← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

محلها؛ حتى لا يتجرد للجواب. وحكى اللخمي والمازري عن ابن حبيب إجازة الإفهام ابتداء بكل ما يجوز للرجل أن يتكلم به في الصلاة من الذكر والقراءة. قال ابن حبيب: «وما جاز للرجل أن يتكلم فيه في صلاته من الذكر والقراءة، فيجوز أن يراجع بذلك رجلًا أو يوقفه» (١). وقد خرج القول بالصحة على أحد القولين في من فتح على غير إمامه، ففي بطلان صلاته قولان: البطلان، وهو الأصح في المذهب، قال ابن القاسم: فإن فعل أعاد صلاته أبدًا، وهو كالكلام، وبه قال سحنون. وقال أشهب وابن حبيب: «أساء ولا يعيد» (٢). القول الثالث: مذهب الشافعية. ذهب الشافعية إلى أن التفهيم إما أن يكون بالأذكار أو بالقرآن، فالأول لا يضر مطلقًا سواء أكانت من المسنون أم من غيره، إلا أن يقصد بها الخطاب فقط. وأما التفهيم بالتلاوة، فإن أتى بكلمات من القرآن من مواضع مفرقة ليس في القرآن على النظم التي أتى به، كقوله: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾، ﴿بِسَلَامٍ﴾، ﴿كن﴾ بطلت صلاته، ولم يكن لها حكم القرآن بحال. وإن كانت على نظم القرآن فهو على أربع مسائل: إحداها: أن يقصد بها القراءة، فلا تبطل بلا خلاف؛ لأنه قصد التلاوة في محلها، فكان له ما نوى. والثاني: أن يقصد بها التلاوة والإعلام، فالأصح أن صلاته صحيحة، سواء

стр. 6792

أكان قد انتهى في قراءته إلى تلك الآية، أو أنشأ قراءتها من جديد. • وجه القول بالصحة: لأنه إذا قصد التلاوة مع التفهيم لم يخرج عن القرآنية بضم غيره إليه، فهو كما لو قصد القرآن وحده. وحكى الشافعية وجهًا شاذًّا في المذهب أنه إن قصد مع القراءة غيرها بطلت صلاته، قال النووي: وليس بشيء. الثالث: أن يقصد بالقرآن الجواب فقط، بطلت صلاته بلا خلاف؛ فكما أن الذكر والدعاء لا يبطل الصلاة فإن قصد به المخاطبة بطلت، كما لو قال لعاطس: يرحمك الله، فكذلك إذا قصد بالقرآن مخاطبته فقط. الرابع: إذا لم يقصد شيئًا، لا تلاوة، ولا إعلامًا، ففي صلاته قولان: الأول: البطلان؛ لأن القراءة بلا قصد التلاوة فيها شبه بكلام الآدميين، ولأن ألفاظ القرآن للجنب لا يكون قرآنًا إلا بالقصد، فإذا أطلق لم يحرم. وتعقب بعضهم: أن الفرق بين الجنب والمصلي أن كونه في صلاة قرينة تصرف ذلك إلى نية التلاوة، ولأن التلاوة لا تحتاج إلى نية خاصة. الثاني: إن كان قد انتهى في قراءتها إليه لم تبطل، وإلا بطلت، وبه قال النووي (١). القول الرابع: مذهب الحنابلة. قسم الحنابلة التنبيه إما أن يكون بالذكر وإما أن يكون بالقرآن: فالتنبيه بالذكر ينقسم حكمه إلى قسمين: الأول: التسبيح لتنبيه الإمام إلى خطئه، أو لإخبار من يستأذن عليه أنه في صلاة، أو لتحذير إنسان من الوقوع في حفرة، فيسبح ليوقظه، فهذا لا شيء فيه؛

стр. 6793

لأنه ذكر مشروع في الصلاة ولا يؤثر في صحتها، قال في الإنصاف: بلا نزاع (١). الثاني: قسم مكروه مع صحة الصلاة، وهو أن يتلفظ بذكر لسبب لا يتعلق بالصلاة، ولا بخطاب آدمي، وهو ما أشار إليه صاحب الإقناع بقوله:: «ولو عطس فقال: الحمد لله، أو لسعه شيء، فقال: باسم الله، أو سمع، أو رأى ما يغمه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو رأى ما يعجبه، فقال: سبحان الله، أو قيل: ولد لك غلام، فقال: الحمد لله، أو احترق دكانه ونحوه فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله كره، وصحت» (٢). قال في المغني: «فهذا لا يستحب في الصلاة، ولا يبطلها، نص عليه أحمد في رواية الجماعة في من عطس فحمد الله لا تبطل صلاته» (٣). وجه القول بالكراهة: خروجًا من خلاف من أبطل الصلاة بذلك. وعن الإمام أحمد رواية: أنها تبطل، قال القاضي: هذا محمول على من قصد خطاب آدمي (٤). والجواب بالقرآن: كأن يقرأ القرآن بغرض التنبيه، كأن يستأذن عليه أحد فيقول: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، ففيه روايتان. الأولى: الصحة مع الكراهة، وهذا هو المذهب، وظاهره ولو قصد الجواب فقط. قال في الإقناع: «وكذا -يعني: يكره مع الصحة- لو خاطب بشيء من القرآن كأن يستأذن عليه فيقول: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ أو يقول لمن اسمه يحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾» [مريم: ١٢] (٥). قال البهوتي: «لأنه قرآن فلم تفسد به الصلاة، كما لو لم يقصد التنبيه» (٦).

стр. 6794

وظاهر تعليل البهوتي الصحة مطلقًا، ولو لم يقصد إلا التنبيه، والمقصود بالتنبيه الجواب، وليس مجرد إخباره بأنه في صلاة؛ لأنه حين قطع قراءتها وانتقل إلى آية أخرى مناسبة كانت جوابًا كما لو قال لرجل اسمه يحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾، [مريم: ١٢] وقوله: ﴿ادخلوها بسلام﴾، فالآيتان حملتا جوابًا وليس تنبيهًا أنه في صلاة. الرواية الثانية: أن صلاته باطلة؛ لأنه خطاب آدمي، فأشبه ما لو كلمه (١). وقال القاضي أبو يعلى: «إن قصد بما تقدم من ذلك كله الذكر فقط: لم تبطل، وإن قصد خطاب آدمي بطلت، وإن قصدهما فوجهان: أحدهما: لا تفسد. والثاني: تفسد صلاته؛ لأنه خاطب آدميًّا أشبه ما لو كلمه» (٢). وتفصيل القاضي أبي يعلى موافق لمذهب الشافعية، ومخالف للمذهب؛ ولذلك نسبه الحنابلة للقاضي، بعد ذكرهم المذهب. هذه نصوص فقهائنا عليهم رحمة الله في المسألة، وفي بعضها تجد تفصيلًا أو تقسيمًا ليس في المذهب الآخر، وجهود فقهائنا عليهم رحمة الله يكمل بعضها بعضًا. وقد استدللت لبعضها في معرض الأقوال؛ لكون بعض التعاليل لا تحتمل أن يفرد لها عنوانًا خاصًّا في الأدلة وبقي بعض الأقوال لم أتعرض لها بالاستدلال، وسوف أذكر لها من الاستدلال ما أمكن بعد أن ألخص الخلاف، فالقصد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: • القسم الأول: أن يقصد الإعلام أنه في صلاة، أو الثناء لسماع ما يسره، ولم يقصد الجواب. فهذا لا يبطل الصلاة قولًا واحدًا. وهذا يكون بالذكر في أي موضع من الصلاة. ويكون في القرآن عند المالكية بشرط أن يكون جوابه بالقراءة تصادف محلها، وهذا إنما يتحقق لو شرع بعد الفراغ من الفاتحة، بقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾، أو

стр. 6795

انتهى في قراءته إلى تلك الآية فجهر بها، أما إذا كان متلبسًا بقراءة سورة فقطعها، ثم انتقل إلى غيرها بقصد التفهيم فإنه إذا فعل ذلك فقد تجردت قراءته للتفهيم فقط، فتبطل. وقد يقال: إن عدوله إلى لفظ القرآن عن الجواب بغيره دليل على أن فعله لم يتجرد للجواب فقط، وإن أنشأ قراءة جديدة، ودعوى أنه إذا أنشأ قراءة جديدة أن القراءة ليست في محلها غير مسلم، وإنما تكون القراءة في غير محلها لو قرأ القرآن وهو راكع أو ساجد أو جالس، أما كونه يقطع القراءة التي هو فيها إلى آية أخرى يريد منها أن يفهم السامع معنى زائدًا على قدر التلاوة فقد جمع بين التلاوة والجواب، فلم يتجرد للجواب فقط، فلو كان يقصد الجواب فقط لم يلجأ إلى التلاوة، فلا تبطل صلاته، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم. • القسم الثاني: أن يقصد بالقرآن الجواب فقط: فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، واختيار القاضي أبي يعلى من الحنابلة. وقيل: لا تبطل صلاته مطلقًا، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية، وابن حبيب من المالكية، وظاهر مذهب الحنابلة. • القسم الثالث: أن يقصد الجواب والتلاوة معًا. فقيل: تبطل صلاته مطلقًا، وهو ظاهر قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، ووجه شاذ عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة. وقيل: لا تبطل مطلقًا، وهو قول أبي يوسف، وأشهب وابن حبيب من المالكية ومذهب الشافعية وظاهر مذهب الحنابلة. وقال المالكية: إن كانت القراءة في محلها، لم يضره أن يقصد بالتلاوة التفهيم، وإن كان متلبسًا بقراءة فقطعها وانتقل إلى قراءة آية أخرى فقد تجرد للتفهيم، ففي بطلان صلاته قولان، والمعتمد في المذهب البطلان. والقسم الرابع: ألا يقصد شيئًا لا تلاوة، ولا جوابًا. نص عليها الشافعية، ولم أقف عليها لغيرهم، وعندهم فيها قولان: البطلان مطلقًا.

стр. 6796

البطلان إلا أن ينتهي في قراءتها إليها فلا تبطل، اختاره النووي. إذا تصور الخلاف نأتي إلى ذكر ما بقي من الأدلة • دليل من قال: يجوز الجواب بالذكر مطلقًا ولو لسبب لا يتعلق بالصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٤٣٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف؛ ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر .... الحديث (١). وفي رواية لهما من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي به، وفيه: .... فأشار إليه رسول الله ﷺ ، يأمره أن يصلي فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف … (٢). وجه الاستدلال: ويقاس التهليل والحوقلة والتكبير على الحمد. الدليل الثاني: (ح-٢٤٣٩) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم .... وفيه: من رابه -وفي رواية: من نابه- شيء في صلاته، فليسبح

стр. 6797

فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء (١). وجه الاستدلال: عموم قوله: (من نابه شيء في صلاته) فقوله: (شيء) نكرة في سياق الشرط، فتعم، فهو دليل على جواز التسبيح، سواء أكان بقصد الإعلام أنه في صلاة، أم كان بقصد الجواب، أم كان لأمر لا يتعلق بهما كالزجر، وكما لو عطس أو استرجع لسماع مصيبة ونحو ذلك، وغير التسبيح من التهليل والتحميد والتكبير والحوقلة قياس على التسبيح. • ونوقش: بأن قوله: (من نابه) محمول على نائب مخصوص، وهو إرادة الإعلام بأنه في الصلاة: أي دون قصد جواب. • ويجاب: بأن قوله: (من نابه شيء) نكرة في سياق الشرط، فتعم، وتخصيص العام بلا مخصص غير مقبول، والأصل عدم التخصيص، كيف والواقعة التي هي سبب الحديث لم يكن القصد منها الإعلام بأنه في صلاة، وإنما القصد منها تنبيه أبي بكر على حضور النبي ﷺ ، وهو سبب لا يتعلق بأذكار الصلاة. • دليل من قال: إن قصد الإعلام أنه في صلاة صحت، وإن قصد الجواب بطلت: (ح-٢٤٤٠) استدلوا بما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال ابن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُمِّيَاهْ، ما شأنكم؟ تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني، ولا ضربني،

стр. 6798

ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث (١). فقوله: (يرحمك الله) ألحقه النبي ﷺ بكلام الناس حين قصد به معاوية خطاب العاطس، فقال له النبي ﷺ : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، ولو قصد به الدعاء لم تبطل صلاته كسائر الدعاء، فكذلك قوله: (لا إله إلا الله)، أو قول: (الحمد لله) كلام يحتمل الثناء والجواب، فكان كالمشترك، يجوز تعيين أحد مدلوليه بالقصد والعزيمة، فإذا قصد بهذه الثناء لم تبطل، وإن قصد بها الجواب اعتبر ذلك من كلام الناس، فبطلت الصلاة. ولأن مطلق الكلام محمول على غرض المتكلم، فإن أراد به جواب المتكلم قطع ذلك صلاته، وإن أراد بالحمد الشكر، وبالاسترجاع طلب الصبر منه كان ذكرًا من الأذكار، والأذكار لا تبطل الصلاة. ولهذا لو قرأ الجنب الفاتحة على نية الثناء والدعاء دون القراءة، جاز له ذلك. • دليل من قال: يجوز الجواب بالذكر إذا قصد به التلاوة والتنبيه: الدليل الأول: (ح-٢٤٤١) ما رواه النسائي في الكبرى، قال: أخبرنا محمد بن قدامة، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الحارث -يعني: العكلي- عن أبي زرعة بن عمرو، قال: حدثنا عبد الله بن نجي، عن علي، قال: كان لي من رسول الله ﷺ ساعة آتيه فيها، إذا أتيته استأذنت، إن وجدته يصلي، فسبح، دخلت، وإن وجدته فارغا أذن لي (٢). ولفظه في المجتبى: (إن وجدته يصلي، فتنحنح دخلت .... )، والإسناد واحد فيهما (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 6799

الدليل الثاني: إذا قصد بالقرآن التلاوة والتنبيه لم يضره ذلك؛ لأن المطلوب في الصلاة قصد التلاوة، وقد تحقق، وهو يتعلق بلفظ القرآن حتى ولو لم يفهم المعنى، وكون المصلي رفع صوته بالقراءة ليفهم السامع من اللفظ معنى زائدًا على قدر التلاوة فهذا لا يضر صلاته، كما لو جهر بالتكبير وهو يركع وقصد بالجهر إعلام الطارق أنه في صلاة، فحين نوى سنة التكبير للركوع حصلت له السنة، وكون الطارق استفاد من جهره قدرًا زائدًا على ذلك حيث علم أن الرجل في صلاة فلا يمكن أن يعتبر ذلك بمنزلة مخاطبة الآدمي، غايته أن يكون شَرَّك في نيته بين ما هو مشروع للصلاة وبين المعنى الذي قد يستفيده السامع من الجهر باللفظ. فهذا الاستغفار، وهو عبادة محضة، لا يقع إلا عبادة، لو فعله المستغفر بنية العبادة ونية مباحة أخرى لم يقدح ذلك في نيته: قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢]. فأغراهم بالاستغفار لتحصيل مصلحتين، دينية: وهي مغفرة الذنوب. ودنيوية: من إنزال المطر، والإمداد بالأموال والبنين والجنات والأنهار، وكلها من أمور الدنيا، فلو كان التشريك بالنية قادحًا ما وقع ذلك في الحض على الاستغفار. الدليل الثالث: (ح-٢٤٤٢) روى البخاري من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة ﵁ وذكر قصة، وفيه: قال النبي ﷺ : من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه (١). فلو جاهد المسلم بنية إعلاء كلمة الله، وطلب الغنيمة، لم يكن ذلك قادحًا في نيته. الدليل الرابع: القياس على تسبيح المأموم بقصد تنبيه إمامه إذا سها في الصلاة، وهذا مجمع على جوازه، وقد اجتمع في التسبيح: إرادة الذكر والتنبيه ولم يضره ذلك. وإنما

стр. 6800

يضر صلاته لو لم يقصد بالقرآن التلاوة، فيكون من خطاب الآدميين. الدليل الخامس: (ث-٥٩٤) روى أبو بكر الخلال نقلًا من المغني بإسناده عن عطاء بن السائب، قال: استأذنا على عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو يصلي، فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]. فقلنا: كيف صنعت؟ فقال: استأذنا على عبد الله بن مسعود، وهو يصلي، فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ (١). [لم أقف على ما طوي من إسناده]. • دليل من قال: إذا لم يقصد شيئًا من التلاوة والإعلام بطلت: هذا القول يرى أن القراءة بلا قصد فيها شبه بكلام الآدميين، والكلام مبطل للصلاة. • ويناقش: بأن الذكر في الصلاة ومنه القراءة الواجبة لا يشترط في صحته نية خاصة، وأركان الصلاة من ركوع وسجود وجلوس وقيام لا يشترط أن يعقد لها نية خاصة، فكذلك أذكار الصلاة، فإن نية الصلاة تشملها، والله أعلم. • دليل من قال: تصح ولو نوى الجواب فقط: أن القرآن والتسبيح ثناء بصيغته، فلا يتغير بقصده الجواب، كما لا يتغير عند قصد إعلامه أنه في صلاة. • الراجح: كل قول من هذه الأقوال يحمل تعليلًا يجعل له وجهًا شرعيًّا، إلا أن بعضها أقوى من بعض، فالتنبيه بالذكر أو بالقرآن، لا فرق فيهما في الحكم فكلاهما يشمله عموم الذكر، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وأطلق الله على كتابه الذكر في آيات كثيرة. وكون القرآن أعظم الذكر وأشرفه؛ لكونه كلام الله فهذا الفرق لا يتعلق

стр. 6801

بمسألة البحث، وهو مخاطبة الآدمي بما هو مشروع في الصلاة من الذكر، فلا وجه للتفريق بين الجواب بالذكر وبين الجواب بالتلاوة، فإذا صح الجواب بالذكر في أي موضع من مواضع الصلاة، صح الجواب بالقرآن كذلك، فاشتراط المالكية لصحة الجواب بالتلاوة أن توافق التلاوة محلها بخلاف الذكر ففي أي موضع لم يظهر لي قوة القول، فسواء وافقت التلاوة محلها، أو تخير المصلي من القرآن ما يناسب التنبيه، فكله لا يبطل الصلاة إذا قصد بالقراءة التلاوة والجواب، ومن باب أولى إذا قصد التلاوة فقط، والله أعلم. وإذا قصد بهما الجواب فقط فقد يقال: إن مثل هذا يبطل الصلاة؛ لأنه نوى بهذا اللفظ مخاطبة الآدمي، ومخاطبة الآدمي محرمة. وقياسًا على الجنب إذا قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أو قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يقصد التلاوة، فإنه لا يحرم عليه ذلك؛ لكونه من كلام الناس، فكان شرط الصحة أن يقصد التلاوة والثناء، أو يقصد أحدهما مع الجواب. وقد يقال: إن النبي ﷺ عندما قال في حق المصلي: (من نابه شيء فليسبح)، فإن الإذن بالتسبيح عام، ولم يبين النبي ﷺ بأن هذا التسبيح لا يصح إلا أن يقصد به مع التنبيه الثناء، والعام جار على عمومه لا يخصصه إلا نص مثله أو إجماع، فقول: (سبحان الله)، هذه الصيغة وُضِعَتْ للذكر، وكذلك القرآن في الصلاة شرع للتلاوة، فلما أجاب المصلي بالقرآن أو بالذكر وتجنب الإجابة المباشرة، علم أنه لا يريد مخاطبة الآدمي بما هو من كلام الناس. ولهذا كانت قراءة القرآن والأذكار لا يشترط للتعبد بها النية؛ لأنها لا تقع إلا عبادة، والنية إنما شرعت لتميز العبادات بعضها عن بعض، ولتمييز العبادة عن العادة، والتلاوة والأذكار لا تقع إلا عبادة، فإذا سبح، أو قرأ شيئًا من القرآن بقصد الجواب، ولو لم يخطر على باله أنه قصد التلاوة والثناء، صح له ذلك، وصحت صلاته.

стр. 6802

فهذا القول أيضًا فيه قوة، ولكن خروجًا من الخلاف القوي، والاحتياط مطلوب لصحة الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام العملية، فليقصد المصلي مع الجواب التلاوة وبالأذكار الثناء؛ لنخرج من خلاف من أبطل الصلاة بقصد الجواب فقط، والله أعلم.

стр. 6803

فرع في إبطال الصلاة بخطاب غيره عن طريق الإشارة المدخل إلى المسألة: • الإشارة في الصلاة حركة ودلالة، أما الحركة فهي يسيرة، وأما دلالتها فهي معنى قائم في النفس ولو تكلم المصلي في نفسه لم يعتبر متكلمًا حكمًا فكذلك الإشارة. • الإشارة ليست كلامًا في وضع الشارع، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ مع قوله سبحانه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. • حرم الشارع الكلام في الصلاة بأحاديث صحيحة، وأشار في صلاته وهذا دليل على اختلاف حقيقة الإشارة عن حقيقة الكلام. • قول الصحابي: سلمنا على النبي ﷺ فلم يرد علينا من المجمل. يحتمل: أنه ترك الرد مطلقًا، ويحتمل: أنه لم يرد عليه لفظًا، والقاعدة في المجمل أن يرد إلى الواضح من النصوص، وقد جاءت النصوص تبين أن النبي ﷺ كان يرد السلام بالإشارة. • لم ينقل عن النبي ﷺ أنه سَلَّم على أحد من أصحابه، وهو يصلي، ولو كانت سنة ما واظب على تركها، وإذا سُلِّم عليه كان يرد بالإشارة، ولم ينه عنه، فدل ذلك على الإباحة. • كراهة رد السلام بالإشارة متوقف على حكم الإشارة نفسها في الصلاة. • ثبت في حديث جابر في الصحيح أن النبي ﷺ أشار إليه حين سلم عليه، سواء قلنا: إن إشارة النبي ﷺ كانت لرد السلام، أو لغيرها من الأمور. • إذا صحت الإشارة من المصلي لتفهيم الغير صح الإشارة بها لرد السلام بل ولكل ما يريد المصلي إفهامه لغيره، من حث على فعل أو زجر عنه، أو غير ذلك. • الرد بالإشارة على المُسَلِّم في الصلاة متردد بين الاستحباب؛ لكونه ثبت من فعل النبي ﷺ ، وبين الإباحة لكون المصلي مشغولًا بالصلاة، وإنما تُسُومِحَ فيها؛ لكونها حركة يسيرة في الصلاة كسائر الحركات المباحة.

стр. 6804

[م-٨١٧] علمنا أن المصلي لا يرد السلام إذا سلم عليه أحد بالكلام، فهل له أن يرد عليه¬ السلام بالإشارة؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: يكره السلام على المصلي، ويكره الرد منه بالإشارة، ولو فعل لم تفسد صلاته، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (١). قال في بدائع الصنائع: «لا ينبغي للرجل أن يسلم على المصلي، ولا للمصلي أن يرد سلامه بإشارة ولا غير ذلك .... غير أنه إذا رد بالقول فسدت صلاته؛ لأنه كلام ولو رد بالإشارة لا تفسد؛ لأن ترك السنة لا يفسد الصلاة، ولكن يوجب الكراهة» (٢). وقال المالكية: لا يكره السلام على المصلي في فرض أو نفل، ويجب الرد بالإشارة وهو رواية عن أحمد. وأما السلام من المصلي بالإشارة لابتداء السلام ففيها قولان، الكراهة والجواز، والمعتمد الجواز (٣). جاء في المدونة: «قال مالك: «فيمن سلم عليه، وهو في صلاة فريضة أو نافلة، فليرد عليه إشارة بيده أو برأسه» (٤). قال الدردير في الشرح الصغير: «والراجح أن الإشارة لرد السلام واجبة،

стр. 6805

وتبطل إن رده بالقول» (١). وقال الشافعية: «يكره السلام على المصلي، ويستحب له الرد إشارة، ولو قال: ﵇ لم يضر صلاته» (٢). وقال الحنابلة في المعتمد: ولا بأس بالسلام على المصلي، ويرده بالإشارة (٣). ونفي البأس ظاهره يفيد إباحة السلام والرد بالإشارة. وقيل: يكره السلام على المصلي ويكره الرد بالإشارة، وهو رواية عن أحمد، وصوبه في الإنصاف (٤). وقيل: يرد بالإشارة في النفل دون الفرض، وهو رواية عن أحمد (٥). ولو صافح إنسانًا بنية السلام لا نطق ولا إشارة لم تبطل صلاته؛ لأنه حركة يسيرة، خلافًا للحنفية حيث قالوا بفساد الصلاة؛ لأنه كلام معنى (٦).

стр. 6806

ويلزمهم إفساد الصلاة برد السلام بالإشارة؛ لأنه كلام معنى، ولم يلتزموه، والإشارة بنص القرآن ليست كلامًا. هذا ما وقفت عليه من الأقوال في المسألة، فهم يتفقون أن الرد بالإشارة لا يفسد الصلاة، وإن اختلفوا في حكم الرد على أقوال خلاصتها كالتالي. أما حكم السلام على المصلي: فقيل: يكره السلام على المصلي، وهو مذهب الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد. وقيل: لا يكره، وهو مذهب المالكية والحنابلة، ونفي الكراهة يعني: الإباحة. وقيل: يكره في الفرض فقط، وهو رواية عن أحمد. وقيل: لا يكره إن كان يعرف كيفية الرد، اختاره بعض الحنابلة. قال ابن رجب: «ومن أصحابنا المتأخرين من قال: إن كان المصلي عالمًا يفهم كيف يرد عليه لم يكره السلام عليه، وإلا كره» (١). • دليل من قال: يكره السلام على المصلي: الدليل الأول: (ح-٢٤٤٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (٢). (ح-٢٤٤٤) ورواه أحمد من طريق عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ إذ كنا بمكة قبل أن نأتي أرض

стр. 6807

الحبشة، فلما قدمنا من أرض الحبشة، أتيناه فسلمنا عليه، فلم يرد، فأخذني ما قَرُب وما بعد، حتى قضوا الصلاة، فسألته، فقال: إن الله يحدث في أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة (١). [حسن] (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (إن في الصلاة شغلًا)، فإن في ذلك إشارة إلى كراهة السلام عليه، فإن المشغول في صلاته لا يشغل بغيرها، وقد قيل ذلك تعليلًا في ترك رد السلام حيث يقطعه ذلك عما هو فيه من الذكر، وربما سها فرد عليه. وقوله: (فلم يرد) نفي للرد، وهو مطلق فيشمل نفي الرد بالكلام وبالإشارة. • ونوقش: المراد من قوله: (فلم يرد علينا) أي: الرد المعهود كما كان يرد عليهم قبل نسخ الكلام في الصلاة، وإنما ساغ التأويل؛ لأن الرد بالإشارة محفوظ من فعل النبي ﷺ كما سأذكره عند الكلام على حكم رد السلام. وأما الجواب عن قولهم: إن الإشارة تشغل المصلي فالإشارة حركة يسيرة في الصلاة وهي مباحة إما مطلقًا لمشقة التحرز منها، وإما مع الحاجة، ومن الحاجة رد السلام بالإشارة، ومثلها لا يمكن أن تشغل المصلي عما هو فيه، ولو كان السلام على المصلي مكروهًا لحفظ النهي من النبي ﷺ لأصحابه إذا سلموا عليه، فلما لم يحفظ ذلك عنه ﷺ لم يصح القول بالكراهة. الدليل الثاني: (ح-٢٤٤٥) ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق عبد الوارث، حدثنا كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة له، فانطلقت، ثم رجعت وقد قضيتها، فأتيت النبي ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يرد علي،

стр. 6808

فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله ﷺ وجد علي أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد علي، فقال: إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة (١). ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن كثير به، بنحوه، وفيه: فرجعت وهو يصلي على راحلته (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي) فهذا بعمومه يتناول ترك الرد مطلقًا، سواء أكان بإشارة أم بغيرها. وفي رواية حماد: (فرجعت، وهو يصلي على راحلته) فيه رد على من قال: يرد بالإشارة في النفل دون الفرض. • ونوقش: إن حملنا الحديث على ظاهره، وأن المراد بالنفي (فلم يرد علينا) مطلق الرد، كان دليلًا على جواز ترك الرد، وأنه ليس بواجب؛ بدليل الأحاديث الأخرى التي حفظ فيها أن النبي ﷺ كان يرد بالإشارة، خاصة أن السلام على المصلي ليس سنة، غايته أن يكون مباحًا، فالرد مثله. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أنه ليس بواجب، ولا سنة أن يسلم على المصلي» (٣). وإن حملنا قوله: (فلم يرد علينا) على الرد المعهود الذي كان قد عهده الصحابة قبل نسخ الكلام وهو الرد باللفظ، كان فيه جمع بينه وبين الأحاديث التي حفظت لنا أن النبي ﷺ كان يرد بالإشارة، وهو أظهر كما سيأتي بيانه في الأدلة من رد النبي ﷺ بالإشارة.

стр. 6809

الدليل الثالث: (ح-٢٤٤٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا غرار في صلاة، ولا تسليم. قال أحمد: يعني: فيما أرى ألا تسلم، ولا يسلم عليك، ويغرر الرجل بصلاته فينصرف وهو فيها شاك. والحديث في مسند أحمد بلفظ: (لا إغرار … قال أحمد: سألت أبا عمرو الشيباني، عن قول النبي ﷺ : (لا إغرار في الصلاة، فقال: إنما هو: لا غرار في الصلاة … ) (١). [صحيح] (٢).

стр. 6810

وقد اختلف العلماء في معناه، وفي ضبطه بالشكل. أما ضبطه بالشكل، فيروى (ولا تسليمٍ) قال ابن الأثير: يروى بالنصب والجر فمن جره كان معطوفًا على الصلاة، ومن نصب كان معطوفًا على غرار (١). ويختلف المعنى لاختلاف الإعراب. فعلى تقدير النصب يكون المعنى: لا نقص ولا تسليمَ في صلاة، فيستفاد منه نفي السلام على المصلي، والنفي بمعنى النهي، أي لا تسلم على المصلي، كقوله: (لا صلاة بحضرة طعام)، أي: لا تُصَلِّ، وهذا ما فهمه الإمام أحمد من الحديث. قال الإمام أحمد: «يعني: فيما أرى ألا تسلم، ولا يسلم عليك» (٢). والحديث لم يتعرض لرد السلام إذا وقع. وعلى تقدير الجر، يكون المعنى: لا نقص في صلاةٍ، ولا نقص في تسليمٍ، فيستفاد منه النهي عن نقص الصلاة وكذلك النهي عن نقص التسليم، ولا علاقة بالحديث بالنهي عن السلام على المصلي. وهذا ما اختاره الخطابي والقاسم بن سلام وابن الأثير وابن الجوزي وغيرهم: أن الغرر في التسليم أن تنقص منه فإذا قيل لك: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: قلت: وعليك السلام، أو قلت: وعليك، بل عليك أن ترد التحية بمثلها (٣). فلا دخل للحديث في النهي عن التسليم على من صلى، ولا بالرد عليه، قال ابن حزم: ليس هذا نهيًا عن رد السلام في الصلاة بالإشارة، ولا يفهم هذا من هذا (٤).

стр. 6811

وقال الخطابي في معالم السنن: «أصل الغرار نقصان لبن الناقة، يقال: غارت الناقة غرارًا فهي مغار، إذا نقص لبنها، فمعنى قوله: لا غرار، أي: لا نقصان في التسليم. ومعناه أن ترد كما يسلم عليك وافيًا لا نقص فيه، مثل أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله، فيقول: عليكم السلام ورحمة الله، ولا يقتصر على أن يقول: السلام عليكم، أو عليكم حسب، ولا ترد التحية كما سمعتها من صاحبك فتبخسه حقه من جواب الكلمة» (١). وهذا أقوى من القول الأول، والله أعلم. الدليل الرابع: (ث-٥٩٥) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁، قال: ما كنت لأسلم على رجل وهو يصلي. زاد أبو معاوية: ولو سلم علي لرددت عليه (٢). [حسن] (٣). وجه الاستدلال: هذا تفريق من جابر ﵁ بين السلام على المصلي فلا يفعله، وبين اختيار الرد إذا سُلِّم عليه، وهو يصلي، والمقصود لرددت عليه إشارة؛ لأن جابرًا ﵁ قد حفظ لنا كما في مسلم، أنه سَلَّم على النبي ﷺ فَرَدَّ عليه إشارة، فلا يتصور أن جابرًا ﵁ يقف على فعل النبي ﷺ ، ويتجاوزه بالاجتهاد. الدليل الخامس: لا يوجد في النصوص ما يدل على استحباب السلام على المصلي، والمصلي

стр. 6812

مشغول بصلاته، والمشغول لا يشغل، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه سلم على أحد من أصحابه، وهو يصلي، وإنما المحفوظ أن النبي ﷺ رد السلام بالإشارة إذا سُلَّم عليه، ولا يؤخذ حكم السلام من حكم الرد، فهذا النذر يكره فعله، وإذا فعله وجب عليه الوفاء به، وقد أثنى الله في كتابه على الموفين بالنذر، وهذا الثناء لا يقتضي استحباب النذر، فكذلك الرد بالإشارة لا يقتضي استحباب السلام على المصلي. • ونوقش هذا: هناك فرق بين القول: لا يستحب السلام على المصلي وبين القول بكراهة السلام عليه، فالكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى نص شرعي، فأين النهي عن السلام حتى يصار إلى الكراهة؟ فلو كان السلام مكروهًا لوجه الرسول ﷺ أمته وأصحابه إلى عدم الفعل ابتداء، فلما أقرهم على السلام عليه، ورد عليهم، كان ذلك دليلًا على أن السلام على المصلي أقلُّ ما يقال فيه: إنه مباح، بخلاف النذر، (ح-٢٤٤٧) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق شعبة، عن منصور، عن عبد الله بن مرة، عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج من البخيل (١). (ح-٢٤٤٨) وروى مسلم من طريق شعبة، قال: سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل (٢). • دليل من قال: لا يكره السلام على المصلي: الدليل الأول: (ح-٢٤٤٩) فقد روى مسلم من طريق زهير، حدثني أبو الزبير، عن جابر، قال: أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته، فقال لي بيده هكذا -وأومأ زهير بيده- ثم كلمته فقال

стр. 6813

لي هكذا -فأومأ زهير أيضًا بيده نحو الأرض- وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي (١). ففي هذا الحديث جمع النبي ﷺ بين الرد بالإشارة والاعتذار عن الرد بالكلام؛ لقوله: (لم يمنعني أن أكلمك)، فدل على أن الذي امتنع منه النبي ﷺ ليس مطلق الرد، وإنما هو الرد بالكلام نصًّا، والذي فعله هو الرد بالإشارة، فصح في هذا الحديث جواز ابتداء السلام على المصلي، ولو كان مكروهًا لنهى النبي ﷺ صحابته عن السلام عليه في الصلاة، وفيه أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها، والله أعلم. • وأجيب: بأن قول جابر ﵁: (فأتيته وهو يصلي على بعير فكلمته) ليس نصًّا أنه سلم عليه، فقد يكون كلمه بالأمر الذي أرسله إليه، فأشار إليه بيده يريد أن يكفه عن الكلام، فلم يفهم ذلك جابر ﵁، فعاود جابر كلامه مرة أخرى، فأعاد النبي ﷺ إشارته إليه مرة أخرى، ولو كان المقصود من كلام جابر السلام لم يكرره؛ لأن السلام يشرع مرة واحدة، ومثله الرد، وإذا لم تكن الإشارة الثانية لرد السلام لم تكن الإشارة الأولى لرد السلام كذلك، والله أعلم. • ويرد هذا الجواب: لا يتوقع أن الصحابي يكلم النبي ﷺ ، ثم لا يبدأ كلامه له بالسلام عليه، وهو أدب متوارث من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إذا قدم المسلم على أخيه أول ما يبدأ حديثه معه بالسلام عليه، وأحق الناس بهذا الأدب هم الصحابة ﵁ خاصة مع النبي ﷺ ، فالسلام من جابر ﵁ على النبي ﷺ وإن لم يكن صريحًا في رواية زهير عن أبي الزبير إلا أنه لا يتوقع أن جابرًا ﵁ يكلم النبي ﷺ ويدع السلام عليه، فإما أن يحمل الكلام على السلام كما في الروايات الأخرى، أو على كلام مصدر بالسلام، وأما كون جابر ﵁ أعاد الكلام مرة ثانية، فربما الذي حمل جابرًا على إعادة السلام كونه كان يتوقع أن يسمع الرد

стр. 6814

من النبي ﷺ لفظًا فأعاد السلام، وأعاد النبي ﷺ عليه الرد. ويدل على ذلك رواية النسائي، وابن حبان، فقد روياه من طريق عمرو بن الحارث قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر قال: بعثني النبي ﷺ فأتيته، وهو يسير مشرقًا أو مغربًا، فسلمت عليه، فأشار بيده، ثم سلمت عليه، فأشار بيده، فانصرفت، فناداني: يا جابر، فناداني الناس: يا جابر، فأتيته فقلت: يا رسول الله، إني سلمت عليك فلم ترد علي، قال: إني كنت أصلي (١). فكان جابر ﵁ أعاد السلام؛ طلبًا للرد باللفظ، وأعاد الرسول ﷺ عليه الرد بالإشارة لتجدد المقتضي. وقد رواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه قال: إن رسول الله ﷺ بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يسير، فسلمت عليه، فأشار إليَّ، فلما فرغ دعاني فقال: إنك سلمت آنفًا، وأنا أصلي، وهو موجه حينئذ قبل المشرق (٢). فواضح أن المجمل من رواية زهير في قوله: (فكلمته) أن المقصود بذلك: فسلمت عليه، وأن معاودته الكلام، المقصود به: معاودته السلام. الدليل الثاني: (ح-٢٤٥٠) بما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر، دخل رسول الله ﷺ ، مسجد بني عمرو بن عوف مسجد قباء يصلي فيه فدخلت عليه رجال الأنصار يسلمون عليه، ودخل معه صهيب فسألت صهيبًا: كيف كان رسول الله ﷺ ، يصنع إذا سلم عليه؟، قال: يشير بيده.

стр. 6815

قال سفيان: قلت لرجل: سل زيدًا، أسمعته من عبد الله؟ وهِبْت أنا أن أسأله، فقال: يا أبا أسامة، سمعته من عبد الله بن عمر؟ قال: أما أنا فقد رأيته فكلمته (١). [حسن بالمجموع، وإن كان ظاهر هذه الرواية الإرسال؛ لأن زيدًا أجاب بالرؤية عندما سئل عن السماع، ولم يقل: سمعته] (٢).

стр. 6816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6818

وفي الباب أحاديث أخرى نذكرها عند الكلام على حكم رد المصلي السلام. • دليل من قال: يكره في الفرض دون النفل: هذا القول حاول الجمع بين الأحاديث:

стр. 6819

فحديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (١). حملوا ذلك على صلاة الفرض. وحديث جابر ﵁: أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره، فكلمته، فقال لي بيده هكذا … الحديث في مسلم. وكذلك حديث صهيب في صلاة النبي ﷺ في قباء، ورده السلام إشارة، فهذان الحديثان وقعا في صلاة النفل. والنفل أوسع من الفرض، ولهذا صحت صلاة القاعد في النفل مع قدرته على القيام بخلاف الفرض، وصحة النافلة على الدابة بخلاف الفرض، كل هذا يدل على أنه يتسامح في النفل ما لا يتسامح في الفرض، والله أعلم. • ونوقش: بأن الأصل أن الصلاة جنس واحد، فما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل يدل على اختصاص الحكم بالنفل فقط، ولا يحفظ نص على التفريق بينهما، والتفهيم بالإشارة نفسها محفوظ في صلاة الفرض كما سيأتي ذكره في أدلة المجوزين، وإذا صح التفهيم بالإشارة صح رد السلام بها، وأما الجواب عن حديث ابن مسعود فقد سبق في أدلة القول الأول، فراجعه. • دليل من قال: لا يكره إن كان يعرف كيفية الرد: هذا القول لا يعتبر قولًا مستقلًّا، فإن المباح بل والمستحب إذا كان يترتب على فعله الوقوع في محظور شرعي فإن المشروع الامتناع من فعله، والكراهية لم تأت من السلام نفسه، وإنما روعي فيها حال المسلم عليه، فإن كان يعرف كيفية الرد كان السلام عليه مباحًا، وإن كان يتوقع أن يرد باللفظ لم يسلم عليه محافظة على سلامة صلاته من الإفساد.

стр. 6820

• وأما حكم رد السلام من المصلي: فإن كان رده لفظًا، فالأئمة الأربعة على بطلان صلاته. ورخص قوم من أهل العلم من التابعين منهم الحسن وقتادة إلى جواز رد المصلي السلام كلامًا (١). قال القرطبي: «الناس على خلافه (» (٢)، يعني: على خلاف قول الحسن وقتادة. وقال القاضي عياض: «وبالرد نطقًا قال أبو هريرة، وجابر، والحسن، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وإسحاق»، ونقله ابن الملقن في شرح البخاري (٣). وسبق التعرض لهذه المسألة عند الكلام على حكم الكلام في الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. • وإن كان رد المصلي بالإشارة، فقد سبق خلاف الفقهاء، وخلاصته كالتالي: قيل: يكره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية. وقيل: يكره في الفريضة دون النافلة، وهو رواية عن أحمد. وقيل: يرد بالإشارة على خلاف في حكم الرد: فقيل: واجب، وهو مذهب المالكية. وقيل: مستحب، وهو مذهب الشافعية. وقيل: يباح، وهو ظاهر مذهب الحنابلة.

стр. 6821

وأدلة هذه المسألة متداخلة مع مسألة حكم السلام على المصلي، فاحتمل مني -يا رعاك الله- بعض التكرار؛ لأن حكم رد السلام فرع عن السلام على المصلي، وأثر عنه، وسأحاول تجنب التكرار ما استطعت، وسوف أحاول مع الأحاديث المتكررة أن آتي بها من طرق أخرى يكون في إعادتها فائدة لم تذكر في الأدلة السابقة. • دليل من قال: يرد بالإشارة: الدليل الأول: (ح-٢٤٥١) ما رواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه قال: إن رسول الله ﷺ بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يسير، فسلمت عليه، فأشار إلي، فلما فرغ دعاني فقال: إنك سلمت آنفًا، وأنا أصلي، وهو موجه حينئذ قبل المشرق (١). الدليل الثاني: (ح-٢٤٥٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده (٢). [غريب من حديث نافع، لم يروه عنه إلا هشام بن سعد] (٣).

стр. 6822

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6823

الدليل الثالث: لا تسمى الإشارة كلامًا في الوضع، ولذلك لم تحنث مريم عليها الصلاة والسلام عندما نذرت الصوم عن الكلام وخاطبت قومها بالإشارة.

стр. 6824

قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] مع قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]. وإذا صح أن الإشارة ليست كلامًا، كان حكم الإشارة باليد حكم حركة سائر الأعضاء في الصلاة، والعمل اليسير في الصلاة إما مباح مطلقًا؛ لصعوبة التحرز منه، وإما مباح بقيد الحاجة ويكره بدونها، وعلى كلا القولين لا تكره الإشارة لرد السلام. الدليل الرابع: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان إذا نابه شيء في صلاته أشار بيده لإفهام غيره، ولو كان ذلك في صلاة الفرض، مما يدل على أن الإشارة نفسها لا يكره فعلها في الصلاة، وإذا أبيحت الإشارة لإفهام الغير فإن مطلق ذلك يشمل كل إشارة، ولو كانت لرد السلام، فمن خص الإشارة لرد السلام بالكراهة دون غيرها فعليه الدليل. (ح-٢٤٥٣) من ذلك ما رواه عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يشير في الصلاة (١). [صحيح] (٢).

стр. 6825

وقد اختلف العلماء في تفسير: (كان يشير في الصلاة). فقيل: أي: يشير بأصبعه في التشهد، وهذا ما فهمه أبو حاتم الرازي. جاء في العلل لابن أبي حاتم: «سمعت أبي يذكر حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ أشار في الصلاة بأصبعه. قال أبي: اختصر عبد الرزاق هذه الكلمة من حديث النبي ﷺ أنه ضَعُف، فقدم أبا بكر يصلي بالناس، فجاء النبي ﷺ … فذكر الحديث. قال أبي: أخطأ عبد الرزاق في اختصاره هذه الكلمة؛ لأن عبد الرزاق اختصر هذه الكلمة، وأدخله في باب من كان يشير بإصبعه في التشهد [نقله في التنقيح، فقال: يشير بأصبعه في الصلاة] (١)، وأوهم أن النبي ﷺ إنما أشار بيده في التشهد، وليس كذاك هو» (٢). ولم يدخله عبد الرزاق في إشارة التشهد، وإنما هذا ما فهمه أبو حاتم. قال محقق العلل في حاشيته: «كذا قال أبو حاتم! والحديث في الموضع السابق من مصنف عبد الرزاق في (باب الإشارة في الصلاة)، ولم يقيده بالتشهد، ولم يذكر الإصبع، وليس في أحاديث الباب عند عبد الرزاق شيء يتعلق بالإشارة

стр. 6826

في التشهد، بل جميعها تحكي الإشارة في الصلاة عامة» (١). وقيل: اختصره من حديث الزهري، عن أنس، قال: سقط النبي ﷺ من فرس، فجحش شقه الأيمن، فدخلوا عليه فصلى بهم قاعدًا، وأشار إليهم أن اقعدوا … الحديث (٢). وهذا رأي الإمام الدارقطني، وهذا أقوى من القول السابق (٣). وعلى هذا التفسير يكون الحديث دليلًا على جواز الإشارة في الصلاة. ولا مانع أن يكون هذا الحديث ليس مأخوذًا من حديث واحد بعينه، بل من أفعال كثيرة احتاج فيها النبي ﷺ إلى الإشارة في صلاته؛ كما نقلت ذلك عائشة ﵁ في حديث متفق عليه عندما صلى بأصحابه قاعدًا، وقالت أم سلمة لخادمتها: (قومي جنبه فإن أشار بيده فاستأخري) متفق عليه، فلولا أن أم سلمة قد علمت أن النبي ﷺ يشير في صلاته لم تفرض هذا الأمر، وقد وقع كما توقعت ﵂. (ح-٢٤٥٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين، أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا .... (٤). (ح-٢٤٥٥) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن كريبًا، مولى ابن عباس، حدثه، أن ابن عباس، وعبد الرحمن بن أزهر،

стр. 6827

والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى أم سلمة اقرأ عليها¬ السلام منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد العصر. فقالت أم سلمة: سمعت النبي ﷺ ينهى عنهما، وإنه صلى العصر، ثم دخل علي وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فصلاهما، فأرسلت إليه الخادم، فقلت: قومي إلى جنبه، فقولي: تقول أم سلمة: يا رسول الله، ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين؟ فأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه .... الحديث (١). ولقد كان الصحابة يفعلون ذلك في صلاتهم وبعضهم في عصر الوحي، والصلاة شأنها عظيم، وما كانوا ليفعلوا ذلك لولا أنهم أخذوا ذلك من فعل النبي ﷺ في صلاته، وأن الإشارة شأنها خفيف في الصلاة. (ث-٥٩٦) فمن الآثار، ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، عن فاطمة، عن أسماء، قالت: دخلت على عائشة ﵂، وهي تصلي قائمة والناس قيام، فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ فقالت برأسها: أي نعم (٢). وقد رواه البخاري من طريق مالك (٣). وابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة (٤)، والطبراني في الكبير من طريق الليث بن سعد (٥)، ثلاثتهم عن هشام، وفيه: … فأشارت بيدها إلى السماء. وسواء أكان المحفوظ الإشارة بالرأس أم الإشارة باليد، فإن مخاطبة الغير

стр. 6828

بالإشارة في الصلاة لو كان مكروهًا لم تفعله عائشة ﵂. (ث-٥٩٧) ومنها ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، أن ابن عمر سَلَّم على رجل وهو في الصلاة، فرد عليه الرجل، فرجع إليه ابن عمر، فقال: إذا سُلِّم عليك، وأنت تصلي فرد عليه إشارة. قال معمر: وأخبرني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله (١). [صحيح] (٢). وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: رأيت ابن عمر يشير إليَّ، وإلى رجل في الصف، ورأى خللًا أن تقدم (٣). [صحيح] (٤). ولا يحفظ مخالف لعائشة وابن عمر ﵃. فهذه الأدلة منهم من وظفها دليلًا على استحباب الرد بالإشارة في الصلاة كالشافعية؛ وذلك لأن رد السلام في الصلاة ثبت من فعل النبي ﷺ ، وأفعال النبي ﷺ التعبدية الأصل فيها الاستحباب إلا ما كان منها بيانٌ لمجمل واجب، خاصة أن النبي ﷺ فعلها مع كونه مشغولًا في الصلاة، فلولا أنها مستحبة لما اشتغل بها عن صلاته. ومنهم من وظفها دليلًا على إباحة الإشارة في الصلاة كالحنابلة؛ لأن الإشارة

стр. 6829

في نفسها ليست ردًّا للسلام، وإنما هي عوض عن الرد؛ لأن الواجب في رد التحية أن يكون بمثلها أو بأحسن منها، والإشارة ليست مثلها، ولا بأحسن منها، ولم يأت أمر من الشارع يأمر برد السلام في الصلاة، وإنما خفف الشارع شأنها لكونها حركة يسيرة في الصلاة، فكان الرد بالإشارة مترددًا بين الاستحباب والإباحة، فأخذنا بالمتيقن وهو الحكم بالإباحة. وتفرد المالكية إلى القول بوجوب الرد بالإشارة في الصلاة اعتبارًا بالأصل، فإذا كان رد السلام واجبًا خارج الصلاة، ولم يترك النبي ﷺ الرد وهو في الصلاة، فيستصحب هذا الحكم حتى يأتي دليل صريح يستثني المصلي من وجوب الرد، وحيث لا يوجد دليل على التفريق بينهما في الحكم فالأصل أن حكمهما واحد. ولأنه ثبت في السنة أن رد السلام من حقوق المسلم على أخيه، (ح-٢٤٥٦) فقد روى الشيخان من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام .... وذكر الحديث (١). • دليل من قال: يكره رد السلام في الصلاة مطلقًا: الدليل الأول: سمى الله الإشارة قولًا، بقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، أي قولي ذلك بالإشارة، فلو كان المراد قول اللسان لأفسدت نذرها. قال ابن كثير: «المراد بهذا القول الإِشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾» (٢). وفهم القوم إشارة مريم، وأجابوها بقولهم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] فإطلاق القول على الإشارة، وكونهم فهموا منها ما تريده منهم، كل ذلك دليل على أن الإشارة كلام معنى.

стр. 6830

• ويجاب بجوابين: الجواب الأول: هذا الدليل يعكس عليهم، فهي نذرت ألا تتكلم ومع ذلك أشارت إليه، فلو كانت الإشارة كلامًا لحنثت في نذرها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالقول إذا أطلق لا يفهم منه إلا اللفظ، وإذا قيد فبحسبه، ولا يحتج بالمقيد على إرادة المطلق، فالله تعالى قال في كتابه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨]، ولو قال المصلي في نفسه كلامًا لم يعتبر متكلمًا، فدل على إن إطلاق القول على ما في النفس لا يعد كلامًا، فكذلك الإشارة، ولو قرأ الفاتحة في نفسه لم يقم بفرض القراءة حتى يتحرك بها لسانه، وفي قول: حتى يسمع نفسه. الجواب الثاني: لو كانت الإشارة كلامًا معنىً، كما يذهب إليه الحنفية لاقتضى ذلك بطلان الصلاة بالإشارة كالكلام، ولا قائل به، واختلافهما في الحكم دليل على اختلافهما في الحقيقة، فحقيقة الإشارة غير حقيقة الكلام. الدليل الثاني: (ح-٢٤٥٧) ما رواه الإمام إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا يونس بن بكير، أنا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: التسبيح للرجال في الصلاة، والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته إشارة تفهم فليعد لها الصلاة (١). [حديث أبي هريرة في التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصحيحين، وليس فيهما: زيادة: (ومن أشار في صلاته … إلخ) فهي زيادة شاذة] (٢).
следующие страницы →