← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

وفي الباب أحاديث كثيرة تركتها اقتصارًا، وبعضها سوف يأتي معنا في ثنايا البحث للاحتجاج به على بعض فروع هذه المسألة. • دليل من قال: الصلاة تبطل بالعمل الكثير عمدًا من غير حاجة: لم يختلف الفقهاء أن الصلاة تبطل بالعمل الكثير المتوالي إذا كان عمدًا، ولم يكن هناك حاجة أو ضرورة. قال في الإنصاف: «اعلم أن الصلاة تبطل بالعمل الكثير عمدًا بلا نزاع أعلمه» (١). وقال ابن قدامة: «النوع الثاني: زيادة من غير جنس الصلاة، كالمشي والحك، والتَّرَوُّحِ (استعمال المروحة)، فإن كَثُر متواليًا أبطل الصلاة إجماعًا» (٢). وقال النووي: «اتفقوا على أن الكثير منه يبطل الصلاة» (٣). ولأن العمل في الصلاة لا يخلو: إما أن يكون من جنس الصلاة، كالركوع والسجود، فهذا إنْ تعمده بطلت صلاته بلا خلاف، وإنْ فَعَلَه سهوًا جُبِرَ بسجود السهو. وإما أن يكون عملًا ليس من جنس الصلاة، فهذا إنْ تعمد كثيره بلا حاجة بطلت صلاته؛ لأن كل عمل كثير بلا غرض للمصلي ولا مصلحة للصلاة عبث منافٍ للصلاة، فالصلاة كما تمنعه من الكلام مع الناس إجماعًا، تمنعه من العبث في الصلاة، وقد تكلمنا على مسألة العبث في الصلاة في مسألة مستقلة. قال عبد الرحمن بن قدامة في الشرح الكبير: «العمل ينقسم إلى عمل من جنس الصلاة وقد ذكرناه، وعمل من غير جنس الصلاة كالحك والمشي والتروح، فهذا تبطل الصلاة بكثيره عمدًا كان أو سهوًا بالإجماع» (٤). والتسوية بين العامد والساهي فيه خلاف حتى عند الحنابلة، وإن كان المُعْتَمَدُ في مذهب الأئمة الأربعة عدمَ التفريق بين العامد والساهي.

стр. 6547

• دليل من قال: الحركة الكثيرة من الساهي تبطل الصلاة كالعامد: قالوا: الحركة الكثيرة في الصلاة بلا حاجة لها حكمان: تكليفي، ووضعي: فالتكليفي: يتعلق بالإثم، والساهي لا إثم عليه إجماعًا. وأما الوضعي: وهو الحكم ببطلان الصلاة بالحركة الكثيرة بلا حاجة، فهذا يستوي فيه العامد والساهي، والمكلف وغيره؛ لأنه من باب ربط الأسباب بمسبباتها، ولهذا تجب الزكاة في أموال الصبي والمجنون، ولا تكليف عليهما، ويضمن النائم والناسي ما أتلفاه، وإن كان التكليف مرفوعًا وقت النوم والنسيان؛ لوجود سبب الضمان، وهو الإتلاف، فالحركة الكثيرة بلا حاجة سبب لفساد الصلاة، ولو صدرت من الساهي، وأما الإثم فيشترط فيه العمد. • ويناقش: بأن الكلام مبطل بالإجماع، وقد دل الدليل على أن المتكلم الساهي لا تبطل صلاته، كما سيأتي في أدلة القول التالي، فالحكم الوضعي أحيانًا يترتب على الحكم التكليفي رحمة من الشارع، ودفعًا لإفساد العبادة ما أمكن. • دليل من اشترط العمد لإبطال الصلاة من الحركة الكثيرة: (ح-٢٣٣٦) ما رواه البخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين، فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم … الحديث. ورواه مسلم بنحوه من طريق أيوب، عن ابن سيرين (١).

стр. 6548

(ح-٢٣٣٧) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ قام بأفعال كثيرة ليست من جنس الصلاة، حيث انصرف النبي ﷺ من صلاته ظانًّا إتمامها، ومشى خطوات -وفي رواية عمران: أنه دخل منزله، وخرج يجر رداءه- وتكلم، والكلام أشد من الحركة في إبطال الصلاة، ومع ذلك بنى على صلاته، فلم تفسد بكل هذه الأفعال، فدل على أن الساهي ليس كالعامد، فلو تعمد مثل هذه الأفعال لبطلت صلاته بالإجماع. • دليل من قال: العمل إذا تفرق حتى كان يسيرًا لم تبطل به الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٣٣٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة الأنصاري، أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (٢). الدليل الثاني: الحكم ببطلان الصلاة بالعمل الكثير المتوالي؛ لأن من يشاهده يظن أنه ليس في صلاة، بخلاف العمل الكثير إذا تفرق فإنه في حكم اليسير. ولأن تفرق العمل يقطع بعضه أن يكون جزءًا من بعض على الصحيح.

стр. 6549

• الراجح: أن العمل الكثير لحاجة أو مصلحة لا يبطل الصلاة، وأن اليسير جدًّا مما لا يمكن التحرز منه مباح. فإذا زاد على ذلك، ولم يبلغ حد الكثير، أو فرق الكثير حتى كان يسيرًا فإن ذلك لا يبطل الصلاة، ويكره إذا لم تدع له حاجة، أو مصلحة الصلاة، فإذا كثر العمل، وكان متواليًا بلا حاجة فسدت الصلاة؛ لأنه عبث في الصلاة، والله أعلم.

стр. 6550

المبحث الثاني بطلان الصلاة بقتل الحية والعقرب إذا تطلب عملًا كثيرًا المدخل إلى المسألة: • قتل الحية والعقرب مأمور به في داخل الصلاة وخارجها، وفي الحل والحرم. • كل عمل مأمور به في الصلاة، ولو كان من غير جنسها لا تفسد به الصلاة ولو كان كثيرًا كالصلاة حال المسايفة. • الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه سواء أخاف من أذيتها أم لا، وسواء تطلب ذلك عملًا كثيرًا أم لا. • لو كانت الصلاة تفسد إذا قتلهما بأكثر من ضربتين، لجاءت النصوص بفساد الصلاة، أو جاء أمر جديد بفعل الصلاة، فلما ترك ذلك علم أن الصلاة على الصحة. • كل عمل كثير في الصلاة إذا كان الباعث عليه حفظ النفس أو كان لمصلحة الصلاة وحفظها عن الفساد، فإنه لا يضر، ومنه قتل الحية والعقرب، والأصل فيه حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران بن الحصين في قصة الخرباق فقد اجتمع مع السلام أفعال كثيرة منافية، كالكلام، واستدبار القبلة، والمشي، ودخول المنزل ثم الخروج منه، ومع ذلك بنى على صلاته. • قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فعلم أن المحافظة على الأركان والشروط تجب مع الأمن وتسقط مع الخوف، ولم يذكر الله جنس ما يخاف منه؛ ليشمل العدو واللص والسبع والهوام ومنه الحية والعقرب. [م-٨٠٤] اختلف العلماء في حكم قتل الحيَّة والعقرب في الصلاة: فقيل: لا يكره قتل الحية والعقرب في الصلاة، وهو مذهب الحنابلة والشافعية (١).

стр. 6551

قال النووي في المجموع: «يجوز قتل الحية والعقرب في الصلاة ولا كراهة فيه، بل قال القاضي أبو الطيب وغيره: هو مستحب في الصلاة» (١). قال إسحاق بن منصور للإمام أحمد: «تقتل الحية والعقرب في الصلاة؟ قال: إي والله، قال إسحاق: كما قال» (٢). وقيل: إن خاف أذيتها قتلها، وإلا كره، وهو مذهب الحنفية، والمالكية (٣). وقيل: يكره مطلقًا، وهو اختيار إبراهيم النخعي، ورواه الحسن بن زياد عن أبي حنفية، وإحدى الروايتين عن مالك (٤). جاء في تبيين الحقائق: «روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لو لم يخف أذاهما لا يجوز له قتلهما» (٥). جاء في النوادر والزيادات: وكره مالك قتل العقرب في الصلاة (٦). وقال ابن بطال في شرح البخاري: «اختلف قول مالك في ذلك، فمرة كرهه،

стр. 6552

ومرة أجازه، وقال: لا بأس بقتلها إذا آذته، وخفَّفَه» (١). وقال الخطابي في معالم السنن: «رخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين إلا إبراهيم النخعي، والسنة أولى ما اتبع» (٢). • واختلفوا في فساد الصلاة إذا تطلب قتلها معالجة أو عملًا كثيرًا. فقيل: لا تفسد، اختاره السرخسي من الحنفية، وهو ظاهر مذهب الحنابلة، واختاره بعض الشافعية، ورجحه ابن حزم (٣). وقيل: إن احتاج إلى عمل كثير بطلت الصلاة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (٤).

стр. 6553

قال الماوردي: «ولو قتل في صلاته حية أو عقربًا بضربة أو ضربتين بنى، فإن تطاول استأنف» (١). • دليل من قال: قتل الحية والعقرب لا يفسد الصلاة مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢٣٣٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: خمس فواسق، يقتلن في الحرم: وذكر منهن العقرب (٢). وروى مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، يحدث عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم، وذكر منهن الحية (٣). الدليل الثاني: (ح-٢٣٤٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا معمر، أخبرني يحيى بن أبي كثير، عن ضَمْضَمٍ، عن أبي هريرة، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الأسودين في الصلاة. فقلت ليحيى: ما يعني بالأسودين؟ قال: الحية والعقرب (٤). [صحيح، وقد أدرج بعض الرواة تفسير الأسودين بالحديث، والصواب أن ذلك من كلام يحيى بن أبي كثير مقطوع عليه] (٥).

стр. 6554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6557

وجه الاستدلال: ندب الشارع إلى قتل الحية والعقرب خارج الصلاة، وداخلها، وفي الحل والحرم، والأمر بقتل الحية والعقرب مطلق في الحديث سواء أفَعَلَ ذلك بضربة واحدة أم أكثر، و (أل) في الحية والعقرب عام في الحيات والعقارب، سواء أخاف أذيتهما أم لا، والأمر من الشارع للمصلي بهذا الفعل يستفاد منه ما يلي: الأول: صحة هذا الفعل من المصلي. الثاني: أن الصلاة لا تفسد بذلك مطلقًا؛ لأن الصلاة إنما تفسد بالعمل الكثير إذا كان غير مشروع، فأما ما كان المصلي مأمورًا بفعله ولو على وجه الاستحباب، ونص على فعله في الصلاة، وفي الحل والحرم فلا تفسد الصلاة بفعله مطلقًا؛ لأن استحباب الفعل ينفي الفساد عنه، فلا تقاس الحركة الكثيرة غير المشروعة على ما كان المصلي مأمورًا بفعله، ولأن ما ترتب على المأذون فغير مضمون. ولأن الأمر بالقتل مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فالنصوص لا تقيد إلا بنصوص مثلها، أو إجماع. فمن قيد الحديث بأنه لا يقتلهما إلا في حال الخوف منهما، أو اشترط لبقاء الصلاة على الصحة أن يكون ذلك بضربة أو ضربتين لا أكثر، فقد قيد النص الشرعي بلا دليل، ولو كانت الصلاة تفسد إذا قتلهما بأكثر من ضربتين لاحتاج الأمر إلى بيان أو أمر جديد بفعل الصلاة، فلما ترك البيان علم أنه لا فرق.

стр. 6558

وهب أنه تعرض لثلاث عقارب أو حيات، فقتل كل واحدة بضربة واحدة، أكانت صلاته باطلة؟ فإن قالوا: نعم، قيدوا النص الشرعي بلا دليل، وإن قالوا: لا، بطل شرطهم باشتراط العمل اليسير. وعلى افتراض أن العمل الكثير يبطل الصلاة، فلا نسلم أن حد الكثير من القليل مرده إلى العدد؛ فإن النبي ﷺ كان يصلي حاملًا إمامة بنت زينب كما في حديث أبي قتادة في الصحيح، فكان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها طيلة الصلاة، بل ينبغي أن يكون مرده إلى العرف، وقتل الحية والعقرب لا يتطلب عملًا كثيرًا عرفًا خاصة إذا قتلها في حريم مصلاه، أو مشى إليها قليلًا بحدود ما يمشي المصلي لسد فرجة في الصف ونحو ذلك. • وأجاب الحنفية عن هذا التوجيه: الأمر بقتلهما ترخيص وإباحة وإن كانت صيغته صيغة الأمر؛ لأن قتلهما ليس من أعمال الصلاة، ولهذا لو عالجهما معالجة كثيرة في قتلهما فسدت صلاته. • ورد هذا الجواب: بأن قلتهما وإن لم يكن من عمل الصلاة إلا أن هذا العمل فيه مصلحة للمصلي بحفظه عن الأذى، ومصلحة للصلاة بحفظها عن الإفساد، فاغتفر العمل الكثير، وكل عمل فيه مصلحة للصلاة يغتفر العمل الكثير، فقد صلى النبي ﷺ فوق المنبر، فكان إذا سجد نزل، وإذا قام صعد من أجل التعليم، والحديث في الصحيح، وتقدم وتأخر في صلاة الكسوف حتى بلغ مصلى النساء، واغتفر ذلك، فهذا من جنسه. الدليل الثالث: أن قتل الحية والعقرب وإن تطلب عملًا كثيرًا لا يفسد الصلاة؛ لأن هذا العمل قصد به حفظ النفس وحفظ الصلاة عن الفساد؛ لأن تركهما قد يؤدي إلى إفساد الصلاة، فاغتفر. وبأن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين في الصحيحين (١)، قد اجتمع مع السلام

стр. 6559

أفعال كثيرة منافية، واغتفر ذلك، كالكلام، واستدبار القبلة، والمشي، وزاد في حديث عمران بن الحصين (١): دخول المنزل ثم الخروج منه، ومع ذلك بنى على صلاته. الدليل الرابع: قتل الحية والعقرب مطلوب لدفع ضررهما فأشبه دفع العدو حال القتال، وإذا كانت الأفعال الكثيرة في دفعه لا تضر صلاته كما في صلاة الخوف، فكذلك هنا. قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. أي: صلوا الصلاة (رجالًا) أي: ماشين على أرجلكم، أو ساعين عليها. (أو ركبانًا) على الإبل وغيرها من المركوبات. وحذف المُتَعلَّق؛ ليعم الخوف، فيشمل الخوف من العدو حال القتال، والخوف من اللصوص، وقطاع الطرق، والخوف من السباع، ومنه الخوف من الحيات والعقارب، فكل أمر يخاف منه المصلي فهو مبيح؛ لما تضمنته هذه الآية، فلا يضر صلاته ما كان منه من عمل كثير ما دام أنه لدفع الصائل عليه. الدليل الخامس: قياس قتل الحية والعقرب على المصلي إذا سبقه الحدث في أثناء الصلاة، فإن له أن يخرج من الصلاة عند الحنفية، وبه قال الشافعي في القديم، فيذهب ويتوضأ، ويعود إلى صلاته ويبني على ما صلَّى، ولا تبطل صلاته بالمشي والوضوء، وإن كان عملًا كثيرًا منافيًا للصلاة؛ لأن هذا العمل عندهم قصد به إصلاح الصلاة. وقال به المالكية في الرعاف خاصة، فكذلك يقال هنا، فإنه لو ترك الحية والعقرب لأفسدت عليه صلاته، وقد تكلمت على هذه المسألة في مبحث مستقل. • دليل من قال: إن تطلب القتل عملًا كثيرًا فسدت: الحركة الكثيرة تنافي الصلاة عند الحنفية، ولو دعت لها ضرورة كالقتال، أو حاجة كالقراءة من المصحف، والأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة يستفاد منه إباحة الفعل فإن فعل ذلك بضربة أو ضربتين لم تبطل صلاته؛ لأنه عمل يسير، وإن

стр. 6560

استلزم قتلهما معالجة وعملًا كثيرًا بطلت، ويستفاد من الأمر الشرعي بالقتل رفع الإثم عن المصلي بمباشرة ما يفسد صلاته بعد أن كان حرامًا، ولا يستلزم بقاء الصلاة على الصحة. جاء في مختصر القدوري: «ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن فعلوا ذلك بطلت صلاتهم .... » (١). وقد تكلمت على مسألة الخلاف في الصلاة حال الاقتتال في مبحث مستقل. • ويناقش: من ادعى أن الأمر بقتل الحية والعقرب لا يستفاد منه إلا إباحة إفساد الصلاة بهذا الفعل فقد قاله من عنده، فالنص تضمن الإذن من المصلي بالقتل، ولم يتعرض لفساد الصلاة، والأصل بقاؤها على الصحة، واستصحاب ذلك حتى يثبت دليل من الشرع يقضي بفساد الصلاة بذلك، ولم يحفظ. والمصلي دخل في الصلاة ممتثلًا للأمر الشرعي، وقام بقتل الحية والعقرب وهو في الصلاة بإذن من الشرع، وليس في النصوص ما يفيد بطلان صلاته بهذا الفعل، ولا يحفظ أنه توجه له أمر جديد باستئناف الصلاة، ولو كان يشترط لبقاء صلاته على الصحة أن يفعل ذلك بضربة أو ضربتين لجاء النص باشتراط ذلك، فلما لم يشترط الشارع ذلك، ولم يفرق في القتل بين أن يكون بضربة أو أكثر، علم أنه لا فرق. • دليل من قال: يكره قتل الحية والعقرب في الصلاة مطلقًا: (ح-٢٣٤١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ ، وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (٢).

стр. 6561

وجه الاستدلال: قوله: (إن في الصلاة شغلًا) فإذا كان المصلي لا يشتغل برد السلام الواجب، فلا يشتغل بغيره من باب أولى. • ويجاب: بأن حديث الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة نص في الموضوع وخاص بالصلاة، وحديث: (إن في الصلاة لشغلًا) جرى في حكم الكلام في الصلاة، وليس في حكم قتل العقرب والحية، فلا يصح الاستدلال على أنه يعتذر لمن استدل بهذا الحديث على أنه لم يطلع على حديث أبي هريرة، والله أعلم. • الراجح: أن المصلي له قتل الحية والعقرب في صلاته، وأن ذلك لا يفسد صلاته مطلقًا.

стр. 6562

المبحث الثالث بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود والحمار والمرأة المدخل إلى المسألة: • حديث: (لا يقطع الصلاة شيء) لا يصح مرفوعًا عن النبي ﷺ . • على فرض صحة أحاديث: (لا يقطع الصلاة شيء)، فإن دلالتها عامة، وحديث: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود) دلالته خاصة، والخاص مقدم على العام عند أهل الأصول. • أحاديث: (لا يقطع الصلاة شيء)، وحديث اعتراض عائشة بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي، حكمها جار على وفق البراءة الأصلية، وحديث: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود) ناقل عن حكم الأصل، والناقل مقدم، وهذا على افتراض التعارض، ولا تعارض. • دعوى أن حديث اعتراض عائشة في قبلة النبي ﷺ ناسخ لحديث أبي ذر، لا يصح مع الجهل بالتاريخ، وعدم تعذر الجمع. • تقديم حديث عائشة باعتراضها بين يدي النبي ﷺ في قبلته، وهو يصلي ليس بأولى من تقديم حديث أبي ذر على حديث عائشة؛ لأسباب كثيرة: منها: أن حديث أبي ذر سنة قولية، واعتراض عائشة سنة فعلية، والقول أعم من الفعل وأقوى في الدلالة؛ فالقول دلالته نصية، والفعل يرد عليه احتمالات كثيرة، ذكرت بعضها في البحث. ومنها: أن المرور غير الاعتراض؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي إلى راحلته، وكان يدرأ مرور الدابة بينه وبين سترته. ومنها: لو اعتبر اعتراض عائشة في قبلة النبي مرورًا، لَدَلَّ ذلك على جواز

стр. 6563

المرور بين يدي المصلي، ولا قائل به، وإنما الخلاف في قطع الصلاة بالمرور، لا في النهي عن المرور، فإنه محكم. • ضعف حجة من يقول: الاعتراض بمنزلة المرور، ثم يذهب إلى تحريم المرور، وجواز الاعتراض. • الصحابة مختلفون فيما بينهم، وإذا تعارضت أقوالهم قُدِّمَ قول الصحابي الموافق للأحاديث المرفوعة على المخالف لها. وقُدِّمَ قول الصحابي المخالف للقياس على القول الموافق له. فمن قال: لا يقطع الصلاة شيء قوله موافق للقياس. ومن قال: يقطع الصلاة المرأة والحمار، والكلب الأسود، قاله اعتمادًا على النقل والسماع؛ لأن الاجتهاد لا يوصل لهذا؛ ولأنه لا يخص الكلب الأسود من الأبيض، والحمار دون سائر الدواب إلا اعتمادًا على النقل والسماع، فكان قوله مقدمًا على غيره، والله أعلم. • المأموم لا يؤمر بوضع سترة له، ولا تستحب له، ولو وضعت بين يديه فلا حكم لها مطلقًا، سواء أكان لإمامه سترة أم لا. • قول الفقهاء: سترة الإمام سترة للمأموم، يقصدون به الاكتفاء بسترة الإمام، ولا يقصدون أنه سترة له حقيقة، وإلا لكان المرور بين المأموم وسترة الإمام قاطعًا لصلاته كالمرور بين الإمام وبين سترته. • حديث: (صلى إلى غير جدار) تقديره: صلى إلى شيء غير جدار؛ لأن لفظ (غير) يقع دائمًا صفة، ونفي الجدار لا يعني: نفي ما دونه من عنزة ونحوها. • كون المرأة التي تصر على المرور بين الرجل وسترته أو بينه وبين موضع سجوده، قد قرنت في الحكم بمرور الحمار والكلب ليس بأشد من وصف الرجل الذي يصر على فعل ذلك بأنه شيطان، على رسلكم يا أدعياء المساواة. [م-٨٠٥] اختلف العلماء في قطع الصلاة بالمرور بين يدي المصلي إذا صلى لغير سترة، أو مر بينه وبين السترة:

стр. 6564

فقيل: لا يقطع الصلاة مرور شيء، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (١). قال ابن عبد البر: «وهو قول الثوري، وأبي ثور، وداود والطبري وجماعة من التابعين» (٢). وقيل: لا يقطعها إلا الكلب الأسود، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، ونقلها الجماعة عن الإمام أحمد، وهومن المفردات، وبه قال إسحاق (٣). ونص ابن قدامة في المغني أنه هو المشهور عن أحمد (٤). جاء في الأوسط: كان أحمد وإسحاق يقولان: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود. قال أحمد: وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء (٥). وقال الترمذي: «قال أحمد: الذي لا أشك فيه أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء» (٦). وقيل: يقطع الصلاة مرور الكلب الأسود، والمرأة والحمار، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وبه قال ابن حزم، إلا أنه قال: ولا يقطع النساء بعضهن

стр. 6565

صلاة بعض (١). وخص بعضهم المرأة بالحائض (٢). قال ابن المنذر: «وقالت طائفة: يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار، هذا قول طائفة من أصحاب الحديث، وكان ابن عباس وعطاء ابن أبي رباح يقولان: يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب الأسود» (٣). • وقد اختلف المتأخرون في قيد الحائض على قولين: فقيل: البالغ. قال السندي في حاشيته: «المرأة الحائض يحتمل أن المراد: ما بلغت سن الحيض: أي البالغة، وعلى هذا فالصغيرة لا تقطع» (٤). ذكره احتمالًا؛ لأن النصوص والآثار ليست كاشفة. وقيل: المراد من نزل عليها الدم. فسره بذلك ابن العربي المالكي، وابن الملقن والعراقي من الشافعية، وابن رجب من الحنابلة (٥). قال ابن العربي نقلًا من نيل الأوطار: «إنه لا حجة لمن قيد بالحائض؛ لأن الحديث ضعيف. قال: وليست حيضة المرأة في يدها ولا بطنها ولا رجلها» (٦). • دليل من قال: لا يقطع الصلاة مرور شيء: الدليل الأول: (ح-٢٣٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو أسامة، عن مجالد، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا

стр. 6566

ما استطعتم؛ فإنه شيطان (١). [رفعه منكر] (٢).

стр. 6567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6568

الدليل الثاني: (ح-٢٣٤٣) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يحيى بن ميمون: أخبرنا جرير بن حازم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كان رسول الله ﷺ قائمًا يصلي، فذهبت شاة تمر بين يديه فساعاها رسول الله ﷺ حتى ألزقها بالحائط، ثم قال رسول الله ﷺ : لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم (١). [ضعيف جدًّا] (٢).

стр. 6569

الدليل الثالث: (ح-٢٣٤٤) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق أبي المغيرة، حدثنا عفير، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: لا يقطع الصلاة شيء (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الرابع: (ح-٢٣٤٥) ما رواه الدارقطني من طريق إدريس بن يحيى أبي عمرو، المعروف بالخولاني عن بكر بن مضر، عن صخر بن عبد الله بن حرملة، أنه سمع عمر بن عبد العزيز، يقول: عن أنس أن رسول الله ﷺ صلَّى بالناس، فمرَّ بين أيديهم حمار، فقال عياش ابن أبي ربيعة: سبحان الله سبحان الله سبحان الله، فلما سلم رسول الله ﷺ قال: من المسبح آنفًا، سبحان الله؟ قال: أنا يا رسول الله، إني سمعت أن الحمار يقطع

стр. 6570

الصلاة. قال: لا يقطع الصلاة شيء (١). [رجح الدارقطني إرساله، وهو منكر لمخالفته الثابت عن أنس موقوفًا عليه، ولمخالفته الأحاديث الصحيحة كحديث أبي ذر وأبي هريرة في صحيح مسلم] (٢).

стр. 6571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6574

الدليل الخامس: (ح-٢٣٤٦) ما رواه الدارقطني من طريق إسحاق بن البهلول، حدثنا يحيى ابن المتوكل، حدثنا إبراهيم بن يزيد، حدثنا سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر، قالوا: لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرأ ما استطعت (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل السادس: (ح-٢٣٤٧) ما رواه الدارقطني في السنن من طريق إسماعيل بن عياش، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، لا تقطع صلاة المرء امرأة، ولا كلب، ولا حمار، وادرأ من بين يديك ما استطعت (٣). [ضعيف جدًّا] (٤).

стр. 6575

الدليل السابع: (ح-٢٣٤٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: زار النبي ﷺ عباسًا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي ﷺ العصر، وهما بين يديه فلم تؤخرا ولم تزجرا (١). [منكر] (٢). • ونوقش الاستدلال بهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: ليس في الحديث أن الكلب كان أسود، فخرج الاعتراض بالكلب. قال الخطابي: «لم يذكر فيه نعت الكلب، وقد يجوز أن يكون هذا الكلب ليس بأسود، فبقي خبر أبي ذر في الكلب الأسود لا معارض له، فالقول به واجب؛ لثبوته وصحة إسناده» (٣).

стр. 6576

الوجه الثاني: على فرض أن الحديث صحيح، وهذا على سبيل الافتراض، فمن المعلوم أن النبي ﷺ كان من عادته إذا أراد الصلاة ركزت له عنزة، وكان لا يدع ذلك حتى في سفره، ونفي السترة في هذا الحديث جاءت من طريق يحيى بن أيوب، من رواية الليث بن سعد عنه، ولم يذكرها يحيى بن أيوب من رواية سعيد بن أبي مريم، ومعاذ بن فضالة عنه، كما لم يذكرها ابن جريج في روايته للحديث، فانفراد يحيى بن أيوب، وهو سيئ الحفظ، مع الاختلاف عليه، ومخالفته لابن جريج يجعل منها زيادة شاذة. فإن كان النبي ﷺ صلى إلى سترة فهي تكون قريبة منه، بينها وبين موضع سجوده مقدار مرور شاة، كما في حديث سهل: (كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة) متفق عليه (١). وفي البخاري من حديث سلمة: (كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها) (٢). وترجم لهما البخاري في صحيحه: باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المُصَلِّي والسترة. وقوله: (كان بين مصلى رسول الله ﷺ ) المراد بالمصلى: موضع السجود، كما قاله النووي، وقدره بعض العلماء بقدر الشبر. وأما إذا قدر (المصلَّى) بموضع القيام فإنه يكون بينه وبين السترة بنحو ثلاثة أذرع؛ لما رواه البخاري (عن ابن عمر أنه كان إذا دخل الكعبة مشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع صلى، يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن النبي ﷺ صلى فيه) (٣). فإذا علم ما بين موضع سجوده وبين سترته، وما بين موضع قدمه وبين سترته، فإن قول الفضل بن عباس: (وحمارة وكليبة بين يديه) أي: من وراء سترته، وهذا

стр. 6577

لا يضره؛ لأنه يبعد مع قرب السترة أن تكون الكليبة والحمارة بينه وبين سترته، خاصة أن الحمارة ترعى، والمرعى فلاة رحبة. وإن كان لم يصلِّ إلى سترة وهذا نقوله على سبيل الجدل، فالمرور بين يدي المصلي إنما يؤثر إذا ما مرَّ بينه وبين موضع سجوده، وهو حريم المصلَّى، ولا يتصور أن يجتمع حمار وكلب بين النبي ﷺ وبين موضع سجوده؛ لضيق المكان، لهذا كان على كلا الافتراضين يحمل قوله: (وهما بين يديه) أي: في موضع قبلته، ولا يعني هذا أنهما بين يديه أي بينه وبين سترته، وأبعد منه أن يكونا بينه وبين موضع سجوده، ومثل هذا لا يؤثر على صحة صلاته. وقد جاء في النصوص إطلاق لفظ: (بين يديه)، ويراد به ما وراء سترته. (ح-٢٣٤٩) فقد روى البخاري في صحيحه، حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، قال: سمعت أبي أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عنزة، الظهر ركعتين، والعصر ركعتين تمر بين يديه المرأة والحمار (١). ولمسلم من طريق سفيان (يعني: الثوري) حدثنا عون به، وفيه: ( … يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع … ). الحديث (٢). هكذا رواه سفيان الثوري، وشعبة من رواية أبي الوليد عنه، كلاهما عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، وقد كان المرور من وراء السترة. لما رواه البخاري من طريق آدم، قال: حدثنا شعبة به، وفيه: ( … وبين يديه عنزة، والمرأة والحمار يمرون من ورائها). ورواه البخاري ومسلم من طريق عمر بن أبي زائدة، حدثنا عون بنحوه، وفيه: ( … ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة) (٣). فتبين أن بعض الرواة يطلق لفظ: (بين يديه) ويريد في قبلته، وإن كان من وراء السترة.

стр. 6578

الدليل الثامن: (ح-٢٣٥٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن قيس، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله أو عمر، فقال: بيده هكذا، قال: فرجع، قال: فمرت ابنة أم سلمة، فقال بيده هكذا، قال: فمضت فلما صلى رسول الله ﷺ قال: هن أغلب (١). [ضعيف] (٢). • ويجاب عن هذا الاستدلال بوجهين: الوجه الأول: ضعف الحديث؛ لأن في إسناده من لا يعرف. الوجه الثاني: أنه في مرور الصغيرة، قال ابن رجب: «وقد يفرق من يقول ببطلان الصلاة بمرور المرأة، بين الجارية التي لم تبلغ وبين البالغ، ويقول: إذا أطلقت المرأة لم يرد بها إلا البالغ، وزينب حينئذ كانت صغيرة، والصغيرة لا تسمى امرأة في الحال؛ ولهذا قالت عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» (٣). الدليل التاسع: (ح-٢٣٥١) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي ﷺ حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطواف أحد (٤). [حديث معلٌّ] (٥).

стр. 6579

• ويجاب بجوابين: الجواب الأول: أن الحديث معلٌّ، فلا يقوى على معارضة الصحيح. الجواب الثاني: لو فرضنا صحته، لكان دليلًا على عدم وجوب السترة: إما مطلقًا، وهو قول الجمهور، أو في الحرم المكي، وهو قول طاوس، وعطاء، ونص عليه أحمد في رواية ابن الحكم وغيره (١)، ولا يصح دليلًا على نفي البطلان بمرور المرأة؛ لأن من قال: يحرم المرور اشترط لذلك شرطين: إما أن يقع المرور بين الرجل وبين سترته إن كان ثَمَّ سترة، وإما أن يقع المرور بين المصلي وبين حريم مصلاه، وهو مذهب الجمهور والخوارزمي من الشافعية، واختلفوا في تقدير حريم المصلي. فقيل: قدر ما يحتاج إليه في صلاته: ومنتهاه موضع سجوده، وهو الأصح في مذهب الحنفية؛ واختاره ابن العربي من المالكية، وقدمه الدردير في الشرح الكبير، وبه قال الخوارزمي من الشافعية (٢). لأن تحريم ما وراءه تضييق على المارة من غير حاجة إليه. قال الدردير المالكي في الشرح الكبير: «الأرجح ما لابن العربي من أن المصلي سواء صلى لسترة أم لا، لا يستحق زيادة على مقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده» (٣).

стр. 6580

قال الخوارزمي الشافعي في الكافي، نقلًا من تحرير الفتاوى للعراقي: «يحرم المرور في حريمه، وهو قدر إمكان السجود» (١). وقيل: حريمه قدر شبر من موضع سجوده؛ وهو قول في مذهب المالكية (٢)؛ لحديث سهل بن سعد ﵁: (كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة). متفق عليه (٣). ونقل اللخمي عن شيخه أبي الطيب عبد المنعم، أنه قدر شبر من موضع قدمه، فكان إذا قام دنا من الجدار ذلك القدر؛ لهذا الحديث، وإذا ركع تأخر (٤). وهو غلط، ويلزم منه حركة كثيرة في الصلاة بلا حاجة. وقيل: حريم المصلي ثلاثة أذرع من موضع قدمه؛ وهو قول في مذهب المالكية؛ لأن النبي ﷺ صلى في الكعبة، وجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، كما في حديث بلال ﵁ في الصحيح (٥). وذكر اللخمي بأن هذا القول يرجع إلى حديث سهل؛ لأنه إذا كان من قيام المصلي ثلاثة أذرع بقي بعد سجوده إلى الجدار نحو شبر (٦).

стр. 6581

وقيل: لو صلى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار، اختاره بعض الحنفية (١). قال السندي في حاشية على النسائي: «ومن لا يقول به يحمله على أن الطائفين كانوا يمرون وراء موضع السجود، أو وراء ما يقع فيه نظر الخاشع» (٢). ولا يحق للمصلي أن يتحجر أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه، فمن أين لكم أن مرور الطائفين قد وقع في هذا الحدود؟ وإذا لم يقطع بمثل ذلك، فلا يمكن أن يعارض به حديث أبي ذر، وهو سنة صريحة قولية، ودلالة القول أقوى من دلالة الفعل؛ لأن الفعل يرد عليه احتمالات كثيرة، سآتي على ذكرها إن شاء الله تعالى خلال البحث، والتوجه لضعف الحديث يلقي عنك عناء التوفيق بينه وبين حديث أبي ذر ﵁. وقال ابن ماجه بعد روايته لهذا الحديث: «هذا بمكة خاصة» (٣). وقال اللخمي: «لا بأس بالصلاة إلى الطائفين من غير سترة؛ لأنهم في معنى من هو في صلاة». الدليل العاشر: إذا اختلفت الأحاديث نظرنا إلى عمل الصحابة، وقد ثبت عن بعض فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم أن الصلاة لا يقطعها شيء، من ذلك: (ث-٥٦٩) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي (٤). [سنده في غاية الصحة] (٥).

стр. 6582

(ث-٥٧٠) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن علي وعثمان، قالا: لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوهم ما استطعتم (١). [صحيح] (٢).

стр. 6583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6584

(ث-٥٧١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن حبيب بن أبي مرزوق، قال: قال عثمان: لا يقطع الصلاة شيء إلا الكلام والحدث (١). [منقطع؛ حبيب بن أبي مرزوق لم يدرك عثمان]. (ث-٥٧٢) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن حنظلة الجمحي، عن سالم بن عبد الله، قال: صلى بنا ابن الزبير، فمرت بين أيدينا امرأة بعد ما قد صلينا ركعة، أو ركعتين، فلم يبالِ بها (٢). ورواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق ابن وهب، قال: حدثنا حنظلة، عن سالم، قال: صليت مع عبد الله بن الزبير بمكة، فمرت بين يدي الصف امرأة فما بالوها (٣). [صحيح]. وقد يقال: إن هذا في مرور امرأة تطوف بالبيت، فتكون أحق بالمكان. فقد رواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، قال: رأيت ابن الزبير يصلي، فمرت امرأة بين يديه تطوف بالبيت، فوضع جبهته في موضع قدمها (٤).

стр. 6585

[رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي عمار، وأبوه فيه لين] (١). • ورد: كون الطائف أحق بالمكان فهو يرفع الإثم عنه، لكنه لا ينفي الإثم عن المصلِّي، فلو كان مرور المرأة يقطع الصلاة، لحرم على المصلي الصلاة في مكان يتعرض فيه لبطلان صلاته، إلا أن يتخذ سترة تقيه من إفساد صلاته، أو يكون مضطرًّا للصلاة في هذا المكان، ولا ضرورة. (ث-٥٧٣) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذكر له أن المرأة، والحمار، والكلب، يقطعون الصلاة، قال ابن عباس: إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، لا يقطع الصلاة شيء، ولكنه يكره. [انفرد به سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، ورواه أبو الشعثاء وعبيد الله بن أبي يزيد الليثي المكي عن ابن عباس فقال: يقطع الصلاة الكلب -زاد أبو الشعثاء: الأسود- والمرأة الحائض، وهذا أصح] (٢).
следующие страницы →