[حسن] (١).
الدليل الرابع:
(ث-٥٩٢) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق أبي معاوية قال: حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال:
قال ابن مسعود: لأن أسجد على جمرة أحب إليَّ من أن أنفخ ثم أسجد (٢).
[المحفوظ أنه من قول أبي الهذيل] (٣).
• ويناقش:
مع أنه لا حجة في قول ابن أبي الهذيل، فهو معارض من مثله، لكن الكلام هو في نفخ التراب حتى لا يترب وجهه، وليس موجهًا لذات النفخ؛ ولذلك قرن النفخ بذكر السجود، والله أعلم.
• دليل من قال: النفخ لا يبطل الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٢٤٣٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن
стр. 6757
عطاء بن السائب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ ، فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم رفع فأطال - قال شعبة: وأحسبه قال: في السجود نحو ذلك - وجعل يبكي في سجوده وينفخ، ويقول: رب لم تعدني هذا وأنا أستغفرك، رب، لم تعدني هذا وأنا فيهم .... الحديث (١).
ورواه أبو داود من طريق حماد، عن عطاء بن السائب به، وذكر فيه: … ثم نفخ في آخر سجوده، فقال: أُف أُف، ثم قال: ربِّ! ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟ .... وذكر الحديث (٢).
[حسن، إلا أن ذكر النفخ في الحديث غير محفوظ، وكذلك قوله: (أف أف)] (٣).
وجه الاستدلال:
قال الخطابي: «في الحديث دليل على أن النفخ لا يقطع الصلاة إذا لم يكن له هجاء فيكون كلمة تامة، وقوله: أف، لا تكون كلامًا حتى تشدد الفاء فيكون على ثلاثة أحرف من التأفيف، كقولك: أف لكذا، فأما والفاء خفيفة فليس بكلام، والنافخ لا يخرج الفاء في نفخه مشددة، ولا يكاد يخرجها فاء صادقة من مخرجها بين الشفة السفلى ومقاديم الأسنان العليا، ولكنه يفشيها من غير إطباق السن على الشفة، وما كان كذلك لم يكن كلامًا» (١).
الدليل الثاني:
(ح-٢٤٣٣) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام،
سمع أبا هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فيدفنها (٢).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على جواز البصاق في الصلاة، وليس في النَّفخ من النُّطق الألف والفاء أكثر مما في البُصاق من النُّطق بالتاء والفاء اللتين يفهمان من رمي البصاق، ولما اتفقوا على جواز البصاق في الصلاة مطلقًا، سواء أكان معه حرف أم لا، دلَّ ذلك على جواز النفخ فيها، إذ لا فرق في أن كل واحد منهما بحروف، ولهذا ذكر البخاري حديث البُصاق في هذا الباب ليستدلَّ به على جَواز النَّفخ في الصلاة، قال ابن الملقن: وهو استدلال حسن (٣).
стр. 6764
الدليل الثالث:
(ث-٥٩٣) ما رواه البيهقي من طريق يحيى بن معين، حدثنا سلمة الأبرش، قال: حدثني أيمن بن نايل قال:
قلت لقدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي صاحب رسول الله ﷺ : إنا نتأذى بريش الحمام في مسجد الحرام إذا سجدنا، فقال: انفخوا (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
بطلان الصلاة بالنفخ يحتاج إلى دليل شرعي صحيح، والأصل صحة الصلاة، وقياس النفخ على الكلام قياس غير صحيح، فالنفخ لا يعد كلامًا، لا في اللغة، ولا في الشرع، والله أعلم.
قال ابن المنذر في الأوسط: «معلوم في اللغة أن النفخ لا يسمى كلامًا، ولا يجوز إبطال صلاة من نفخ في سجوده بغير حجة، ولا حجة مع من أبطل صلاة من نفخ في سجوده، والأخبار التي رويت عن الأوائل في كراهية النفخ إنما هو استحباب منهم للسجود على التراب، كالذي روي في حديث أم سلمة أنه قال للذي
стр. 6765
نفخ: (ترب وجهك)، ولا يثبت عن ابن عباس، وأبي هريرة أن النفخ بمنزلة الكلام، وليس لتفرق من فرق بين نفخ يسمع، وبين نفخ لا يسمع معنىً، وذلك أن النفخ إن كان كلامًا فعليه الإعادة، وإن لم يكن كلامًا فلا إعادة على من نفخ في صلاته» (١).
دليل من قال: النفخ يبطل الصلاة إن كان مسموعًا:
قالوا: إن النفخ إذا كان غير مسموع فهو تنفس، لا بد للحي منه، فلا يفسد الصلاة، وإن كان مسموعًا فهو كلام يفسد الصلاة.
• ويناقش:
دعوى أن النفخ إذا سمع أصبح كلامًا هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل عليها فالأصوات من الحيوانات والآلات مسموعة، ولا يقال عن أصواتها كلام، وليس من شرط الكلام أن يكون مسموعًا فالكلام في الصلاة نوعان: مشروع، كالقراءة والتسبيح والدعاء، فإذا تلفظ به الإنسان في الصلاة صحت صلاته، ولو لم يكن مسموعًا، والنوع الثاني: كلام الناس فهذا الذي نهينا عنه في الصلاة سواء أكان مسموعًا أو غير مسموع، فليس السماع شرطًا لاعتباره كلامًا، فما كان من حديث النفس لا يعد كلامًا، ولا أثر له في إفساد الصلاة، فإذا تلفظ به اللسان، ولو لم يسمع فقد تكلم.
• دليل من قال: النفخ كلام إن أبان عن حرفين فأكثر:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣].
وجه الاستدلال:
أن الله سمى الأف قولًا، فدل على أنه كلام.
الدليل الثاني:
النفخ مجرد صوت، فإذا انتظم منه حرفان أصبح كلامًا، فإن الكلام في اللغة ما تركب من حرفين، وإن كان مهملًا لا فائدة فيه، واشتراط الإفادة اصطلاح للنحويين.
стр. 6766
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
الكلام قد يتكون من حرف واحد، كالأمر من وعى (عِ)، والأمر من وقى (قِ).
• ورد:
بأن الأمر (عِ) مكون من حرفين، والكسرة في الحرف (عِ) دليل على الياء المحذوفة، فهو فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، فالحذف علامة بناء، وما حذف لصناعة نحوية فهو موجود حكمًا، كما أن الأمر (عِ) لم يُفْهِم إلا لكونه جملة مكونة من فعل، وفاعل، ولا يتصور وجود فعل من غير فاعل، إلا أنه مستتر وجوبًا تقديره (أنت).
الوجه الثاني:
لا يلزم من كون الكلام يتكون من حرفين أن يكون كل حرفين كلامًا، وإذا لم يكن كلامًا فالإبطال به لا يكون بالنص، بل بالقياس، فليراع شرطه في مساواة الفرع للأصل، وهذا غير موجود (١)، بل إن القياس يدل على جواز النفخ فالشارع أذن بالبصق في الصلاة مطلقًا، ولم يقيد الإباحة بأن يكون خاليًا من الحرف، والغالب على من بصق أن يخرج منه حرفان (تف)، ومع ذلك لم تبطل به الصلاة، فلم يعتبر كلامًا، ولم يجر فيه القياس على الكلام، فكذلك النفخ، ولذلك ترجم البخاري لحديث البصق في الصلاة، فقال: باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة، فسوى بين البصاق والنفخ بجامع أنه ربما ظهر من كل منهما حرفان، واستدل بجواز أحدهما على جواز الآخر، والله أعلم.
• الراجح:
أن النفخ لا يبطل الصلاة، إلا أن فعله من غير حاجة خلاف الأولى؛ لأنه ليس من جنس أعمال الصلاة، والله أعلم.
стр. 6767
الفرع السابع إعطاء النحنحة حكم الكلام في الصلاة
المطلب الأول في التنحنح مضطرًّا غلبة أو مرضًا
المدخل إلى المسألة:
• لا كراهة مع الحاجة، ولا محرم مع الضرورة.
• التنحنح لا ينافي الصلاة بخلاف الضحك والأكل والشرب.
• التنحنح ليس بكلام، لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف.
• النهي عن الكلام في الصلاة معلل بأن في الصلاة لشغلًا عن مخاطبة الناس والرد عليهم، فلا يدخل فيه النحنحة، كالسعال.
• التنحنح القليل عفو مطلقًا، وكذا الكثير إن كان مضطرًّا إليه أو دعت له حاجة.
• التنحنح من غير حاجة خلاف الأولى؛ لأنه ليس من جنس أعمال الصلاة، ولا أبلغ به الكراهة؛ لكونه لا يحفظ في النصوص نهي عنه، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
[م-٨١٣] إذا وقع التنحنح اضطرارًا، كما لو كان مدفوعًا إليه بحيث لا يستطيع الامتناع عنه فهذا لا يفسد الصلاة، قال الكاساني: «بلا خلاف» (١).
وقال ابن بشير المالكي: «إن كان لضرورة فلا خلاف في صحة الصلاة» (٢).
ولأنه لا يمكن الاحتراز منه، وظاهره أنه من غير فرق بين قليله وكثيره.
وقيل: يعذر في القليل للغلبة، فإن كثر عرفًا أبطل؛ لأنه يقطع نظم الصلاة
стр. 6768
وهيئتها، والمدار في القلة والكثرة على الحروف الظاهرة، لا على قلة أو كثرة التنحنح، وهو المعتمد في مذهب الشافعية.
جاء في تحرير الفتاوى: «قول المنهاج والحاوي: إنه يعذر في التنحنح للغلبة، محله: إذا كان قليلًا، فإن كثر أبطل، كما صرح به الرافعي في الضحك، والباقي في معناه» (١).
وصرح في تحفة المحتاج بأنه هو المعتمد. قال الشرواني: «خلافًا لما صوبه الإسنوي من عدم البطلان في التنحنح والسعال والعطاس للغلبة وإن كثرت؛ إذ لا يمكن الاحتراز عنها» (٢).
قال الخطيب في مغني المحتاج: «وينبغي أن يكون محل الأول: ما إذا لم يصر السعال أو نحوه مرضًا ملازمًا له، أما إذا صار السعال ونحوه كذلك فإنه لا يضر، كمن به سلس بول ونحوه، بل أولى» (٣).
ومن العذر عند المالكية، والشافعية أن يتنحنح من أجل أن يتمكن من القراءة والأذكار الواجبة.
قال ابن شاس المالكي: «والتنحنح لضرورة غير مبطل … فإن تعذرت القراءة إلا به لم يضر» (٤).
قوله: (فإن تعذرت القراءة إلا به لم يضر) ف (أل) في (القراءة) للعموم، يشمل حتى المستحبة؛ لأن الحاجة تبيح النحنحة عند المالكية خلافًا للشافعية، حيث جعلوا ذلك خاصًّا في الواجب فقط.
قال النووي: «ولو تعذرت قراءة الفاتحة إلا بالتنحنح، فيتنحنح، ولا يضره؛
стр. 6769
لأنه معذور … » (١).
واختار الإسنوي أن التنحنح عذر إذا لم يتمكن من الجهر بأذكار الانتقالات إلا به، وتوقف على سماعه اقتداء المأموم وإن كانت أذكار الانتقالات سنة (٢).
ورده جمع من الشافعية، فقالوا: ليس ذلك بعذر؛ لأنه لا يلزمه تصحيح صلاة غيره، نعم إن توقفت صحة صلاة الإمام عليه، كجهر مبلغ توقف عليه سماع الأربعين في الركعة الأولى من الجمعة، فذلك عذر في التنحنح (٣).
ووهم القاضي عياض، فحكى الخلاف في إفساد الصلاة إذا كان مضطرًّا إليه.
قال في إكمال المعلم: «يجب أن يكون التنخم والتنحنح لمن اضطر إليهما، وهو أحد قولي مالك أن ذلك كله لا يفسد» (٤).
قال ابن ناجي في شرح الرسالة: «ونقل عياض الخلاف في تنحنح المضطر، واستغربه بعض شيوخنا» (٥).
وقال ابن عرفة كما في مواهب الجليل: «ونقلهما عياض في الإكمال في المضطر، وهو وهم» (٦).
• والراجح من الخلاف:
أن الكثير كالقليل إذا كان مضطرًّا، وأن التنحنح ليتمكن من الجهر بأذكار الانتقال لإسماع المأموم مستحب أيضًا، وقد رجحت جواز الكلام لإصلاح الصلاة إذا لم يفهم الإمام خطأه بالتسبيح، وهو أبلغ من التنحنح، فارجع إليه.
стр. 6770
المطلب الثاني [¬*] في تنحنح المصلي لحاجة
المدخل إلى المسألة:
• التنحنح ليس بكلام، لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف.
• لا كراهة مع الحاجة، ولا محرم مع الضرورة.
• التنحنح من غير حاجة خلاف الأولى؛ لأنه ليس من جنس أعمال الصلاة، ولا أبلغ به الكراهة؛ لكونه لا يحفظ في النصوص نهي عنه.
• التنحنح القليل عفو مطلقًا، وكذا الكثير إن كان مضطرًّا إليه أو دعت له حاجة.
• النهي عن الكلام في الصلاة معلل بأن في الصلاة لشغلًا عن مخاطبة الناس والرد عليهم، فلا يدخل فيه النحنحة، كالسعال.
[م-٨١٤] إذا تنحنح المصلي لحاجة، كما لو كان لغرض صحيح، سواء أكان لحاجة متعلقة بالصلاة، كما لو أراد تحسين صوته أو للتمكن من الجهر، أو لتنبيه إمامه على خطئه، أم كان ذلك لحاجة متعلقة بغير الصلاة، كما لو أراد إعلام غيره أنه في صلاة، فهذا قد اختلف الفقهاء في حكمه:
فقيل: لا يفسد الصلاة، وهو الأصح في مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، وعليه جمهورهم (١).
стр. 6771
قال الزيلعي: «لو تنحنح لإصلاح صوته وتحسينه لا تفسد على الصحيح، وكذا لو أخطأ الإمام فتنحنح المقتدي؛ ليهتدي الإمام لا تفسد صلاته، وذكر في الغاية أن التنحنح للإعلام أنه في الصلاة لا يفسد» (١).
قال ابن عابدين: «والقياس الفساد في الكل إلا في المدفوع إليه … وكأنهم عدلوا بذلك عن القياس، وصححوا عدم الفساد إذا كان لغرض صحيح؛ لوجود نص» (٢).
قال الدسوقي في حاشيته: «التنحنح لحاجة لا يبطل الصلاة ولا سجود فيه من غير خلاف» (٣).
وقال الرافعي: «وإن أمكنه القراءة، لكن تعذر عليه الجهر لو لم يتنحنح، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يعذر به إقامة لشعار الجهر، ولأن التنحنح في أثناء القراءة لا يعد منقطعًا عن القراءة، بل يعد من توابعها … » (٤).
وقيل: التنحنح للحاجة يفسد الصلاة إذا بان منه حرفان، وهو قول في مذهب الحنفية، وأظهر الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٥).
قال النووي: «وأن أمكنته القراءة، وتعذر الجهر إلا بالتنحنح فليس بعذر على أصح الوجهين؛ لأنه -يعني: الجهر- ليس بواجب» (٦).
قال ابن نجيم: «وإن كان -أي: التنحنح- بغير عذر، لكن لغرض صحيح، كتحسين صوته للقراءة، أو للإعلام أنه في الصلاة، أو ليهتدي إمامه عند خطئه، ففيه اختلاف: فظاهر الكتاب، والظهيرية: اختيار الفساد. لكن الصحيح عدمه؛ لأن
стр. 6772
ما للقراءة ملحق بها كما في فتح القدير» (١).
واضح أن التنحنح ليس بمنزلة الكلام، فالكلام ولو لإصلاح الصلاة الجمهور على منعه خلافًا للمالكية.
والتنحنح لحاجة، ولو كانت تلك الحاجة لا تتعلق بالصلاة، فالجمهور يجيزونه خلافًا للشافعية.
وانظر أدلة هذه المسألة مع أدلة القسم الثالث من التنحنح، وهو ما إذا فعله المصلي بلا حاجة؛ طلبًا للاختصار، ودفعًا للتكرار.
стр. 6773
المطلب الثالث [¬*] في تنحنح المصلي بلا حاجة
المدخل إلى المسألة:
• إذا انعقدت الصلاة بمقتضى الدليل الشرعي، لم تفسد إلا بدليل شرعي صحيح خالٍ من النزاع.
• لا يوجد دليل على فساد الصلاة بالتنحنح، والأصل صحة الصلاة.
• البصاق في الصلاة لا يبطلها، ولو اشتمل على حرف؛ لقوله ﷺ : (وليبصق عن يساره)، فكذلك النحنحة.
• التنحنح ليس بكلام، لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف، وهو أخف من الحركة الأجنبية في الصلاة.
• الحركة الأجنبية في الصلاة، وكذلك الالتفات لا يبطل الصلاة إذا كان يسيرًا، فالنحنحة من باب أولى.
• إذا كان السعال لا يقطع توالي القراءة، فكذلك النحنحة.
• التنحنح من غير حاجة خلاف الأولى؛ لأنه ليس من جنس أعمال الصلاة، ولا أبلغ به الكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، ولا دليل.
• التنحنح القليل عفو مطلقًا، وكذا الكثير إن كان مضطرًّا إليه أو دعت له حاجة.
[م-٨١٥] اختلف الفقهاء في تنحنح المصلي بلا حاجة،
فقيل: تفسد به الصلاة، وظاهره مطلقًا، ولو لم يكن معه حرف، وهو رواية عن الإمام مالك، قاله في المختصر (١).
جاء في البيان والتحصيل: «ولمالك في المختصر: أنه إذا تنحنح ليسمع رجلًا، أو نفخ في موضع سجوده، فذلك كالكلام تفسد به الصلاة» (١).
وقيل: لا تبطل به الصلاة مطلقًا، وإن ظهر منه حرفان، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، وحكي هذا عن نص الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن تيمية، وأحد قولي الإمام مالك، أخذ به ابن القاسم، واختاره الأبهري واللخمي، ورجحه خليل، لكن قيده بما قَلَّ وإلا أبطل (٢).
قال القرطبي: «روى ابن الحكم عن مالك: التنحنح، والأنين، والنفخ لا يقطع الصلاة … » (٣).
وقال الدردير في الشرح الصغير: «ولا تبطل بتنحنح، ولو لغير حاجة» (٤).
وقال في ضوء الشموع شرح المجموع: «وتنحنح وإنْ عبثًا: أي لغير حاجة إلا
стр. 6776
أن يتلاعب، أو يكثر» (١).
وقال خليل: «والمختار عدم الإبطال به لغيرها».
أي لغير حاجة، واختلف المالكية في نفي الحاجة، فقيل: لغير حاجة أصلًا، فلا تبطل ولو فعله عبثًا إذا قَلَّ، ونقله الحطاب عن اللخمي.
وقيل: المقصود لغير حاجة متعلقة بالصلاة، فلا ينفي فعله لحاجة لا تتعلق بها، كإعلام غيره أنه في صلاة، فإن فعله عبثًا بطلت، ورجحه سالم وأحمد الزرقاني، والأول ظاهر الإطلاق (٢).
وقيل: إن ظهر منه حرفان فسدت نحو قوله: (أح أح)، وهو مذهب الحنفية والأصح في مذهب الشافعية، والحنابلة (٣).
قال ابن نجيم: «وإن كان -يعني: التنحنح- من غير عذر، ولا غرض صحيح فهو مفسد عندهما خلافًا لأبي يوسف في الحرفين» (٤).
وقال النووي في المنهاج: «والأصح أن التنحنح والضحك والبكاء .... إن ظهر به حرفان بطلت، وإلا فلا» (٥).
стр. 6777
وقيل: إن كان فمه مطبقًا لم تبطل، وإن فتحه، وبان حرفان بطلت، وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (١).
• فتلخص الخلاف:
الجمهور على إبطال الصلاة إذا تنحنح من غير حاجة وبان معه حرفان.
وقيل: لا يبطل الصلاة مطلقًا، وهو أحد قولي الإمام مالك.
وقيل: عكسه، وهو رواية عن الإمام مالك.
وقيل: إن كان فمه مطبقًا لم تبطل به الصلاة، اختاره القفال من الشافعية.
وبعد استعراض الأقوال في المسألتين، سواء تنحنح لحاجة، أو تنحنح بدونها، نأتي إلى ذكر الأدلة، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
• دليل من قال: التنحنح لا يفسد الصلاة مطلقًا ولو من غير حاجة:
الدليل الأول:
إذا أحرم المصلي بالصلاة فقد انعقدت صلاته بإذن من الشرع، وما انعقد شرعًا لا ينقض إلا بدليل شرعي صحيح خالٍ من النزاع، ولا يوجد في الأدلة ما يدل على فساد الصلاة بالتنحنح، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، والأصل عدم الإبطال.
الدليل الثاني:
(ح-٢٤٣٤) روى مسلم من طريق هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني،
عن زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام (٢).
قوله: (ونهينا عن الكلام) قال ابن دقيق العيد: «يقتضي أن كل ما يُسمَّى كلامًا
стр. 6778
فهو منهي عنه، وما لا يُسمَّى كلامًا فدلالة الحديث قاصرة في النهي عنه» (١).
والتنحنح لا يسمى كلامًا، لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف.
و (أل) في الكلام في قوله: (ونهينا عن الكلام) للعهد، أي: الكلام المعهود، ولا يقال عن النحنحة كلام.
وهو ما جاء صريحًا في حديث معاوية بن الحكم عند مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس … الحديث، والحديث فيه قصة (٢).
فالمنهي عنه هو ما كان من كلام الناس، وليس التنحنح من كلام الناس، كما أن السعال والنفخ ليس من كلام الناس.
الدليل الثالث:
(ح-٢٤٣٥) وروى البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (٣).
وجه الاستدلال:
النهي عن الكلام معلل في الشريعة، بقوله: (إن في الصلاة شغلًا)، فالاشتغال بالكلام مع الناس يشغل العبد عن صلاته، وعن مناجاة ربه، وليس في التنحنح، والسعال، والنفخ، ما يشغل العبد عن صلاته، ولذلك لو سعل أثناء القراءة لم تنقطع قراءته، فكذلك إذا تنحنح، أو تحرك حركة يسيرة لم يكن في ذلك ما يفسد الصلاة.
• دليل من قال: الحاجة تبيح التنحنح:
هذا القول مركب من قولين: أن التنحنح يفسد الصلاة، وأن الحاجة تبيحه.
أما كون التنحنح يفسد الصلاة، فاستدلوا له بدليلين:
стр. 6779
الدليل الأول:
أن التنحنح من غير حاجة عبث، والعبث بالصلاة يفسدها، بخلاف ما لو فعله لحاجة، فإن مثله لا يفسد الصلاة.
• ويناقش:
بأن الصلاة لا يبطلها مطلق العبث حتى يكثر، فيخرج به الرجل عن هيئة المصلي، وإذا كانت الحركة من غير حاجة، وهي أظهر في العبث والانصراف عن الصلاة لا تُبْطِل بمجردها حتى تكثر، وتتوالى، فما بالك بالنحنحة.
الدليل الثاني:
القياس على القهقهة، فكما أن القهقهة تبطل الصلاة فكذلك النحنحة.
• ونوقش:
بأن القهقهة منافية للصلاة بخلاف النحنحة، فإنها لا تنافي الصلاة، بل فيها ما في الإشارة، حيث يفهم المراد منها بقرينة، لا بنفسها.
وأما دليلهم على أن الحاجة تبيح التنحنح:
(ح-٢٤٣٦) فاستدلوا بما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن المغيرة، عن الحارث، عن عبد الله بن نجي،
عن علي، قال: كان لي من النبي ﷺ مدخلان: مدخل بالليل، ومدخل بالنهار، فكنت إذا أتيته، وهو يصلي يتنحنح لي (١).
[ضعيف] (٢).
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الحديث ضعيف، وقد ورد في بعض ألفاظه أنه كان يسبح بدلًا من يتنحنح.
الوجه الثاني:
لو كانت النحنحة مفسدة للصلاة، لما كانت الحاجة تبيحه، خاصة أن بإمكان المصلي أن يسبح بدلًا من التنحنح، والتسبيح من جنس أعمال الصلاة وجاء الإذن فيه من الشرع، ولم يأت الإذن بالنحنحة من وجه يصح.
(ح-٢٤٣٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف؛ ليصلح بينهم .... وفيه: من رابه -وفي رواية: من نابه- شيء في صلاته، فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء (١).
• دليل من قال: إن بان حرفان بطلت الصلاة:
اعتمدوا في ذلك على أن التنحنح إذا انتظم منه حرفان أصبح كلامًا، فالكلام في
стр. 6787
اللغة ما تركب من حرفين، وإن لم يك مفيدًا، واشتراط الإفادة اصطلاح للنحويين.
• ويناقش:
إذا كان التنحنح كلامًا، أو أنه مقيس على الكلام، فلماذا لا يعطى حكم الكلام؟ فإن مقتضى القياس أن يلحق الفرع بالأصل.
فالكلام عند الحنفية والحنابلة مبطل للصلاة مطلقًا، ولو دعت له حاجة، بخلاف التنحنح فإنه يباح فعله لحاجة، حتى ولو كانت الحاجة لا تتعلق بالصلاة، وهذا يبطل دعوى أن التنحنح كلام، أو أنه مقيس عليه.
وانظر: الجواب عن قولهم: (التنحنح إذا بان منه حرفان أصبح كلامًا)، فقد سبق مناقشة هذا القول في مسألة حكم النفخ في الصلاة، فأغنى ذلك عن تكراره.
• دليل من قال: إن أطبق فمه لم يضره التنحنح، وإن فتحه فبان حرفان أفسد:
أن المتنحنح إن كان مطبقًا شفتيه كان كجرجرة في الحلق، أو قرقرة في التجاويف، فلا يضره.
ورده إمام الحرمين: بأن هذه الأصوات لا تختلف في السمع بالتطبيق والفتح (١).
• الراجح من الخلاف:
أن التنحنح والنفخ لا يفسد الصلاة، ولا يدخلان في النهي عن الكلام، فإن فعلهما لحاجة فلا حرج، وإن فعلهما لغير حاجة كان ذلك خلاف الأولى؛ لأنهما لا يدخلان في أعمال الصلاة، والله أعلم.
стр. 6788
فرع في إبطال الصلاة بخطاب غيره بشيء من الذكر
المدخل إلى المسألة:
• رفع أبو بكر يديه بالحمد حين أشار إليه النبي ﷺ بالبقاء على إمامته، وكان ذلك لسبب لا يتعلق بأذكار الصلاة، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
• قوله ﷺ : (من نابه شيء في صلاته فليسبح) فقوله: (شيء) نكرة في سياق الشرط؛ فتعم، فهو دليل على جواز التسبيح لتنبيه الغير، سواء أكان بقصد الإعلام أنه في صلاة، أم كان بقصد الجواب، أم كان لأمر لا يتعلق بهما، كما لو عطس أو استرجع لسماع مصيبة ونحو ذلك.
• غير التسبيح من التهليل والتحميد والتكبير والحوقلة يقاس على التسبيح.
• إذا صح تنبيه الغير بالتسبيح صح تنبيه غيره بالقرآن بجامع الذكر.
• إذا خاطب المصلي غيره بلفظ القرآن وقصد الجواب فقط، ولم يقصد التلاوة، أتبطل صلاته قياسًا على الجنب إذا دعا أو أثنى بلفظ القرآن ولم يقصد التلاوة لم يحرم عليه، أم تصح صلاته؛ لأن عدوله إلى لفظ القرآن عن الجواب بغيره دليل على أن فعله لم يتجرد للجواب فقط فلم تبطل صلاته؟ فيه احتمال، والثاني أقوى.
[م-٨١٦] اختلف الفقهاء في المصلي يسمع ما يسره في صلاته، فيقول: الحمد لله، أو يسمع مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو يسمع ما يتعجب منه، فيقول: (سبحان الله)، أو يقال بين يديه: أإله مع الله فيقول: لا إله إلا الله، أو يريد أحد أن يمر بين يديه، فيقول: سبحان الله، أو يسأل عن شيء فيقرأ عليه شيئًا من القرآن، كما لو طرق الباب، فقال: ادخلوها بسلام آمنين، أو يسأل عن شيء فيقرأ
стр. 6789
ما لهم بذلك من علم ونحو ذلك، فهل تبطل صلاته؟ في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
قال الحنفية: إن أراد من ذلك إعلامه أنه في صلاة لم تبطل صلاته قولًا واحدًا، وإن أراد جوابه، فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: قطع ذلك صلاته خلافًا لأبي يوسف (١).
وظاهر قول أبي حنيفة ومحمد أنه لو قصد التلاوة والجواب بطلت صلاته؛ لأنهم لم يصححوا صلاته إلا أن يقصد إعلامه أنه في صلاة.
جاء في بدائع الصنائع: «وإن أخبر بخبر يسره فقال: الحمد لله أو أخبر بما يتعجب منه فقال: سبحان الله فإن لم يرد جواب المخبر لم تقطع صلاته، وإن أراد به جوابه قطع عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يقطع وإن أراد به الجواب» (٢).
وسبب الخلاف بينهما:
أن ما كان ثناء أو قرآنًا عند أبي يوسف لا يتغير بالنية، وعندهما يتغير (٣).
القول الثاني:
قال المالكية: إذا تكلم المصلي بذكر مشروع في الصلاة من قرآن وغيره، وقصد به إعلام غيره، فإن كان بالتسبيح والتهليل والحوقلة فلا يضر صلاته في أي محل من الصلاة؛ لأن الصلاة كلها محل للذكر.
قال ابن القاسم: «من استأذن رجلًا في بيته، وهو يصلي، فسبح به يريد بذلك أن يعلمه أنه في صلاة فلا بأس به» (٤).
وإن كان قرآنًا، كما لو قرأ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]؛ لقصد الإذن
стр. 6790
بالدخول، أو قرأ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، أو بشر بشارة فقال: (الحمد لله الذي هدانا لهذا) فإن كانت القراءة في غير محلها، كما لو كان في الفاتحة أو في آية الكرسي فانتقل إلى قوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] بطلت صلاته.
وجه القول بالبطلان: لأنه صار بانتقاله من الآيات التي هو فيها إلى غيرها كأنه تجرد للجواب فبطلت صلاته، كما لو فتح على من ليس معه في الصلاة على أصح القولين.
وإن كانت القراءة في محلها بحيث لا يكون متلبسًا بقراءة سورة فيقطعها، كما لو شرع بعد الفراغ من الفاتحة، بقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾، أو انتهى في قراءته إلى تلك الآية فجهر بها، كما لو صادف أنه كان يقرأ في سورة الحجر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]، فاستأذن عليه شخص فرفع صوته بالآية التي بعدها: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، لم يقطع ذلك صلاته؛ لأنه جمع بين التلاوة وقصد التفهيم.
هذا هو المعتمد عند المالكية، وهو محكي عن ابن القاسم، وجرى عليه ابن الحاجب وخليل (١).
يقول ابن الحاجب في جامع الأمهات: «فإن كان ذكرًا في محله كاتفاق (ادخلوها بسلام آمنين) وقصد به التفهيم فمغتفر، فإن تجرد للتفهيم فقولان: كمن فتح على من ليس معه في صلاته» (٢).
فكان الجمع بين الذكر وقصد التفهيم في القرآن يشترط له أن تكون التلاوة في
стр. 6791
محلها؛ حتى لا يتجرد للجواب.
وحكى اللخمي والمازري عن ابن حبيب إجازة الإفهام ابتداء بكل ما يجوز للرجل أن يتكلم به في الصلاة من الذكر والقراءة.
قال ابن حبيب: «وما جاز للرجل أن يتكلم فيه في صلاته من الذكر والقراءة، فيجوز أن يراجع بذلك رجلًا أو يوقفه» (١).
وقد خرج القول بالصحة على أحد القولين في من فتح على غير إمامه، ففي بطلان صلاته قولان:
البطلان، وهو الأصح في المذهب، قال ابن القاسم: فإن فعل أعاد صلاته أبدًا، وهو كالكلام، وبه قال سحنون.
وقال أشهب وابن حبيب: «أساء ولا يعيد» (٢).
القول الثالث: مذهب الشافعية.
ذهب الشافعية إلى أن التفهيم إما أن يكون بالأذكار أو بالقرآن، فالأول لا يضر مطلقًا سواء أكانت من المسنون أم من غيره، إلا أن يقصد بها الخطاب فقط.
وأما التفهيم بالتلاوة، فإن أتى بكلمات من القرآن من مواضع مفرقة ليس في القرآن على النظم التي أتى به، كقوله: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾، ﴿بِسَلَامٍ﴾، ﴿كن﴾ بطلت صلاته، ولم يكن لها حكم القرآن بحال.
وإن كانت على نظم القرآن فهو على أربع مسائل:
إحداها: أن يقصد بها القراءة، فلا تبطل بلا خلاف؛ لأنه قصد التلاوة في محلها، فكان له ما نوى.
والثاني: أن يقصد بها التلاوة والإعلام، فالأصح أن صلاته صحيحة، سواء
стр. 6792
أكان قد انتهى في قراءته إلى تلك الآية، أو أنشأ قراءتها من جديد.
• وجه القول بالصحة:
لأنه إذا قصد التلاوة مع التفهيم لم يخرج عن القرآنية بضم غيره إليه، فهو كما لو قصد القرآن وحده.
وحكى الشافعية وجهًا شاذًّا في المذهب أنه إن قصد مع القراءة غيرها بطلت صلاته، قال النووي: وليس بشيء.
الثالث: أن يقصد بالقرآن الجواب فقط، بطلت صلاته بلا خلاف؛ فكما أن الذكر والدعاء لا يبطل الصلاة فإن قصد به المخاطبة بطلت، كما لو قال لعاطس: يرحمك الله، فكذلك إذا قصد بالقرآن مخاطبته فقط.
الرابع: إذا لم يقصد شيئًا، لا تلاوة، ولا إعلامًا، ففي صلاته قولان:
الأول: البطلان؛ لأن القراءة بلا قصد التلاوة فيها شبه بكلام الآدميين، ولأن ألفاظ القرآن للجنب لا يكون قرآنًا إلا بالقصد، فإذا أطلق لم يحرم.
وتعقب بعضهم: أن الفرق بين الجنب والمصلي أن كونه في صلاة قرينة تصرف ذلك إلى نية التلاوة، ولأن التلاوة لا تحتاج إلى نية خاصة.
الثاني: إن كان قد انتهى في قراءتها إليه لم تبطل، وإلا بطلت، وبه قال النووي (١).
القول الرابع: مذهب الحنابلة.
قسم الحنابلة التنبيه إما أن يكون بالذكر وإما أن يكون بالقرآن:
فالتنبيه بالذكر ينقسم حكمه إلى قسمين:
الأول: التسبيح لتنبيه الإمام إلى خطئه، أو لإخبار من يستأذن عليه أنه في صلاة، أو لتحذير إنسان من الوقوع في حفرة، فيسبح ليوقظه، فهذا لا شيء فيه؛
стр. 6793
لأنه ذكر مشروع في الصلاة ولا يؤثر في صحتها، قال في الإنصاف: بلا نزاع (١).
الثاني: قسم مكروه مع صحة الصلاة، وهو أن يتلفظ بذكر لسبب لا يتعلق بالصلاة، ولا بخطاب آدمي، وهو ما أشار إليه صاحب الإقناع بقوله:: «ولو عطس فقال: الحمد لله، أو لسعه شيء، فقال: باسم الله، أو سمع، أو رأى ما يغمه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو رأى ما يعجبه، فقال: سبحان الله، أو قيل: ولد لك غلام، فقال: الحمد لله، أو احترق دكانه ونحوه فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله كره، وصحت» (٢).
قال في المغني: «فهذا لا يستحب في الصلاة، ولا يبطلها، نص عليه أحمد في رواية الجماعة في من عطس فحمد الله لا تبطل صلاته» (٣).
وجه القول بالكراهة: خروجًا من خلاف من أبطل الصلاة بذلك.
وعن الإمام أحمد رواية: أنها تبطل، قال القاضي: هذا محمول على من قصد خطاب آدمي (٤).
والجواب بالقرآن: كأن يقرأ القرآن بغرض التنبيه، كأن يستأذن عليه أحد فيقول: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، ففيه روايتان.
الأولى: الصحة مع الكراهة، وهذا هو المذهب، وظاهره ولو قصد الجواب فقط.
قال في الإقناع: «وكذا -يعني: يكره مع الصحة- لو خاطب بشيء من القرآن كأن يستأذن عليه فيقول: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ أو يقول لمن اسمه يحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾» [مريم: ١٢] (٥).
قال البهوتي: «لأنه قرآن فلم تفسد به الصلاة، كما لو لم يقصد التنبيه» (٦).
стр. 6794
وظاهر تعليل البهوتي الصحة مطلقًا، ولو لم يقصد إلا التنبيه، والمقصود بالتنبيه الجواب، وليس مجرد إخباره بأنه في صلاة؛ لأنه حين قطع قراءتها وانتقل إلى آية أخرى مناسبة كانت جوابًا كما لو قال لرجل اسمه يحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾، [مريم: ١٢] وقوله: ﴿ادخلوها بسلام﴾، فالآيتان حملتا جوابًا وليس تنبيهًا أنه في صلاة.
الرواية الثانية: أن صلاته باطلة؛ لأنه خطاب آدمي، فأشبه ما لو كلمه (١).
وقال القاضي أبو يعلى: «إن قصد بما تقدم من ذلك كله الذكر فقط: لم تبطل، وإن قصد خطاب آدمي بطلت، وإن قصدهما فوجهان:
أحدهما: لا تفسد.
والثاني: تفسد صلاته؛ لأنه خاطب آدميًّا أشبه ما لو كلمه» (٢).
وتفصيل القاضي أبي يعلى موافق لمذهب الشافعية، ومخالف للمذهب؛ ولذلك نسبه الحنابلة للقاضي، بعد ذكرهم المذهب.
هذه نصوص فقهائنا عليهم رحمة الله في المسألة، وفي بعضها تجد تفصيلًا أو تقسيمًا ليس في المذهب الآخر، وجهود فقهائنا عليهم رحمة الله يكمل بعضها بعضًا. وقد استدللت لبعضها في معرض الأقوال؛ لكون بعض التعاليل لا تحتمل أن يفرد لها عنوانًا خاصًّا في الأدلة وبقي بعض الأقوال لم أتعرض لها بالاستدلال، وسوف أذكر لها من الاستدلال ما أمكن بعد أن ألخص الخلاف، فالقصد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
• القسم الأول: أن يقصد الإعلام أنه في صلاة، أو الثناء لسماع ما يسره، ولم يقصد الجواب.
فهذا لا يبطل الصلاة قولًا واحدًا.
وهذا يكون بالذكر في أي موضع من الصلاة.
ويكون في القرآن عند المالكية بشرط أن يكون جوابه بالقراءة تصادف محلها، وهذا إنما يتحقق لو شرع بعد الفراغ من الفاتحة، بقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾، أو
стр. 6795
انتهى في قراءته إلى تلك الآية فجهر بها، أما إذا كان متلبسًا بقراءة سورة فقطعها، ثم انتقل إلى غيرها بقصد التفهيم فإنه إذا فعل ذلك فقد تجردت قراءته للتفهيم فقط، فتبطل.
وقد يقال: إن عدوله إلى لفظ القرآن عن الجواب بغيره دليل على أن فعله لم يتجرد للجواب فقط، وإن أنشأ قراءة جديدة، ودعوى أنه إذا أنشأ قراءة جديدة أن القراءة ليست في محلها غير مسلم، وإنما تكون القراءة في غير محلها لو قرأ القرآن وهو راكع أو ساجد أو جالس، أما كونه يقطع القراءة التي هو فيها إلى آية أخرى يريد منها أن يفهم السامع معنى زائدًا على قدر التلاوة فقد جمع بين التلاوة والجواب، فلم يتجرد للجواب فقط، فلو كان يقصد الجواب فقط لم يلجأ إلى التلاوة، فلا تبطل صلاته، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم.
• القسم الثاني: أن يقصد بالقرآن الجواب فقط:
فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، واختيار القاضي أبي يعلى من الحنابلة.
وقيل: لا تبطل صلاته مطلقًا، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية، وابن حبيب من المالكية، وظاهر مذهب الحنابلة.
• القسم الثالث: أن يقصد الجواب والتلاوة معًا.
فقيل: تبطل صلاته مطلقًا، وهو ظاهر قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، ووجه شاذ عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة.
وقيل: لا تبطل مطلقًا، وهو قول أبي يوسف، وأشهب وابن حبيب من المالكية ومذهب الشافعية وظاهر مذهب الحنابلة.
وقال المالكية: إن كانت القراءة في محلها، لم يضره أن يقصد بالتلاوة التفهيم، وإن كان متلبسًا بقراءة فقطعها وانتقل إلى قراءة آية أخرى فقد تجرد للتفهيم، ففي بطلان صلاته قولان، والمعتمد في المذهب البطلان.
والقسم الرابع: ألا يقصد شيئًا لا تلاوة، ولا جوابًا.
نص عليها الشافعية، ولم أقف عليها لغيرهم، وعندهم فيها قولان:
البطلان مطلقًا.