← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

المبحث الثامن في بطلان الصلاة إذا سلم قبل إتمامها وطال الفصل المدخل إلى المسألة: • كل ما يشترط فيه الولاء بين أفعاله فالفاصل الطويل يقطعه. • إذا سلم ساهيًا بنية التحلل من الصلاة لم يضره استدباره للقبلة، ولا كلامه ولا خروجه من المسجد؛ لحديث عمران بن الحصين في مسلم. • تفريق أفعال الصلاة الواحدة عمدًا يبطلها، وسهوًا يغتفر ما لم يتطاول الفصل في قول جمهور أهل العلم، وقيل: ما لم ينتقض وضؤوه. • الخروج من المسجد لا يمنع من البناء على ما صلى؛ لأن المسجد ليس شرطًا في صحة الصلاة. • إذا كان سلامه من الصلاة بنية التحلل، واستدباره للقبلة، وكلامه لم يمنع من البناء على ما صلى؛ لوقوعها سهوًا لم يمنع الخروج من المسجد للعلة نفسها. • قال ابن رجب: «في حديث عمران بن حصين ما يدل على البناء مع طول الفصل» (١). [م-٨٠٢] إن خرج المصلي من صلاته قبل إتمامها عمدًا بطلت صلاته بالاتفاق (٢). وإن خرج منها يظن أن صلاته قد تمت، فهل خروجه منها بالسلام يكون مبطلًا لها مطلقًا، بحيث يجب عليه استئنافها، أو يمكن له العود، والبناء على ما صلى، وهل يختلف الحكم فيما لو طال الفصل، أو خرج من المسجد، أو تكلم؟

стр. 6512

اختلف العلماء في هذا: فقال الحنفية: إذا سلم على رأس الركعتين ساهيًا في صلاة رباعية، وهو يظن أنه قد صلى أربعًا، ثم تذكر، ورجع إلى مكانه فإن كان بعد الخروج من المسجد بطلت صلاته بإجماع الحنفية، وإن كان قبل الخروج ولم يأت بما ينافي الصلاة -من كلام أو كشف عورة قدر أداء ركن، أو تعمد حدث، ونحوه- لم تفسد، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإحدى الروايتين عن محمد. وقال محمد بن الحسن في رواية: «إذا سلم فسدت صلاته، وبه قال عبيد الله ابن الحسن العنبري، ويعلى بن عبيد وعطاء بن أبي رباح» (١). ولم يشترط الحنفية للبناء إلا شرطين: عدم الخروج من المسجد، وعدم

стр. 6513

المنافي، وظاهره أنه يبني ولو طال الفصل (١). القول الثاني: مذهب المالكية. ذهب المالكية إلى أن الرجل إذا سلم من ركعتين بنى على ما صلى بتكبيرة يحرم بها، ولا تبطل بتركه، إنْ قَرُب ولم يخرج من المسجد، وهو المعتمد في المذهب (٢). قال خليل: «وبنى إن قرب، ولم يخرج من المسجد بإحرام، ولم تبطل بتركه (يعني: بترك الإحرام)، وجلس له على الأظهر» (٣). فقول خليل: (بنى) أي على ما صلاه من ركعات كاملة، فإن كان في الركعة الأخيرة نقص ألغاها، وأتى بركعة كاملة بدلها، على ما تقدم تفصيله عند الكلام على مسألة: بطلان الصلاة بنقص ركن منها. وقوله: (إنْ قرب) مفهومه أنه إن تباعد عرفًا، أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته (٤). وقيل: يبني ولو بعد، وهو قول في مذهب المالكية خلافًا للمعتمد، قال خليل: وظاهره: ولو خرج من المسجد (٥). وقول خليل: (بإحرام)، أي بتكبير ونيةِ إتمامِ ما بقي، ولو قرب البناء جدًّا في

стр. 6514

الأصح على ما نقله ابن القاسم عن مالك؛ لأن السلام من الصلاة بنية التحلل أخرجه من الصلاة، فاحتاج إلى إحرام للدخول فيها إذا أراد البناء (١). وقول خليل: (ولم تبطل بتركه)، أي بترك الإحرام، فهو واجب وليس بشرط، خلافًا لابن نافع (٢). وقيل: يبني بغير إحرام، وهو قول آخر في مذهب المالكية (٣). وقول خليل: (وجلس له على الأظهر)، يريد أنه لو سلم من ركعتين يظن التمام، فتذكر قائمًا، فإنه يجلس قبل أن يكبر للإحرام، ليأتي بالتكبير من جلوس، ثم يبني؛ لأنه إذا كبر قائمًا فقد زاد في الصلاة: الانحطاط من حال القيام إلى حال الجلوس. وإن كان قد سلم من ركعة، أو من ثلاث، فذكر وهو قائم، رجع إلى حالة رفع رأسه من السجود، وأحرم منه، ولا يجلس؛ ليرجع إلى الموضع الذي فارق فيه الصلاة (٤). وقيل: بالتفصيل: إن قرب بنى بغير إحرام، وإن بعد أحرم، وهو قول في مذهب المالكية (٥).

стр. 6515

القول الثالث: مذهب الشافعية: قالوا: من سلم ناسيًا ثم تيقن عدم إكمال الصلاة فإنه يبني، ولا يضره كلام يسير، أو استدبار للقبلة، وخروج من المسجد ما لم يتطاول الفصل، أو يطأ نجاسة (١). القول الرابع: مذهب الحنابلة: قالوا: من سلم قبل إتمام صلاته سهوًا أو ظنًّا أنها قد تمت ثم ذكر أنه لم يتمها قريبًا عرفًا، ولو خرج من المسجد، بنى على ما صلى، فإن سلم من رباعية يظنها جمعة أو فجرًا، أو طال الفصل عرفًا أو أحدث، أو تكلم مطلقًا ولو لمصلحتها إمامًا كان أو غيره، عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، فرضًا أو نفلًا، أو ضحك قهقهة؛ بطلت، هذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة (٢). وفي رواية عن أحمد: إن تكلم يسيرًا لمصلحتها لم تبطل، ومشى عليه في الإقناع، والروض (٣). وقيل: تبطل صلاة المأموم دون الإمام، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي (٤). فوضح من هذا العرض أن الجمهور وإن أجازوا القول بالبناء إلا أنهم يختلفون في شروط البناء على ما صلى، كاشتراط القرب عرفًا، وألا يخرج من المسجد، وألا يتكلم، وألا يحدث إلى غيرها من الشروط المختلف فيها، فيحسن أن نتعرض لهذه الشروط شرطًا شرطًا، ونذكر حجة كل مذهب؛ ليتبين لي ولكم الراجح منها بتوفيق الله، من ذلك: اختلافهم في أصل المسألة.

стр. 6516

• فإذا سلم الرجل قبل إتمام صلاته، فهل يبني؟ قيل: يستأنف صلاته مطلقًا، وهو رواية عن محمد بن الحسن وجماعة. وحجتهم: أن السلام في غير موضعه من جنس الكلام في الصلاة، والكلام في الصلاة يبطل الصلاة، لا فرق بين عمده وسهوه. • وأجيب: بأن السلام ذكر مشروع في الصلاة، فإذا وقع سهوًا في غير موضعه، اعتبر ذلك عذرًا، وسبق لي بحث الكلام، والخلاف في إبطال الصلاة به، فارجع إليه غير مأمور. وقيل: يبني على ما صلى وهو مذهب الأئمة الأربعة، ورواية عن محمد بن الحسن، وسبق توثيق ذلك. قال ابن قدامة في المغني: «لا نعلم في جواز إتمام الصلاة في حق من نسي ركعة فما زاد اختلافًا … » (١). والخلاف محفوظ عن بعض السلف، وإن كان القول بالبناء هو قول الأئمة الأربعة. • فإن خرج من المسجد قبل أن يتذكر أنه لم يتم صلاته: فقيل: يستأنف صلاته، وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند المالكية (٢). • وجه القول بالاستئناف: تعليل الحنفية: أن اختلاف المكانين يقطع بناء الصلاة، فإذا تذكر بعد خروجه من المسجد لم يَبْنِ؛ لوجود المشي في الصلاة بسبب تفريطه، ولكون المسجد له حكم البقعة الواحدة، فلم يجعل ماشيًا تقديرًا، فإذا خرج فقد وجد المشي بغير عذر حقيقة وحكمًا فتفسد صلاته (٣).

стр. 6517

• ويعترض: القول بأن اختلاف المكانين يقطع البناء، هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل عليها من النصوص الشرعية، أو من أقوال الصحابة؟ والحنفية لم يطردوا: فإذا سبقه الحدث في الصلاة حقيقة، فله أن يخرج من المسجد، ويتوضأ، ويبني؛ لأنه لم يتعمد الحدث، وإذا ظن أنه أحدث فانصرف بقصد إصلاح صلاته، أو انصرف يظن إتمام صلاته اشترطوا للبناء عدم الخروج من المسجد؛ لأن الخروج قد لزم منه المشي بلا عذر، وكيف لا يعتبر السهو عذرًا؟ فإذا اغتفرنا له الانصراف من الصلاة للسهو، فليغتفر له الخروج من المسجد للعذر نفسه. • وتعليل المالكية: أن الخروج من المسجد إذا انضم إلى السلام من الصلاة بنية التحلل منها، كان ذلك إعراضًا عن الصلاة بالكلية، فيمتنع البناء (١). • ويجاب: كونه إعراضًا عن الصلاة فهذا مسلم؛ لأن سلامه وحده من الصلاة بنية التحلل، واستدباره للقبلة، وكلامه كله إعراض عن الصلاة؛ لاعتقاده تمام صلاته، ولو لم يخرج من المسجد، فإذا لم تعتبر هذه الأفعال مانعة من البناء؛ لوقوعها سهوًا، لم يعتبر الخروج وحده مانعًا للعلة نفسها. ولأن المانع من البناء إن كان لمجرد الخروج، وليس المشي، حتى أنه لو كان قد صلى عند الباب، فخرج من المسجد بخطوة واحدة، امتنع البناء، فليكن العلة مفارقة موضع الصلاة، فليقيد الامتناع به، وليس المسجد، فالمساجد تتفاوت، منها الكبير كالجوامع العامة، ومنها الصغير، كمسجد الحي، فإذا فارق موضع سجوده امتنع البناء. وإن كان المانع من البناء يعود للمشي، وأن المشي من الحركة الكثيرة، فليقيد الامتناع عن البناء به مطلقًا، سواء أكان داخل المسجد أم خارجه، فإذا لم يمنع من

стр. 6518

البناء المشي الكثير داخل المسجد، لم يمنع منه مجرد الخروج من المسجد، فالمكان مجرد ظرف، فلا يظهر لي أن تعليق المنع من البناء بالخروج من المسجد وجيه، فما بالك إذا دل حديث عمران على أن الخروج من المسجد لم يمنع النبي ﷺ من البناء حين سلم قبل إتمام صلاته؟ وقيل: يبني، ولو خرج من المسجد، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية (١). • واستدلوا على ذلك: الدليل الأول: (ح-٢٣٢٥) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله … فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢). الدليل الثاني: المسجد ليس شرطًا في صحة الصلاة حتى يكون الخروج منه قاطعًا للبناء، وإذا كان سلامه من الصلاة بنية التحلل، لم يمنع من البناء؛ لوقوعه سهوًا، فكذلك الخروج من المسجد. الدليل الثالث: (ح-٢٣٢٦) روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن أبي سلمة،

стр. 6519

عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا، ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (١). وجه الاستدلال: أن الإقامة تتقدم الصلاة، والموالاة بينهما دائرة بين الاستحباب والوجوب، والنبي ﷺ حين عاد بنى على الإقامة الأولى، ولم يعتبر خروجه قاطعًا لحكم الإقامة؛ فدل ذلك على أن الخروج وحده ليس مانعًا من البناء، والله أعلم. الدليل الرابع: لو كان الخروج من المسجد شرطًا لصحة البناء، لجاء اشتراطه بنص من الشارع، والأصل عدم الاشتراط. وهذا القول هو الراجح، وأن الخروج من المسجد لا يمنع من البناء على ما صلى. • كما اختلفوا في المصلي إذا سلم ساهيًا ولم يتذكر حتى طال الفصل: فقيل: تبطل الصلاة، ويستأنف، وهو المعتمد عند المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة (٢). • وجه القول بالاستئناف: اتفق جمهور العلماء على أن أفعال الصلاة يشترط فيها الموالاة؛ لارتباط بعضها ببعض، فهي عبادة واحدة لا يجوز تفريقها. وكل ما يشترط الولاء بين أفعاله فالفاصل الطويل يقطعه؛ لأن ذلك يقطع نظم الصلاة، وإنما اغتفر ذلك بالفاصل القصير؛ للعذر. ولأن الاحتراز منه يعسر. ولحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، حيث بنى النبي ﷺ بعد ما سلم من صلاته، وتحدث مع أصحابه، بخلاف الفاصل الطويل، فإنه يقطع بناءَ بعض الصلاة على بعض، فإذا انضم إلى الفاصل الطويل السلام من الصلاة بنية التحلل منها، كان

стр. 6520

ذلك إعراضًا عن الصلاة بالكلية، فلا يصح البناء. وإذا كان من شروط صحة الاستثناء في الكلام اتصاله بالمستثنى منه لفظًا، أو حكمًا، كما لو انقطع الكلام لتنفس أو سعال، فإذا طال الفصل لم يصح الاستثناء، فكذلك أفعال الصلاة، وما فيها من قراءة وأذكار وركوع وسجود وجلوس وتشهد يشترط اتصالها حقيقة أو حكمًا، كما لوكان الفاصل يسيرًا عرفًا، فإذا طال الفصل لم يُبْنَ بعضها على بعض. وقيل: يبني، ولو طال الفصل، وهو قول في مذهب المالكية، وبه قال الليث، ومكحول، والضحاك، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والحسن ابن حي، قال ابن رجب: «ونقل صالح عن أحمد ما يدل على ذلك، وهو ظاهر مذهب الحنفية، حيث لم يشترطوا للبناء إلا أن يكون قد تذكر ذلك قبل الخروج من المسجد، ولم يأت بمنافٍ من حدث متعمد، وكلام، ونحو ذلك (١).

стр. 6521

• وجه القول بالبناء: الوجه الأول: أن السلام من الصلاة وقع سهوًا، فلم يحصل به التحلل الشرعي، بدليل أن النبي ﷺ بنى في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة ذي اليدين، وفي حديث عمران في مسلم دخل النبي ﷺ منزله، فإذا كان سلامه من الصلاة بنية التحلل، وعزوبه عن نية الصلاة، واستدباره للقبلة، وكلامه مع أصحابه، ومشيه حتى دخل منزله ﵊، ثم مشيه حتى خرج منه إلى أن وقف في الصف لم يمنع كل هذه الأفعال من البناء، مع أن الواحد منها منافٍ للصلاة، فكيف إذا اجتمعت؟ فكذلك لا يمنع من البناء طول الفصل بجامع العذر، ما لم ينتقض وضوؤه؛ لأن بطلان الطهارة بطلان للصلاة على الصحيح. قال ابن رجب: «في حديث عمران بن حصين ما يدل على البناء مع طول الفصل» (١). وأما الجواب عن قياس البناء على ما صلى على اشتراط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، فهذه مسألة خلافية بين أهل الأصول، وقد نقلوا عن ابن عباس أنه قال: يصح انفصال المستثنى من المستثنى منه، ولو طال الفصل بينهما. • ورد هذا الجواب: بأن هذا القول لا يصح عن ابن عباس، قاله إمام الحرمين والغزالي. وقال القرافي: «المنقول عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى خاصة، كمن حلف ثم قال: إن شاء الله تعالى بعد طول الفصل. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: من حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» (٢). لو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا، لأرشد النبي ﷺ إليه؛ لكونه طريق مخلصًا للحالف في البر بيمينه، وعدم الوقوع في الحنث (٣).

стр. 6522

وقيل: لا يجب الاتصال لفظًا، بل نية؛ لأن المخرج حقيقة هو النية، واللفظ دال عليه، وحمل على هذا ما روي عن ابن عباس على فرض صحته. الوجه الثاني: أن طول الفصل لو كان شرطًا في صحة البناء لجاءت النصوص في بيان حدِّه، وقد اختلف الفقهاء في تقديره مما يدل على ضعف اشتراطه: فقيل: يرجع في تقديره إلى عرف العامة؛ لأن كل ما لا حدَّ له في الشرع، فالمرجع فيه إلى العرف. وهو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (١). وقدَّر الشافعي الطول بقدر ركعة، لا طويلة، ولا قصيرة (٢). وقيل: يعتبر القصر بالقدر الذي نقل عن النبي ﷺ في خبر ذي اليدين والطول بما زاد عليه، والمنقول في الخبر أنه قام، ومضى إلى ناحية المسجد، وراجع ذي اليدين، وسأل الصحابة، فأجابوه (٣). وهذا التقدير حكَّم حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وأما إذا قدرنا الفاصل بما وقع في حديث عمران بن الحصين في قصة الخرباق فقد زاد عليه

стр. 6523

الدخول إلى المنزل، والخروج منه. وقد يقول قائل: ما جرى في حديث السهو هو حكاية فعل، لم يقصد منه تقدير الفاصل القصير من الطويل، وقد وقع اتفاقًا، فما الدليل على أن الأمر لو زاد على ذلك لامتنع البناء، فلو احتاج النبي ﷺ زيادة على هذا المقدار للتحقق مما وقع، فمن أين لنا أن ذلك سيوجب الاستئناف ويمنع من البناء؟ وقيل: الفصل القريب: ما بين الخطبة، والشروع في الصلاة، أوما بين الصلاتين إذا أراد الجمع بينهما، ذكره القاضي حسين من الشافعية (١). والخلاف في المسألة قوي جدًّا، ومن يرى أن الفاصل الطويل جدًّا لا يمنع من البناء فإن الرجل لو استأنف الصلاة على هذا القول لم تصح صلاته؛ لأنه كمن زاد في صلاته جهلًا؛ لأنه لم يخرج من الصلاة السابقة بطول الفصل، بخلاف من يرى وجوب الاستئناف لطول الفصل. فمن أراد أن يخرج من خلافهم فلينقض طهارته لتبطل صلاته بالاتفاق، وإن كنت أميل إلى أن الفاصل الطويل يمنع من البناء، والله أعلم. • فإن تكلم قبل أن يتذكر أنه لم يتم صلاته، فهل يبني؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: يستأنف مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٢).

стр. 6524

فالحنفية والحنابلة في المعتمد يذهبون إلى أن كل كلام في الصلاة يبطلها، عمدًا كان أم سهوًا أم جهلًا، إلا السلام من الصلاة قبل إتمامها سهوًا، فإنه لا يبطلها؛ لأن جنسه مشروع فيها، فهو كما لو قال في الصلاة ذكرًا في غير موضعه سهوًا لم تبطل. واستدلوا على ذلك: بأن الأحاديث الصحيحة الصريحة تدل على تحريم الكلام في الصلاة، وقد تنوعت فيها الدلالة: فمنها ما جاء بصيغة الأمر والنهي كحديث زيد بن أرقم في مسلم: (فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام) (١). فقوله: (ونهينا عن الكلام) قال ابن دقيق العيد: «يقتضي أن كل ما يسمى كلامًا فهو منهي عنه، وما لا يسمى كلامًا فدلالة الحديث قاصرة في النهي عنه» (٢). ومنها ما جاء بلفظ: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) كحديث معاوية بن الحكم في مسلم (٣). ومنها ما جاء إلى إرشاد المحتاج إلى الكلام في الصلاة لإصلاحها إلى التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، كحديث سهل بن سعد الساعدي في الصحيحين (٤). وكلها تدل على أن الكلام محرم. وانظر: هذه الأحاديث بأسانيدها في مسألة: إبطال الصلاة بالكلام.

стр. 6525

وعموم هذه الأحاديث لا تفرق بين العالم بالتحريم والجاهل به، ولا بين الساهي والعامد، ولا بين الكلام في صلب الصلاة، أو الكلام لمن سلم ساهيًا يظن إتمامها، فالكلام كله ينافي الصلاة. ولأن قوله: (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) شيء نكرة في سياق النفي، فتعم كل كلام أجنبي، والأصوليون يقولون: العام جار على عمومه، فاستثناء بعض الكلام دون بعض مخالف لدلالة العموم. وقد أفادت هذه الأحاديث حكمان: الحكم الأول: تحريم الكلام في الصلاة؛ للنهي عن الكلام والأمر بالسكوت، وهذا من حيث الحكم التكليفي حتى سقط عن المصلي رد السلام الواجب. الحكم الثاني: دل حديث معاوية بن الحكم على أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فقوله: (لا يصلح) الصلاح خلاف الفساد، فالكلام الأجنبي لا يصلح في الصلاة، وهذا من حيث الحكم الوضعي، فإذا وجد فيها أفسدها من حيث هو كلام غير مشروع في الصلاة، وإنما يختلف العالم عن الجاهل في المأثم، وليس في الصحة، فالحديث يخبر بأن الكلام (لا يصلح في الصلاة) فلو صحت الصلاة مع الكلام لكان قد صح الكلام فيها من وجه، فثبت بذلك أن ما وقع فيه كلام الناس فليس بصلاة، كالحدث يفسد الصلاة، سواء أتعمد خروجه أم لا، وسواء أجهل حكمه أم لا، إلا أن يكون مريضًا، وكذلك الأكل والشرب يفسدها مطلقًا، ولهذا أرشد الشارع المأموم إلى التسبيح إذا احتاج إلى الكلام لتنبيه إمامه لإصلاح صلاته، ولم يأذن له بالكلام مع قيام الحاجة، كل ذلك يدل على أن الكلام الأجنبي يخرج به المصلي عن حكم الصلاة (١). وانظر: الجواب على ذلك في مسألة: الرجل يتكلم في الصلاة جاهلًا بالتحريم. وقيل: يبني إن كان يسيرًا، وهو نص المدونة ومذهب الشافعية (٢).

стр. 6526

• واستدلوا على ذلك: (ح-٢٣٢٧) بما رواه البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ أصدق ذو اليدين فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول (١). • ويناقش: بأن الحديث ليس فيه اشتراط أن يكون الكلام يسيرًا، فالعلة في البناء كونه سلم ساهيًا، ولهذا لم يؤثر انصرافه عن القبلة، والسلام بنية التحلل، وكلامه للمأمومين، ودخول المنزل وخروجه منه كما في حديث عمران بن الحصين، فإذا تكلم يظن أن صلاته قد تمت أبيح الكلام مطلقًا ولم يؤثر ذلك في صلاته يسيرًا كان الكلام أو كثيرًا. ولهذا لم يفرق الشارع في الأكل في الصيام ناسيًا بين القلة والكثرة، مع أن الأكل منافٍ للصيام؛ لعلة النسيان. • وأجيب: إذا كنا نشترط ألا يطول الفصل إذا سلم ساهيًا، فإن من لازم ذلك أن يكون الكلام يسيرًا لأنه يقع في حدود هذا الفاصل اليسير، وكثرة الكلام يلزم منها طول الفاصل، وطول الفاصل يمنع من البناء، فكذلك كثرة الكلام.

стр. 6527

• ويناقش: قد لا يسلم هذا التلازم؛ لأن الكلام جنس والفاصل بالسكوت جنس آخر، وتقدير الكثير فيهما قد يختلف عرفًا، فلا يلزم من اشتراط أن يكون الفاصل ليس طويلًا أن يكون الكلام فيه يسيرًا؛ فيغتفر في الفاصل ما لا يغتفر في الكلام، ولهذا كثير من الفقهاء لا يغتفر الأكل إذا سلم ناسيًا، فلا يبني ولو عاد عن قرب. فالكلام اليسير يتخلل الفاصل، أما إذا شغل الفاصل كله بالكلام فقد لا يكون يسيرًا، ولو كان الفاصل في حال تقدير السكوت فيه من اليسير، كما أن المصلي لو مشى خطوات متعددة في الصلاة قد تدخل في حدِّ اليسير، والوثبة الواحدة في الصلاة قد تكون فاحشة مؤثرة. وقيل: يبني إن كان يسيرًا لمصلحة الصلاة، وإلا استأنف، وهو رواية عن أحمد، مشى عليها في الإقناع وغيره (١). واستدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة ذي اليدين (٢). وبحديث عمران بن الحصين في قصة الخرباق (٣)، وتقدم سياقهما. وجه الاستدلال: أن الأدلة الكثيرة تدل على تحريم الكلام في الصلاة، ومنه الكلام في حق من سلم من صلاته قبل إتمامها، استثنينا الكلام لمصلحة الصلاة لهذين الحديثين، وبقي ما عداه على التحريم. • ويناقش: لو التزم ذلك لما صح استدبار القبلة، والمشي حتى قام إلى خشبة في المسجد كما في حديث أبي هريرة، أو حتى دخل منزله كما في حديث عمران، فإن هذه الأفعال منافية للصلاة، وليست من مصلحتها، فإذا كنا لا نشترط في هذه الأفعال

стр. 6528

مصلحة الصلاة فكذلك الكلام، والله أعلم. وقيل: إن كان إمامًا بنى، وإن كان مأمومًا استأنف (١). أن الإمام إذا تكلم، وهو يظن أن صلاته قد تمت، فصلاته صحيحة، اقتداء بكلام النبي ﷺ في قصة ذي اليدين؛ لأنه لم يتعمد الكلام. وليس للمأموم أن يتكلم محتجًّا بكلام أبي بكر وعمر؛ لأنهما تكلما مجيبين للنبي ﷺ وإجابته واجبة عليهما، ولا بذي اليدين؛ لأنه تكلم في الصلاة، وهو يظن أن الصلاة ربما تكون قد قصرت في وقت يمكن ذلك فيها، وهذا غير موجود في زماننا، فلا عذر للمأموم إذا تكلم، وهو يعلم أن الإمام لم يتم صلاته. نعم لو كان يظن أن الصلاة قد تمت، صحت صلاته، ولهذا قال الإمام أحمد كما في رواية أبي طالب: «في إمام سَلَّمَ من اثنتين، فسأل، فقال بعضهم: هي اثنتان، وقال بعضهم: هي أربع، فالذين قالوا: اثنتان يعيدون. ومن قال: إنها أربع، وظن أنها أربع، فهم مثل الإمام لا يعيدون، إنما تكلموا في أمر الصلاة، وهم يظنون أنهم أتموا؛ فقد حكم بصحة صلاتهم؛ لاعتقادهم أنهم في غير صلاة (٢). • الراجح: أن الكلام من المصلي إذا سلم يظن تمام صلاته لا يبطل صلاته مطلقًا، ولا يمنع من البناء، وسوف أتعرض لمسائل كثيرة في حكم الكلام في الصلاة في مسائل يتوجه لها البحث خاصة، أما الحديث في هذا الفصل فهو يتعرض لحكم الكلام ضمن شروط من سلم ساهيًا قبل تمام صلاته، هو بحث لم يخصص لإبطال الصلاة بالكلام، فانظر: كلام الفقهاء في مبحث إبطال الصلاة بالكلام حيث يكون الكلام متوجهًا لهذه المسألة، فقد أعددت أكثر من فصل لهذه المسألة لعله يقضي بعض حاجتك، والله المستعان، ولله الحمد.

стр. 6529

الفصل الثالث في إبطال الصلاة بفعل محظور فيها المبحث الأول في إبطال الصلاة بالحركة الكثيرة من غير حاجة المدخل إلى المسألة: • العمل اليسير من غير جنس الصلاة يصعب التحرز منه. • الالتفات اليسير في الصلاة بلا حاجة مكروه، فالالتفات عنها بلا حاجة أقبح؛ لأن الالتفات عنها نوع من الإعراض بخلاف الالتفات فيها، والعمل الأجنبي في الصلاة التفات عنها. • كل عمل أجنبي في الصلاة دعت له ضرورة ولو كثيرًا، أو كان قليلًا ودعت له حاجة فهو مباح. • كل عمل كثيرٍ متوالٍ في الصلاة من غير جنسها بلا غرض للمصلي، ولا مصلحة للصلاة، إذا تعمده المصلي خرج به عن حكم الصلاة؛ لأنه عبث؛ والعبث ينافي الصلاة. • الحاجة تبيح الحركة الكثيرة في الصلاة، فكيف بالضرورة؟ • العمل المتفرق ليس كالمتوالي، والساهي ليس بمنزلة العامد على الصحيح. • العمل اليسير إذا تفرق حتى صار لو جمع لكان كثيرًا حكمه حكم اليسير؛ لأن تفرق العمل يقطع بعضه أن يكون جزءًا من بعض على الصحيح. • المرجع في تقدير الكثير والقليل إلى عرف الناس؛ لأن كل شيء لا حَدَّ له في الشرع، ولا في اللغة، فالمرجع في تقديره إلى العرف. وقيل: الكثير ما خيل للناظر أن فاعله ليس في صلاة، وإن اشتبه فهو قليل.

стр. 6530

[م-٨٠٣] الحركة الأجنبية في الصلاة إن كانت يسيرة لحاجة، فهي جائزة بالاتفاق (١). وقولي: (الحركة) قيد قصد به إخراج الكلام، فإنَّ تعمد القليل مبطلٌ ككثيره، وسوف أتكلم عن الكلام في الصلاة في مسألة مستقلة. وقولي: (أجنبية) قيد قصد به إخراج الحركة التي من جنس الصلاة، كالركوع والسجود، فإن عمده يبطل الصلاة، وسهوه يجبر بسجود السهو. قال ابن قدامة: «والعمل في الصلاة على ضربين: أحدهما: زيادة من جنس الصلاة، كزيادة ركوع، أو سجود، فتبطل الصلاة إذا كان عمدًا، ويسجد له إذا كان سهوًا .... » (٢). وإن كانت الحركة اليسيرة بلا حاجة لم تبطل صلاته باتفاق الأئمة الأربعة (٣). وإن كانت الحركة كثيرة: فقال أبو حنيفة: الكثير المنافي للصلاة يفسدها، ولو دعت له ضرورة كالقتال، أو حاجة كالقراءة من المصحف -خلافًا لصاحبيه- لأن حمل المصحف، والنظر فيه، وتقليب الأوراق عمل كثير، وله قتل الحية والعقرب، فإن تطلب عملًا كثيرًا فاختلف الحنفية في فساد صلاته على قولين سيأتي بحثهما إن شاء الله تعالى، وإن رمى طائرًا بحجر فصلاته تامة؛ لأنه عمل قليل، ويكره؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة، وإن أخذ قوسًا، ورماه به فسدت؛ لأنه عمل كثير، ولو ادهن أو سرح لحيته، أو حملت امرأة

стр. 6531

صبيًّا فأرضعته فسدت الصلاة، وأما حمل الصبي بدون إرضاع فلا يوجب الفساد؛ لحمل النبي ﷺ أمامة بنت أبي العاص، والعمد والسهو سواء (١). جاء في مختصر القدوري: «ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن فعلوا ذلك بطلت صلاتهم .... » (٢). وقال ابن نجيم: «اتفقوا على أن الكثير مفسد، والقليل لا؛ لإمكان الاحتراز

стр. 6532

عن الكثير دون القليل؛ فإن في الحيِّ حركات من الطبع، وليست من الصلاة، فلو اعتبر العمل مفسدًا مطلقًا لزم الحرج في إقامة صحتها، وهو مدفوع بالنص» (١). وقال المالكية: كل فعل كثير في الصلاة ليس منها وإن وجب، كقتل ما يحاذر، أو لإنقاذ نفس، أو مال، حتى ولو كان سهوًا فإنه يبطلها (٢). فلو سقط رداءه فأخذه وأصلحه ولم ينحط لأخذه؛ لكونه جالسًا بالأرض فمندوب، فإن انحط لأخذه كره كراهة شديدة ولم تبطل به الصلاة إن حدث مرة واحدة، وإلا أبطل؛ لأنه فعل كثير. وأما أخذ العمامة إذا سقطت، فإن لم ينحط لها ولم يحتج كثير شغل في شد تحنيكها لم تبطل، فإن انحط لأخذها بطلت، ولو مرة؛ لأن العمامة لا تصل لرتبة الرداء في الطلب، وكذا لو احتاج لشغل كثير لشد تحنكيها؛ لأنه فعل كثير. ولو انفلتت دابته، وهو في الصلاة، مشى إليها فيما قرب، فإن بعدت منه فله أن يقطع الصلاة ويطلبها إن كان الوقت متسعًا، وكان ثمنها يجحف به، فإن ضاق الوقت، أو قَلَّ ثمنها فلا يقطعها إلا أن يخاف الضرر على نفسه؛ لكونه بمفازة. وغير الدابة من المال يجري على هذا التفصيل، والله أعلم (٣). وقال الشافعية: الفعل الكثير الذي ليس من جنس الصلاة إن كان كثيرًا متواليًا بطلت به الصلاة، ولو سهوًا على الصحيح، وإن كان قليلًا لم تبطل ولو كان عامدًا إلا في الأكل فتبطل بقليله إلا أن يكون جاهلًا أو ناسيًا، والخطوتان، أو الضربتان قليل، والثلاث كثير إن توالت، وتبطل بالوثبة الفاحشة، لا الحركات الخفيفة، ولو توالت، كتحريك أصبع في سبحة، أو حك، أو حل أو عقد في الأصح (٤).

стр. 6533

وقال الحنابلة في الأصح: الفعل الكثير المتوالي من غير جنسها يبطل الصلاة عمدًا كان أو سهوًا، أو جهلًا، إلا أن يكون مضطرًّا كخائف، أو به حكة لا يصبر عليها، فإن فعله متفرقًا لم تبطل (١). • فخلاصة الخلاف بين الفقهاء كالتالي: اتفقوا على أن الفعل اليسير من غير جنس الصلاة بلا حاجة، لا يبطل الصلاة، وفي كراهته قولان. كما اتفقوا على أن العمل الكثير المتوالي من غير جنس الصلاة بلا حاجة إذا وقع عمدًا يبطل الصلاة. ويختلفون في الكثير إذا وقع سهوًا: فقيل: يبطل الصلاة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة.

стр. 6534

وقيل: الكثير إذا وقع سهوًا لا يبطل الصلاة، وهو قول في مذهب الشافعية، واختاره المجد من الحنابلة. واختار بعض الحنابلة أن الجاهل بالتحريم لا تبطل صلاته، والمذهب الجاهل كالناسي. كما اختلفوا في العمل اليسير إذا تكرر حتى صار لو جمع لكان كثيرًا. فقيل: المتفرق كالمتوالي إذا كان مجموعه كثيرًا يبطل الصلاة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة. وقيل: الكثير إذا لم يكن متواليًا لا يبطل الصلاة، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة. وحد التفريق أن يعد الثاني منقطعًا عن الأول (١). يريد بذلك أن يوجد بينهما فاصل طويل عرفًا بحيث ينقطع العمل الثاني أن يكون جزءًا من العمل الأول. وقال البغوي: «أن يكون بينهما ركعة؛ لحديث أمامة بنت أبي العاص». قال النووي: «وهذا غريب ضعيف ولا دلالة في هذا الحديث؛ لأنه ليس فيه نهي عن فعل ثانٍ في دون ذلك الزمان» (٢). هذا تفصيل القول في المسألة لدى فقهائنا: كما اختلف الفقهاء في ضابط الكثرة والقلة. فقيل: المرجع في تقدير الكثير والقليل إلى عرف الناس، وهو مذهب الحنابلة، وبه قال الشافعية إلا أنهم اعتبروا الثلاث من الخطوات أو من الضربات كثير (٣). وإذا كان المرجع إلى العرف فلا وجه للتحديد بالعدد. وحجتهم: أن التقدير إذا لم يكن له حد في الشرع، ولا في اللغة كان التقدير

стр. 6535

فيه إلى عرف الناس. وقيل: الكثير ما خيل للناظر أن فاعله ليس في صلاة، وإن اشتبه فهو قليل. وهذا اختيار جمهور مشايخ الحنفية، ونص عليه الدردير من المالكية، وهو قول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). • واعترض عليه: بأن من رأى رجلًا يحمل صبيًّا، أو يقتل حية أو عقربًا لا يظن أنه في صلاة، مع أن هذا لا يضر قطعًا (٢). وقيل: التفويض إلى رأي المصلي، فإن استكثره فكثير، وإلا فقليل، وهو قول في مذهب الحنفية (٣). وتعقب: بأنه غير منضبط، وتفويض مثله إلى رأي العوام مما لا ينبغي، والناس فيهم المتساهل، وفيهم المتشدد. وقيل: الثلاث في حد الكثير، وهو قول في مذهب الحنفية، أخذوه من رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إذا تروح المصلي بمروحة مرة أو مرتين لا تفسد صلاته، وإن زادت على ذلك فسدت صلاته، وقول في مذهب الشافعية، واختاره ابن عقيل من الحنابلة (٤). ولأن النبي ﷺ خلع نعليه، وهو في الصلاة، وهما فعلتان. وليس كل فعل يمكن ضبط الكثرة والقلة فيه بالعدد، فقد يكون الواحد الفاحش أقبح من الثلاث، ولهذا قال الشافعية: الوثبة الفاحشة تبطل الصلاة،

стр. 6536

ولا تبطل بخطوتين. قال في الفائق نقلًا من الإنصاف: «وهو ضعيف؛ لنص أحمد فيمن رأى عقربًا في الصلاة: أنه يخطو إليها، ويأخذ النعل، ويقتلها، ويرد النعل إلى موضعها، وهي أكثر من ثلاثة أفعال» (١). وقد يرد على هذا بأن قتل العقرب لمصلحة الصلاة؛ لأنه يدفع أذاها حتى لا تفسد صلاته، والكلام في الحركة الأجنبية لغير مصلحة الصلاة. وقيل: ما يعمل بيد واحدة فقليل كحل الإزار، ورفع العمامة، وما يعمل باليدين فكثير كزر القميص، وتكوير العمامة، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية (٢). وانتقد بعض الحنفية هذا الضابط بأنه قاصر عن إفادة ما لا يعمل باليد، كالمضغ، والعمل بقدمه. وقيل: اليسير كفعل أبي برزة ﵁ حين مشى إلى الدابة، وقد انفلتت وما فوقه كثير، حكاه صاحب الإنصاف من الحنابلة (٣). وهذا لا يدخل في مسألتنا؛ لأننا نتكلم عن الحركة الأجنبية من غير حاجة، وقد اعتذر أبو برزة ﵁ بقوله في البخاري: إن منزلي متراخٍ، فلو صليت وتركت لم آت أهلي إلى الليل، وذكر أنه صحب النبي ﷺ ، فرأى من تيسيره (٤). وقيل: القليل ما لا يسع زمانه فعل ركعة، والكثير ما يسعها، وهو قول في مذهب الشافعية، واستغربه الرافعي (٥). وقيل: ما يكون مقصودًا للفاعل، بأن يفرد له مجلسًا على حدة، فهو كثير،

стр. 6537

ويضربون له مثالًا بامرأة صلت، فلمسها زوجها، أو قبلها بشهوة، أو مص صبي ثديها، وخرج اللبن (١). فهذه ثمانية أقوال، وكثرتها يدل على أن المسألة ليس فيها نص يمكن التحاكم إليه، وهي متفاوتة في القوة، وقد رتبت هذه الأقوال حسب قوتها بحسب ظني، والله أعلم. والآن قد حان وقت الانتقال إلى أدلة المسألة، أسأل الله وحده العون والتوفيق. • دليل من قال: الحركة اليسيرة أو الكثيرة لحاجة لا تبطل الصلاة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. أي: صلوا الصلاة (رجالًا) أي: ماشين على أرجلكم، أو ساعين عليها. (أَوْ رُكْبَانًا) على الإبل وغيرها من المركوبات. وحذف المتعلق ليعم، فيشمل الخوف من عدو المعركة، ومن اللصوص وقطاع الطرق، ومن السباع، فكل أمر يخاف منه فهو مبيح ما تضمنته الآية. والصلاة حال المسايفة (الالتحام بالعدو) هو مذهب الجمهور خلافًا للحنفية، وقد تقدم ذكر الخلاف في المسألة في المجلد الخامس (٢). الدليل الثاني: (ح-٢٣٢٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف؛ ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن امكث مكانك،

стр. 6538

فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك. فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ .... الحديث (١). وفي رواية لهما من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي به، وفيه: .... فأشار إليه رسول الله ﷺ ، يأمره أن يصلي فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف … (٢). وجه الاستدلال: دل الحديث على جواز الحركة في الصلاة للحاجة حيث رجع أبو بكر القهقرى حتى دخل في الصف ومضى في صلاته، وأقره النبي ﷺ ، ويقاس عليه لو تقدم الرجل إلى الصف الذي أمامه لسد فرجة، أو استخلاف ونحوهما. الدليل الثالث: (ح-٢٣٢٩) روى البخاري ومسلم من طريق أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد، قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة من الأنصار، قد سماها سهل، فقال لها: مُرِي غلامك النجار، أن يعمل لي أعوادًا، أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته فعملها من طَرْفَاءِ الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت ها هنا، ثم رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها، وكبر، وهو عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي، واللفظ للبخاري (٣). وجه الاستدلال منه كالاستدلال من الحديث قبله، حيث رجع النبي ﷺ

стр. 6539

القهقرى وهو في أعلى المنبر حتى نزل فسجد أسفله،، ثم رجع وعلاه مرة أخرى حتى أتم صلاته، ولو كانت الحركة مبطلة للصلاة مطلقًا لكان بالإمكان التعليم عن طريق القول بدلًا من القيام بعمل في الصلاة ليس من جنسها، والمكروه تبيحه الحاجة. الدليل الرابع: (ح-٢٣٣٠) روى البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر: أنه قال: رأى النبي ﷺ نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي بين يدي الناس، فحتها، ثم قال حين انصرف: إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله قِبَلَ وجهه، فلا يتنخمن أحد قِبَلَ وجهه في الصلاة (١). وقد دل الحديث على جواز العمل من غير جنس الصلاة إذا كان يسيرًا. الدليل الخامس: (ح-٢٣٣١) ما رواه مسلم من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن جابر في صفة صلاة الكسوف، وفيه: .... ثم تأخر -يعني: النبي ﷺ -، وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهينا -وفي رواية: حتى انتهى إلى النساء- ثم تقدم، وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه .... الحديث (٢). (ح-٢٣٣٢) وروى البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق الزهري، عن عروة، قال: قالت عائشة: خسفت الشمس … فذكرت صلاة النبي ﷺ ثم قالت: قال النبي ﷺ : إنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك فصلوا، حتى يفرج عنكم، لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته، حتى لقد رأيت أريد أن آخذ قطفًا من الجنة، حين رأيتموني جعلت أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا، حين رأيتموني تأخرت … الحديث (٣).

стр. 6540

الدليل السادس: (ح-٢٣٣٣) روى البخاري ومسلم من طريق حميد بن هلال العدوي، قال: حدثنا أبو صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، وفيه: .... فقال أبو سعيد: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان (١). الدليل السابع: (ح-٢٣٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (٢). [صحيح] (٣). الدليل الثامن: (ح-٢٣٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا برد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يصلي في البيت، والباب عليه مغلق، فجئت، فمشى حتى فتح لي، ثم رجع إلى مقامه، ووصفت أن الباب في القبلة (٤).

стр. 6541

ورواه حاتم بن وردان، عن برد بن سنان به، وفيه: … ورسول الله ﷺ يصلي تطوعًا … فمشى عن يمينه أو عن يساره، رواه إسحاق بن راهويه، وعنه النسائي (١). وتابع بردًا على هذا اللفظ ثابت بن يزيد، عن برد به، رواه أبو يعلى، وعنه ابن حبان (٢). [تفرد به برد بن سنان، عن الزهري، ولا يحتمل تفرده] (٣).

стр. 6542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6546

وفي الباب أحاديث كثيرة تركتها اقتصارًا، وبعضها سوف يأتي معنا في ثنايا البحث للاحتجاج به على بعض فروع هذه المسألة. • دليل من قال: الصلاة تبطل بالعمل الكثير عمدًا من غير حاجة: لم يختلف الفقهاء أن الصلاة تبطل بالعمل الكثير المتوالي إذا كان عمدًا، ولم يكن هناك حاجة أو ضرورة. قال في الإنصاف: «اعلم أن الصلاة تبطل بالعمل الكثير عمدًا بلا نزاع أعلمه» (١). وقال ابن قدامة: «النوع الثاني: زيادة من غير جنس الصلاة، كالمشي والحك، والتَّرَوُّحِ (استعمال المروحة)، فإن كَثُر متواليًا أبطل الصلاة إجماعًا» (٢). وقال النووي: «اتفقوا على أن الكثير منه يبطل الصلاة» (٣). ولأن العمل في الصلاة لا يخلو: إما أن يكون من جنس الصلاة، كالركوع والسجود، فهذا إنْ تعمده بطلت صلاته بلا خلاف، وإنْ فَعَلَه سهوًا جُبِرَ بسجود السهو. وإما أن يكون عملًا ليس من جنس الصلاة، فهذا إنْ تعمد كثيره بلا حاجة بطلت صلاته؛ لأن كل عمل كثير بلا غرض للمصلي ولا مصلحة للصلاة عبث منافٍ للصلاة، فالصلاة كما تمنعه من الكلام مع الناس إجماعًا، تمنعه من العبث في الصلاة، وقد تكلمنا على مسألة العبث في الصلاة في مسألة مستقلة. قال عبد الرحمن بن قدامة في الشرح الكبير: «العمل ينقسم إلى عمل من جنس الصلاة وقد ذكرناه، وعمل من غير جنس الصلاة كالحك والمشي والتروح، فهذا تبطل الصلاة بكثيره عمدًا كان أو سهوًا بالإجماع» (٤). والتسوية بين العامد والساهي فيه خلاف حتى عند الحنابلة، وإن كان المُعْتَمَدُ في مذهب الأئمة الأربعة عدمَ التفريق بين العامد والساهي.

стр. 6547

• دليل من قال: الحركة الكثيرة من الساهي تبطل الصلاة كالعامد: قالوا: الحركة الكثيرة في الصلاة بلا حاجة لها حكمان: تكليفي، ووضعي: فالتكليفي: يتعلق بالإثم، والساهي لا إثم عليه إجماعًا. وأما الوضعي: وهو الحكم ببطلان الصلاة بالحركة الكثيرة بلا حاجة، فهذا يستوي فيه العامد والساهي، والمكلف وغيره؛ لأنه من باب ربط الأسباب بمسبباتها، ولهذا تجب الزكاة في أموال الصبي والمجنون، ولا تكليف عليهما، ويضمن النائم والناسي ما أتلفاه، وإن كان التكليف مرفوعًا وقت النوم والنسيان؛ لوجود سبب الضمان، وهو الإتلاف، فالحركة الكثيرة بلا حاجة سبب لفساد الصلاة، ولو صدرت من الساهي، وأما الإثم فيشترط فيه العمد. • ويناقش: بأن الكلام مبطل بالإجماع، وقد دل الدليل على أن المتكلم الساهي لا تبطل صلاته، كما سيأتي في أدلة القول التالي، فالحكم الوضعي أحيانًا يترتب على الحكم التكليفي رحمة من الشارع، ودفعًا لإفساد العبادة ما أمكن. • دليل من اشترط العمد لإبطال الصلاة من الحركة الكثيرة: (ح-٢٣٣٦) ما رواه البخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين، فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم … الحديث. ورواه مسلم بنحوه من طريق أيوب، عن ابن سيرين (١).

стр. 6548

(ح-٢٣٣٧) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ قام بأفعال كثيرة ليست من جنس الصلاة، حيث انصرف النبي ﷺ من صلاته ظانًّا إتمامها، ومشى خطوات -وفي رواية عمران: أنه دخل منزله، وخرج يجر رداءه- وتكلم، والكلام أشد من الحركة في إبطال الصلاة، ومع ذلك بنى على صلاته، فلم تفسد بكل هذه الأفعال، فدل على أن الساهي ليس كالعامد، فلو تعمد مثل هذه الأفعال لبطلت صلاته بالإجماع. • دليل من قال: العمل إذا تفرق حتى كان يسيرًا لم تبطل به الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٣٣٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة الأنصاري، أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (٢). الدليل الثاني: الحكم ببطلان الصلاة بالعمل الكثير المتوالي؛ لأن من يشاهده يظن أنه ليس في صلاة، بخلاف العمل الكثير إذا تفرق فإنه في حكم اليسير. ولأن تفرق العمل يقطع بعضه أن يكون جزءًا من بعض على الصحيح.

стр. 6549

• الراجح: أن العمل الكثير لحاجة أو مصلحة لا يبطل الصلاة، وأن اليسير جدًّا مما لا يمكن التحرز منه مباح. فإذا زاد على ذلك، ولم يبلغ حد الكثير، أو فرق الكثير حتى كان يسيرًا فإن ذلك لا يبطل الصلاة، ويكره إذا لم تدع له حاجة، أو مصلحة الصلاة، فإذا كثر العمل، وكان متواليًا بلا حاجة فسدت الصلاة؛ لأنه عبث في الصلاة، والله أعلم.

стр. 6550

المبحث الثاني بطلان الصلاة بقتل الحية والعقرب إذا تطلب عملًا كثيرًا المدخل إلى المسألة: • قتل الحية والعقرب مأمور به في داخل الصلاة وخارجها، وفي الحل والحرم. • كل عمل مأمور به في الصلاة، ولو كان من غير جنسها لا تفسد به الصلاة ولو كان كثيرًا كالصلاة حال المسايفة. • الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه سواء أخاف من أذيتها أم لا، وسواء تطلب ذلك عملًا كثيرًا أم لا. • لو كانت الصلاة تفسد إذا قتلهما بأكثر من ضربتين، لجاءت النصوص بفساد الصلاة، أو جاء أمر جديد بفعل الصلاة، فلما ترك ذلك علم أن الصلاة على الصحة. • كل عمل كثير في الصلاة إذا كان الباعث عليه حفظ النفس أو كان لمصلحة الصلاة وحفظها عن الفساد، فإنه لا يضر، ومنه قتل الحية والعقرب، والأصل فيه حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران بن الحصين في قصة الخرباق فقد اجتمع مع السلام أفعال كثيرة منافية، كالكلام، واستدبار القبلة، والمشي، ودخول المنزل ثم الخروج منه، ومع ذلك بنى على صلاته. • قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فعلم أن المحافظة على الأركان والشروط تجب مع الأمن وتسقط مع الخوف، ولم يذكر الله جنس ما يخاف منه؛ ليشمل العدو واللص والسبع والهوام ومنه الحية والعقرب. [م-٨٠٤] اختلف العلماء في حكم قتل الحيَّة والعقرب في الصلاة: فقيل: لا يكره قتل الحية والعقرب في الصلاة، وهو مذهب الحنابلة والشافعية (١).
следующие страницы →