← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

ومنهم من يرى الجهل ليس بعذر مطلقًا بخلاف النسيان؛ فالنسيان لا ينفك عنه البشر حتى الأنبياء، وأما الجهل فهو متسبب به؛ يلام عليه، وقد كان عليه أن يتعلم، فلم يفعل. ولو أنهم عكسوا لكان أولى لهم ذلك أن التكليف يناط بالعلم، ومع الجهل لا تكليف، وأما الناسي فهو وإن اعتبر عذرًا حال النسيان إلا أنه لا يرفع أهلية التكليف كالنوم، ولذلك لو أتت الصلاة على الناسي والنائم من دخول الوقت إلى خروجه لم تسقط عنه الصلاة بحجة النوم والنسيان، ويجب عليه الصلاة إذا تذكر أو استيقظ، وهذا دليل على أهلية تكليفه. فالمنهيات تسقط بالجهل والنسيان، كمن صلى وثوبه نجس ناسيًا أو جاهلًا صحت صلاته، والمأمورات تسقط بالجهل، ولا تسقط بالنسيان، فالمستحاضة التي تركت الصلاة جهلًا منها لم تؤمر بالإعادة، ولو ترك المكلف الصلاة نسيانًا لم تسقط عنه الصلاة، فثبت الفرق بين الجهل والنسيان. ومنهم من يفرق بين من يمكنه التعلم، فيفرط في طلبه فيكلف الإعادة؛ لأن مثله ليس محلًّا للتخفيف فلا يعذر، وبين من لا يمكنه العلم، كحديث عهد بالإسلام، وكذا من نشأ في دار حرب، أو في بادية بعيدة عن أهل العلم، وهذا توجه الشافعية. إذا وقفت على ذلك نأتي إلى عرض حجج الأقوال: •دليل من قال: إذا تكلم جاهلًا بطلت صلاته: الدليل الأول: (ح-٢٤١٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم، إنْ كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت.

стр. 6722

زاد مسلم من طريق هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد به: ونهينا عن الكلام (١). وقد رواه جمع من الحافظ عن إسماعيل، ولم يذكروا هذا الحرف، والأمر بالسكوت يستلزم النهي عن الكلام، كما قال الأصوليون: الأمر بالشيء نهي عن ضده. وجه الاستدلال: أن النهي عن الشيء لذاته، لا لأمر خارج يقتضي الفساد، ومنه: الكلام في الصلاة. • ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن قوله: (ونهينا عن الكلام) قد تفرد بها هشيم دون أصحاب إسماعيل بن أبي خالد، فجميع من روى الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، اقتصروا في لفظه على قوله: (فأمرنا بالسكوت)، ولهذا ترك البخاري رواية هشيم فلم يخرجها في صحيحه (٢).

стр. 6723

الجواب الثاني: القول بأن النهي يقتضي الفساد هذا يصدق في مطلق النهي، فإذا انتفى الفساد بدليل خاص لم يقتضه، وقدم الدليل الخاص على الاحتجاج بالقاعدة الأصولية المتنازع عليها، وقد دل حديث معاوية بن الحكم على أن من تكلم جاهلًا لم تفسد صلاته. الجواب الثالث: سلمنا أن النهي يقتضي الفساد، فإن هذا يصدق على الرجل إذا ارتكب النهي عامدًا عالمًا، بخلاف المعذور من جاهل وناسٍ، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢٤١٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش،

стр. 6724

عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ ، وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا (زاد مسلم: فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا) قال: إن في الصلاة شغلًا (١). [اختلف فيه على الأعمش في وصله وإرساله، وأظن ذلك من قِبَل إبراهيم النخعي، فإنه يرسل عن ابن مسعود ما سمعه من أكثر من واحد عنه، وهو في حكم المتصل قبل أن نقف على الواسطة، فكيف إذا وقفنا عليها؟] (٢).

стр. 6725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6726

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6727

الدليل الثالث: (ح-٢٤١٤) ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق عبد الوارث، حدثنا كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة له، فانطلقت، ثم رجعت وقد قضيتها، فأتيت النبي ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله ﷺ وجد علي أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد علي، فقال: إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة (١). ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن كثير به، بنحوه، وفيه: فرجعت وهو يصلي على راحلته (٢). الدليل الرابع: (ح-٢٤١٥) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث، والحديث فيه قصة سوف أذكره بتمامه في أدلة القول الثاني (٣). الدليل الخامس: (ح-٢٤١٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،

стр. 6728

عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم .... وفيه: من رابه -وفي رواية: من نابه- شيء في صلاته، فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء (١). وجه الاستدلال بهذه الأحاديث: تنوعت هذه الأدلة في دلالتها على حكم الكلام في الصلاة. فمنها ما استخدم فيها صيغة الأمر والنهي فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. ومنها ما نصت على أن الكلام لا يصلح في الصلاة. ومنها ما ذكرت البديل للكلام إذا احتاج المصلي إلى تنبيه إمامه، وأرشدته إلى التسبيح. وعموم هذه الأحاديث لا تفرق بين ما قصد بالكلام إصلاح الصلاة وبين غيره، ولا بين العالم بالتحريم والجاهل به، ولا بين الساهي والعامد. والعام جار على عمومه. فقوله: (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) شيء نكرة في سياق النفي، فتعم كل كلام أجنبي، فاستثناء بعض الكلام دون بعض مخالف؛ لدلالة العموم. وقد أفادت هذه الأحاديث حكمان: الأول: تحريم الكلام في الصلاة؛ للنهي عن الكلام والأمر بالسكوت، وهذا من حيث الحكم التكليفي حتى سقط عن المصلي رد السلام الواجب. الحكم الثاني: دل حديث معاوية بن الحكم على أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فقوله: (لا يصلح) الصلاح خلاف الفساد، وكلاهما من أحكام الوضع، والحكم الوضعي لا يعذر فيه بالجهل، فلا فرق فيه بين العالم والجاهل، فمن صلى قبل الوقت لم تصح صلاته مطلقًا، ولا يعذر بجهله، فالكلام الأجنبي لا يصلح في الصلاة، فإذا وجد فيها أفسدها من حيث هو كلام غير مشروع في الصلاة، وإنما يختلف العالم عن الجاهل في المأثم، وليس في الصحة، فالحديث يخبر بأن الكلام (لا يصلح في الصلاة) فلو صحت الصلاة مع الكلام، لكان قد صح الكلام فيها من

стр. 6729

وجه، فثبت بذلك أن ما وقع فيه كلام الناس فليس بصلاة، كالحدث يفسد الصلاة، سواء أتعمد خروجه أم لا، وسواء أجهل حكمه أم لا، إلا أن يكون مريضًا، وكذلك الأكل والشرب يفسدها مطلقًا، ولهذا أرشد الشارع المأموم إلى التسبيح إذا احتاج إلى الكلام؛ لتنبيه إمامه لإصلاح صلاته، ولم يأذن له بالكلام مع قيام الحاجة، كل ذلك يدل على أن الكلام الأجنبي يخرج به المصلي عن حكم الصلاة (١). الدليل السادس: (ث-٥٨٩) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله ابن عامر بن ربيعة، وكان أبوه ممن شهد بدرًا، أن عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، وهو خال حفصة، وعبد الله بن عمر، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة شرب فسكر … وفيه: فقال عمر لقدامة: إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني، فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك. وفي آخره أن عمر جلده الحد (٢). [صحيح] (٣). وجه الاستدلال: شرب قدامة الخمر متأولًا، ومع ذلك لم يعذره عمر ﵁، وأقام عليه الحد. الدليل السابع: أن كلام الجاهل كلام من غير جنس الصلاة فيبطل الصلاة، فأشبه العمل الكثير المتصل من غير حاجة (٤).

стр. 6730

• وتناقش هذه الأدلة: الأصل أن الجهل يرفع الإثم. قال السيوطي: «اعلم أن قاعدة الفقه: أن النسيان والجهل مسقط للإثم مطلقًا» (١). وإعذار الجاهل إنما هو من باب التخفيف، لا من حيث جهله، ولهذا قال الشافعي: «لو عذر الجاهل لأجل جهله، لكان الجهل خيرًا من العلم؛ إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف، ويريح قلبه من ضروب التعنيف» (٢). وأما كون الجهل يرفع الحكم المترتب، فليس هناك قاعدة مطردة في أمور التكاليف، بحيث نقول: الجهل يرفع الحكم، أو لا يرفع، فهناك أمور متفق على أن الجهل يرفع الحكم، وهناك أمور على عكسها محل اتفاق، وهناك أمور محل خلاف. ولعل ذلك يرجع إلى ما ذكره القرافي، قال: «اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها، وأخذ بجهالات، فلم يعف عن مرتكبها، وضابط ما يعفى عنه من الجهالات: الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر الاحتراز عنه، ولا يشق لم يعف عنه» (٣). وقال أيضًا: «الجهل قسمان: منه ما يتعذر الاحتراز منه غالبًا، أو فيه مشقة، فجعله الشارع عذرًا لمن ابتلي به … ومنه ما ليس كذلك، فلا يعذر به … وإلا فالأصل أن الجهل لا يجدي خيرًا، ولا يكون عذرًا» (٤). وهذا هو السبب في عدم اطِّراد مسائل العذر بالجهل حتى في المذهب الواحد، وقد ذكرت في كتابي المعاملات المالية مجموعة من الضوابط فيما يعذر فيه بالجهل، وما لا يعذر، والفقهاء مختلفون فيها (٥). وقد دل حديث معاوية بن الحاكم على أن المتكلم جهلًا لا يطلب منه إعادة

стр. 6731

الصلاة، فهل كان إعذاره للجهل فقط، كما يرى ذلك بعض الفقهاء، أم لجهله، ولقوله أيضًا في الحديث نفسه: (يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية)، كما يرى الشافعية؟ هذا محل اجتهاد. فمن كان حديث عهد بجاهلية، هل يستوي هو ومن يعيش في بلد ينتشر فيها العلم، ويمكنه رفع الجهل عن نفسه بالسؤال، ثم لا يبالي، ويترك ما وجب عليه تعلمه؟ أم يقال: الأصل أن الجهل عذر، وأما تفريطه في ترك التعلم مع القدرة عليه فهذا ذنب آخر، منفك عن الإعذار بالجهل، خاصة أنه قد يترتب على ذمته صلوات كثيرة بسبب جهله، فالإعذار بالجهل شيء، وسببه شيء آخر، فيطلب منه التوبة على تقصيره في ترك التعلم الواجب عليه، وتقصيره ومؤاخذته على ذلك لا يلغي اعتبار الجهل عذرًا في عدم وجوب الإعادة عليه، كترخص العاصي في سفره؟ لعل هذا هو الأقرب، خاصة أن مسائل العلم ليست واحدة، فهناك مسائل يسهل تعلمها، وهناك مسائل ينتشر الجهل بها لخفائها، والله أعلم. وأما قياس الكلام على الحركة الكثيرة فغير مسلم؛ لأن الأصل لم يتفق عليه، حتى يصح قياس الفرع عليه، فالحركة من الجاهل لا تفسد صلاته، علمًا أن الحركة أخف من الكلام، فإن الحركة اليسيرة ولو متعمدًا لا تبطل الصلاة، وكذلك الحركة المتفرقة التي لو جمعت لكانت كثيرة، وكذا الحركة الكثيرة إذا دعت لها حاجة، بخلاف الكلام، فإن اليسير من الكلام كالكثير في التحريم، فكيف يقاس الأغلظ على الأخف؟. • دليل من قال: من تكلم جاهلًا لم تبطل صلاته: الدليل الأول: (ح-٢٤١٧) استدلوا بما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال ابن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم؟ تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ،

стр. 6732

فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث (١). وجه الاستدلال: أن معاوية تكلم في صلاته، فلم يأمره النبي ﷺ بإعادتها. فحمله قوم على أن الجاهل معذور مطلقًا، وحمله الشافعية على أنه لم يؤمر بإعادتها؛ لكونه حديث عهد بجاهلية، فلا يعذرون المفرط في التعليم والذي بمقدوره أن يرفع جهله. فهل عدم المطالبة بالإعادة دليل على صحة الصلاة، خاصة أن الفقهاء يستدلون على الصحة بسقوط الطلب، فقد أجنب عمار، فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة والحديث في البخاري (٢)؛ جهلًا منه بصفة الطهارة الواجبة، ولم يطلب منه النبي ﷺ إعادة الصلاة، مع إخلاله بشرط الطهارة؟ أم يقال: إن صلاته لم تصح، ولكن لم يطلب منه الإعادة؛ لعذره بالجهل، لحديث ابن عمر في مسلم: (لا تقبل صلاة بغير طهور)؟ (٣). (فصلاة) نكرة في سياق النفي فتعم كل صلاة، ومنها صلاة الجاهل. ولقوله للمسيء: (فإنك لم تُصَلِّ)، والنفي متوجه للصحة؛ لأن صورة الصلاة موجودة؟ يحتمل هذا، ويحتمل أن قوله: (فإنك لم تُصَلِّ) قبل الإفصاح عن عذره بقوله: (والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني). ولهذا فاقد الطهورين، يصلي بغير طهور، وصلاته صحيحة في أصح قولي العلماء، والله أعلم. وإذا صححنا صلاته، كان الجواب عن عموم قوله: (لا تقبل صلاة بغير طهور)،

стр. 6733

إما أن نقول: إن هذا العام مخصوص، خص منه الجاهل وفاقد الطهورين، أو نقول: إن العام لا يدخل في عمومه الصور النادرة، وهي مسألة خلافية بين الأصوليين. والمهم في المسألة أن الجاهل معذور، ولا يطلب منه الإعادة، سواء أكان ذلك دليلًا على سقوط العبادة بالعذر، أم الحكم بصحتها مع ترك شرط الصحة للعذر بالجهل. الدليل الثاني: (ح-٢٤١٨) روى البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ عذر هذا الرجل الجاهل في صلاته، فلم يكلفه بإعادة الصلوات التي صلاها في الماضي مع حكمه بأنه لم يُصَلِّ، فإذا عذر من أَخَلَّ بأركان الصلاة التي تتكون منها ماهية الصلاة فكيف لا يعذر المصلي الذي تكلم في صلاته جاهلًا؟ الدليل الثالث: هناك أدلة كثيرة عُذِر فيها الجاهل، والمتكلم في صلاته جهلًا مقيس عليها، من ذلك. (ح-٢٤١٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: قال رجل لم يعمل خيرًا قط: فإذا مات فحرقوه واذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع

стр. 6734

ما فيه، ثم قال: لم فعلت؟ قال: من خشيتك، وأنت أعلم، فغفر له (١). فاعتقاد أن الله لا يقدر عليه، أو الشك في قدرة الله عليه كلاهما كفر مخرج عن الملة، وعذر لجهله، والله أعلم. (ح-٢٤٢٠) ومنها ما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس. قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بد من قضاء. وقال معمر: سمعت هشامًا: لا أدري أقضوا أم لا (٢). (ح-٢٤٢١) ومنها ما رواه الشيخان البخاري ومسلم من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم ﵁، قال: لما نزلت: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧] عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ ، فذكرت له ذلك فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار (٣). فهذه النصوص مع ما سبق من حديث الجاهل في صلاته، وقصة عمار وعمر ﵄ في تيمم الجنب تبين لك أن الجاهل معذور، لا فرق في ذلك بين الأمور القطعية في الدين، وبين الأمور الظنية. • الراجح: أن من تكلم جاهلًا بالتحريم فإن صلاته صحيحة، فإن كان يمكنه رفع الجهل وقد فرط ولم يتعلم أثم لتركه ما يجب عليه، وإن كان عاجزًا عن رفع الجهل إما لكونه في بادية بعيدًا عن العلماء، أو كان حديث عهد بإسلام لم يأثم، والله أعلم.

стр. 6735

الفرع الرابع في المصلي يتكلم ساهيًا المدخل إلى المسألة: • قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: قد فعلت (١). • ما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان، والأصل في ذلك قصة معاوية بن الحكم حين تكلم جاهلًا في صلاته. • حديث: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) خبر بمعنى النهي: أي لا تتكلموا، كقوله تعالى: لا تبديل لخلق الله: أي لا تبدلوا فطرة الله. • إذا اقترن بالدليل ما يدل على أن النهي لا يقتضي الفساد، فلا خلاف بأن النهي لا يقتضيه. • لم يأمر النبي ﷺ معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة، فدل على أن النهي لا يقتضي الفساد. • تكلم النبي ﷺ معتقدًا أن صلاته قد تمت، وبنى على صلاته، فدل على أن من تكلم ساهيًا لا تبطل صلاته. • الأكل منافٍ للصيام، وإذا أكل ناسيًا لم يفسد صومه على الصحيح، فكذلك إذا تكلم ناسيًا لم تبطل صلاته. • المنهيات ومنها الكلام إذا وقعت سهوًا لم توجب الإعادة بخلاف المأمورات. • المأمورات تسقط بالجهل، ولا تسقط بالنسيان، فالمستحاضة التي تركت الصلاة جهلًا منها لم تؤمر بالإعادة، ولو صلى، وهو محدث نسيانًا أعاد الصلاة. [م-٨١٠] إذا تكلم المصلي ساهيًا، كما لو ظن أنه ليس في صلاة، أو ظن أن صلاته قد تمت، فتكلم بغير السلام، وإنما قيدته بغير السلام؛ لأن السلام من جنس

стр. 6736

ما يشرع في الصلاة، فلا يعد كلامًا أجنبيًّا، ولأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوه، وبنوا على صلاتهم، فإذا تكلم ساهيًا فاختلف الفقهاء في صلاته: فقيل: تفسد صلاته، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (١). قال أبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين: «واختلف في الكلام ساهيًا لغير مصلحة، هل تبطل صلاته؟ فنقل المروذي وإسحاق بن إبراهيم والمشكاتي ومحمد بن الحكم إبطال الصلاة وهو أصح؛ لأنه ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة فأبطلها سهوه كالحدث» (٢). وقال مالك والشافعي: الكلام اليسير إذا وقع سهوًا لا يفسد الصلاة، وعليه سجود السهو، بخلاف الكثير فإنه مبطل، وهو رواية عن أحمد» (٣). • دليل من قال: الكلام يبطل الصلاة إذا وقع سهوًا: الدليل الأول: (ح-٢٤٢٢) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى

стр. 6737

نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت. ورواه مسلم من طريق هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد به، وزاد: ونهينا عن الكلام (١). قوله: (ونهينا عن الكلام) فكل ما يسمى كلامًا فهو منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد (٢). (ح-٢٤٢٣) وروى البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (٣). فهذه الأحاديث دلت بعمومها على تحريم الكلام في الصلاة من غير فرق بين الكلام الواقع على وجه السهو وبين الكلام الواقع على وجه العمد. فإن قيل: النهي عن الكلام في الصلاة مقصور على العامد دون الناسي؛ لاستحالة نهي الناسي. قيل له: حكم النهي يجوز أن يتعلق على الناسي كالعامد، وإنما يختلفان، في المأثم، واستحقاق الوعيد فأما في الأحكام التي هي فساد الصلاة وإيجاب قضائها فلا يختلفان؛ قياسًا على من أكل أو أحدث في الصلاة ناسيًا. • ورُدَّ هذا: القياس على الأكل والحدث في الصلاة غير صحيح، فمن أكل ناسيًا لم تبطل صلاته باعتبار أن الأكل من المنهيات، بخلاف الحدث فإن من أحدث بطلت صلاته مطلقًا؛ لأنه من جملة المأمورات، وسوف أبين الفرق بينهما في أدلة القول الثاني، إن شاء الله تعالى، وأما القول بأن النهي يقتضي الفساد فنجيب عنه في الدليل التالي، إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: (ح-٢٤٢٤) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن

стр. 6738

أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث، والحديث فيه قصة (١). وجه الاستدلال: أخبر النبي ﷺ بأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فلو بقي مصليًا بعد الكلام لكان قد صلح الكلام فيها من وجه، فثبت بذلك أن ما وقع فيه كلام الناس فليس بصلاة. ومن وجه آخر: فإن انتفى الصلاح عن الصلاة يثبت ضده وهو الفساد؛ لأنه في مقابلته، فإذا لم يصلح فيها الكلام فوجوده يقتضي الفساد، ولو صحت الصلاة مع وقوع الكلام فيها، لكان ذلك خلاف مقتضى الخبر (٢). • ويناقش من وجوه: الوجه الأول: أن قوله ﷺ : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) خبر بمعنى الإنشاء، فالنفي بقوله: (لا يصلح) بمعنى النهي، أي: لا تتكلموا، فالخبر قد يأتي بمعنى النهي كما في قوله تعالى: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ أي لا تبدلوا فطرة الله. وقد يأتي الخبر بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ وقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ أي: ليتربصن وليرضعن. وإذا رجع النفي إلى معنى النهي، فالفقهاء مختلفون في النهي، أيقتضي الفساد بكل حال أم أن ذلك يختص بالعبادات؟ أم أنه يختص بما إذا كان النهي عن الشيء لعينه أو لوصف ملازم، كالنهي عن البيوع الربوية وبيوع الغرر، فإذا عاد النهي عن الشيء لأمر خارج، كالبيع بعد نداء الجمعة، لم يقتض النهي الفساد، وهو مذهب الجمهور؟ (٣)، وقد تقدم بسط ذلك عند الكلام على الصلاة في الثوب المغصوب

стр. 6739

والدار المغصوبة، فارجع إليه. والنهي عن الكلام في الصلاة يتوجه إلى العامد، وأما الناسي فلا يتوجه النهي إليه، لأن النسيان طبيعة بشرية كما سيأتي بيانه عند الكلام على أدلة المالكية والشافعية. الوجه الثاني: على التسليم بأن النهي يقتضي الفساد بكل حال، فإنما هو في النهي المطلق الخالي من القرائن، أما إذا اقترن بالدليل ما يدل على أن النهي لا يقتضي الفساد فلا خلاف بأن النهي لا يقتضيه، وقد دل الدليل هنا على أن المتكلم جاهلًا لا يقتضي فعله الفساد، حيث لم يأمر النبي ﷺ معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة، وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان. الوجه الثالث: أن الأكل منافٍ للصيام، وإذا أكل الصائم ناسيًا لم يفسد صومه على الصحيح، وهو مذهب الجمهور بما فيهم الحنفية والحنابلة، فكذلك إذا تكلم ناسيًا لم تبطل صلاته، والله أعلم. الدليل الثالث: إذا كثر الكلام كان مفسدًا للصلاة، فلو كان النسيان فيه عذرًا لاستوى قليله وكثيره، كالأكل في الصيام لا فرق بين قليله وكثيره. • ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن يقال: الأصح أن الكثير كاليسير؛ فما عفي عن يسيره لنسيان، أو جهل، عفي عن كثيره، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). الوجه الثاني: على فرض التفريق بين اليسير والكثير، فإن الكثير يخرج الصلاة عن هيئتها بخلاف اليسير، ولذلك فرق بين الحركة الكثيرة واليسيرة.

стр. 6740

الوجه الثالث: أن التفريق بين القليل والكثير في إفساد العبادة جارٍ حتى على مذهب الحنفية والحنابلة، فقد ذهبوا إلى أن انكشاف اليسير من العورة في الزمن الكثير لا يبطل الصلاة، وكذا الكثير في الزمن اليسير إذا لم يتعمد، فبطل الإلزام (١). • دليل من قال: من تكلم ناسيًا لم تبطل صلاته: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. فنفي الجناح كما يصدق على رفع الإثم، وهو إجماع، يصدق على حفظ العبادة عن الإبطال بالجهل والنسيان على الصحيح خاصة في باب المنهيات. (ح-٢٤٢٥) وقد أخرج مسلم من طريق وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: قد فعلت: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا

стр. 6741

وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: قد فعلت (١). • واعترض: بأن المرفوع بالجهل والنسيان هو الإثم، وهو من أحكام التكليف، والناسي حال نسيانه، والجاهل لا تكليف عليهما، بخلاف الإعادة فإنها من أحكام الوضع، فتجب عليه الإعادة؛ ليأتي بالعبادة على الوجه الصحيح، فإن الذمة لا تبرأ بالعبادة إذا كانت على وجه غير مشروع. • ورُدَّ هذا الاعتراض: لا نسلم أن المرفوع هو الإثم فقط، فإن مطلقه يشمل الإثم والحكم بصحة العبادة. (ح-٢٤٢٦) فقد أخرج البخاري من طريق هشام، حدثنا ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه، وأخرجه مسلم (٢). فصحح صيامه إذا أكل أو شرب ناسيًا، وهو مذهب الجمهور خلافًا للمالكية، فصح أن المحظور إذا ارتكب نسيانًا لم تبطل العبادة، والله أعلم. والاستدلال بهذه الأحاديث أولى من الاستدلال بحديث: (عفي لأمتي الخطأ والنسيان)؛ للاختلاف في صحته. فالناسي والجاهل لا شيء عليهما، والمقصود بالجاهل من يجهل التحريم، أما إذا كان يعلم بالتحريم، ويجهل إبطال العبادة، فإن ذلك لا يعفيه من وجوب الإعادة؛ لأنه فعل فعله، وهو يعلم أنه محرم. الدليل الثاني: (ح-٢٤٢٧) روى البخاري ومسلم، واللفظ للأخير من طريق أيوب بن أبي تميمة السختياني، قال: سمعت محمد بن سيرين، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، إما الظهر، وإما العصر، فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد، فاستند إليها

стр. 6742

مغضبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سرعان الناس: قصرت الصلاة، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالًا، فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين، فصلى ركعتين، وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر، فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع (١). (ح-٢٤٢٨) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ تكلم سهوًا معتقدًا أن صلاته قد تمت، وبنى على صلاته، فدل على أن من تكلم ساهيًا لم تبطل صلاته. • وأجيب: بأن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كان قبل تحريم الكلام، فهو منسوخ بحديث زيد بن أرقم، وحديث ابن مسعود. • ورد هذا الجواب: سبق لنا الجواب عن دعوى النسخ، وبينت أن حديث أبي هريرة كان متأخرًا عن حديث زيد بن أرقم وابن مسعود، فارجع إليه في المسألة السابقة، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٢٤٢٩) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه الصلاة

стр. 6743

لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث، والحديث فيه قصة (١). وجه الاستدلال: أن معاوية بن الحكم ﵁ تكلم جاهلًا، فلم تبطل صلاته، ولم يأمره ﷺ بالإعادة، وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان. • ورد هذا الاستدلال: بأن النبي ﷺ لم يأمره بالإعادة؛ لأن الحجة ما قامت عنده بخلاف غيره. • وأجيب: بأن الحنفية والحنابلة القائلين بوجوب الإعادة إذا تكلم ناسيًا لا يفرقون بالبطلان بين العالم والجاهل، فإذا تكلم جاهلًا وجبت عليه إعادة الصلاة عندهم. ولو كان سقوط الإعادة؛ لعدم العلم بالحكم، لوجبت الإعادة عندما تكلم النبي ﷺ معتقدًا تمام صلاته، فإنه لا يتصور في حقه ﵊ أن الحجة لم تبلغه. الدليل الرابع: (ح-٢٤٣٠) روى أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا، فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها، فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض، ثم ليصل فيهما (٢). [صحيح] (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن المنهيات تسقط بالنسيان، ولهذا خلع النبي ﷺ نعليه

стр. 6744

بعد ما مضى جزء من صلاته وبنى على ما صلى، والكلام في الصلاة من جنس المنهيات، بخلاف المأمورات فإنه حين رأى رجلًا في قدمه لمعة لم يصبها الماء، قال: (ارجع فأحسن وضوءك) (١). وقال ﷺ للمسيء صلاته كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ). والفرق بين المأمورات والمنهيات من حيث المعنى: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها؛ امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيها. ذلك أن فعل الناسي والجاهل يجعل وجوده كعدمه؛ لأنه معفو عنه، فإذا كان قد فعل محظورًا كان كأنه لم يفعله، فلا إثم عليه، ويصبح فعله العبادة كأنها خالية من فعل المحظور. وإذا ترك واجبًا ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه بالترك، لكنه إذا صار في حكم من لم يفعله يبقى في عهدة الأمر حتى يفعله إذا كان الفعل ممكنًا، وبهذا يظهر الفرق بين الكلام في الصلاة ناسيًا وبين ترك الوضوء. • الراجح: أن المتكلم ناسيًا صلاته صحيحة، ولا يشرع لنسيانه سجود السهو، وسجود النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين ليس بسبب الكلام، وإنما بسبب أنه سها في صلاته، فسلم قبل إتمامها، ولهذا لو سبح بالنبي ﷺ ، فأتم صلاته دون أن يتكلم لكان عليه سجود السهو، والله أعلم.

стр. 6745

الفرع الخامس في المصلي يتكلم مكرهًا المدخل إلى المسألة: • قول المكره لا حكم له، مِنْ كفرٍ، وطلاقٍ، وعتقٍ، وبيع، ونكاح، فكذلك إذا أكره على الكلام في الصلاة. • تصرفات المكره كلها لغو إلا أن يكون إكراهًا بحق. • فعل المكره ليس من كسب المكلف فهو لغو؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. • المكره أولى بالعفو من الناسي؛ لأن الفعل لا ينسب إلى المكره بخلاف الناسي. • الكلام من باب المنهيات، فإذا نسي أو أكره على فعله فلا حكم له، ولو نسي الحدث أو أكره على فعله انتقض الوضوء؛ إلا أن يكثر قياسًا على الحدث الدائم؛ لأن الوضوء من باب المأمورات. • مبطلات الطهارة أمور تعبدية غير معقولة المعنى، فإذا أكره عليها بطلت الطهارة، بخلاف مبطلات الصلاة فإنها معقولة المعنى، وترجع إلى الإخلال بهيئة الصلاة، والإقبال على الله، والإتيان بالمنافي مكرهًا لا يخل بالمقصود. [م-٨١١] اختلف الفقهاء في كلام المكره في الصلاة: فقيل: تبطل به الصلاة، ولو كان يسيرًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأظهر القولين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، وصححه ابن قدامة (١).

стр. 6746

قال ابن شاس: «تبطل الصلاة بكلام المكره» (١). وقال ابن الملقن في الأشباه: «إذا أكره على الكلام اليسير في الصلاة بطلت في الأظهر، وضابط اليسير: العرف على الأصح» (٢). وقيل: لا تبطل به الصلاة إن كان يسيرًا، فإن كان كثيرًا بطلت جزمًا، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ونصره ابن الجوزي (٣). قال ابن اللحام في القواعد: «ومنها: لو أكره على الكلام في الصلاة، فألحقه بعض أصحابنا بالناسي، فيكون فيه الروايات التي في الناسي، وقال القاضي: بل هو أولى بالعفو من الناسي؛ لأن الفعل لا ينسب إليه بدليل الإتلاف» (٤). • وسبب الخلاف: علمنا في الفصل السابق أن من تعمد الكلام في الصلاة لغير إصلاحها أن صلاته باطلة، وأن من تكلم ناسيًا فالراجح صحة صلاته. والاختلاف في المُكْرَه: أهو في حكم الناسي؛ لكون الفعل لا يرضاه، ولا ينسب إليه، بل لمن حمله على ذلك، أم أنه في حكم العامد باعتبار أن المُكْرَه وإن كان لم يرض

стр. 6747

الكلام لكنه اختاره عن عمد لدفع أذى المُكْرِه، فالاختيار: وهو ترجيح الكلام على الصبر على الأذى موجود في فعل المُكْرَه، وإن كان الرضا بالفعل غير موجود، وهو محبته والارتياح له، وانشراح الصدر به، فإذا وجد العمد عن اختياره فسدت صلاته، وإن لم يكن راضيًا به، وليس فعل المكره كحركة الارتعاش تحدث دون اختياره. • دليل من قال: لا تبطل صلاته: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. فقول المكره لغو حتى لو كانت كلمة الكفر، فلا ينعقد بيعه، ولا يقع طلاقه، ولا عتقه، وإذا كان كذلك فلا حكم لكلامه. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. [الأنعام: ١١٩]. فالضرورات تبيح المحظورات، ومن ثم أبيحت الميتة عند المخمصة، فإذا اضطر إلى الكلام لدفع الإكراه لم يعتبر الكلام مفسدًا. الدليل الثالث: فعل المكره ليس من كسب المكلف فهو لغو؛ لا حكم له. قال تعالى في الأيمان: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. فعلق المؤاخذة على ما يكسبه المكلف، فإذا جرى اليمين على اللسان من غير قصد فهو لغو؛ والمكره مثله أو أولى. الدليل الرابع: أن المكره أولى بالعفو من الناسي، فالمكره لا ينسب الفعل إليه، بل إلى من أكرهه، بخلاف الناسي. • دليل من قال: تبطل صلاته بالإكراه: الدليل الأول: كل الأدلة التي استدلوا بها على تحريم الكلام كحديث زيد بن أرقم في

стр. 6748

الصحيحين (١)، وحديث ابن مسعود فيهما (٢)، وحديث معاوية بن الحكم في مسلم (٣)، وقد سبق أن ذكرت ألفاظها استدلوا بها هنا، فإن عمومها يدل على تحريم الكلام في الصلاة من غير فرق بين مكرهٍ ومختار، وجاهلٍ وعالم، وذاكرٍ وناسٍ، والعام والمطلق جارٍ على عمومه حتى يرد ما يخصصه من النصوص، ولا مخصص. • ويجاب: لا نسلم أن هذه العمومات لم يرد عليها ما يخصصها، فقد دخل هذه العمومات التخصيص من ذلك كلام معاوية بن الحكم في الصلاة جاهلًا، ولم يؤمر بالإعادة، ومن ذلك كلام النبي ﷺ في قصة ذي اليدين ساهيًا، وبنى على صلاته، ومن ذلك كلام أبي بكر وعمر في حديث أبي هريرة لإصلاح الصلاة، وكذلك المكره جرى تخصيصه في كتاب الله، فإذا نفي الحرج عن قول كلمة الكفر، فالإكراه على الكلام في الصلاة من باب أولى، فهذه أربع حالات استُثنيتْ: الجاهل، والساهي، والكلام لإصلاح الصلاة، والإكراه. الدليل الثاني: قياس الإكراه على الكلام على الإكراه على الحدث، فإنه لو أكره على الحدث انتقض وضوءه ففسدت صلاته، وذلك أن كلًّا منهما شرط لصحة الصلاة، أما الطهارة فالدليل على شرطيتها الإجماع، وحديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور)، ونفي القبول دليل على الشرطية. وأما الكلام فالدليل على شرطيته حديث معاوية بن الحكم، فإنه نفى صلاح الصلاة مع الكلام، بقوله: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، فنفي الصلاح عن الصلاة قدر زائد على تحريم الكلام في الصلاة، وذلك لا يعني إلا اشتراط تركه في الصلاة، وفساد الصلاة معه.

стр. 6749

• ويناقش من وجوه: الوجه الأول: لا نسلم أن ترك الكلام شرط في صحة الصلاة، بل هو من محظورات الصلاة، ولا تكليف مع النسيان والإكراه. الوجه الثاني: لو سلمنا أن ترك الكلام شرط في الصلاة فإنه لا يصح القياس على الحدث، فالطهارة شرط في الصلاة، وهي من جنس المأمورات، بخلاف الكلام فهو من جنس المنهيات، فهو يشبه الطهارة من النجاسة، فلو أكره على الصلاة بثوب نجس أو صلى ناسيًا نجاسة ثوبه، صحت صلاته على الصحيح بخلاف ما لو صلى ناسيًا حدثه، فلا يصح قياس المنهيات على المأمورات، والله أعلم. الوجه الثالث: فرق آخر: أن مبطلات الطهارة أمور غير معقولة المعنى، تعبدنا الله بها، فالمني طاهر، والمذي نجس، والمخرج واحد، وسببهما الشهوة، وموجبهما مختلف، فالأول يوجب الغسل، والثاني يوجب الاستنجاء، بخلاف مبطلات الصلاة فإنها معقولة المعنى، وترجع إلى الإخلال بهيئة الصلاة، والإقبال على الله، والإتيان بالمنافي مكرهًا لا يخل بالمقصود. الدليل الثالث: أن الإكراه عذر نادر في الصلاة فلم يعتبر بخلاف النسيان فإنه يكثر، فيشق التحرز منه، قال ابن قدامة: «لا يصح قياسه -يعني: المكره- على الناسي لوجهين: أحدهما: أن النسيان يكثر، ولا يمكن التحرز منه بخلاف الإكراه. والثاني: أنه لو نسي فزاد في الصلاة، أو نسي في كل ركعة سجدة، لم تفسد صلاته، ولم يثبت مثل هذا في الإكراه» (١).

стр. 6750

• ويناقش: العذر لمن تكلم ناسيًا لا يرجع؛ لكثرة وقوعه، ولذلك لو نسي الوضوء فصلى لم تصح صلاته، مع أن النسيان في ترك الوضوء أكثر منه في الكلام ناسيًا في الصلاة، وإنما رفعت المؤاخذة في كلام الناسي؛ لأن الكلام من جنس المنهيات، فكذلك كلام المكره قد اجتمع فيه كونه من باب المنهيات وكونه مغلوبًا على أمره، فما صدر منه لا ينسب إليه، ولهذا لو أكرهت امرأة على الإرضاع انتشرت الحرمة، ولو أكره إنسان على الحدث انتقض الوضوء إلا أن يكثر؛ قياسًا على سلس البول. • الراجح: أن المكره على الكلام صلاته صحيحة، وكلامه لا حكم له، والله أعلم.

стр. 6751

الفرع السادس إعطاء النفخ حكم الكلام في الصلاة المدخل إلى المسألة: • النفخ، والتنحنح لا يعد كلامًا، لا في اللغة، ولا في الشرع. • الكلام: مطلق اللفظ لقوله ﷺ : (فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام)، وعليه فالإشارة وحديث النفس، وأصوات الحيوانات والمدافع، والنفخ ليس بكلام. • لو قرأ المصلي كلام الله، صحت صلاته بالإجماع ولو لم يسمعه غيره. • لو حلف الرجل لا يتكلم لم يحنث بالنفخ. • لو نظر المصلي إلى مكتوب، فقرأه في قلبه من غير تلفظ لم تبطل صلاته، ولو قرأ المصلي الفاتحة في قلبه دون أن ينطق بها لسانه لم تصح صلاته، فالكلام هو اللفظ: أي: الملفوظ. • يجوز البصق من المصلي في غير المسجد، وهو إجماع؛ لقوله: (وليبصق عن يساره) وإطلاقه يدخل فيه ما كان مشتملًا على (تف)، فيجوز النفخ في الصلاة قياسًا، ولو كان مشتملًا على (أف). • يكره النفخ في الصلاة من غير حاجة؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة. [م-٨١٢] قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على كراهية النفخ في الصلاة» (١)، ولعله يقصد بلا حاجة. واختلفوا في إفساد الصلاة بالنفخ: فقيل: يبطل الصلاة إن كان مسموعًا، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن (٢).

стр. 6752

جاء في المبسوط: «وما كان من النفخ غير مسموع فهو تنفس لا بد للحي منه، فلا يفسد الصلاة، وإن كان مسموعا أفسدها في قول أبي حنيفة ومحمد» (١). وقيل: إن أبان حرفين فأكثر أبطل، وهو الأصح في مذهب الشافعية والمذهب عند الحنابلة (٢). وقيل: يبطل الحرف الواحد إذا كان له معنى كالأمر من وقى (قِ)، والأمر من وعى (عِ)، وهو قول في مذهب الشافعية (٣). وقيل: النفخ مبطل مطلقًا، وهو نص الإمام مالك في المدونة، ورواية عن الإمام أحمد (٤).

стр. 6753

وقيل: لا تبطل به الصلاة مطلقًا، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن تيمية، وكرهه مالك في المجموعة (١). جاء في الاستذكار: «كان مالك يكره النفخ في الصلاة، فإن فعله فاعل لا يقطع صلاته، ذكره ابن وهب عن مالك» (٢). جاء في الإنصاف: «واختار الشيخ تقي الدين: أن النفخ ليس كالكلام، ولو بان حرفان فأكثر فلا تبطل الصلاة به، وهو رواية عن الإمام أحمد» (٣). وقال الترمذي: «وقال بعضهم: يكره النفخ في الصلاة، وإن نفخ في صلاته لم تفسد صلاته، وهو قول أحمد وإسحاق» (٤). فتلخص من الخلاف أربعة أقوال: قيل: النفخ مبطل مطلقًا. وقيل: عكسه، لا يبطل مطلقًا. وقيل: يبطل إن سُمِع. وقيل: يبطل إن أبان عن حرفين، وقيل: ولو حرفًا واحدًا له معنى.

стр. 6754

• دليل من قال: النفخ يبطل الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٤٣١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو حمزة، عن أبي صالح، أن أم سلمة، رأت نسيبًا لها ينفخ إذا أراد أن يسجد، فقالت: لا تنفخ، فإن رسول الله ﷺ قال لغلام لنا يقال له: رباح: ترب وجهك يا رباح (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثاني: (ث-٥٩٠) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس، أنه قال: النفخ في الصلاة كلام (٣). [صحيح] (٤).

стр. 6755

• ويناقش بأكثر من وجهين: الوجه الأول: الكلام المنهي عنه في الصلاة هو كلام الناس، قال الرسول ﷺ كما في حديث معاوية بن الحكم: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، والنفخ والتنحنح ليس من كلام الناس. الوجه الثاني: أن الكلام شرطه وجود حرف فأكثر، قال الأبهري من المالكية: إنه ليس له حروف هجاء (١). اه. وأما الصوت فليس بشرط، ولهذا لو قرأ المصلي كلام الله وحقق مخرج حروفه ولو لم يسمعه غيره، صحت صلاته بالإجماع، بل حتى ولو لم يسمع نفسه على الصحيح، ومجرد الصوت المصاحب للنفخ لا يجعله كلامًا كما في بعض أصوات الطيور والحيوانات والآلات، فإنه لا يصدق على أصواتها بأنها كلام، فالنفخ نفس له صوت كصوت الريح، فلا يدخل في الكلام. قال البيهقى: «والنفخ لا يكون كلامًا إلا إذا بان منه كلام له هجاء، وأما إذا لم يفهم منه كلام له هجاء فلا يكون كلامًا» (٢). الدليل الثالث: (ث-٥٩١) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: النفخ في الصلاة كلام (٣).

стр. 6756

[حسن] (١). الدليل الرابع: (ث-٥٩٢) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق أبي معاوية قال: حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: قال ابن مسعود: لأن أسجد على جمرة أحب إليَّ من أن أنفخ ثم أسجد (٢). [المحفوظ أنه من قول أبي الهذيل] (٣). • ويناقش: مع أنه لا حجة في قول ابن أبي الهذيل، فهو معارض من مثله، لكن الكلام هو في نفخ التراب حتى لا يترب وجهه، وليس موجهًا لذات النفخ؛ ولذلك قرن النفخ بذكر السجود، والله أعلم. • دليل من قال: النفخ لا يبطل الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٤٣٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن

стр. 6757

عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ ، فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم رفع فأطال - قال شعبة: وأحسبه قال: في السجود نحو ذلك - وجعل يبكي في سجوده وينفخ، ويقول: رب لم تعدني هذا وأنا أستغفرك، رب، لم تعدني هذا وأنا فيهم .... الحديث (١). ورواه أبو داود من طريق حماد، عن عطاء بن السائب به، وذكر فيه: … ثم نفخ في آخر سجوده، فقال: أُف أُف، ثم قال: ربِّ! ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟ .... وذكر الحديث (٢). [حسن، إلا أن ذكر النفخ في الحديث غير محفوظ، وكذلك قوله: (أف أف)] (٣).

стр. 6758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6759

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6760

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →