قالوا: من سلم قبل إتمام صلاته سهوًا أو ظنًّا أنها قد تمت ثم ذكر أنه لم يتمها قريبًا عرفًا، ولو خرج من المسجد، بنى على ما صلى، فإن سلم من رباعية يظنها جمعة أو فجرًا، أو طال الفصل عرفًا أو أحدث، أو تكلم مطلقًا ولو لمصلحتها إمامًا كان أو غيره، عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، فرضًا أو نفلًا، أو ضحك قهقهة؛ بطلت، هذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة (٢).
وفي رواية عن أحمد: إن تكلم يسيرًا لمصلحتها لم تبطل، ومشى عليه في الإقناع، والروض (٣).
وقيل: تبطل صلاة المأموم دون الإمام، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي (٤).
فوضح من هذا العرض أن الجمهور وإن أجازوا القول بالبناء إلا أنهم يختلفون في شروط البناء على ما صلى، كاشتراط القرب عرفًا، وألا يخرج من المسجد، وألا يتكلم، وألا يحدث إلى غيرها من الشروط المختلف فيها، فيحسن أن نتعرض لهذه الشروط شرطًا شرطًا، ونذكر حجة كل مذهب؛ ليتبين لي ولكم الراجح منها بتوفيق الله، من ذلك: اختلافهم في أصل المسألة.