← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

في التشهد، بل جميعها تحكي الإشارة في الصلاة عامة» (١). وقيل: اختصره من حديث الزهري، عن أنس، قال: سقط النبي ﷺ من فرس، فجحش شقه الأيمن، فدخلوا عليه فصلى بهم قاعدًا، وأشار إليهم أن اقعدوا … الحديث (٢). وهذا رأي الإمام الدارقطني، وهذا أقوى من القول السابق (٣). وعلى هذا التفسير يكون الحديث دليلًا على جواز الإشارة في الصلاة. ولا مانع أن يكون هذا الحديث ليس مأخوذًا من حديث واحد بعينه، بل من أفعال كثيرة احتاج فيها النبي ﷺ إلى الإشارة في صلاته؛ كما نقلت ذلك عائشة ﵁ في حديث متفق عليه عندما صلى بأصحابه قاعدًا، وقالت أم سلمة لخادمتها: (قومي جنبه فإن أشار بيده فاستأخري) متفق عليه، فلولا أن أم سلمة قد علمت أن النبي ﷺ يشير في صلاته لم تفرض هذا الأمر، وقد وقع كما توقعت ﵂. (ح-٢٤٥٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين، أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا .... (٤). (ح-٢٤٥٥) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن كريبًا، مولى ابن عباس، حدثه، أن ابن عباس، وعبد الرحمن بن أزهر،

стр. 6827

والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى أم سلمة اقرأ عليها¬ السلام منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد العصر. فقالت أم سلمة: سمعت النبي ﷺ ينهى عنهما، وإنه صلى العصر، ثم دخل علي وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فصلاهما، فأرسلت إليه الخادم، فقلت: قومي إلى جنبه، فقولي: تقول أم سلمة: يا رسول الله، ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين؟ فأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه .... الحديث (١). ولقد كان الصحابة يفعلون ذلك في صلاتهم وبعضهم في عصر الوحي، والصلاة شأنها عظيم، وما كانوا ليفعلوا ذلك لولا أنهم أخذوا ذلك من فعل النبي ﷺ في صلاته، وأن الإشارة شأنها خفيف في الصلاة. (ث-٥٩٦) فمن الآثار، ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، عن فاطمة، عن أسماء، قالت: دخلت على عائشة ﵂، وهي تصلي قائمة والناس قيام، فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ فقالت برأسها: أي نعم (٢). وقد رواه البخاري من طريق مالك (٣). وابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة (٤)، والطبراني في الكبير من طريق الليث بن سعد (٥)، ثلاثتهم عن هشام، وفيه: … فأشارت بيدها إلى السماء. وسواء أكان المحفوظ الإشارة بالرأس أم الإشارة باليد، فإن مخاطبة الغير

стр. 6828

بالإشارة في الصلاة لو كان مكروهًا لم تفعله عائشة ﵂. (ث-٥٩٧) ومنها ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، أن ابن عمر سَلَّم على رجل وهو في الصلاة، فرد عليه الرجل، فرجع إليه ابن عمر، فقال: إذا سُلِّم عليك، وأنت تصلي فرد عليه إشارة. قال معمر: وأخبرني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله (١). [صحيح] (٢). وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: رأيت ابن عمر يشير إليَّ، وإلى رجل في الصف، ورأى خللًا أن تقدم (٣). [صحيح] (٤). ولا يحفظ مخالف لعائشة وابن عمر ﵃. فهذه الأدلة منهم من وظفها دليلًا على استحباب الرد بالإشارة في الصلاة كالشافعية؛ وذلك لأن رد السلام في الصلاة ثبت من فعل النبي ﷺ ، وأفعال النبي ﷺ التعبدية الأصل فيها الاستحباب إلا ما كان منها بيانٌ لمجمل واجب، خاصة أن النبي ﷺ فعلها مع كونه مشغولًا في الصلاة، فلولا أنها مستحبة لما اشتغل بها عن صلاته. ومنهم من وظفها دليلًا على إباحة الإشارة في الصلاة كالحنابلة؛ لأن الإشارة

стр. 6829

في نفسها ليست ردًّا للسلام، وإنما هي عوض عن الرد؛ لأن الواجب في رد التحية أن يكون بمثلها أو بأحسن منها، والإشارة ليست مثلها، ولا بأحسن منها، ولم يأت أمر من الشارع يأمر برد السلام في الصلاة، وإنما خفف الشارع شأنها لكونها حركة يسيرة في الصلاة، فكان الرد بالإشارة مترددًا بين الاستحباب والإباحة، فأخذنا بالمتيقن وهو الحكم بالإباحة. وتفرد المالكية إلى القول بوجوب الرد بالإشارة في الصلاة اعتبارًا بالأصل، فإذا كان رد السلام واجبًا خارج الصلاة، ولم يترك النبي ﷺ الرد وهو في الصلاة، فيستصحب هذا الحكم حتى يأتي دليل صريح يستثني المصلي من وجوب الرد، وحيث لا يوجد دليل على التفريق بينهما في الحكم فالأصل أن حكمهما واحد. ولأنه ثبت في السنة أن رد السلام من حقوق المسلم على أخيه، (ح-٢٤٥٦) فقد روى الشيخان من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام .... وذكر الحديث (١). • دليل من قال: يكره رد السلام في الصلاة مطلقًا: الدليل الأول: سمى الله الإشارة قولًا، بقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، أي قولي ذلك بالإشارة، فلو كان المراد قول اللسان لأفسدت نذرها. قال ابن كثير: «المراد بهذا القول الإِشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾» (٢). وفهم القوم إشارة مريم، وأجابوها بقولهم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] فإطلاق القول على الإشارة، وكونهم فهموا منها ما تريده منهم، كل ذلك دليل على أن الإشارة كلام معنى.

стр. 6830

• ويجاب بجوابين: الجواب الأول: هذا الدليل يعكس عليهم، فهي نذرت ألا تتكلم ومع ذلك أشارت إليه، فلو كانت الإشارة كلامًا لحنثت في نذرها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالقول إذا أطلق لا يفهم منه إلا اللفظ، وإذا قيد فبحسبه، ولا يحتج بالمقيد على إرادة المطلق، فالله تعالى قال في كتابه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨]، ولو قال المصلي في نفسه كلامًا لم يعتبر متكلمًا، فدل على إن إطلاق القول على ما في النفس لا يعد كلامًا، فكذلك الإشارة، ولو قرأ الفاتحة في نفسه لم يقم بفرض القراءة حتى يتحرك بها لسانه، وفي قول: حتى يسمع نفسه. الجواب الثاني: لو كانت الإشارة كلامًا معنىً، كما يذهب إليه الحنفية لاقتضى ذلك بطلان الصلاة بالإشارة كالكلام، ولا قائل به، واختلافهما في الحكم دليل على اختلافهما في الحقيقة، فحقيقة الإشارة غير حقيقة الكلام. الدليل الثاني: (ح-٢٤٥٧) ما رواه الإمام إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا يونس بن بكير، أنا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: التسبيح للرجال في الصلاة، والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته إشارة تفهم فليعد لها الصلاة (١). [حديث أبي هريرة في التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصحيحين، وليس فيهما: زيادة: (ومن أشار في صلاته … إلخ) فهي زيادة شاذة] (٢).

стр. 6831

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6832

الدليل الثالث: (ح-٢٤٥٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (١). وجه الاستدلال: الحديث صريح في حكمه وفي تعليله. أما حكمه فقوله: (فلم يرد علينا) ومطلق نفي الرد يشمل اللفظ كما يشمل الإشارة. وأما التعليل فقوله: (إن في الصلاة شغلًا) وأي علة أوضح من هذه العلة؟ ولو كان اللفظ محمولًا على الرد باللفظ لعلل ذلك بأن الكلام محرم في الصلاة، فلما علل بما هو أعم من تحريم الكلام، وهو الاشتغال بالصلاة عن غيرها شمل ترك الرد مطلقًا لفظًا وإشارةً. • ويجاب من وجهين: الوجه الأول: أن قوله: (فلم يرد علينا) يحتمل نفي الرد مطلقًا، ويحتمل نفي الرد الذي كان

стр. 6833

معهودًا قبل نسخ الكلام، فاللفظ فيه إجمال، والقاعدة في المجمل من النصوص أن يردَّ إلى الواضح البين، وقد جاءت نصوص تبين أن النبي ﷺ كان يرد السلام بالإشارة من حديث صهيب، ومن حديث جابر، وجاء من أحاديث أخرى مقطوع بصحتها أن الرسول ﷺ كان يستخدم الإشارة في الصلاة لإفهام الغير، وإذا لم تكره الإشارة في الصلاة لم يكره الرد بها على من سلَّم؛ لأن كراهة رد السلام بالإشارة متوقف على كراهة الإشارة نفسها، فإذا لم تكره الإشارة لم يكره رد السلام بها. الوجه الثاني: أن قوله ﷺ : (إن في الصلاة لشغلًا) علة في نسخ إباحة الكلام، وليس علة في ترك الرد بالإشارة، فالرد بالكلام كان مباحًا، ثم نسخ؛ لأن الاشتغال به يشغل العبد ويصرفه عن صلاته، وعن مناجاة ربه والرد بالإشارة إنما استخدم بعد تحريم الكلام وليس قبله، والإشارة في الصلاة في غير رد السلام محفوظ، ولم يأت نص صريح في نسخه، وليس في الرد بالإشارة إلا ما في الحركة اليسيرة في الصلاة وهي مباحة للحاجة فكذلك الرد بالإشارة. الدليل الرابع: (ح-٢٤٥٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبان: حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: كنا نُسلِّم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا، فقدِمتُ على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلَّمتُ عليه فلم يردَّ عليَّ السلامَ، فأخذني ما قَدُم وما حَدُث، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاةَ قال: إن الله يُحْدِثُ من أمره ما يشاء، وإن الله تعالى قد أحدث أن لا تَكَلَّموا في الصلاة، فردَّ عليَّ السلام (١). [حسن إلا قوله: (فرد علي السلام) فإنها زيادة شاذة] (٢).

стр. 6834

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6835

وجه الاستدلال: كون النبي ﷺ رد على ابن مسعود بعد السلام من الصلاة دليل على أن النبي ﷺ لم يرد عليه في الصلاة، فإنه لا يشرع أن يرد السلام مرتين في الصلاة وبعدها. • وأجيب: بأن هذا الحرف من حديث ابن مسعود ليس بمحفوظ، والحديث في الصحيحين وفي غيرهما وليس فيه هذا الحرف، كما تبين لك من تخريج الحديث، والله أعلم. الدليل الخامس: (ح-٢٤٦٠) روى البخاري في صحيحه من طريق عبد الوارث، حدثنا كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة له، فانطلقت، ثم رجعت، وقد قضيتها، فأتيت النبي ﷺ ، فسلمت عليه فلم يرد علي فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله ﷺ وجد علي أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه، فلم يرد علي، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد علي، فقال: إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة (١). ففي هذا الحديث أن جابرًا ﵁ سلم على النبي ﷺ مرتين، وهو في الصلاة فلم يرد عليه، وسلم في الثالثة، فرد عليه، ولما اعتذر النبي ﷺ بترك الرد عليه في الأوليين لكونه يصلي علم أن السلام في الثالثة كان بعد انصرافه من الصلاة. • ويجاب: حديث جابر ﵁ له ألفاظ كثيرة، بعضها مختصر، وبعضها مفصل، وقد مر علينا أثناء البحث أن في بعضها: (فسلمت عليه، فأشار إليَّ)،، وهذه الرواية في مسلم وسبق تخريجها، فتحمل هذه الرواية على الرويات الأخرى المصرحة بذلك.

стр. 6836

الدليل السادس: (ح-٢٤٦١) ما رواه أبو يعلى من طريق روح، حدثنا زكريا، قال: أخبرنا أبو الزبير، عن جابر ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة فرجعت وهو على راحلته، فسلمت عليه فلم يرد علي شيئًا، ثم سلمت عليه فلم يرد علي شيئًا، فرأيته يرفع ويسجد فتنحيت عنه، وذكر فيه: … فلما قضى صلاته ناداني، فرد علي السلام وقال: إني كنت أصلي (١). [لم يقل أحد ممن رواه عن أبي الزبير: (ناداني فرد عليَّ السلام) إلا زكريا بن إسحاق، فهي زيادة شاذة] (٢).

стр. 6837

وجه الاستدلال: لو كان النبي ﷺ رد عليه بالإشارة لاكتفى بها، فكونه يرد عليه¬ السلام بعد الانصراف من الصلاة دليل على أنه لم يقصد بالإشارة رد السلام، وإنما قصد كفه عن الكلام، والله أعلم. • ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن الرد بعد السلام من حديث أبي الزبير عن جابر قد تفرد به زكريا بن إسحاق، عن أبي الزبير، وقد رواه جماعة عن أبي الزبير، وفي مقدمتهم الليث بن سعد، والثوري وزهير بن معاوية وهشام الدستوائي وغيرهم ولم يذكروا السلام بعد الانصراف من الصلاة، فهو حرف شاذ، وقد أبان عن ذلك تخريج الحديث. الجواب الثاني: أنه قد رواه جماعة عن أبي الزبير، فذكروا أنه رد عليه بالإشارة، منهم الليث بن سعد، وزهير بن معاوية، ويزيد بن إبراهيم التستري، وعمرو بن الحارث، انظر: تخريج الحديث، فهي زيادة محفوظة. الجواب الثالث: (ح-٢٤٦٢) أن النسائي، وابن حبان، روياه من طريق عمرو بن الحارث قال: أخبرني أبو الزبير،

стр. 6838

عن جابر قال: بعثني النبي ﷺ فأتيته، وهو يسير مشرقًا أو مغربًا، فسلمت عليه، فأشار بيده، ثم سلمت عليه، فأشار بيده، فانصرفت، فناداني: يا جابر، فناداني الناس: يا جابر، فأتيته فقلت: يا رسول الله، إني سلمت عليك فلم ترد علي، قال: إني كنت أصلي (١). فلم يفهم جابر ﵁ أن الإشارة من النبي ﷺ كان يقصد بها الرد على سلامه، وإلا لما أعاد السلام مرة أخرى. الجواب الرابع: لو فرضنا أن الإشارة من النبي ﷺ ليست لرد السلام فإن استخدامها بالصلاة لنهي الغير عن الكلام دليل على جواز رد السلام بها، لأن كراهة رد السلام بالإشارة متوقف على كراهة الإشارة نفسها، فإذا صحت الإشارة من المصلي لتفهيم الغير صح فعلها لكل ما يريد المصلي إفهامه لغيره، من رد سلام، أو زجر عن فعل، أو تنبيه أو غير ذلك. الجواب الخامس: على فرض أن يكون الرد بعد السلام محفوظًا فذلك محمول على أنه قد تجدد المقتضي للرد فجابر قد أعاد السلام على النبي ﷺ بعد انصرافه كما هي رواية عطاء ابن أبي رباح عن جابر في البخاري، حيث صرح جابر أنه سلم على النبي ﷺ مرتين، ولم يرد عليه¬ السلام يقصد باللفظ، وسلم عليه في الثالثة، فرد عليه¬ السلام واعتذر منه بأنه كان في صلاة. انظر: الدليل الرابع، فهذا الرد بعد السلام سببه تجدد السلام من جابر ﵁ بعد الصلاة، والله أعلم. • دليل من قال: يكره في الفرض دون النفل: هذا القول قد ذكرت وجهه في حكم السلام على المصلي، فارجع إليه إن شئت، وعمدته أن النفل أوسع من الفرض، فإذا سقط بعض الأركان والشروط في صلاة النفل مع القدرة عليها كالصلاة قاعدًا وعلى الدابة في السفر فالإشارة شأنها أخف من الشروط والأركان، كل هذا يدل على أنه يتسامح في النفل ما لا يتسامح في الفرض، والله أعلم.

стр. 6839

• ونوقش: بأن سقوط بعض الأركان والشروط في صلاة النفل قام الدليل الخاص على سقوط مثل ذلك، ولم يقم دليل على اختصاص الرد بالإشارة في صلاة النفل، فتخصيص مثل ذلك بالنفل تخصيص بلا مخصص، والأصل أن الصلاة جنس واحد، فما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل. • الراجح: أن السلام على المصلي على الإباحة، حيث لم ينقل عن النبي ﷺ أنه سلم على أحد من أصحابه، وهو يصلي، ولو كانت سنة لم يكن ليواظب على تركها، وإذا سُلِّم عليه كان يرد بالإشارة، ولم ينه عنه، فدل ذلك على الإباحة. وأما الرد عليه بالإشارة فهو متردد بين الإباحة والاستحباب، فالاستحباب؛ لكون الرد ثبت من فعل النبي ﷺ ، والفعل المجرد يحمل على الاستحباب لا سيما في العبادات. ويحتمل الفعل الإباحة؛ لكون المصلي معذورًا بالاشتغال بالعبادة، والرد يقطع عليه قراءته ومناجاته لله، والإشارة ليست كالرد باللفظ، وإنما سمح فيها لأنها بمنزلة الحركة اليسيرة في الصلاة، فكانت مغتفرة، فإذا ترك الرد فأرجو ألا يكون عليه بأس لكون المشغول لا يشغل، والله أعلم.

стр. 6840

المبحث الخامس في إبطال الصلاة بالضحك مسألة الفرق بين الضحك والقهقهة بعض الفقهاء يعبر بالضحك وبعضهم يعبر بالقهقهة. الضحك: هو اسم جنس تحته نوعان: التبسم والقهقهة. وقيل: الضحك إن كان بلا صوت فتبسم، وإن كان بصوت يسمع من بعيد فقهقهة، وإلا فضحك (١). فالضحك: هو انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور مع صوت لا يسمع من بعد، فإن سمع من بعد فهو القهقهة (٢). قال الحنفية: حد القهقهة أن يكون مسموعًا له ولجيرانه، والضحك أن يكون مسموعًا له، ولا يكون مسموعًا لجيرانه، والتبسم ألا يكون مسموعًا له ولا لجيرانه (٣). وظاهر مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: لا فرق بين الضحك والقهقهة في إبطال الصلاة، سواء قلنا: هما حقيقتان، أو اعتبرناهما حقيقة واحدة بجامع أن الضحك والقهقهة يشتمل كل منهما على صوت هو السبب في إبطال الصلاة بخلاف التبسم، ولهذا كان تعبير الجمهور أحيانًا بالضحك، وأحيانًا بالقهقهة من غير فرق في حكم كل واحد منهما.

стр. 6841

فاختار خليل في مختصره التعبير بالقهقهة، فقال: وبطلت بقهقهة. واختار القيرواني في الرسالة والأخضري في متنه التعبير بالضحك. قال القيرواني: «ومن ضحك في الصلاة أعادها، ولم يعد الوضوء» (١). وقال الأخضري في متنه: «ومن ضحك في الصلاة بطلت، سواء كان ساهيًا أو عامدًا، ولا يضحك في صلاته إلا غافل متلاعب» (٢). وقال المازري: «وأما الضحك الذي هو القهقهة، فاختلف فيه .. » (٣). وقال الدردير في الشرح الكبير: «وبطلت الصلاة بقهقهة: وهو الضحك بصوت» (٤). وقال الْأَقْفَهْسِيُّ نقلًا من مواهب الجليل: «الضحك على وجهين: بغير صوت، وهو التبسم. وبصوت: وهو المراد بقول الرسالة، ومن ضحك في الصلاة أعادها ولم يعد الوضوء» (٥). فتارة يفسر بعض المالكية القهقهة بالضحك، وتارة يفسرون الضحك بالقهقهة، وتارة يقسمون الضحك قسمين: بصوت وبغير صوت، مما يدل على أنه لا فرق بينهما في الحكم. وقال الماوردي الشافعي: «الضحك نوعان: تبسم وقهقهة، فأما التبسم فلا يؤثر في الصلاة». وقال النووي في المنهاج: «والأصح أن التنحنح والضحك والبكاء والأنين والنفخ إن ظهر منه حرفان بطلت، وإلا فلا» (٦). قال الخطيب في شرحه: «وخرج بالضحك التبسم فلا تبطل به الصلاة» (٧).

стр. 6842

فجعل الضحك في مقابل التبسم فدخل في الضحك القهقهة. وأكثر الحنابلة يعبر بالقهقهة، ولا يريد إخراج الضحك، بل يريد إخراج التبسم، فدل على أن حكمهما واحد. قال الحجاوي في الإقناع: «وإن قهقه بطلت ولو لم يبن حرفان، لا إن تبسم» (١). وقال في الفروع: «والتبسم ليس كلامًا بل القهقهة … » (٢). وفرق الحنفية في الحكم بين القهقهة والضحك في الصلاة، فجعلوا الأول يبطل الصلاة والوضوء، والثاني يبطل الصلاة وحدها. فتبين من هذا أن التفريق ليس في باب إبطال الصلاة، وإنما في إبطال الوضوء، فانفرد الحنفية بالقول أن القهقهة تبطل الوضوء، خلافًا للجمهور. وقال ابن تيمية: «يستحب له أن يتوضأ في أقوى الوجهين؛ لكونه أذنب ذنبًا، وللخروج من الخلاف، فإن مذهب أبي حنيفة ينتقض وضوءه، والله أعلم» (٣). والتعليل بالذنب يشعر أنه يشترط في الاستحباب القهقهة عمدًا، وهذا خلاف مذهب الحنفية، فإنه لا فرق في إبطال الوضوء في القهقهة بين العمد والسهو. وأما في إبطال الصلاة بالضحك فلا فرق بين الحنفية وبين الجمهور في الجملة، وإن اختلفوا في التفريق بين السهو والعمد والقليل والكثير كما سيأتي إن شاء الله بيانه عند الكلام على حكم الضحك في الصلاة، والله أعلم.

стр. 6843

المبحث السادس خلاف العلماء في إبطال الصلاة بالضحك المدخل إلى المسألة: • التبسم حركة الشفتين بلا صوت، فلا تبطل الصلاة كحركة الأجفان والقدمين. • الضحك معدود في المنهيات، والمنهيات تسقط بالنسيان بخلاف المأمورات. • لا يصح حديث مرفوع في إبطال الصلاة بالضحك، والعمدة في ذلك الإجماع. • إذا كان إبطال الصلاة بالضحك مخرجًا على النهي عن الكلام في الصلاة، فقد دل الدليل على أن المتكلم جاهلًا لا تبطل صلاته، حيث لم يأمر النبي ﷺ معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة، وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان. • الأكل منافٍ للصيام، وإذا أكل الصائم ناسيًا لم يفسد صومه على الصحيح، وهو مذهب الجمهور من غير فرق بين القليل والكثير، فكذلك الضحك. • القهقهة تبطل الصلاة ولو لم يظهر منها حرفان؛ لما فيها من التلاعب والاستخفاف بما ينافي مقصود الصلاة. [م-٨١٨] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن التبسم لا يبطل الصلاة؛ لأن الأصل عدم الإبطال، ولأن التبسم لا صوت فيه، وإنما حقيقته تحريك الشفتين حتى تبدو أسنانه، فهو كحركة الأجفان أوالقدمين (١). قال في البحر الرائق: «وظاهر كلامهم أن التبسم غير مكروه، ولذا قال في الاختيار: ولا حكم للتبسم» (٢).

стр. 6844

ويروى فيه حديث، ولا يصح. (ح-٢٤٦٣) فقد روى أبو يعلى الموصلي من طريق الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في غزوة بدر إذ تبسم في صلاته، فلما قضى الصلاة قلنا: يا رسول الله، رأيناك تبسمت؟ قال: مر بي ميكائيل وعلى جناحه أثر غبار، وهو راجع من طلب القوم، فضحك إلي فتبسمت إليه (١). [ضعيف جدًّا] (٢). وقال المالكية: يكره تعمده في الصلاة؛ لأنه ينقص من هيئة الخشوع فيها، فإن كثر حَرُم (٣). قال ابن المنذر: «أكثر أهل العلم لا يرون التبسم يقطع الصلاة … وقال ابن سيرين: لا أعلم التبسم إلا ضحكًا» (٤). (ث-٥٩٨) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن مهدي، عن الحكم بن عطية، عن ابن سيرين، أنه سئل عن التبسم في الصلاة، فقرأ هذه الآية: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]، لا أعلم التبسم إلا ضحكًا (٥). [حسن] (٦).

стр. 6845

وقال ابن حزم: «وأما التبسم فإن الله تعالى يقول: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والقنوت: الخشوع، والتبسم ضحك، قال الله : ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾، ومن ضحك في صلاته فلم يخشع، ومن لم يخشع فلم يصل كما أمر» (١). وقيل: تبسم ابتداء ضاحكًا انتهاء، أي: تبسم شارعًا في الضحك وآخذًا فيه، يعني: أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك. قال الفاكهي: «وقد جعله ابن عصفور حالًا مؤكدة، وهو بعيد، أو وهم، فقد علمت بذلك أن التبسم غير الضحك» (٢). والراجح أن التبسم لا يبطل الصلاة، والقول بالإبطال لا يعرف إلا عن ابن سيرين، وتبعه على هذا ابن حزم، والأمة على خلاف قولهما. [م-٨١٩] واتفقوا على إبطال الصلاة إذا تعمد الضحك عالمًا بالتحريم وبان منه حرفان، واختلفوا في الضحك إذا لم يظهر منه حرفان، أو كان غلبة أو سهوًا، على النحو التالي. القول الأول: مذهب الحنفية. ذهب الحنفية إلى أن القهقهة تفسد الوضوء والصلاة جميعًا، والضحك يفسد الصلاة دون الوضوء ناسيًا كان أم متعمدًا (٣).

стр. 6846

قال في المبسوط: «وإن قهقه في صلاة استقبل الصلاة والوضوء عندنا ناسيًا كان أو عامدًا … سوى بين النسيان والعمد في الكلام ففي القهقهة أولى» (١). القول الثاني: المالكية. ذهب المالكية إلى أن الضحك بصوت يبطل الصلاة عمدًا كان أم غلبة أم نسيانًا، في حق الفذ والإمام، ويتمادى المأموم، ويعيد (٢). قال ابن شاس في الجواهر: «يستوي في ذلك العمد والسهو والغلبة» (٣). وقولهم: (القهقهة: الضحك بصوت) ظاهره أبان منه حرفان أم لا، ما دام معه صوت؛ لأن الضحك بلا صوت من التبسم، وسبق حكمه والحمد لله. وقال سحنون وأشهب وأصبغ وابن المواز: «إذا ضحك ساهيًا سجد لسهوه قياسًا على الكلام، وإن كان عامدًا أو جاهلًا بطلت صلاته» (٤). قال ابن ناجي في شرح الرسالة: «وكل من لقيته لا يرتضي هذا القول للزوم الضحك عدم الوقار مطلقًا» (٥). وقال ابن ناجي: «إن ضحك سرورًا بما أعد الله لأوليائه، لم تبطل صلاته» (٦). ولم يسبق إليه. ويظهر من مذهب المالكية عدم التفريق في الإبطال بين القهقهة والضحك. ولهذا فسروا القهقهة: هي الضحك بصوت (٧).

стр. 6847

القول الثالث: مذهب الشافعية. ذهب الشافعية إلى أن الضحك إن لم يبن منه حرفان لم يضر، وإن ظهر منه حرفان وكان متعمدًا بطلت صلاته، وإن كان غلبة أو نسيانًا، أو جهلًا وكان يسيرًا في العرف، لم تبطل صلاته بلا خلاف عندنا، وإن كان كثيرًا بطلت في أصح الوجهين (١). وقيل: لا تبطل، وهو قول أبي إسحاق المَرْوَزِيِّ (٢). جاء في التنبيه: «وإن تكلم عامدًا أو قهقه عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ذلك ساهيًا، أو جاهلًا بالتحريم، أو مغلوبًا، ولم يطل الفصل لم تبطل صلاته، وإن أطال فقد قيل: تبطل، وقيل: لا تبطل» (٣). عقب على ذلك في تحرير الفتاوى، فقال: الأصح: البطلان، وعليه مشى المنهاج والحاوي (٤). القول الرابع: مذهب الحنابلة. إذا قهقه في الصلاة ففي المذهب روايتان، وقيل: وجهان: أحدهما: تبطل بها الصلاة ولو لم يبن حرفان، عمدًا كان أم جهلًا أم سهوًا، قليلًا كان أم كثيرًا، وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة نص عليه في الإقناع والمنتهى، واختاره ابن تيمية (٥).

стр. 6848

قال في الإقناع: وإن قهقه بطلت، ولو لم يبن حرفان (١). الثاني: لا تبطل الصلاة إلا أن يبين حرفان فأكثر، وهو ظاهر كلام المقنع، وكثير من الحنابلة، وجزم به القاضي في المجرد، وصاحب الهداية، والمستوعب (٢). فخلص القول في القهقهة إن وقعت عمدًا ففيها قولان: قيل: تبطل الصلاة مطلقًا، وحكي إجماعًا. وقيل: لا تبطل، إلا أن يظهر منها حرفان، وهو مذهب الشافعية، ووجه عند الحنابلة. وإن وقعت غلبة أو نسيانًا أو جهلًا، ففيها خمسة أقوال: القول الأول: تُبْطِل الصلاة مطلقًا، وهو مذهب المالكية، والحنفية والصحيح من مذهب الحنابلة. القول الثاني: لا تُبْطِل مطلقًا، وهو قول لبعض المالكية، ووجه عند الشافعية. القول الثالث: تُبْطِل إن ظهر منها حرفان، وكانت كثيرة عرفًا، وإلا فلا، وهو المعتمد في مذهب الشافعية. القول الرابع: تُبْطِل إن ظهر منها حرفان، وهو قول عند الحنابلة. القول الخامس: إن وقعت سرورًا بما أعده الله لأوليائه في الجنة لم تبطل، تفرد به ابن ناجي من المالكية، والله أعلم. وأما أثر القهقهة على صحة الوضوء في الصلاة، فلن أتعرض له هنا؛ لأني قد تعرضت له في نواقض الوضوء من موسوعة أحكام الطهارة، فارجع إليه إن شئت

стр. 6849

دفعًا للتكرار، والحمد لله. • دليل من قال: الضحك يبطل الصلاة مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢٤٦٤) روى البخاري من طريق يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت. ورواه مسلم من طريق هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد به، وزاد: ونهينا عن الكلام (١). وجه الاستدلال: فإذا نهينا عن الكلام مع أن المصلي قد يحتاج إليه، كان النهي عن القهقهة من باب أولى، خاصة أن القهقهة تنافي الخشوع، وفيها من الاستخفاف والتلاعب ما يناقض المقصود من الصلاة. (ح-٢٤٦٥) ومنها ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث، والحديث فيه قصة (٢). فهذه الأحاديث دلت بعمومها على تحريم الكلام في الصلاة من غير فرق بين الكلام الواقع على وجه السهو وبين الكلام الواقع على وجه العمد، وإذا كان هذا في حكم الكلام، فالضحك والقهقهة في الصلاة من باب أولى؛ لأن الكلام لا ينافي الخشوع ولا الأدب ولهذا كان مباحًا في أول الأمر، بخلاف القهقهة في الصلاة، ولهذا كان ضحك الأنبياء تبسمًا.

стр. 6850

• ويناقش: إذا كان إبطال الصلاة بالضحك مخرجًا على الكلام في الصلاة، فقد دل الدليل على أن المتكلم جاهلًا لا تبطل صلاته، حيث لم يأمر النبي ﷺ معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة، وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان. وقياسًا على الصيام، فإن الأكل منافٍ للصيام، وإذا أكل الصائم ناسيًا لم يفسد صومه على الصحيح، وهو مذهب الجمهور بما فيهم الحنفية والحنابلة، فكذلك إذا ضحك ناسيًا لم تبطل صلاته، والله أعلم. الدليل الثاني: (ث-٥٩٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: إذا ضحك الرجل في الصلاة أعاد الصلاة، ولم يعد الوضوء (١). [حسن موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (٢).

стр. 6851

• ويناقش: يحمل أثر جابر ﵁ على تعمد الضحك في الصلاة، وسوف تأتي الأدلة على أن الضحك ناسيًا أو جاهلًا لا يبطل الصلاة. الدليل الثالث: (ث-٦٠٠) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: كانوا في سفر، فصلى بهم أبو موسى، فسقط رجل أعور في بئر، أو شيء، فضحك القوم كلهم غير أبي موسى والأحنف فأمرهم أن يعيدوا الصلاة (١). [منقطع، حميد لم يسمع من أبي موسى] (٢). الدليل الرابع: الإجماع، قال ابن المنذر: «أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة» (٣). ولم يقيد ذلك بظهور حرف أو حرفين، وظاهره: لا فرق بين القليل والكثير، والعمد وخلافه. • دليل من قال: الضحك اليسير إن كان غلبة أو نسيانًا أو جهلا لا يبطل الصلاة: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].

стр. 6852

فنفي الجناح كما يصدق على رفع الإثم، وهو إجماع، يصدق على حفظ العبادة عن الإبطال بالجهل والنسيان على الصحيح خاصة في باب المنهيات. • ويناقش: بأن الآية لا تفرق بين اليسير والكثير في نفي الجناح عن الخطأ. الدليل الثاني: التفريق بين يسير الضحك وكثيره إذا وقع غلبة أو نسيانًا في إبطال الصلاة راجع إلى أن الكثير يخرج الصلاة عن هيئتها، وينتهك حرمة الصلاة بخلاف اليسير. وللتفريق بين الحركة الكثيرة واليسيرة في الصلاة. وقياسًا على العفو عن يسير النجاسة. وقياسًا على انكشاف اليسير من العورة في الصلاة، وحتى انكشاف الكثير في الزمن اليسير فإنه لا يبطل الصلاة على قول الحنفية والحنابلة فكذلك اليسير من الضحك إذا وقع غلبة أو نسيانًا (١). • ويناقش: القياس على الحركة قياس مع الفارق، فإن الحركة اليسيرة في الصلاة مباحة، بخلاف الضحك في الصلاة، وأما القياس على انكشاف العورة، فإن ذلك محل خلاف بين العلماء، والمخالف لا يلتزم الأصل، فلا يلزمه الفرع. ولماذا لا يقاس الضحك ناسيًا على الصائم إذا أكل ناسيًا، فإن الجمهور لا يفرق في العفو بين الكثير والقليل.

стр. 6853

• دليل من قال: الضحك ينقض الصلاة إن ظهر منه حرفان: القهقهة مجرد صوت، فإذا انتظم منه حرفان أصبح كلامًا، فالكلام في اللغة ما تركب من حرفين، وإن كان مهملًا لا فائدة فيه، واشتراط الإفادة اصطلاح للنحويين، والكلام يبطل الصلاة، فكذلك القهقهة. • ويناقش: بأن قياس القهقهة على الكلام من باب قياس الأغلظ على الأخف، وقد ناقشت في إبطال الصلاة بالكلام أن يظهر منه حرفان، وبينت ضعفه، ولو سلم ذلك في الكلام فلا يسلم ذلك في القهقهة؛ لكون القهقهة فيها من التلاعب والاستخفاف ما ينافي مقصود الصلاة، فلا يشترط فيها ما يشترط في الكلام، والله أعلم. • دليل من قال: الضحك إذا وقع سهوًا لا يبطل الصلاة: الضحك معدود في المنهيات، والمنهيات تسقط بالنسيان، ولهذا خلع النبي ﷺ نعليه بعد ما مضى جزء من صلاته وبنى على ما صلى؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري (١)، بخلاف المأمورات فإنه حين رأى رجلًا في قدمه لمعة لم يصبها الماء، قال: ارجع فأحسن وضوءك (٢). وقال ﷺ للمسيء صلاته كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ. والفرق بين المأمورات والمنهيات من حيث المعنى: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها، امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيها. ذلك أن فعل الناسي والجاهل يجعل وجوده كعدمه؛ لأنه معفو عنه، فإذا كان

стр. 6854

قد فعل محظورًا كان كأنه لم يفعله، فلا إثم عليه، ويصبح فعله العبادة كأنها خالية من فعل المحظور. وإذا ترك واجبًا ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه بالترك، لكنه إذا صار في حكم من لم يفعله يبقى في عهدة الأمر حتى يفعله إذا كان الفعل ممكنًا، وبهذا يظهر الفرق بين القهقهة في الصلاة ناسيًا وبين ترك الوضوء. • دليل من قال: الضحك سرورًا من ثواب الله في الصلاة لا يبطلها: قياس الضحك على البكاء خوفًا من عقابه، ولعدم قصد اللعب بالضحك. • الراجح: أن تعمد الضحك يبطل الصلاة، وإذا وقع سهوًا أو جهلًا لم يبطل الصلاة، والله أعلم.

стр. 6855

المبحث السابع إبطال الصلاة بالبكاء المدخل إلى المسألة: • تصنع البكاء في الصلاة نوع من الكذب وإظهارٌ للتخشع، والمطلوب الخشوع، لا تصنعه. • البكاء نوعان: نوع يتعلق بالصلاة كأثر للخشوع فلا ينبغي الخلاف في جوازه، ونوع لا يتعلق بها كالبكاء لوجع أو مصيبة أو خبر مفرح، فإن كان مغلوبًا جاز، لأنه ليس في وسعه دفعه، وإن أمكن دفعه وتمادى فيه حتى كثر فسدت صلاته. • البكاء القليل لوجع أو مصيبة ونحوهما لا يضر الصلاة مطلقًا ولو أمكن دفعه؛ لأن جنسه مباح في الجملة، وقياسًا على الحركة اليسيرة لغير حاجة. • دلت النصوص على وقوع البكاء في الصلاة خشوعًا لله ومدح الله البكائين. • إطلاق هذه النصوص أقل ما تدل عليه هو إباحة البكاء إذا كان من أثر الخشوع، وأنه لا ينهى عنه حتى ولو كان المصلي قادرًا على دفعه ما لم يتصنعه. • لم ينقل في النصوص التي وقع فيها البكاء أن المصلي حاول دفعه وكتمه فلم يستطع، والمطلق جارٍ على إطلاقه لا يقيد إلا بدليل. • إذا استرسل المصلي مع خشوعه وتضرعه حتى بكى لم تفسد صلاته، ولو لم يكن مغلوبًا، ولو كان بالإمكان دفعه. • اشتراط الغلبة لإباحة البكاء لا دليل عليه، وكل شرط ليس في كتاب الله أو في سنة رسوله ﷺ فليس بشرط. • تطلب البكاء في الصلاة بلا تكلف ولا تصنع كتطلب الخشوع في الصلاة.

стр. 6856

• القول بأن البكاء كلام في المعنى من أضعف الأقوال، والمنهي عنه في الصلاة هو كلام الناس كما في حديث معاوية بن الحكم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس). • لا يعد البكاء من كلام الناس لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف، وإلا لعد أصوات الحيوانات والطيور من كلام الناس. [م-٨٢٠] إذا بكى الرجل في الصلاة بصوت، فإن كان اختيارًا، ولم يكن الباعث عليه خشوع، ولا وجع أو مصيبة. فقيل: تبطل صلاته مطلقًا، وهو مذهب الحنفية والمالكية (١). وقيل: تبطل إن بان منه حرفان وإلا فلا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢). قال في كشاف القناع: «ويكره استدعاء البكاء كما يكره استدعاء الضحك؛ لئلا يظهر حرفان فتبطل صلاته» (٣). • دليل من قال بالبطلان إذا ظهر منه حرفان: الدليل الأول: حديث معاوية بن الحكم (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ … ). الحديث، والحديث فيه قصة (٤). والبكاء ليس بواحد منها، فلا يشرع تعمده.

стр. 6857

الدليل الثاني: تعمد الكلام في الصلاة يبطلها، وقد دلت النصوص على تحريم الكلام، والكلام صوت مشتمل على حرف أقله اثنان، ولا يشترط الإفادة، فإذا لم يبن منه حرفان فلا يُبْطِل الصلاة، ولو تعمده، فكان الكلام جنس والبكاء نوع منه، فإذا تعمده، واشتمل على حرفين كان بمنزلة من تكلم في صلاته متعمدًا. • ويناقش: القول بأنه إذا اشتمل على حرفين اعتبر كلامًا، والكلام ممنوع في الصلاة، فهذا ليس سديدًا؛ لأن المنهي عنه في الصلاة هو كلام الناس كما في حديث معاوية بن الحكم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، والبكاء ليس من كلام الناس، ولا يطلق على البكاء كلامًا لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف. • دليل من قال: يبطل تعمده مطلقًا: إذا بكى متعمدًا بطلت صلاته؛ لأنه تعمد رفع صوته بما لا يشرع مثله في الصلاة اختيارًا، سواء أبان منه حرفان أم لا، فالمصلي رفع صوته في صلاته بما ليس قرآنًا، ولا ذكرًا، ولا أثرًا عن خشوع مطلوب، فيقال: ما ترتب على المأذون فغير مضمون. ولا غلبة ليس في وسعه دفعه حتى يدخل في الخلاف في اعتبار مثل ذلك عذرًا، فلهذا بطلت صلاته، ولا لوجع أو مصيبة فيكون رفع صوته بمثل ذلك عبثًا. • الراجح: إذا تعمد الرجل البكاء، ولم يكن من خشوع أو من وجع أو مصيبة كان ذلك من تصنع البكاء وهو مضر بالصلاة؛ لأن المطلوب هو الخشوع في الصلاة، وليس التخشع، وإذا كان ذلك على مسمع من الناس دخل ذلك على صاحبه ما دخله من إظهار الخشوع، والحال خلاف ذلك. وإن كان المقصود بالعمد: هو البكاء خشوعًا بما يمكنه دفعه، فلم يدفعه فهذا ليس بشرط فإذا كان البكاء أثرًا للخشوع، لم يفسد البكاء صلاته، ولو أمكنه دفعه، وسوف يأتي ذكر الخلاف فيه، وبيان الراجح إن شاء الله تعالى.

стр. 6858

• وإن بكى لخشوع أو لمصيبة أو وجع، فاختلفوا: القول الأول: مذهب الحنفية. ذهب الحنفية إلى أن البكاء إن كان لذكر جنة أونار لم تبطل صلاته مطلقًا: أي سواء كان يمكنه دفعه أم لا، وسواء بان منه حروف أم لا، وسواء كان كثيرًا أم قليلًا؛ لأنه دال على زيادة الخشوع (١). وإن كان لوجع أو مصيبة، فإن كان لا يمكنه الامتناع عنه لم تفسد صلاته قولًا واحدًا في مذهب الحنفية، وإن كان يمكنه دفعه ففي المذهب قولان: الأول: تفسد صلاته إن كان بصوت وحروف مطلقًا، سواء أكانت الحروف أصلية أم زائدة، وهو قول أبي حنفية ومحمد بن الحسن. قال في الدر المختار شرح تنوير الأبصار في ذكر ما يفسد الصلاة: «(والبكاء بصوت) يحصل به حروف (لوجع أو مصيبة) … إلا لمريض لا يملك نفسه عن أنين وتأوه؛ … وإن حصل حروف للضرورة، لا لذكر جنة أو نار» (٢)، أي: فلا يفسدها.

стр. 6859

وقال أبو يوسف: قول: (آه) لا يفسد صلاته في الحالين، سواء أكان من ذكر الجنة والنار، أومن وجع أو مصيبة، وإذا قال: (أوَّه) فسدت. وجه قول أبي يوسف: أن الكلمة إن استعملت على حرفين زائدين أو أحدهما زائد لا تفسد، ولو كانا أصليين أفسدت، أما لو زادت على الحرفين أفسد على كل حال (١). قال ابن نجيم: «محل الخلاف فيما إذا أمكن الامتناع عنه، أما ما لا يمكن الامتناع عنه فلا يفسد عند الكل كالمريض إذا لم يملك نفسه من الأنين والتأوه؛ لأنه حينئذ كالعطاس والجشاء إذا حصل بهما حروف» (٢). القول الثاني: مذهب المالكية: قال المالكية: إن كان البكاء أو الأنين اختيارًا بطلت صلاته مطلقًا، وإن كان غلبة، فإن كان الأنين لوجع أو كان البكاء لخشوع لم تبطل صلاته، وظاهره ولو كان ذلك كثيرًا، وإن كان الأنين لغير وجع، والبكاء لغير تخشع كما لو كان لمصيبة أو وجع كان بمنزلة الكلام، عمده يبطل، ولو قَلَّ، وسهوه: يبطل إن كثر، وإن قَلَّ جُبِر بسجود السهو (٣).

стр. 6860

القول الثالث: مذهب الشافعية. قال الشافعية: إن كان البكاء غلبة أو نسيانًا أو جهلًا بالتحريم فيسيره لا يبطل الصلاة بلا خلاف، وفي كثيره وجهان، الأصح بطلانه، كما قالوا ذلك في القهقهة، وقيل: لا يبطل (١). قال النووي في المجموع: «وأما الضحك والبكاء والأنين والتأوه والنفخ ونحوها، فإن أبان منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا، وسواء بكى للدنيا أو للآخرة» (٢). وظاهره بطلان الصلاة بالضحك والبكاء وما ذكر معهما من غير فرق بين القليل والكثير، والغلبة والاختيار، والعمد والنسيان، وليس الأمر كذلك. وسبق لنا عند تحرير مذهب الشافعية في الضحك، وأن عمده مبطل مطلقًا، وأما إذا وقع غلبة أو نسيانًا أو جهلًا بالتحريم وكان يسيرًا فلا يبطل الصلاة بلا خلاف

стр. 6861

عندهم، وفي الكثير وجهان، أصحهما البطلان، فكذلك البكاء. قال في تحرير الفتاوى: «قول الحاوي: (وضحك وبكاء وأنين وتنحنح) ظاهر عبارته بطلان الصلاة بقليل هذه الأشياء وكثيرها، وليس كذلك، بل هي كالكلام» (١). وإذا كان البكاء كالكلام أعطي حكمه عندهم، وعليه يكون البكاء غلبة أو نسيانًا أو جهلًا بالتحريم يسيره لا يبطل الصلاة بلا خلاف، وفي كثيره وجهان الأصح بطلانه، وقيل: لا يبطل. ومحال أن يكون البكاء أشد من القهقهة؛ لأن القهقهة تنافي مقصود الصلاة بخلاف البكاء، فإنه قد يغلب عليه بسبب الخشوع، والخشوع مطلوب في الصلاة (٢). القول الرابع: مذهب الحنابلة. وقال الحنابلة: البكاء من خشية الله لا تبطل الصلاة مطلقًا، وظاهره ولو كان كثيرًا ولو أمكنه دفعه. والبكاء لوجع أو مصيبة إن كان غلبة لم تبطل صلاته، ولو بان منه حرفان، وإن انتحب لا غلبة، ولا خشية فبان حرفان بطلت كالكلام (٣). جاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا تبطل إن انتحب مصل خشية من الله تعالى أو غلبه سعال … ونحوه كبكاء، ولو بان منه حرفان، نص عليه فيمن غلبه البكاء» (٤).

стр. 6862

فجعل البكاء نوعين: بكاء من خشية الله، فهذا لا يبطل الصلاة مطلقًا، أي سواء كان يمكنه دفعه أم لا، وسواء كان قليلًا أم كثيرًا. النوع الثاني: البكاء غلبة بحيث لا يمكنه دفعه، فهذا لا يبطل الصلاة، ولم يبين الباعث على البكاء فشمل البكاء غلبة ما كان لوجع أو سماع مصيبة أو غيرهما. أما إذا كان البكاء ليس من خشية الله، ولم يكن غلبة بحيث يمكنه دفعه فهذا يبطل الصلاة إن ظهر منه حرفان. هذا معنى قول المنتهى، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، وهو موافق لقول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن خلافًا لأبي يوسف المتقدم. ونقل ابن قدامة في المغني عن أحمد أنه قال في رواية مهنا في البكاء الذي لا يفسد الصلاة: إنه ما كان عن غلبة (١). ولم يفرق بين غلبة الخشوع وغلبة الوجع والمصيبة. وقال ابن تيمية: «فأما ما يغلب عليه المصلي من عطاس وبكاء وتثاؤب فالصحيح عند جمهور العلماء أنه لا يبطل وهو منصوص أحمد وغيره» (٢). ولعله يقصد ما غلب بسبب الخشوع، لا ما غلب لوجع أو مصيبة، فالشافعية يبطلون به الصلاة بشرطين: الكثرة وظهور حرفين، والمالكية يبطلون به الصلاة بشرط الكثرة والسهو. القول الخامس: ذهب ابن المنذر وابن تيمية إلى القول بإباحة البكاء في الصلاة. قال ابن المنذر في الأوسط: «البكاء في الصلاة مباح، يدل على إباحته غير خبر عن رسول الله ﷺ » (٣). وظاهر الإطلاق إباحة البكاء في الصلاة ولو كان قادرًا على دفعه إذا كان أثرًا عن التأثر بمواعظ القرآن، أو التضرع والابتهال والدعاء. وقال ابن تيمية: «وأما السعال والعطاس والتثاؤب والبكاء الذي يمكن دفعه والتأوه والأنين فهذه الأشياء هي كالنفخ. فإنها تدل على المعنى طبعًا، وهي أولى بأن

стр. 6863

لا تبطل، فإن النفخ أشبه بالكلام من هذه» (١). فخلصنا من الخلاف كالتالي: • إذا بكى بصوت لوجع أو لمصيبة: فقيل: البكاء لمرض أو مصيبة إن كان غلبة لم يبطل الصلاة مطلقًا، بان منه حرفان أم لا، وإن كان يمكنه دفعه وظهر منه حرفان بطلت صلاته، وهذا مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن والمعتمد عند الحنابلة. وقال أبو يوسف: يشترط في الحرفين أن يكونا أصليين. وقيل: إن كان غلبة، أونسيانًا أو جهلًا، فإن كان يسيرًا لم يبطل قولًا واحدًا، وإن كان كثيرًا، وظهر منه حرفان بطلت صلاته وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية. وقال المالكية: إن بكى لوجع أو لمصيبة فهو بمنزلة الكلام، عمده يبطل، وسهوه لا يبطل إلا أن يكثر، وظاهره ولو لم يظهر منه حرفان. وقيل: إن وقع غلبة أو جهلًا أو نسيانًا لم يبطل الصلاة مطلقًا، ولو كان كثيرًا، وهو وجه في مقابل الأصح في مذهب الشافعية. هذا ملخص الخلاف إذا وقع البكاء لوجع أو مصيبة. • دليل من قال: البكاء غلبة لوجع لا يبطل الصلاة مطلقًا ولو ظهر منه حرفان: البكاء إذا غلب صاحبه لوجع أو مصيبة لا يفسد الصلاة؛ لكونه غير داخل في وسعه، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولأن الوجع إذا غلبه حتى بكى يكون في حكم المكره؛ لأنه لا يفعله عن اختيار، والمكره لا أثر لفعله، والله أعلم. • دليل من قال: البكاء لمصيبة إذا أمكن دفعه أفسد الصلاة إن ظهر منه حرفان: البكاء لمصيبة أو وجع إذا أمكن دفعه وظهر منه حرفان بطلت صلاته؛ لأنه بكاء لا يتعلق بالصلاة حتى يعفى عنه، كالبكاء بسبب الخشوع، فكان من جنس الكلام الأجنبي في الصلاة إن ظهر منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا. ولأن البكاء له حكم المعنى الذي دل عليه، فإن كان من ذكر الجنة والنار صار

стр. 6864

كأنه يقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، ولو صرح بذلك لا تفسد صلاته، فكذلك ما يدل على هذا المعنى. وإن كان من وجع أو مصيبة صار دالًّا على إظهار الجزع والتأسف فهو بمعنى قوله: أنا مصاب فعزوني، ولو صرح بذلك فسدت صلاته، فكذلك ما دل على هذا المعنى، فالدلالة تعمل عمل الصريح إذا لم يكن هناك صريح يخالفها (١). • ونوقش من وجوه: الوجه الأول: لا نسلم أن البكاء كلام من جهة المعنى، ودلالة البكاء على إظهار الجزع والتأسف لا يستفاد من جهة البكاء، بدليل أن البكاء قد يكون من فرط السرور. قال الشاعر: غلب السرور عليَّ حتى أنني من عظم ما قد سرني أبكاني. وقد يكون من أثر الخشوع: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وقد يكون لمصيبة وقعت أو لوجع نزل، فلو كان البكاء يدل بنفسه على الجزع والتأسف لما تنوعت دلالته، وهو صوت واحد، وإنما الفرح والحزن والجزع مستفاد من القرائن، لا من نفس الصوت. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ إنما حرم الكلام في الصلاة، والكلام ما دل على معنى في نفسه أو مع غيره بمقتضى الوضع، وأما البكاء والأنين فهو ليس بكلام، ودلالته على المعنى إنما هو بالطبع، لا بمقتضى الوضع، كالإشارة يفهم منها معنى بقرينة، وليست كلامًا بدليل قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] مع قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]. الوجه الثالث: لو سلمنا أن البكاء كلام من جهة المعنى، فالممنوع في الصلاة هو كلام الناس، وليس مطلق الكلام، لقوله ﷺ : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، ومعلوم أن البكاء ليس من كلام الناس.

стр. 6865

• دليل من قال: لا يبطل البكاء غلبة أو نسيانًا أو جهلًا إلا الكثير إذا بان منه حرفان: البكاء الأصل فيه أنه يبطل الصلاة مطلقًا؛ لأن فعله غير مطلوب في الصلاة، إلا أنه فرق بين اليسير منه وبين الكثير؛ وذلك لأن الكثير ولو كان غلبة أو نسيانًا أو جهلًا يخرج الصلاة عن هيئتها، وينتهك حرمة الصلاة بخلاف اليسير. وقياسًا على العفو عن يسير النجاسة، وللتفريق بين الحركة الكثيرة واليسيرة في الصلاة. وقياسًا على انكشاف اليسير من العورة في الصلاة، وحتى انكشاف الكثير في الزمن اليسير فإنه لا يبطل الصلاة على قول الحنفية والحنابلة، فكذلك اليسير من البكاء إذا لم يتعمد. • دليل المالكية على أن البكاء لوجع أو مصيبة لا يبطل سهوه إلا أن يكثر: نزلوه عندهم بمنزلة الكلام، عمده يبطل، وسهوه يعفى عن اليسير منه، ودليلهم دليل الشافعية إلا أن الشافعية اشترطوا أن يظهر منه حرفان، ولم يشترط ذلك المالكية؛ لأنهم لم يشترطوا ذلك في الكلام، وهو الأصل فلم يشترطوا ذلك في الفرع. • دليل من قال: لا يبطل البكاء غلبة أو نسيانًا أو جهلًا ولو كان كثيرًا: البكاء إذا لم يتعلق بالصلاة فهو من باب المنهيات، فإذا نسي فلا حكم له بخلاف المأمورات، ومثله إذا كان غلبة أو جهلًا، وهذا يقتضي عدم التفريق بين اليسير والكثير، ومثله إذا أكل الصائم، فإنه لا فرق بين الكثير والقليل فكذلك البكاء. • الراجح: أن البكاء إذا غلب على المصلي لم يفرق فيه بين غلبة الخشوع وغلبة الألم والمصيبة؛ لأنه ليس داخلًا في وسعه، ولنفي الحرج عن هذه الملة، والتكليف حسب الوسع، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإذا كان يمكنه دفعه وتمادى فهو قد تعمد أن يفعل فعلًا غير مشروع في الصلاة، فهو إما أن يلحق بالكلام، فيبطل مطلقًا، وإما أن يلحق بالحركة الأجنبية، فيغتفر القليل، وكثيره مبطل، والأول أقرب، والله أعلم. • إذا بكى المصلي خشوعًا لله: فقيل: لا يبطل مطلقًا ولو كان يمكنه دفعه، ولو ظهر منه حرفان، وهو
следующие страницы →