وقيل: لو صلى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار، اختاره بعض الحنفية (١).
قال السندي في حاشية على النسائي: «ومن لا يقول به يحمله على أن الطائفين كانوا يمرون وراء موضع السجود، أو وراء ما يقع فيه نظر الخاشع» (٢).
ولا يحق للمصلي أن يتحجر أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه، فمن أين لكم أن مرور الطائفين قد وقع في هذا الحدود؟ وإذا لم يقطع بمثل ذلك، فلا يمكن أن يعارض به حديث أبي ذر، وهو سنة صريحة قولية، ودلالة القول أقوى من دلالة الفعل؛ لأن الفعل يرد عليه احتمالات كثيرة، سآتي على ذكرها إن شاء الله تعالى خلال البحث، والتوجه لضعف الحديث يلقي عنك عناء التوفيق بينه وبين حديث أبي ذر ﵁.
وقال ابن ماجه بعد روايته لهذا الحديث: «هذا بمكة خاصة» (٣).
وقال اللخمي: «لا بأس بالصلاة إلى الطائفين من غير سترة؛ لأنهم في معنى من هو في صلاة».
الدليل العاشر:
إذا اختلفت الأحاديث نظرنا إلى عمل الصحابة، وقد ثبت عن بعض فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم أن الصلاة لا يقطعها شيء، من ذلك:
(ث-٥٦٩) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي (٤).
[سنده في غاية الصحة] (٥).
стр. 6582
(ث-٥٧٠) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب،
عن علي وعثمان، قالا: لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوهم ما استطعتم (١).
[صحيح] (٢).
(ث-٥٧١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن حبيب بن أبي مرزوق، قال:
قال عثمان: لا يقطع الصلاة شيء إلا الكلام والحدث (١).
[منقطع؛ حبيب بن أبي مرزوق لم يدرك عثمان].
(ث-٥٧٢) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن حنظلة الجمحي، عن سالم بن عبد الله، قال:
صلى بنا ابن الزبير، فمرت بين أيدينا امرأة بعد ما قد صلينا ركعة، أو ركعتين، فلم يبالِ بها (٢).
ورواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق ابن وهب، قال: حدثنا حنظلة، عن سالم، قال:
صليت مع عبد الله بن الزبير بمكة، فمرت بين يدي الصف امرأة فما بالوها (٣).
[صحيح].
وقد يقال: إن هذا في مرور امرأة تطوف بالبيت، فتكون أحق بالمكان.
فقد رواه الطبري في تهذيب الآثار من طريق يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، قال:
رأيت ابن الزبير يصلي، فمرت امرأة بين يديه تطوف بالبيت، فوضع جبهته في موضع قدمها (٤).
стр. 6585
[رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي عمار، وأبوه فيه لين] (١).
• ورد:
كون الطائف أحق بالمكان فهو يرفع الإثم عنه، لكنه لا ينفي الإثم عن المصلِّي، فلو كان مرور المرأة يقطع الصلاة، لحرم على المصلي الصلاة في مكان يتعرض فيه لبطلان صلاته، إلا أن يتخذ سترة تقيه من إفساد صلاته، أو يكون مضطرًّا للصلاة في هذا المكان، ولا ضرورة.
(ث-٥٧٣) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: ذكر له أن المرأة، والحمار، والكلب، يقطعون الصلاة، قال ابن عباس: إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، لا يقطع الصلاة شيء، ولكنه يكره.
[انفرد به سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، ورواه أبو الشعثاء وعبيد الله بن أبي يزيد الليثي المكي عن ابن عباس فقال: يقطع الصلاة الكلب -زاد أبو الشعثاء: الأسود- والمرأة الحائض، وهذا أصح] (٢).
стр. 6586
فهذه الآثار، خاصة ما صح عن عثمان وعلي بن أبي طالب ﵄ وهما من الخلفاء الراشدين، وقد تأيد ذلك بقول ابن عمر، وهو من فقهاء الصحابة، وممن لازم النبي ﷺ طيلة حياته، وتبع ذلك إنكار عائشة أم المؤمنين، وعمل ابن الزبير، وأحد القولين عن ابن عباس، فإذا تعارضت الأحاديث المرفوعة فإن هذه الآثار تكون مرجحة لأحاديث أن الصلاة لا يقطعها شيء، ولهذا نسب القول به إلى عامة الصحابة، وجمهور الفقهاء.
• ويجاب عن عموم هذه الأدلة والآثار:
الجواب الأول:
أحاديث: (لا يقطع الصلاة شيء) لا يصح منها شيء.
قال ابن الجوزي في العلل المتناهية: «ليس في هذه الأحاديث شيء صحيح» (١).
فلا يمكن أن تعارض الأحاديث الضعيفة والضعيفة جدًّا بما رواها مسلم في صحيحه، وحكم بصحتها أئمة النقل.
الجواب الثاني:
على فرض صحة أحاديث: (لا يقطع الصلاة شيء)، فإن دلالتها عامة، وحديث: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود) دلالتها خاصة، والخاص مقدم على العام عند أهل الأصول.
стр. 6587
• واعترض:
بأنه ورد ما يقضي على هذا الخاص، وهو صلاته ﷺ إلى عائشة، وهي في قبلته، وهذا من قبيل الخاص.
جاء في شرح القسطلاني للبخاري: «فإن قلت: تمسك الأكثرين بحديث: لا يقطع الصلاة شيء لا يحسن؛ لأنه مطلق، وحديث الثلاثة مقيد، والمقيد يقضي على المطلق.
أجيب: بأنه ورد ما يقضي على هذا المقيد، وهو صلاته ﷺ إلى أزواجه ﵅، وهن في قبلته» (١).
• ويجاب:
سوف أناقش الاستدلال بحديث عائشة بتوسع في دليل مستقل من المسألة إن شاء الله تعالى، وانظر: كذلك الجواب التالي.
الجواب الثالث:
أن أحاديث: (لا يقطع الصلاة شيء)، وحديث اعتراض عائشة بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي، حكمها جار على وفق البراءة الأصلية.
وحديث: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود) ناقل عن حكم الأصل.
والقاعدة تقول: ترجيح الناقل عن حكم الأصل على الموافق لحكم الأصل.
قال المرداوي في التحبير: «إذا تعارض حكمان أحدهما مقرر للحكم الأصلي، والآخر ناقل عن حكم الأصل، فالناقل مقدم عند الجمهور؛ لأنه يفيد حكمًا شرعيًّا ليس موجودًا في الآخر» (٢).
يقول ابن حزم: «لو صحت هذه الآثار -وهي لا تصح- لكان حكمه ﷺ بأن الكلب، والحمار، والمرأة يقطعون الصلاة هو الناسخ لما كانوا عليه قبل، من أن لا يقطع الصلاة شيء من الحيوان» (٣).
стр. 6588
الجواب الرابع:
يحمل مطلق أحاديث: (لا يقطع الصلاة شيء) على المقيد من حديث أبي ذر.
(ح-٢٣٥٢) فقد روى الطحاوي من طريق هشيم، عن يونس، ومنصور، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذر قال: قال النبي ﷺ : لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديك كآخرة الرحل، أو كواسطة الرحل، وقال: تقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود (١).
والحديث أصله في مسلم.
وإنما يعمل بمقتضى المطلق إذا لم يرد ما يقيده، كالعام يجب العمل بعمومه ما لم يرد ما يخصصه، وأما إذا أطلق النص تارة وقيد تارة حمل المطلق على المقيد.
فيكون المعنى: لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه سترة.
ومفهومه: إذا لم يكن بين يديه سترة قطع صلاته المرأة والحمار والكلب، وفي هذا جمع بين هذه الأحاديث.
كما قيد الجمهور حديث ابن عباس: (من لم يجد النعلين فليلبس الخفين) متفق عليه، بالمقيد من حديث ابن عمر: (فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين) متفق عليه، وفي هذا نزاع بين الحنابلة والجمهور ليس هذا موضع بسطه.
وكإطلاق الرقبة في العتق تارة وتقييدها بالإيمان تارة، فلا يقال: إن مثل ذلك من تعارض النصوص، ولا أنه من باب النسخ، بل يحمل المطلق على المقيد كما يحمل المجمل على المبين ويعد مفسرًا له.
стр. 6589
الجواب الخامس:
وأما الجواب عن آثار الصحابة ﵃:
فمنها: أنها معارضة للأحاديث الصحيحة المرفوعة، كحديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة في مسلم، والموقوف لا يعارض به المرفوع.
ومنها: أن الصحابة مختلفون، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة دون بعض، فيطلب المرجح من خارج أقوالهم.
فقد صح القول بالقطع بالمرأة والحمار والكلب عن أنس وأبي هريرة وعبد الله بن مغفل ﵁، وأحد القولين عن ابن عباس.
وأعاد الحكم الغفاري من مرور حمار مر بين يدي الصف.
وأعاد ابن عمر صلاته من مرور جرو بين يديه وهو يصلي، وهو أحد القولين عنه، وسيأتي تخريجها في موضع الاحتجاج بها، وليس في موضع الرد.
قال الشوكاني: «وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو هريرة، وأنس، وابن عباس في رواية عنه، وحكي أيضًا عن أبي ذر، وابن عمر. وجاء عن ابن عمر أنه قال به في الكلب، وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار» (١).
ومنها: أن آثار الصحابة إذا تعارضت في قطع الصلاة قدم قول الصحابي المخالف للقياس على قول الصحابي الموافق للرأي.
فالذي قال من الصحابة: لا يقطع الصلاة شيء قوله موافق للرأي.
والذي قال من الصحابة: يقطع الصلاة المرأة والحمار، والكلب الأسود، قاله اعتمادًا على النقل والسماع؛ لأن الرأي والقياس لا يقضيان بهذا، ولأنه لا يخص الكلب الأسود من الأبيض، والحمار دون سائر الدواب إلا اعتمادًا على النص، فكان القول المخالف للقياس أولى بالقبول من غيره.
وإن كنا نؤمن أن الشرع لا يعارض العقل، لكن العقل قد يعجز عن إدراك أسرار التشريع؛ لذا كان عرضة للصواب والخطأ، وإذا لم يستطع العقل إدراك الحكمة عبر
стр. 6590
عنه الفقهاء بأنه تعبدي، وليس معنى كونه تعبديًّا أنه خالٍ من الحكمة، فالله حكيم منزه عن العبث، ولا يشرع إلا ما فيه حكمة، ولا يفرق الشرع بين متماثلين، كما لا يجمع بين متفرقين، والمؤمن متبع للشرع أبدًا، وإذا بدا في الظاهر بعض التعارض بين العقل والشرع، كان العقل هو المتهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
الدليل الحادي عشر:
إجماع أهل العلم على أن المصلي إذا دخل في الصلاة كما أمره الله فإن صلاته على الصحة، ولا يجوز إبطالها إلا بنص لا معارض له، أو إجماع، فأما الأخبار في هذا الباب فظاهرها التعارض، ولم يجمع أهل العلم على إبطال صلاة من مر بين يديه امرأة، أو كلب أو حمار، والأصل بقاء الصلاة على الصحة، والله أعلم.
•ويناقش:
بأن هذا الدليل يؤول إلى أنه لا يحتج إلا بمسائل الإجماع، وهي قليلة، وأكثر الأدلة العملية والأقوال الفقهية هي مبنية على الظن، ومحل تجاذب بين الفقهاء في دلالتها، فإذا غلب على ظن المجتهد رجحان قول من هذه الأقوال فهذا الذي تعبدنا به، فالظن هو السبيل الشرعي عند تعذر اليقين، وهو مقصود للشارع حين جعل هذه المسألة من مسائل الخلاف، ولو أراد الله أن تكون هذه المسألة من مسائل القطع لكانت مشيئته (١).
стр. 6591
ومسألة الباب واحدة من آلاف المسائل التي يجتهد فيها العالم ويتملس مراد الله من النصوص الواردة فيها، فلا يسوغ القول باستصحاب بقاء الصلاة على الصحة؛ لأن الأدلة وإن كانت صحيحة لا تسلم من المعارضة، فلا ندع هذا إلا بخبر سالم عن المعارضة، أو إجماع، فلو طبقنا هذه القاعدة لتركنا كثيرًا من الأحاديث الصحيحة؛ لأنها لا تسلم من المعارضة، وليست محل إجماع، فإهدار هذه الأحاديث الصحيحة إهدار لأحكام كثيرة من الشريعة لا أظن أن تعامل العلماء تؤيد مثل ذلك، ولا أظن من استدل بمثل ذلك يلتزم هذا، والله أعلم.
стр. 6592
• دليل من قال: يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود:
الدليل الأول:
(ح-٢٣٥٣) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان (١).
الدليل الثاني:
(ح-٢٣٥٤) ما رواه مسلم من طريق عبد الواحد وهو ابن زياد، حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، حدثنا يزيد بن الأصم،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل (٢).
[انفرد به عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن عمه يزيد] (٣).
стр. 6593
الدليل الثالث:
(ح-٢٣٥٥) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، وعبد الأعلى، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن،
عن عبد الله بن مغفل، أن رسول الله ﷺ قال: يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار (١).
[صحيح] (٢).
стр. 6594
الدليل الرابع:
(ح-٢٣٥٦) ما رواه النسائي من طريق عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج في حلة حمراء، فركز عنزة فصلى إليها يمر من ورائها الكلب والمرأة والحمار (١).
ورواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، حدثنا عون به: وفيه: والمرأة والحمار يمرون من ورائها (٢).
وجه الاستدلال:
منطوق الحديث: نفي بطلان الصلاة بمرور المرأة والكلب والحمار من وراء السترة.
ومفهومه: أنه لولا السترة لبطلت؛ إذ لا معنى للتنصيص على مرور الكلب والمرأة والحمار دون غيرها إلا بطلان الصلاة بمرورها بين يدي الإمام بلا سترة، وأن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
قال ابن رجب: «يستدل به على أن مرورهما بين يدي المصلي إلى غير سترة يقطع عليه صلاته، ولولا ذلك لم يكن لتخصيص المرأة والحمار بمرورهما بين يديه من وراء السترة معنى» (٣).
الدليل الخامس:
(ح-٢٣٥٧) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا صفوان، قال: حدثنا راشد بن سعد،
عن عائشة، زوج النبي ﷺ ، قالت: قال رسول الله ﷺ : لا يقطع صلاة المسلم
стр. 6595
شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة، فقالت عائشة: يا رسول الله، لقد قُرِنَّا بدواب سوء (١).
[رجاله ثقات، إلا أنه معلٌّ] (٢).
الدليل السادس: من الآثار
(ث-٥٧٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو داود وغندر، عن شعبة،
стр. 6596
عن عبيد الله بن أبي بكر، قال:
سمعت أنسًا يقول: يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب (١).
[وسنده صحيح، وسبق تخريجه] (٢).
(ث-٥٧٥) ومنها: ما رواه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار من طريق معاذ ابن معاذ وابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى،
عن أبي هريرة، قال: يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة.
[اختلف في وقفه ورفعه، وصحح الدارقطني الوقف] (٣).
(ث-٥٧٦) وروى عبد الرزاق، عن ابن المبارك، قال: حدثني سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال،
عن عبد الله بن الصامت، قال: صلى الحكم الغفاري بالناس في سفرٍ، وبين يديه عنزة، فمرت حمير بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة، فقالوا: أراد أن يصنع كما يصنع الوليد بن عقبة، إذ صلى بأصحابه الغداة أربعًا، ثم قال: أزيدكم، قال: فلحقتُ الحكم، فذكرت ذلك له، فوقف حتى تلاحق القوم، فقال: إني أعدت بكم الصلاة من أجل الحمُر التي مرت بين أيديكم؛ فضربتموني مثلًا لابن أبي معيط، وإني أسأل الله أن يحسن تسييركم، وأن يحسن بلاغكم، وأن ينصركم على عدوكم، وأن يفرق بيني وبينكم، قال: فمضوا فلم يروا في وجوههم ذلك إلا ما يُسَرُّون به، فلما فرغوا مات (١).
[إسناده صحيح إلا أن رأي الحكم مخالف للسنة المرفوعة من حديث ابن عباس في مروره بالأتان بين يدي الصف ولم ينكر عليه] (٢).
стр. 6599
ولو صح هذا لكان دليلًا على تفسير القطع بالبطلان، وفيه بحث سوف يأتي مستقلًا في المسألة التي بعد هذه إن شاء الله تعالى، وعلى أن سترة الإمام ليست سترة للمأموم، وأن المرور بين يدي المأموم يفسد صلاته ولو اتخذ إمامه سترة، وهذا مخالف للسنة المرفوعة من حديث ابن عباس، ومخالف لقول عامة أهل العلم، إن لم يكن مخالفًا للإجماع.
• وأجاب الجمهور عن الاستدلال بهذه الأدلة بأجوبة منها:
الجواب الأول:
تضعيف الأحاديث الواردة بقطع الصلاة.
قال ابن رجب: «فمنهم من تكلم فيها من جهة أسانيدها، وهذه تشبه طريقة البخاري؛ فإنه لم يخرج منها شيئًا، وليس شيء منها على شرطه» (١).
وأخرج البخاري حديث عائشة في اعتراضها بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي من الليل، وترجم له في صحيحه فقال: باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء (٢).
стр. 6600
وقال الشافعي عن حديث أبي ذر: … إنه عندنا غير محفوظ … (١).
وقال أحمد الكلب الأسود يقطع؛ إنه شيطان. فقيل له: حديث أبي ذر؟ قال: «هاتوا غير حديث أبي ذر، ليس يصح إسناده … » (٢).
ويفهم من كلام الإمام أحمد أنه لا يرى حديث أبي هريرة صحيحًا، وهو في مسلم، وكذا حديث عبد الله بن مغفل، لقوله: هاتوا غير حديث أبي ذر، فكأنه لم يرد عنده في الباب إلا حديث أبي ذر، ومع ذلك أتبعه بقوله: ليس يصح إسناده.
وقد علمت أن مسلمًا رواه من حديث أبي هريرة مرفوعًا من طريق عبيد الله ابن عبد الله بن الأصم، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة مرفوعًا، وسبق تخريجه.
• ورد هذا الجواب:
أما عدم تخريج البخاري لحديث أبي ذر؛ فلأنه ليس على شرطه، فلم يخرج البخاري في صحيحه لعبد الله بن الصامت شيئًا.
ومثله يقال في حديث أبي هريرة، فإنه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم، ولم يخرج لهما البخاري شيئًا في الصحيح.
ولا يلزم من كون الحديثين ليسا على شرط البخاري ألا يكونا صحيحين، خاصة حديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة قد روي من غير طريق يزيد بن الأصم.
وأما تضعيف الإمام أحمد لحديث أبي ذر فقد انفرد بنقله الحسن بن ثواب، وهو من المقربين من الإمام أحمد، وروى عنه مسائل كثيرة، إلا أنه لم يبين علة تضعيفه غير أنه قال: لا يصح إسناده، ثم ذكر حديث الفضل بن عباس أنه مر على بعض الصف، وهو على حمار، وكأن علته عند الإمام أحمد معارضته لهذا الحديث، ولحديث عائشة في اعتراضها بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، وذلك لا يوجب تضعيفًا، كشأن الأحاديث التي ظاهرها التعارض، ولا يصار إلى الترجيح إلا عند تعذر الجمع، ولم يتعذر، وقد ذهب الإمام أحمد إلى الأخذ بحديث أبي ذر في إحدى الروايتين عنه.
كما أن نقل الحسن بن ثواب معارض بما نقله المروذي وعلي بن سعيد عنه.
стр. 6601
فقد نقل المروذي عن الإمام أحمد، أنه قال عن حديث أبي ذر: إليه أذهب، وهو صحيح الإسناد.
وقال في رواية علي بن سعيد: هو حديث ثبت، يرويه شعبة وسليمان بن المغيرة، يعني: عن حميد بن هلال، ثم قال: ما في نفسي من هذا الحديث شيء (١).
وقال أحمد كما في مسائل ابن هانئ: «ما في قلبي منه شيء» (٢).
وقال الترمذي: حديث أبي ذر حسن صحيح.
وصححه البيهقي مع ما هو معلوم عنه من نصرة مذهب الشافعي، فلم يوافق إمامه على تضعيفه. قال في معرفة السنن: «هذا الحديث صحيح إسناده، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات، وإن كان البخاري لا يحتج به، وله شواهد عن أبي هريرة، وابن عباس، عن النبي ﷺ … » (٣).
وقال ابن المنذر: «هو خبر صحيح لا علة له، فالقول بظاهره يجب .... » (٤).
فتصحيح الإمام أحمد لحديث أبي ذر الموافق لتصحيح مسلم والترمذي والبيهقي وابن المنذر مقدم على تضعيفه المجمل لحديث أبي ذر.
وأما كونه يفهم من كلام الإمام أحمد تضعيف حديث أبي هريرة، فإنه وإن لم يكن صريحًا فربما يرجع لتفرد عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن عمه يزيد بن الأصم، ولم يوثقه إلا ابن حبان، ولوجود الاختلاف فيه على أبي هريرة في روايته موقوفًا، ومرفوعًا.
فقد رواه قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا، والوقف أصح في طريق قتادة، وسبق تخريجه.
وقد يقال: يحتمل تفرد الراوي عن أهل بيته ما لم يروه غيره.
ولو رجحنا الموقوف على المرفوع من جهة الإسناد، وهو ظاهر من حيث
стр. 6602
الصنعة، فمثله لا يقال بالرأي، فإنه لا معنى لاختصاص الكلب الأسود من الأبيض، ولا التنصيص على الحمار دون سائر الدواب مدخل للاجتهاد، مما يجعل الموقوف في حكم المرفوع، وقد خرجه مسلم شاهدًا لحديث أبي ذر.
وأما تضعيف حديث أبي ذر لمعارضته لحديث ابن عباس وحديث عائشة في اعتراضها بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي، فإنه لا معارضة بينهما على الصحيح، وسوف يأتي الجواب عليه إن شاء الله تعالى عند الاحتجاج بهما.
الجواب الثاني:
بعض العلماء رجح أحاديث عدم القطع على حديث أبي ذر وأبي هريرة وقدم أسبابًا للترجيح:
منها: أن أحاديث عدم القطع أكثر.
ومنها: أن أحاديث عدم القطع يوافقها ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
ومنها: أن النبي ﷺ صَلَّى، وعائشة بينه وبين القبلة، وصلى وهو حامل أمامة يضعها في السجود، ويرفعها في القيام، ولو كان ذلك يقطع صلاته لم يفعل واحدًا منهما.
ومنها: أن السترة للمصلي ليست واجبة في قول جماهير أهل العلم، وقد صلى النبي ﷺ في المسجد الحرام، والناس يطوفون بين يديه، ولم تبطل صلاته (١).
• ورد هذا الجواب بما يلي:
وأما الجواب عن الترجيح بالكثرة: فلا نسلم أن أحاديث القطع حديث واحد، بل ورد مسندًا من عدة أحاديث، منها حديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة، وكلاهما في مسلم، وحديث عبد الله بن مغفل، وهو حديث صحيح، وسبق تخريجه، وصح موقوفًا من قول جماعة من الصحابة، وليست العبرة بالكثرة، وإنما العبرة بالصحة وقوة الدلالة، فحديث أبي ذر نص في المسألة، وأحاديث عدم القطع الصريح منها لا يصح، والصحيح منها غير صريح، والجمع بينها ممكن في أصح قولي أهل العلم.
قال ابن القيم: «فإن لم يكن سترة، فإنه صح عنه أنه يقطع صلاته: المرأة
стр. 6603
والحمار والكلب الأسود. ثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن المغفل، ومعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك لِمُعَارِضٍ هذا شأنه .... » (١).
وأما معارضة حديث أبي ذر بحمل النبي ﷺ لأمامة في صلاته: فلا تعارض بينهما؛ لأن الكلام عن مرور المرأة، وإذا أطلقت المرأة فالمقصود البالغ في أصح قولي العلماء، ودخول الصغيرة في مسمى المرأة لا يكون إلا بتجوز أو بقرينة، كما لا يدخل الصبي في مسمى الرجل إلا بتجوز، أو قرينة.
قالت عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة، فلو مرت طفلة لم تقطع الصلاة على الصحيح، على أن أمامة إذا وضعها النبي ﷺ فهو لا يضعها في قبلته، وموضع سجوده، وإنما يضعها بجانبه؛ ليسهل حملها مرة أخرى إذا قام، وحتى لو وضعها أمامه فلا يعد هذا مرورًا، فلا تعارض بين الحديثين.
وأما معارضة حديث أبي ذر بظاهر القرآن: فلا تبطل صلاة الرجل بعمل غيره؛ لأن من مسلمات الشرائع السماوية: ألا تزر وازرة وزر أخرى.
• فالجواب على هذا:
أولًا: لا نسلم أن العبادة لا تبطل بفعل الغير إذا دل دليل على البطلان، أرأيت لو أن رجلًا ألقى على المصلي نجاسة، أو سلبه ما كان يستر عورته، وكان عنده سترة غيرها، فإن صلاته تبطل، ولم يكن ذلك من كسبه، ومثله لو انفض العدد الواجب لانعقاد الجمعة على القول بوجوب عدد معين.
ثانيًا: أن الآية التي اعترض بها تخبر عن الإثم، وهو حكم تكليفي، وليس في البطلان وهو حكم وضعي، وقد يجتمعان، وقد يفترقان، فكان على المصلي أحد أمرين: إما أن يتخذ سترة، وإما أن يدفع المار بين يديه، فإذا لم يتخذ سترة، ولم يدفع المار بين يديه فقد تسبب هو في قطع صلاته، وهذا تقصير منه، فيجتمع فيه حقه الإثم والبطلان للتسبب.
стр. 6604
جاء في حاشية الصاوي: «استشكل بعضهم إثم المصلي بأن المرور ليس من فعله، ولم يترك واجبًا، فإن السترة إما سنة أو مندوبة، فكيف يكون آثمًا بفعل غيره؟ وأجيب: بأن المرور -وإن كان فعل غيره- لكن يجب عليه سد طريق الإثم، فأثم لعدم سده» (١).
وأما إذا امتثل الأمر الشرعي، فاتخذ السترة، وحاول منع المار بين يديه، فأبى المار، فإنه لا إثم عليه، وإن بطلت صلاته، والإثم على المار وحده، كخروج الريح من المصلي فإنه يفسد الصلاة من جهة الحكم الوضعي، وأما الحكم التكليفي فإن كان متعمدًا أثم على إفساد صلاته، وإلا لم يأثم.
وقد قسم المالكية الإثم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: فقد يأثم المار والمصلي: كما لو كان المار له مندوحة، والمصلي صلى لغير سترة.
القسم الثاني: قد لا يأثم أحد منهما: كما لو كان المار مضطرًّا، والمصلي قد احتاط واتخذ سترة.
القسم الثالث: قد يأثم المصلي وحده: كما لو كان المار لا مندوحة له، والمصلي لم يتخذ سترة.
القسم الرابع: قد يأثم المار وحده: كما لو كان له مندوحة، واتخذ المصلي سترة (٢).
وهذا التقسيم ليس محل وفاق، وإنما أردت منه الجواب عن الاعتراض ببطلان الصلاة بفعل الغير.
• ورد هذا الجواب:
بأن المبطل للصلاة ليس الإخلال بالسترة، وإنما المبطل لها مرور المرأة أو الكلب أو الحمار، فهو فعل من كسب الغير، ألا ترى أنه لو لم ينصب سترة، ولم يمر هؤلاء بين يديه لم تبطل صلاته، وإن لم يكن بين يديه سترة؟ (٣).
стр. 6605
• وأجيب على هذا الرد:
أن فعل الغير إنما أبطل؛ لأجل الإخلال بالسترة، ألا ترى أنه لو مَرَّ هؤلاء من وراء السترة لم تبطل صلاته.
وأما معارضة حديث أبي ذر باعتراض عائشة في قبلة النبي ﷺ : فلي فيه وقفة وحده، باعتباره من أقوى ما يعتمد عليه الجمهور برد حديث أبي ذر.
وأما الجواب عن صلاة النبي ﷺ في الحرم والناس يطوفون بين يديه: فلم يصح ذلك؛ لأن المحفوظ أنه من رواية كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض أهله، عن جده، ففي الإسناد إبهام الواسطة بين كثير وبين جده، وسبق تخريجه، وعلى فرض صحته، فإن العلماء مختلفون في استثناء الحرم من تحريم المرور بين يدي المصلي، وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة.
الجواب الثالث:
بعض العلماء يرى أن الأحاديث المرفوعة متعارضة، والسبيل إذا تعارضت الأدلة أن نقدم ما عليه عمل الصحابة.
قال ابن رجب: «وقد عمل الصحابة بأن الصلاة لا يقطعها شيء، وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم، وقد سلك هذا أبو داود في سننه، وهومن أجل أصحاب الإمام أحمد» (١).
• ونوقش هذا:
أن هذا مسلك جيد، لكنه لا يصار إليه إلا بشرط تعذر الجمع؛ لأن الترجيح يؤدي إلى تعطيل أحد الدليلين، وهما صحيحان، بخلاف الجمع إذا أمكن بلا تكلف، فإن فيه إعمالًا لكلا الدليلين، ولم يتعذر الجمع، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإني لا أعلم أن هذا القول قد صح عن أبي بكر وعمر ﵄، وإنما الذي صح عنه أن الصلاة لا يقطعها شيء من الخلفاء الراشدين: هم علي وعثمان وقال به من الصحابة عائشة، وابن عمر وإحدى الروايتين عن ابن عباس،
стр. 6606
وقد خالفهم غيرهم من الصحابة.
الجواب الرابع:
ذهب بعضهم إلى أن أحاديث القطع منسوخة بحديث: (لا يقطع الصلاة شيء)، وبصلاة النبي ﷺ وعائشة ﵂ معترضة بينه وبين القبلة، وبكون الأتان ترتع بين يديه ولم ينكره أحد، وهذه طريقة الطحاوي وبعض الشافعية.
• وتعقب:
بأن النسخ لا يصار إليه إلا بشرطين: العلم بالتاريخ، وتعذر الجمع، والتاريخ لم يتحقق، والجمع لم يتعذر.
الجواب الخامس:
تأويل قطع الصلاة بغير الإبطال، كتأويله بنقص الصلاة، فإنه يطلق على إنقاص الشيء لغة بإبطاله، أو على قطع الذكر، ونحو ذلك.
• ورد هذا الجواب:
بأن الأصل في الكلام حمله على الظاهر، ولا نلجأ إلى التأويل إلا مع تعذر الظاهر، ووجود قرينة تسوغ التأويل ولي وقفة مستقلة في هذه المسألة إن شاء الله تعالى بعد الفراغ من بحث هذه المسألة، حتى لا يتشعب بنا الحديث.
• دليل من قال: يقطع الصلاة الكلب الأسود فقط:
الدليل الأول:
(ح-٢٣٥٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
عن عبد الله بن عباس، أنه قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنًى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد (١).
стр. 6607
وجه الاستدلال:
حملوا قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي: يصلي إلى غير سترة.
قال الشافعي في اختلاف الحديث: «قول ابن عباس: (إلى غير جدار) يعني: والله أعلم إلى غير سترة» (١).
وترجم البيهقي عليه باب من صلى إلى غير سترة.
وقال الحافظ في الفتح: قوله: (إلى غير جدار أي: إلى غير سترة، قاله الشافعي وسياق الكلام يدل على ذلك؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ: (والنبي ﷺ يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره) (٢).
وقال أيضًا: «فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة» (٣).
• ونوقش هذا من وجوه:
الوجه الأول:
لم يفهم الإمام البخاري من قوله: (صلى إلى غير جدار)، الصلاة إلى غير سترة، ولهذا بوب عليه في صحيحه، فقال: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه.
وقال العراقي في طرح التثريب: «لا يلزم من قوله: (إلى غير جدار) ألا يكون ثم سترة، وإن كان الشافعي قد فسر قوله: (إلى غير جدار) أن المراد إلى غير سترة» (٤).
وقال ابن دقيق العيد: «ولا يلزم من عدم الجدار عدم السترة» (٥).
فالظاهر أن ابن عباس أراد من نفي الجدار الإعلام بأن صلاة النبي ﷺ كانت في فضاء لا بنيان فيها، ولم يتعرض لذكر السترة، لا نفيًا، ولا إثباتًا، فيلزم من نفي (الجدار) نفي البنيان، ولا يلزم من نفي البنيان نفي العنزة والحربة،
стр. 6608
فحتى يسلم الاستدلال من الاعتراض لا بد من إثبات أنه كان يصلي إلى غير سترة؛ ليكون الاستدلال به متجهًا.
جاء في شرح القسطلاني: «قوله: (إلى غير جدار) لفظ (غير) يشعر بأن ثمة سترة؛ لأنها تقع دائمًا صفة، وتقديره: إلى شيء غير جدار، وهو أعم من أن يكون عصا أو غير ذلك» (١).
وأما قول الحافظ: (لو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة)، فغير مسلم؛ فالفائدة من حديث ابن عباس تخصيص حديث أبي جهيم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه).
فإن عمومه: يشمل الإمام والمنفرد والمأموم، فجاء حديث ابن عباس فخصَّه بالإمام والمنفرد، وأخرج المأموم من هذا العموم، فلا حرج بالمرور بين يديه.
كما أن حديث أبي سعيد بدفع المار بين يديه ظاهره عموم الأمر لكل مصلٍّ أن يدفع من يمر بين يديه، فجاء حديث ابن عباس فخصَّ الأمر بالدفع في حق الإمام والمنفرد، وخرج المأموم من الأمر بدفع المار.
وأما ما احتج به الحافظ من رواية البزار، فهي من غير طريق الزهري، عن عبيد الله عن ابن عباس، وهي رواية منكرة.
(ح-٢٣٥٩) فقد رواه البزار من طريق ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الكريم، أن مجاهدًا أخبره،
عن ابن عباس، ﵄، قال: أتيت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه (٢).
[أعله ابن خزيمة] (٣).
وقد عارض الحكم بن أبان عبد الكريم:
(ح-٢٣٦٠) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا
стр. 6609
الحكم يعني: ابن أبان، قال: سمعت عكرمة، يقول:
قال ابن عباس: ركزت العنزة بين يدي النبي ﷺ ، بعرفات، فصلى إليها والحمار يمر من وراء العنزة (١).
[تفرد به الحكم بن أبان عن عكرمة، وهو صدوق] (٢).
قال أبو بكر ابن خزيمة: «فهذا الخبر يضاد خبر عبد الكريم، عن مجاهد؛ لأن في هذا الخبر أن الحمار إنما كان وراء العنزة، وقد ركز النبي ﷺ العنزة بين يديه بعرفة، فصلى إليها، وفي خبر عبد الكريم، عن مجاهد، قال: (وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه).
وخبر عبد الكريم، وخبر الحكم بن أبان، قريب من جهة النقل؛ لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره، وكذلك خبر الحكم بن أبان، غير أن خبر الحكم بن أبان تؤيده أخبار عن النبي ﷺ صحاح من جهة النقل، وخبر عبد الكريم، عن مجاهد، يدفعه أخبار صحاح من جهة النقل، عن النبي ﷺ » (٣).
فإن حملنا رواية عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس في قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي: يصلي إلى شيء غير جدار، فيكون ما أجمل في رواية عبيد الله جاء مفسرًا في رواية الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس، فلا تعارض بينهما.
(ح-٢٣٦١) ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري من طريق شعبة،
стр. 6610
عن الحكم،
عن أبي جحيفة، قال: خرج رسول ﷺ بالهاجرة، فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين، ونصب بين يديه عنزة وتوضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه (١).
وفي رواية لمسلم نحوه، وفيه: .. ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة (٢).
وهذا كان بالأبطح في حجة الوداع، وإذا لم يترك النبي ﷺ السترة في حجة الوداع، فصلاته في منى أو في عرفة على اختلاف الرواة، والمحفوظ الأول، ليست استثناء، فلو أراد ابن عباس من نفي الجدار نفي السترة، لعبر بنفي العنزة والحربة ومؤخرة الرحل ليدل نفي الأقل على نفي الأعلى، وليس العكس.
وإن فسرنا قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي: إلى غير سترة، فإن رواية عبيد الله في الصحيحين أصح مما تفرد به الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس والله أعلم.
والتفسير الأول أقوى؛ لأن النبي ﷺ لم يكن ليترك السترة، وقد أمر بها أمته، وكانت تحمل له في صلاة العيد، وكانت تضرب له العنزة في السفر ليصلي إليها.
(ح-٢٣٦٢) فقد روى الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه؛ فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر (٣).
فهذا الحديث مقطوع بصحته، ومن أصح الأسانيد، وعبيد الله في نافع مقدم على الإمام مالك، وقد نص على أن هذا فعله ﷺ في الحضر والسفر، ولفظ: (كان) مشعر بالدوام والاستمرار.
وإذا كانت رواية عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس تحتمل أن يكون صلى إلى سترة غير جدار، وتحتمل أن يكون أراد من نفي الجدار نفي السترة بالكلية كان حمله على المعروف من عادته ﷺ أولى من حمله على النادر، وهذا ما جعل البخاري يُبَوِّب عليه في صحيحه، فقال: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه.
стр. 6611
قال ابن حجر: «وكأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته ﷺ أنه كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ثم أيد ذلك بحديثي ابن عمر وأبي جحيفة، وفي حديث ابن عمر ما يدل على المداومة، وهو قوله بعد ذكر الحربة: وكان يفعل ذلك في السفر» (١).
الوجه الثاني:
هل المرور بين يدي المأموم إذا كان إمامه لا سترة له كالمرور بين يدي المنفرد والإمام إذا صليا إلى غير سترة؟
فلو فرضنا أن حديث ابن عباس صريح بأن النبي ﷺ صلى إلى غير سترة لكانت دلالته لا تتجاوز: صحة صلاة المأموم إذا مر أمامه حمار، ولم يتخذ إمامه سترة، ولكن ليس في الحديث ما يدل على أن المنفرد والإمام كذلك فإلحاق الإمام والمنفرد من باب دلالة القياس، لا من باب دلالة النص.
فالأحاديث في قطع صلاة الرجل محمولة على صلاة المنفرد والإمام، ولم تتعرض للمأموم.
فحديث أبي ذر: إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل. رواه مسلم (٢).
لم يخاطب به المأموم، بدليل أن الإمام إذا لم يتخذ سترة لا يؤمر المأموم باتخاذها، ولا أعلم نصًّا يستحب للمأموم اتخاذ السترة إذا ترك الإمام اتخاذها.
قال ابن الحاجب في جامع الأمهات: «ويؤمر الإمام والمنفرد بسترة» (٣).
قال خليل في التوضيح: «المأموم لا يؤمر بها بلا خلاف. قاله ابن بشير» (٤).
وقال ابن مفلح في الفروع: «وسترة الإمام سترة لمن خلفه (و)، ولا عكس
стр. 6612
(و)، فلا يستحب للمأموم سترة، وليست سترة له … » (١).
ورمز بالواو للمسألتين إشارة إلى اتفاق الأئمة الأربعة عليه، وأن المسألتين من مسائل الخلاف وإلا لرمز لهما بحرف (ع).
وقال في المبدع: «لا يستحب لمأموم سترة، وليست سترة له .... وقال صاحب النظم: لم أر أحدًا تعرض لجواز مرور الإنسان بين يدي المأمومين … » (٢).
وقال ابن عبد البر نقلًا من شرح الزرقاني على الموطأ: «حديث ابن عباس هذا -يعني: مروره بالأتان بين يدي الصف- يخص حديث أبي سعيد: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه)؛ فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضره من مر بين يديه لحديث ابن عباس هذا، قال: وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء» (٣).
وقال اللخمي من المالكية: «ومن صلى مأمومًا فليس عليه أن يصلي إلى سترة، وذلك على إمامه، فإن صلى الإمام إلى غير سترة لم يؤتم به» (٤)، ولم يرشده إلى اتخاذ السترة.
وترك الصلاة خلفه لترك السترة هذا رأي للخمي، وليس للمذهب، بل الصحيح أن الصلاة لا تترك خلف الإمام من أجل ترك السترة، ويوعظ.
(ح-٢٣٦٣) وقد روى البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (٥).
وجه الاستدلال:
جاء في فتح الباري: «قوله: (وإن أخطئوا) أي: ارتكبوا الخطيئة، ولم يرد به الخطأ المقابل للعمد؛ لأنه لا إثم فيه» (٦).
стр. 6613
وقول جمهور الفقهاء وبعض الشافعية: سترة الإمام سترة للمأموم (١)، لا يقصدون أن سترة الإمام سترة للمأموم حقيقة، وإلا لكان المرور بين المأموم وسترة الإمام قاطعًا لصلاته كالمرور بين الإمام وبين سترته، وليس الحكم كذلك بالاتفاق إلا ما روي عن الحكم بن عمرو الغفاري، ولا يصح، وسبق تخريجه.
(ث-٥٧٧) وروى عبد الرزاق في المصنف عن معمر،
عن قتادة، أو الحسن أو كليهما قال: إذا مر ما يقطع الصلاة بين يدي القوم، فإنه يقطع صلاة الصف الأول، ولا يقطع ما وراءهم من الصفوف (٢).
стр. 6614
[ضعيف] (١).
ولا يحفظ في السنة أن النبي ﷺ أمر المأموم باتخاذ سترة في حال لم يتخذ إمامه سترة له، ولا في النصوص المرفوعة، ولا في الآثار الموقوفة أن المأموم كان يتحرى عن إمامه، أكان يصلي بسترة فيكتفي بها، أم لا، فيتخذ له سترة وحده، ولا يتيسر لكل مأموم الوقوف على فعل الإمام، ولم يرد في النصوص النهي عن الصلاة خلف الإمام إذا لم يتخذ سترة.
قال ابن رجب: «معنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه: أن المأمومين لا يشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة إمامهم، وأنه لا يضرهم من مر بين أيديهم إذا لم يمر بين يدي إمامهم» (٢).
هذا الذي ذكره ابن رجب هو معنى قول الفقهاء: سترة الإمام سترة للمأموم.
وينبغي أن يكون الحكم كذلك على قول: إن الإمام نفسه سترة للمأموم (٣)، فالمرور بين الإمام والمأموم لا يقطع صلاة المأموم على الصحيح، فليس كالمرور بين يدي الإمام، وكيف يكون الإمام سترة للمأموم والصف قد يمتد يمينًا وشمالًا، بينما سترته أمام وسط الصف؟، وإذا كانوا صفوفًا كثيرةً، فكيف يفصل بين المصلي وبين سترته؟ وكيف يبعد المأموم عن سترته، ولا يؤثر ذلك على حكم سترته؟
قال مالك: «لا أكره أن يمر الرجل بين يدي الصفوف والإمام يصلي بهم، قال: لأن الإمام سترة لهم» (٤).
стр. 6615
فقوله: (لأن الإمام سترة لهم) تعليل لجواز المرور، ومع كون الإمام سترة لهم، فلم يمنع من المرور بينهم وبين سترتهم (١).
كل ذلك جعل الزرقاني في شرحه لخليل يقول عن سترة الإمام سترة للمأموم بأنها سترة حكمية لا حسية (٢).
فتبين من هذا أن السترة للإمام والمنفرد، ولا سترة للمأموم، ولا يقطع المرور بين يديه مطلقًا على الصحيح، سواء أكان للإمام سترة أم صلى بدونها، وليس في النصوص ما يدل على أن المأموم مأمور بدفع المار إذا لم يتخذ إمامه سترة.
قال ابن عبد البر: «المأموم ليس عليه أن يدفع من يمر بين يديه؛ لأن ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد» (٣).
وقيل: إن سترة الإمام سترة للمأموم في عدم الإبطال بالمرور، لا في إباحة المرور بين يدي المأموم، فإن المرور بين يديه ممنوع حتى لا يشغله، حكاه بعض الحنابلة (٤).
وحديث ابن عباس يدفع هذا القول، والتعليل بالاشتغال خلاف العلة المنصوصة بالأمر بالسترة، فهي لدفع الشيطان؛ حتى لا يقطع عليه صلاته، والاشتغال بدفع المار أكثر شغلًا من تركه يمر بين يديه، كما أن المرور بين يدي المصلي يشغله، ولو كان من وراء السترة.
стр. 6616
فإذا كان المأموم لا يؤمر باتخاذ سترة مطلقًا حتى ولو لم يتخذها الإمام، ولا يؤمر بدفع المار بين يديه على الصحيح، فكيف يمكن القول ببطلان صلاته بمرور أحد بين يدي الصف؟ ثم يتخذ ذلك حجة على إهدار حديث أبي ذر في عدم بطلان الصلاة بمرور الحمار بين يدي الإمام!.
فإن قلت: كيف يمكن بطلان صلاة المنفرد والإمام، ولا تبطل صلاة المأموم؟
فالجواب: أن هناك علاقة بين الأمر بالسترة وبطلان الصلاة بالمرور، فالمنفرد والإمام مأموران باتخاذ السترة؛ لدفع تأثير المرور على صلاتهما، بخلاف المأموم فلا تأثير للمرور بين يديه فلا يؤمر باتخاذها حتى ولو تركها إمامه.
وعلى القول ببطلان صلاة الإمام بالمرور بين يديه، هل تبطل صلاة المأموم تبعًا لإمامه؟
هذه مسألة أخرى، فالخلاف فيها كالخلاف في الإمام إذا سبقه الحدث، أتبطل صلاة المأموم؛ لبطلان صلاة إمامه أم أن بطلان صلاة الإمام لا يلزم منها بطلان صلاة غيره؛ لأن كل واحد منهما له صلاته المستقلة؟ وسبق بحثها بصورها المختلفة، ولله الحمد، وهذه المسألة فرع من فروعها، والراجح أن صلاة المأموم مستقلة عن صلاة الإمام في الجملة، وإن كان يتحمل عنه بعض الأمور مما بينته في صفة الصلاة.
الوجه الثالث:
تفرد الإمام مالك بلفظ: (يصلي بالناس إلى غير جدار) مع الاختلاف عليه في ذكرها.
قال ابن رجب: «لا نعلم أحدًا ذكر في حديث ابن عباس: (إلى غير جدار) غير مالك» (١).
وكان يمكن أن يعتبر تفرد مالك زيادة من ثقة لإمامته وضبطه، لولا أن الإمام مالكًا نفسه قد اختلف عليه في ذكرها، فمن رووها عنه بلا ذكرها أكثر عددًا، وفيهم من يعد في الطبقة الأولى من أصحاب مالك، فروايتهم أولى أن تكون محفوظة؛ لموافقتها سائر من رواه عن الزهري غير الإمام مالك، كابن عيينة ويونس، ومعمر
стр. 6617
وابن أخي ابن شهاب حيث رووا الحديث بلا ذكرها (١).
• ورد عليهم:
بأن الاختلاف على مالك وقع في الطبقة الأولى من أصحابه فعبد الله بن مسلمة رواها عن مالك في إحدى الروايتين، وعبد الله بن يوسف ثقة ثبت فيما يرويه عن مالك وإسماعيل بن أبي أويس، وإن كان له غرائب عن مالك، لكن الراوي عنه الإمام البخاري، وقد أخرج إسماعيل أصوله للبخاري فانتقى منها، يقابلهم جماعة مثلهم في الضبط والإتقان، لم يذكروها، وصححها الإمام البخاري، وخرجها في صحيحه، فلا يبعد أن يكون مالك تارة يذكرها، وتارة لا يذكرها، وهذا لا يمنع أن تكون محفوظة، والله أعلم.
стр. 6618
• ويجاب على هذا الرد:
بأن وقوع الاختلاف بين أصحاب الطبقة الأولى من تلاميذ الإمام مالك يخرجهم من العهدة، ويجعل التبعة على الإمام مالك نفسه، لا على الرواة عنه، وإمامة مالك وضبطه وندرة أوهامه لا يدفع احتمال اضطرابه؛ لتعذر الترجيح بين الرواة عنه، وما من إمام مهما علا كعبه في الحفظ والإتقان إلا ويقع منه ما لا يعصم منه بشر، وكون الإمام البخاري قد صححها في صحيحه فهذا اجتهاده، والإمام مسلم قد تجنب تخريج هذا الحرف من الحديث، وإن كانت على شرطه، ولعل ذلك يعود للاختلاف في ذكرها، ومن لم يذكر هذا الحرف عن الإمام مالك أكثر عددًا، والكثرة من مسالك الترجيح عند الاختلاف، وكل من روى الحديث عن الزهري عدا الإمام مالك لم يذكرها، وهو مسلك آخر للترجيح أيضًا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٣٦٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي:
أن عائشة ذكر عندها ما يقطع الصلاة، فذكر الكلب والحمار والمرأة، فقالت: لقد شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي ﷺ يصلي وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي النبي ﷺ ، فأنسل من قبل رجليه.
وأخرجاه من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن مسلم (يعني: ابن صبيح) عن مسروق، عن عائشة بنحو حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة (١).
ورواه البخاري من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن مسلم يعني: ابن صبيح، عن مسروق، عن عائشة، أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة، فقالوا: يقطعها الكلب والحمار والمرأة، فقالت: لقد جعلتمونا كلابًا … ثم ذكرت نحو حديث
стр. 6619
حفص، عن الأعمش، عن مسلم.
(ح-٢٣٦٥) ورواه البخاري من طريق عبيد الله (يعني: ابن عمر)، قال: حدثنا القاسم،
عن عائشة ﵂، قالت: بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار، لقد رأيتني ورسول الله ﷺ يصلي، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي، فقبضتهما.
وجه الاستدلال:
دل اعتراض عائشة ﵂ في قبلة النبي ﷺ على عدم قطع الصلاة بالمرور.
ودل حديث ابن عباس السابق على أن الحمار لا يقطع الصلاة، فبقي الكلب الأسود لا معارض له، فيقطع الصلاة وحده (١).
وقول عائشة: (شبهتمونا بالحمر والكلاب) يستفاد منه أمران:
الأول: أن عائشة ﵂ لم يبلغها شيء مرفوع عن النبي ﷺ ، وإلا لما قالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب، فنسبت إليهم القول، ولو بلغها شيء مرفوع لما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة، وهي أجل من أن تعترض بعقلها على ما حكم به الله ورسوله.
ومن بلغه العلم حجة على من لم يبلغه.
الثاني: قولها: (شبهتمونا) أهو تشبيه في الحكم، فيكون هذا دليلًا على أن الكلب والحمار يقطع بخلاف المرأة؟ وإلا لما قالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب، ويدل عليه رواية القاسم عنها: (بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار) (٢)، أم أن مرادها من الإنكار ذكر المرأة مقرونة بهذه الدواب؟ ولهذا قالت في رواية عروة عن عائشة في مسلم حين قيل لها: يقطع الصلاة المرأة والحمار، فقالت: إن المرأة لدابة سوء … ) (٣)، يعني: أنْ ذكرت مع هذه الدواب.
(ث-٥٧٨) وروى عبد الرزاق في المصنف من طريق إبراهيم عنها: قالت:
стр. 6620
قرنتموني يا أهل العراق بالكلب والحمار .... الأثر (١)، وهذا منقطع.
وعلى هذا الاحتمال لا يستفاد منه حكم مرور الكلب والحمار، وهذا أقرب، خاصة أنه قد صح عنها صريحًا أنها قالت: لا يقطع الصلاة شيء؛ إلا الكلب الأسود، وسيأتي تخريجه، إن شاء الله تعالى.
وقالت في رواية: جعلتمونا كلابًا، والله أعلم.
وأصحاب هذا القول منهم من ذهب إلى أن حديث عائشة وابن عباس ناسخان لحديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة، وهذا توجه الطحاوي من الحنفية، وبعض الشافعية (٢).
ومنهم من رأى أنهما معارضان لحديث أبي ذر وأبي هريرة، ولا يلزم من المعارضة النسخ، وهذا توجه الإمام الشافعي وأحمد (٣)، وهو أرجح من المسلك السابق.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: «الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها صحاح من جهة النقل؛ غير أن حديث أبي ذر وغيره في المرأة والحمار والكلب منسوخ، ومعارض، فمما عارضه أو نسخه عند أكثر العلماء حديث عائشة المذكور في هذا الباب» (٤).
وقال ابن المنذر: «وأما من قال: إن الكلب الأسود يقطع الصلاة، ولا يقطع الصلاة الحمار، ولا المرأة، فإنه يجعل الخبر الذي رواه الزهري، عن عروة، عن عائشة معارضًا لخبر أبي ذر، ويجعل حديث ابن عباس في قصة الأتان معارضًا