← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

وهو يظن أن الصلاة ربما تكون قد قصرت، فهذان المتكلمان في الصلاة لم يقع منهما الكلام عمدًا، وهما يجزمان أنهما في صلب الصلاة، فهو في حكم من تكلم في الصلاة سهوًا، والأصح أنها لا تبطل بذلك (١). يبقى الجواب عن كلام بعض المصلين بعد أن علموا أن الصلاة لم تقصر، وقد اختلف الناس في توجيه كلامهم على أربعة أقوال: فبعضهم حمل ذلك على أن الناس لا يسعهم إلا الكلام بعد أن وجه النبي ﷺ لهم السؤال، فتعين عليهم الإجابة، وإذا وجب الكلام عليهم لم تبطل به الصلاة، وليس السؤال من النبي ﷺ كالسؤال من غيره. وبعضهم رجح أن الكلام عمدًا لإصلاح الصلاة إذا لم تغن الإشارة، وكان يسيرًا أنه لا يفسد الصلاة، ولو كان في صلب الصلاة وهذا توجه المالكية، ورواية عن أحمد. وبعضهم حمل الحديث على أن ذلك وقع قبل تحريم الكلام، فهو منسوخ بحديث زيد بن أرقم، وحديث ابن مسعود ﵄ في الصحيحين، وهذا توجه الحنفية. وكون الحديث نقله أبو هريرة فهذا من مرسلاته التي سمعها من الصحابة، ولم يشهدها بنفسه. وبعضهم رجح أن جوابهم كان إيماء، كما ورد في بعض ألفاظ الحديث. وإذا كان الحديث يحتمل كل ذلك؛ فلا يمكن الاحتجاج بهذا الحديث على أن الامتناع عن الكلام في الصلاة سنة، ومعارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة بأن الكلام محرم في الصلاة، وقد تنوعت فيها الدلالة: فمنها ما جاء بصيغة الأمر والنهي، (فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام). ومنها ما جاء بلفظ: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس). ومنها ما جاء إلى إرشاد المحتاج إلى الكلام في الصلاة لإصلاحها إلى التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، وكل ذلك يدل على أن الكلام محرم، وليس مستحبًا

стр. 6687

الدليل الثاني: صاحب هذا القول بنى مذهبه هذا على أصل للمالكية: وهو أن الرجل إذا تكلم ساهيًا فإنه يكفيه أن يسجد للسهو، وتجزئه صلاته، فصار كمن سها عن سنة من سنن الصلاة تجزئه صلاته، ويسجد للسهو، بخلاف من سها عن فريضة من فرائضها، فإنه لا يجزئه سجود السهو، فإن كان يمكن تداركه كما لو ترك ركوعًا أو سجودًا أتى به وسجد للسهو، وإن كان لا يمكن تدارك الفرض استأنف الصلاة. • ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن هذا النوع من الاستدلال هو يلزم المالكية القائلين بأن ترك الكلام من فرائض الصلاة (أي: من أركانها)، ولا يلزم من يقول: إن ترك الكلام ليس من أفعال الصلاة، إلا أن الشرع حظر عليه الكلام كما حظر عليه الأكل والشرب والحركة، وهذه الأمور لا يمكن اعتبار تركها من أركان الصلاة. الجواب الثاني: الاقتصار على سجود السهو ليس دليلًا على السنية، بل الواجبات إذا فاتت يشرع لها سجود السهو، ولا يجب تداركها، حتى على مذهب المالكية القائلين بأن ترك الكلام من فروض الصلاة يرون أن ترك الفرض إن كان يمكن تداركه كترك الركوع والسجود أتى بالفرض، ثم سجد للسهو، وإذا كان لا يمكن تداركه كالكلام في الصلاة سهوًا فإنه يكفي سجود السهو، ولا يكون ذلك دليلًا على أن ترك الكلام سنة. يقول ابن رشد في المقدمات تعقيبًا على هذا القول: «والأظهر - يعني: ترك الكلام- أنه فرض .... والفرق بين الكلام ساهيًا وترك الفريضة ساهيًا، أن الكلام شيء قد فرط، لا يمكنه استدراكه؛ لاستحالة ترك فعل الشيء بعينه بعد فعله، وقد تجاوز الله عنه بنص قول النبي ﷺ : (تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان)، والفريضة يقدر أن يعود إلى فعلها بعد تركها، فإن لم يفعل بعمد أو نسيان حتى

стр. 6688

فاته ذلك، وجب عليه إعادة الصلاة. وبهذا المعنى يفترق الحكم فيمن سها فزاد في صلاته ركعة أو سجدة، أو أسقط ذلك منها، فيجزئه سجود السهو في الزيادة، ولا يجزئه ذلك في النقصان» (١). • الراجح: لولا أن الخلاف مذكور في كتب الفقه، لتجاوزت هذه المسألة؛ لأن العلم بتحريم الكلام في الصلاة، ومنه الامتناع عن رد السلام نطقًا معلوم من الدين بالضرورة، ويعرفه أطفال المسلمين، ولله الحمد.

стр. 6689

الفرع الثاني في الكلام في الصلاة عمدًا لإصلاحها المدخل إلى المسألة: • حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم يدل عمومهما على تحريم مطلق الكلام في الصلاة، خص من ذلك الجاهل؛ لحديث معاوية بن الحكم، والناسي مقيس عليه، وخُصَّ منه كلام المأموم مع إمامه خاصة؛ لإصلاح الصلاة لحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، والخاص مقدم على العام. • كل كلام أجنبي صدر من عامدٍ عالمٍ بالتحريم فإنه مفسد للصلاة، إلا ما كان يسيرًا لإصلاحها، وتعذر الإفهام بالتسبيح؛ لحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين. • الكلام في الصلاة؛ لإصلاحها، لا فرق فيه بين أن يقع في صلب الصلاة، أو يقع بعد سلام الإمام ظنًّا منه إتمامها؛ لأن النبي ﷺ لما بنى على صلاته كان السلام في حكم الملغى، فكان الكلام حكمًا قد وقع في صلب الصلاة. • القائل للرسول: أنسيت يا رسول الله أم قصرت الصلاة هو ذو اليدين وقد وهم الزهري في جعله ذي الشمالين، فإن ذي الشمالين استشهد ببدر. • لا يصح دعوى أن قصة ذي اليدين وقعت قبل تحريم الكلام؛ لأن الأصح أن تحريم الكلام وقع بالمدينة قبل معركة بدر، وقصة ذي اليدين شهدها أبو هريرة. • قال أبو داود في السنن: أسلم أبو هريرة سنة ست، عام خيبر، وهذا السجود من رسول الله آخر فعله. [م-٨٠٨] اختلف الفقهاء في الرجل يتكلم عمدًا في صلب الصلاة لإصلاحها: فقيل: تبطل صلاته، وعليه إعادة الصلاة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية والشافعية، والحنابلة في المشهور، وقول في مذهب المالكية (١).

стр. 6690

قال القاضي حسين: «وأما الكلام إن كان عمدًا بطلت به صلاته، سواء كان من مصلحة الصلاة، أو لم يكن من مصلحتها» (١). وقال النووي: «ولو أشرف إنسان على الهلاك، فأراد إنذاره وتنبيهه، ولم يحصل ذلك إلا بالكلام، وجب الكلام، وتبطل صلاته على الأصح» (٢). وقيل: الكلام اليسير ولو عمدًا؛ لإصلاح الصلاة، لا يفسدها، فإن كثر، أو أمكن الإفهام بالتسبيح بطلت، وهو المشهور من مذهب المالكية، ورواية عن أحمد (٣). وقيل: إن تكلم لمصلحتها بطلت صلاة المأموم دون الإمام، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي (٤).

стр. 6691

وقيل: لو تكلم لإنقاذ معصوم لم تفسد صلاته، وهو وجه في مقابل الأصح عند الشافعية، وبه قال الأوزاعي (١). قال ابن عبد البر: «أجمع المسلمون أن الكلام في الصلاة عمدًا إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته تفسد صلاته، إلا الأوزاعي فإنه قال: من تكلم في صلاته لإحياء نفس، أو مثل ذلك من الأمور الجسام، لم تفسد بذلك صلاته ومضى عليها ..... قال أبو عمر: لم يتابعه أحد على قوله هذا، وهو قول ضعيف ترده السنن والأصول» (٢). وقال ابن رشد: «وشذ الأوزاعي فقال: من تكلم في الصلاة لإحياء نفس أو لأمر كبير، فإنه يبني» (٣). • دليل من قال: الكلام عمدًا يبطل الصلاة، ولو كان لمصلحتها: استدلوا بحديث زيد بن أرقم في الصحيحين (٤)، وحديث ابن مسعود فيهما (٥)، وحديث معاوية بن الحكم في مسلم (٦)، وقد سبق تخريجها في المسألة السابقة. فعموم هذه الأحاديث يقتضي تحريم الكلام، سواء أكان لحاجة أم لغيرها، وسواء أكان لمصلحة الصلاة أم لغيرها. ولو كانت مصلحة الصلاة تبيح الكلام ما احتاج أحد إلى التسبيح في الصلاة، وقد قال النبي ﷺ : من نابه شيء في صلاته فليسبح. (ح-٢٤٠٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف؛ ليصلح بينهم .... وفيه: من رابه -وفي رواية: من نابه- شيء في صلاته، فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء (٧).

стр. 6692

• دليل من قال: الكلام اليسير لإصلاح الصلاة لا يفسدها: الدليل الأول: (ح-٢٤٠١) ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ للأخير من طريق أيوب بن أبي تميمة السختياني، قال: سمعت محمد بن سيرين، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، إما الظهر، وإما العصر، فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد، فاستند إليها مغضبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سرعان الناس: قصرت الصلاة، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالًا، فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين، وسلَّم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر، فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع (١). الدليل الثاني: (ح-٢٤٠٢) روى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢). فأخذ مالك بظاهر هذين الحديثين، واستثنى من عموم تحريم الكلام في الصلاة ما كان لإصلاح الصلاة إذا كان يسيرًا بمقدار ما وقع في حديث أبي هريرة وحديث عمران بن حصين. • وأجيب على هذا الدليل: الجواب الأول: الكلام الذي وقع في قصة ذي اليدين، وقع بعد أن سلم النبي ﷺ من صلاته يظن إتمامها، ويظن كثير من المصلين أنها قصرت، كما حصل من سرعان الناس،

стр. 6693

وكما وقع من ذي اليدين، حين سأل: أنسيت يا رسول الله، أم قصرت الصلاة؟ فمن أراد أن يستثني من عموم تحريم الكلام ما وقع في قصة ذي اليدين فليستثن الكلام في حالة واحدة، وهو ما إذا وقع بعد سلام الإمام، وهو يظن إتمام صلاته، ولا يصح الاحتجاج بهذا الحديث على استثناء إباحة الكلام عمدًا في صلب الصلاة لمصلحتها، والإمام لم يسلم من صلاته. فوقوع السلام من الإمام في الصلاة معتقدًا إتمامها هو ما جعل الانصراف عن القبلة، والقيام بأفعال كثيرة ليست من جنس الصلاة لا تفسدها، فكذلك الكلام، ولو أنه انصرف عن القبلة، أو تحرك حركة كثيرة متصلة في صلب الصلاة، وقبل أن يسلم منها متوهمًا إتمامها لبطلت صلاته، فكذلك لو تعمد الكلام في صلب الصلاة. وبهذا قال سحنون من المالكية (١)، وهو رواية عن أحمد فقد فرق أحمد في رواية بين كلام الإمام إذا انصرف من صلاته يظن إتمامها، وبين كلام المأموم بعد ذلك حين استقرت الشريعة، وارتفع احتمال أن تكون الصلاة قد قصرت، فعذر الإمام إذا تكلم دون من يتكلم من المأمومين (٢). • ويناقش هذا من وجهين: الوجه الأول: بأن هذا التفريق غير صحيح؛ لأن النبي ﷺ لما بنى على صلاته بعد ذلك كان السلام ملغى وكأنه لم يقع، فكان كل الكلام الذي وقع إنما حدث في صلب الصلاة، فإذا كان التسبيح لا يكفي في إفهام الإمام، فتكلم المأموم بكلام يسير لإصلاح الصلاة لم تبطل مطلقًا، سواء أسلم الإمام يظن إتمام صلاته أم لا، وسواء أسلَّم عن شك، أم سلَّم عن يقين بأنه أتم صلاته، والله أعلم.

стр. 6694

الوجه الثاني: ما وقع من النبي ﷺ ومن ذي اليدين لا دلالة فيه على جواز الكلام عمدًا في صلب الصلاة؛ لأنه وقع من النبي ﷺ ، وهو يظن أن صلاته قد تمت، ووقع من ذي اليدين، وهو يظن أن الصلاة ربما تكون قد قصرت، فلم يقع منهما الكلام عمدًا، وهما يجزمان أنهما في صلب الصلاة، فهو في حكم من تكلم في الصلاة سهوًا، والأصح أنها لا تبطل بذلك (١). • ونوقش هذا: لا يصح هذا التوجيه وقد تكلم الناس بعد قول النبي ﷺ : لم أنس ولم تقصر، فقد تكلموا بعد علمهم بعدم النسخ، وبنوا على ما صلوا. وأما الجواب عن كلام بعض المصلين بعد أن علموا أن الصلاة لم تقصر فقد تقدم الجواب عنه على سبيل الاختصار، وسوف أبسطها، إن شاء الله تعالى في هذا المقام، ومن هذه الأجوبة: الجواب الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن الرواة الذين رووا الحديث لم يتفقوا على أن الجواب كان بالعبارة، فقد رواه حماد بن زيد عن أبي أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وفيه أن جواب المصلين كان إيماء، أي: بالإشارة. قال ابن عبد البر: وحماد بن زيد من أثبت أصحاب أيوب. اه فيحتمل أن من رواه بالعبارة رواه مفسرًا لمعنى إشارتهم، والإشارة إذا أفهمت صار سائغًا في اللغة أن يطلق عليها كلامًا باعتبار المعنى، لا باعتبار اللفظ. قال القاضي أبو يعلى: «وإنما أراد به الإيماء، وسمَّاه قولًا؛ لأن ذلك سائغ في اللغة، تقول العرب: قلتُ برأسي ويدي» (٢). قال تعالى عن مريم: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].

стр. 6695

فقد فهموا منها أنها تطلب منهم أن يكلموه، وإذا كان تحريم الكلام في الصلاة مجمعًا عليه، فلا يباح برواية مختلف فيها، فبعضهم يروي جواب المصلين كان بالإشارة، وبعضهم يرويه بالعبارة. (ح-٢٤٠٣) فقد روى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوبَ، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: صَلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العَشِي: الظهرَ أو العصرَ، قال: فَصَلَّى بنا ركعتينِ، ثم سلم، ثم قام إلى خشبةٍ في مقدم المسجد، فوضع يديه عليها، إحداهما على الأخرى، يُعْرَفُ في وجهه الغَضَبُ، ثم خرج سَرَعانُ الناسِ، وهم يقولون: قَصُرَتِ الصلاةُ، قَصُرتِ الصلاةُ، وفي الناسِ أبو بكرٍ وعمر، فهاباه أن يكلماه، فقام رجل كان رسولُ الله ﷺ يُسميه ذا اليَديْنِ، فقال: يا رسولَ الله، أنسيتَ أم قَصُرتِ الصلاة؟ قال: لم أنْسَ ولم تَقصُرِ الصلاة، قال: بل نسيتَ يا رسول الله، فأقبل رسولُ الله ﷺ على القوم، فقالَ: أصَدَقَ ذو اليدين؟ فأومَؤوا: أي: نعم … الحديث (١). [قوله: (فأومؤوا) شاذ، والمحفوظ أن الجواب كان بالعبارة] (٢).

стр. 6696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6698

الجواب الثاني عن كلام بعض المصلين عمدًا في صلب الصلاة: ذهب الحنفية إلى أن حديث ذي اليدين منسوخ لاحتمال أن يكون ذلك وقع في الزمن الذي كان يجوز فيه الكلام في الصلاة، ويكون حديث أبي هريرة مما سمعه من الصحابة، ويكون معنى قول أبي هريرة: (صلى بنا .... ) أي صلى بالصحابة، وبه قال أكثر أصحاب مالك (١). • واستدلوا على ذلك بما يلي: الأول: أن أبا هريرة أسلم في سنة سبع من الهجرة، وذوي اليدين، قال أبو حاتم الرازي: ذو اليدين، وهو ذو الشمالين بن عبد عمرو (٢). اه وإذا كان ذو اليدين هو ذي الشمالين فقد قتل يوم بدر، وعليه يكون قول أبي هريرة: (صلى بنا) على تأويل صلى بالصحابة (٣). (ح-٢٤٠٤) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن أبي حثمة، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر أو العصر، فسلم في ركعتين، فقال له: ذو الشمالين بن عبد عمرو، -وكان حليفًا لبني زهرة- أخففت الصلاة أم نسيت، فقال النبي ﷺ : ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق يا نبي الله، فأتم بهم الركعتين اللتين نقص (٤). [اضطرب فيه الزهري اضطرابًا شديدًا، ووهم في قوله: (ذو الشمالين) وإنما هو ذو اليدين] (٥).

стр. 6699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6705

قال الطحاوي: «قول أبي هريرة: (صلى بنا رسول الله ﷺ ) إنما يريد: صلى بالمسلمين، لا على أنه شهد ذلك، ولا حضره. كما قال النزال بن سبرة، ثم ساق بإسناده إليه أنه قال: قال لنا رسول الله ﷺ : إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف … إلخ. ولم ير النزال رسول الله ﷺ ، وإنما أراد: أي قال لقومنا الذي هو منهم. وقول طاوس: قدم علينا معاذ، يعني: إلى اليمن. ومثله قول الحسن: «خطبنا عتبة، إنما يريدون بذلك قومهم وبلدتهم؛ لأنهم ما حضروا ذلك» (١). والذي حمله على ذلك هو قول الزهري: (فقام ذو الشمالين)، وأن صاحب القصة قد استشهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون القصة وقعت قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين. الثاني: أن الأمة قد أجمعت أن رجلًا لو ترك إمامه من صلاته شيئًا أنه يسبح به؛ ليعلم إمامه ما قد ترك، ولم يسبح الصحابة بما فيهم ذو اليدين، ولم ينكر النبي ﷺ عليهم تركهم التسبيح؛ فدل ذلك على أن تعليمهم التسبيح كان متأخرًا عن ذلك (٢). • ورد على هذا، بردود منها: الرد الأول: تأويل الطحاوي: (صلى بنا)، أي: بالمسلمين، هذا تأويل للحديث على خلاف ظاهره، ويرده ما في صحيح مسلم وغيره. (ح-٢٤٠٥) فقد روى مسلم من طريق شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينا أنا أصلي مع النبي ﷺ صلاة الظهر سلم رسول الله ﷺ من الركعتين، فقام رجل من بني سليم، واقتص الحديث (٣). وأما كونهم لم يسبحوا بالنبي ﷺ فليس هذا قاطعًا بأن السهو وقع قبل تشريع التسبيح؛ إذ يحتمل أنهم تركوا التسبيح لظنهم أن الصلاة قد قصرت، ولذلك خرج

стр. 6706

سرعان الناس، وهم يقولون: قصرت الصلاة. ولاستبعاد أن يكون السهو يقع من النبي ﷺ فيما يظنون، ولهذا قال لهم الرسول ﷺ كما في حديث ابن مسعود عند مسلم: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون (١). وأما الجزم بأن هذا من مراسيل أبي هريرة اعتمادًا على ما جاء في رواية الزهري: (فقام ذو الشمالين) فقد وهم الزهري باسمه، واضطرب في إسناده، وفي لفظه، وكشف ذلك تخريج الحديث. كما وهم فيه معمر، في روايته عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. ومعمر متكلم في روايته عن أهل البصرة، وقد خالفه كل من روى الحديث عن أيوب، مثل حماد بن زيد، وهو من أثبت أصحاب أيوب، كما خالفه الإمام مالك، وابن عيينة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وحماد بن سلمة، فكلهم رووه عن أيوب، ولم يذكروا ما ذكره معمر. كما خالف معمرًا كلُّ من روى الحديث عن ابن سيرين، كابن عون، ويزيد بن إبراهيم، وسلمة بن علقمة، ويحيى بن عتيق، وقتادة، وخالد الحذاء، وعاصم الأحول، وغيرهم كثير رووا الحديث عن ابن سيرين، ولم يقل أحد منهم: (ذو الشمالين)، وقد سبق تخريجه (٢). وتابع عمران بن أبي أنس الزهري على قوله: (ذو الشمالين). (ح-٢٤٠٦) فقد أخرجه النسائي وغيره من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ صلَّى يومًا، فسلَّم في ركعتين، ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله، أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص الصلاة ولم أنس … وذكر الحديث (٣).

стр. 6707

[صحيح إلا أن قوله: ذو الشمالين شاذ] (١).

стр. 6708

قال ابن عبد البر: «وأما قول الزهري في هذا الحديث أنه ذو الشمالين فلم يتابع عليه، وحمله الزهري على أنه المقتول يوم بدر، فوهم فيه، وغلط، والغلط لا يسلم منه أحد» (١). وقال أبو عوانة: «قال بعض الناس: ذو اليدين وذو الشمالين واحد، ويحتجون بحديث رواه الزهري، فقال فيه: فقام ذو الشمالين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ ويطعنون في هذا الحديث بأن ذا الشمالين قتل يوم بدر، وأن أبا هريرة لم يدركه؛

стр. 6709

لأنه أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بثلاث سنين، أو أربع، وليس كما يقولون؛ وذلك: أن ذا اليدين ليس هو ذا الشمالين؛ لأن ذا اليدين رجل قد سماه بعضهم: الخرباق، عاش بعد النبي ﷺ ، ومات بذي خشب على عهد عمر، وذو الشمال هو ابن عمرو حليف لبني زهرة .... » (١). وقال ابن حجر: «اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك، وسببه أنه جعل القصة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعي، واسمه: عمير بن عبد عمرو بن نضلة، وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي ﷺ بمدة؛ لأنه حدَّث بهذا الحديث بعد النبي ﷺ ، كما أخرجه الطبراني وغيره، وهو سلمي، واسمه: الخرباق، وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، فقام رجل من بني سليم … » (٢). وقال ابن عبد البر: «وقد روى قصة ذي اليدين مع أبي هريرة ابن عمر، وعمران بن الحصين، ومعاوية بن حديج -بضم الحاء المهملة- وابن مسعدة رجل من الصحابة، وكلهم لم يحفظ عن النبي ﷺ ، ولا صحبه إلا بالمدينة متأخرًا، ثم ذكر أحاديثهم بطرقها» (٣). الرد الثاني: على التسليم أن ما قاله الزهري صحيح، وأن القصة حدثت مع ذي الشمالين، وليس مع ذي اليدين، فإن تحريم الكلام كان بمكة، وقصة ذي الشمالين وقعت بالمدينة. • واعترض على هذا: بأن الناس قد اختلفوا في تحريم الكلام، أكان بمكة، أم كان بالمدينة على قولين: فذهب بعض أهل العلم أن تحريم الكلام كان بمكة. (ح-٢٤٠٧) واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا،

стр. 6710

فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (١). وإنما قدم ابن مسعود عليه من الحبشة إلى مكة، على ما ذكره ابن إسحاق. (ث-٥٨٨) وروى الطبري في تفسيره من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال: كان عبد الله، يقول: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، سلام على فلان، وسلام على فلان، قال فجاء القرآن ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (٢). وهذه الآية مكية. [منكر خالف أبو بكر بن عياش في إسناده ولفظه] (٣).

стр. 6711

• وأجيب على هذا الاعتراض: بأن تحريم الكلام كان بالمدينة. (ح-٢٤٠٨) لما رواه البخاري من طريق مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت (١). وجه الاستدلال بالحديث: أن هذه الآية مدنية بالاتفاق، وزيد أنصاري، لم يصل خلف النبي ﷺ بمكة، وإنما صلى خلفه بالمدينة، وقد أخبر بأنهم كانوا يتكلمون حتى نزول هذه الآية. • واعترض على هذا الاستدلال: بما ذكره ابن حبان: بأن هذه اللفظة عن زيد بن أرقم (كنا في عهد النبي ﷺ يكلم أحدنا صاحبه في الصلاة) قد تُوهِمُ عالمًا من الناس أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة؛ لأن زيد بن أرقم من الأنصار، وليس كذلك؛ لأن نسخ الكلام في الصلاة كان بمكة عند رجوع ابن مسعود وأصحابه من أرض الحبشة، وأجاب ابن حبان عن خبر زيد بن أرقم، بأنه يحتمل أن زيد بن أرقم حكى إسلام الأنصار قبل قدوم المصطفى ﷺ المدينة، وحينئذٍ كان الكلام مباحًا في الصلاة بمكة والمدينة سواء، فكان بالمدينة من أسلم من الأنصار قبل قدوم المصطفى ﷺ عليهم يكلم أحدهم صاحبه في الصلاة قبل نسخ الكلام فيها، فحكى زيد بن أرقم صلاتهم في تلك الأيام، لا أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة … (٢).

стр. 6712

• ورد هذا الاعتراض بجوابين: أحدهما: أنه جاء صريحًا بأنهم كانوا يتكلمون خلف رسول الله ﷺ ، فدل على أنه حكى حالهم في صلاتهم خلف النبي ﷺ . (ح-٢٤٠٩) فقد روى الترمذي، قال: حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه، حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام (١).

стр. 6713

الجواب الثاني: أنه ذكر أنهم لم ينهوا عن الكلام حتى نزلت الآية، وهي إنما نزلت بعد الهجرة بالاتفاق، فعلم أن كلامهم استمر في الصلاة بالمدينة، حتى نزلت هذه الآية (١). يبقى الجواب عن قول ابن مسعود: (فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا .... ) (٢). قال ابن حجر: «قول ابن مسعود إن ذلك وقع لما رجعوا من عند النجاشي وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضًا، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين». واختلف في مراده بقوله: (فلما رجعنا) هل أراد الرجوع الأول أو الثاني؟ فجنح القاضي أبو الطيب الطبري وآخرون: إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام بمكة، وحملوا حديث زيد على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه. وجنح آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود بأنه حكى لفظ النبي ﷺ بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه. وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة

стр. 6714

والنبي ﷺ يتجهز إلى بدر. (ح-٢٤١٠) وروى حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، عن ابن مسعود قال بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ثمانين رجلًا .... فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدرًا. [ضعيف] (١).

стр. 6715

وفي السير لابن إسحاق: أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي ﷺ هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا، فشهدوا بدرًا. فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي ﷺ بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابي، ولم يقف من تعقب كلامه على مستنده، ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم المتقدمة فإنها ظاهرة في أن كلًّا من ابن مسعود، وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ … ﴾ [البقرة: ٢٣٨]» (١). قلت: وسواء أكان التحريم بمكة، أم كان بالمدينة، فإن تحريمه بالمدينة كان قبل معركة بدر، وقصة ذي اليدين قد شهدها أبو هريرة، وهي متأخرة، فلا يصح دعوى أن قصة ذي اليدين وقعت قبل تحريم الكلام؛ لأننا علمنا أن هذا القول قد بني على قول الزهري: (ذو الشمالين) وهو قد استشهد ببدر، وكل ذلك كان وهمًا من الزهري، ﵀. الجواب الثالث عن كلام بعض المصلين عمدًا في صلب الصلاة: أن الكلام المنهي عنه هو مطلق الكلام، وأن المأذون فيه: ما كان يتعلق في الصلاة لإصلاحها، فحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين أخص من حديث زيد بن أرقم وابن مسعود، والخاص مقدم على العام، فيكون النهي عن الكلام خص منه ما كان في مصلحة الصلاة لإصلاحها إذا تعذر الإفهام عن طريق التسبيح، فيغتفر اليسير، وهذا توجه الإمام مالك ﵀، وهو أقوى الأقوال خاصة بعد دفع ما قيل: إن هذا وقع قبل تحريم الكلام.

стр. 6716

الجواب الرابع عن كلام بعض المصلين عمدًا في صلب الصلاة: حمل بعضهم ذلك على أن الجواب كان من الناس واجبًا بعد أن وجه النبي ﷺ لهم السؤال، وإذا وجب الكلام عليهم لم تبطل به الصلاة، وليس السؤال من النبي ﷺ كالسؤال من غيره. (ح-٢٤١١) وقد روى أحمد من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ على أُبَيِّ بن كعب وهو يصلي، فقال: يَا أُبَيُّ، فالتفت فلم يجبه، ثم صلى أُبَيٌّ، فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ ، فقال: السلام عليك أَيْ رسول الله، قال: وعليك، قال: ما منعك أَيْ أُبَيُّ إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: أي رسول الله، كنت في الصلاة، قال: أفلست تجد فيما أوحى الله إلي أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، قال: قال: بلى، أي رسول الله، لا أعود … وذكر الحديث (١). • دليل من قال: الكلام للمصلحة لإنقاذ معصوم لا يبطل الصلاة: هذا القول قاسه على الكلام لمصلحة الصلاة، فرأى أن المصلحة هي التي أباحت الكلام في الصلاة، وقصر المصلحة على مصلحة الصلاة قيد غير معتبر، بل وقع اتفاقًا، فكل ما كان الكلام فيه واجبًا على المصلي لم يفسد صلاته، كما لو كان لإنقاذ معصوم ونحوه. • ويناقش: بأن الكلام جاءت النصوص قاطعة بتحريمه، وجاء حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين باستثناء الكلام إذا كان لإصلاح الصلاة، وتعذر إصلاحها بالتسبيح، فيبقى ما عداه على التحريم، ولو اعتبر مطلق المصلحة، لاعتبر ذلك في رد السلام، وهو كان واجبًا لولا مانع الصلاة، فلما كان المصلي لا يرد السلام على من سلم عليه دل على أن المستثنى هو ما كان لإصلاح الصلاة، فمن اضطر إلى الكلام لإنقاذ معصوم، وجب عليه الكلام، واستأنف الصلاة، والله أعلم.

стр. 6717

قال ابن عبد البر: «أجمع المسلمون أن الكلام في الصلاة عمدًا إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته تفسد صلاته، إلا الأوزاعي، فإنه قال: من تكلم في صلاته لإحياء نفس، أو مثل ذلك من الأمور الجسام، لم تفسد بذلك صلاته، ومضى عليها .... قال ابن عبد البر: لم يتابعه أحد على قوله هذا، وهو قول ضعيف، ترده السنن والأصول» (١). • دليل من قال: إذا تكلم بطلت صلاة المأموم دون الإمام: لأن الإمام إذا تكلم، وهو يظن أن صلاته قد تمت، فصلاته صحيحة، اقتداء بكلام النبي ﷺ في قصة ذي اليدين؛ لأنه لم يتعمد الكلام. وليس للمأموم أن يتكلم محتجًّا بكلام أبي بكر وعمر؛ لأنهما تكلما مجيبين للنبي ﷺ وإجابته واجبة عليهما، ولا بذي اليدين؛ لأنه تكلم في الصلاة، وهو يظن أن الصلاة ربما تكون قد قصرت في وقت يمكن ذلك فيها، وهذا غير موجود في زماننا، فلا عذر للمأموم إذا تكلم، وهو يعلم أن الإمام لم يتم صلاته. نعم لو كان يظن أن الصلاة قد تمت، صحت صلاته؛ ولهذا قال الإمام أحمد كما في رواية أبي طالب: «في إمام سَلَّمَ من اثنتين، فسأل، فقال بعضهم: هي اثنتان، وقال بعضهم: هي أربع، فالذين قالوا: اثنتان يعيدون. ومن قال: إنها أربع، وظن أنها أربع، فهم مثل الإمام لا يعيدون، إنما تكلموا في أمر الصلاة، وهم يظنون أنهم أتموا؛ فقد حكم بصحة صلاتهم؛ لاعتقادهم أنهم في غير صلاة (٢). • الراجح: أرى أن مذهب المالكية هو أقوى الأقوال في المسألة، وأن الكلام لإصلاح الصلاة إذا تعذر إصلاحها بغيره يغتفر اليسير منه، والله أعلم.

стр. 6718

الفرع الثالث في الرجل يتكلم في الصلاة جاهلًا بالتحريم المدخل إلى المسألة: • النسيان والجهل مسقطان للإثم مطلقًا. • كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لم يكلف الإعادة؛ لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها. • المنهيات تسقط بالجهل والنسيان، فمن صلى وثوبه نجس ناسيًا أو جاهلًا صحت صلاته. • المأمورات تسقط بالجهل، ولا تسقط بالنسيان، فالمستحاضة التي تركت الصلاة جهلًا منها لم تؤمر بالإعادة، ولو ترك المكلف الصلاة أو الطهارة نسيانًا لم تسقط عنه الصلاة. [م-٨٠٩] إذا تكلم الرجل جاهلًا بالتحريم: فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، وشهره ابن ناجي في شرح الرسالة (١).

стр. 6719

جاء في التهذيب في اختصار المدونة: «والنفخ في الصلاة كالكلام، ومن فعلهما عامدًا أو جاهلًا أعاد … » (١). وقيل: صلاته صحيحة ما لم يكثر، وعليه أن يسجد للسهو، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ورجحه ابن العربي، وهو رواية عند الحنابلة اختارها ابن تيمية، وبه قال الشافعية: إن قرب عهده بالإسلام، أو نشأ بعيدًا عن العلم، ولا سجود عليه (٢).

стр. 6720

قال النووي: «وإن فعل ذلك -يعني: من الكلام في الصلاة- وهو جاهل بالتحريم، ولم يُطِلْ لم تبطل صلاته» (١). قال القاضي أبو يعلى في الجامع: «لا أعرف عن أحمد نصًّا في ذلك، ويحتمل ألا تبطل صلاته؛ لأن الكلام كان مباحًا في الصلاة، بدليل حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، ولا يثبت حكم النسخ في حق من لم يعلمه .... » (٢). وقيل: لا تبطل، ولو كان كثيرًا، وهو قول أبي إسحاق المروزي من الشافعية (٣). • سبب الخلاف: هذه المسألة فرد من مسائل كثيرة تنازع الفقهاء فيها، ويرجع الخلف؛ لاختلافهم في اعتبار الجهل عذرًا تسقط به الأحكام: فمنهم من يعتبر الجهل عذرًا مطلقًا، وهو أحد القولين عن المالكية، ورواية عن أحمد، وبه يأخذ ابن تيمية: وقد نقل ابن مفلح في الفروع عن شيخه ابن تيمية: «أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأن كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لم يكلف الإعادة، ومثل له بمن ترك التيمم لعدم الماء؛ لظنه عدم الصحة به، أو أكل حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود؛ لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة ونحوه، قال: والأصح لا قضاء، ولا إثم؛ للعفو عن الخطأ والنسيان، ومعناه: ولم يقصر، وإلا أثم، وكذا لو عامل بربا، أو أنكح فاسدًا، ثم تبين له التحريم ونحوه» (٤). ومنهم من لا يرى الجهل والنسيان عذرًا مطلقًا.

стр. 6721

ومنهم من يرى الجهل ليس بعذر مطلقًا بخلاف النسيان؛ فالنسيان لا ينفك عنه البشر حتى الأنبياء، وأما الجهل فهو متسبب به؛ يلام عليه، وقد كان عليه أن يتعلم، فلم يفعل. ولو أنهم عكسوا لكان أولى لهم ذلك أن التكليف يناط بالعلم، ومع الجهل لا تكليف، وأما الناسي فهو وإن اعتبر عذرًا حال النسيان إلا أنه لا يرفع أهلية التكليف كالنوم، ولذلك لو أتت الصلاة على الناسي والنائم من دخول الوقت إلى خروجه لم تسقط عنه الصلاة بحجة النوم والنسيان، ويجب عليه الصلاة إذا تذكر أو استيقظ، وهذا دليل على أهلية تكليفه. فالمنهيات تسقط بالجهل والنسيان، كمن صلى وثوبه نجس ناسيًا أو جاهلًا صحت صلاته، والمأمورات تسقط بالجهل، ولا تسقط بالنسيان، فالمستحاضة التي تركت الصلاة جهلًا منها لم تؤمر بالإعادة، ولو ترك المكلف الصلاة نسيانًا لم تسقط عنه الصلاة، فثبت الفرق بين الجهل والنسيان. ومنهم من يفرق بين من يمكنه التعلم، فيفرط في طلبه فيكلف الإعادة؛ لأن مثله ليس محلًّا للتخفيف فلا يعذر، وبين من لا يمكنه العلم، كحديث عهد بالإسلام، وكذا من نشأ في دار حرب، أو في بادية بعيدة عن أهل العلم، وهذا توجه الشافعية. إذا وقفت على ذلك نأتي إلى عرض حجج الأقوال: •دليل من قال: إذا تكلم جاهلًا بطلت صلاته: الدليل الأول: (ح-٢٤١٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم، إنْ كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت.

стр. 6722

زاد مسلم من طريق هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد به: ونهينا عن الكلام (١). وقد رواه جمع من الحافظ عن إسماعيل، ولم يذكروا هذا الحرف، والأمر بالسكوت يستلزم النهي عن الكلام، كما قال الأصوليون: الأمر بالشيء نهي عن ضده. وجه الاستدلال: أن النهي عن الشيء لذاته، لا لأمر خارج يقتضي الفساد، ومنه: الكلام في الصلاة. • ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن قوله: (ونهينا عن الكلام) قد تفرد بها هشيم دون أصحاب إسماعيل بن أبي خالد، فجميع من روى الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، اقتصروا في لفظه على قوله: (فأمرنا بالسكوت)، ولهذا ترك البخاري رواية هشيم فلم يخرجها في صحيحه (٢).

стр. 6723

الجواب الثاني: القول بأن النهي يقتضي الفساد هذا يصدق في مطلق النهي، فإذا انتفى الفساد بدليل خاص لم يقتضه، وقدم الدليل الخاص على الاحتجاج بالقاعدة الأصولية المتنازع عليها، وقد دل حديث معاوية بن الحكم على أن من تكلم جاهلًا لم تفسد صلاته. الجواب الثالث: سلمنا أن النهي يقتضي الفساد، فإن هذا يصدق على الرجل إذا ارتكب النهي عامدًا عالمًا، بخلاف المعذور من جاهل وناسٍ، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢٤١٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش،

стр. 6724

عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ ، وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا (زاد مسلم: فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا) قال: إن في الصلاة شغلًا (١). [اختلف فيه على الأعمش في وصله وإرساله، وأظن ذلك من قِبَل إبراهيم النخعي، فإنه يرسل عن ابن مسعود ما سمعه من أكثر من واحد عنه، وهو في حكم المتصل قبل أن نقف على الواسطة، فكيف إذا وقفنا عليها؟] (٢).

стр. 6725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →