← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

عندهم، وفي الكثير وجهان، أصحهما البطلان، فكذلك البكاء. قال في تحرير الفتاوى: «قول الحاوي: (وضحك وبكاء وأنين وتنحنح) ظاهر عبارته بطلان الصلاة بقليل هذه الأشياء وكثيرها، وليس كذلك، بل هي كالكلام» (١). وإذا كان البكاء كالكلام أعطي حكمه عندهم، وعليه يكون البكاء غلبة أو نسيانًا أو جهلًا بالتحريم يسيره لا يبطل الصلاة بلا خلاف، وفي كثيره وجهان الأصح بطلانه، وقيل: لا يبطل. ومحال أن يكون البكاء أشد من القهقهة؛ لأن القهقهة تنافي مقصود الصلاة بخلاف البكاء، فإنه قد يغلب عليه بسبب الخشوع، والخشوع مطلوب في الصلاة (٢). القول الرابع: مذهب الحنابلة. وقال الحنابلة: البكاء من خشية الله لا تبطل الصلاة مطلقًا، وظاهره ولو كان كثيرًا ولو أمكنه دفعه. والبكاء لوجع أو مصيبة إن كان غلبة لم تبطل صلاته، ولو بان منه حرفان، وإن انتحب لا غلبة، ولا خشية فبان حرفان بطلت كالكلام (٣). جاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا تبطل إن انتحب مصل خشية من الله تعالى أو غلبه سعال … ونحوه كبكاء، ولو بان منه حرفان، نص عليه فيمن غلبه البكاء» (٤).

стр. 6862

فجعل البكاء نوعين: بكاء من خشية الله، فهذا لا يبطل الصلاة مطلقًا، أي سواء كان يمكنه دفعه أم لا، وسواء كان قليلًا أم كثيرًا. النوع الثاني: البكاء غلبة بحيث لا يمكنه دفعه، فهذا لا يبطل الصلاة، ولم يبين الباعث على البكاء فشمل البكاء غلبة ما كان لوجع أو سماع مصيبة أو غيرهما. أما إذا كان البكاء ليس من خشية الله، ولم يكن غلبة بحيث يمكنه دفعه فهذا يبطل الصلاة إن ظهر منه حرفان. هذا معنى قول المنتهى، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، وهو موافق لقول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن خلافًا لأبي يوسف المتقدم. ونقل ابن قدامة في المغني عن أحمد أنه قال في رواية مهنا في البكاء الذي لا يفسد الصلاة: إنه ما كان عن غلبة (١). ولم يفرق بين غلبة الخشوع وغلبة الوجع والمصيبة. وقال ابن تيمية: «فأما ما يغلب عليه المصلي من عطاس وبكاء وتثاؤب فالصحيح عند جمهور العلماء أنه لا يبطل وهو منصوص أحمد وغيره» (٢). ولعله يقصد ما غلب بسبب الخشوع، لا ما غلب لوجع أو مصيبة، فالشافعية يبطلون به الصلاة بشرطين: الكثرة وظهور حرفين، والمالكية يبطلون به الصلاة بشرط الكثرة والسهو. القول الخامس: ذهب ابن المنذر وابن تيمية إلى القول بإباحة البكاء في الصلاة. قال ابن المنذر في الأوسط: «البكاء في الصلاة مباح، يدل على إباحته غير خبر عن رسول الله ﷺ » (٣). وظاهر الإطلاق إباحة البكاء في الصلاة ولو كان قادرًا على دفعه إذا كان أثرًا عن التأثر بمواعظ القرآن، أو التضرع والابتهال والدعاء. وقال ابن تيمية: «وأما السعال والعطاس والتثاؤب والبكاء الذي يمكن دفعه والتأوه والأنين فهذه الأشياء هي كالنفخ. فإنها تدل على المعنى طبعًا، وهي أولى بأن

стр. 6863

لا تبطل، فإن النفخ أشبه بالكلام من هذه» (١). فخلصنا من الخلاف كالتالي: • إذا بكى بصوت لوجع أو لمصيبة: فقيل: البكاء لمرض أو مصيبة إن كان غلبة لم يبطل الصلاة مطلقًا، بان منه حرفان أم لا، وإن كان يمكنه دفعه وظهر منه حرفان بطلت صلاته، وهذا مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن والمعتمد عند الحنابلة. وقال أبو يوسف: يشترط في الحرفين أن يكونا أصليين. وقيل: إن كان غلبة، أونسيانًا أو جهلًا، فإن كان يسيرًا لم يبطل قولًا واحدًا، وإن كان كثيرًا، وظهر منه حرفان بطلت صلاته وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية. وقال المالكية: إن بكى لوجع أو لمصيبة فهو بمنزلة الكلام، عمده يبطل، وسهوه لا يبطل إلا أن يكثر، وظاهره ولو لم يظهر منه حرفان. وقيل: إن وقع غلبة أو جهلًا أو نسيانًا لم يبطل الصلاة مطلقًا، ولو كان كثيرًا، وهو وجه في مقابل الأصح في مذهب الشافعية. هذا ملخص الخلاف إذا وقع البكاء لوجع أو مصيبة. • دليل من قال: البكاء غلبة لوجع لا يبطل الصلاة مطلقًا ولو ظهر منه حرفان: البكاء إذا غلب صاحبه لوجع أو مصيبة لا يفسد الصلاة؛ لكونه غير داخل في وسعه، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولأن الوجع إذا غلبه حتى بكى يكون في حكم المكره؛ لأنه لا يفعله عن اختيار، والمكره لا أثر لفعله، والله أعلم. • دليل من قال: البكاء لمصيبة إذا أمكن دفعه أفسد الصلاة إن ظهر منه حرفان: البكاء لمصيبة أو وجع إذا أمكن دفعه وظهر منه حرفان بطلت صلاته؛ لأنه بكاء لا يتعلق بالصلاة حتى يعفى عنه، كالبكاء بسبب الخشوع، فكان من جنس الكلام الأجنبي في الصلاة إن ظهر منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا. ولأن البكاء له حكم المعنى الذي دل عليه، فإن كان من ذكر الجنة والنار صار

стр. 6864

كأنه يقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، ولو صرح بذلك لا تفسد صلاته، فكذلك ما يدل على هذا المعنى. وإن كان من وجع أو مصيبة صار دالًّا على إظهار الجزع والتأسف فهو بمعنى قوله: أنا مصاب فعزوني، ولو صرح بذلك فسدت صلاته، فكذلك ما دل على هذا المعنى، فالدلالة تعمل عمل الصريح إذا لم يكن هناك صريح يخالفها (١). • ونوقش من وجوه: الوجه الأول: لا نسلم أن البكاء كلام من جهة المعنى، ودلالة البكاء على إظهار الجزع والتأسف لا يستفاد من جهة البكاء، بدليل أن البكاء قد يكون من فرط السرور. قال الشاعر: غلب السرور عليَّ حتى أنني من عظم ما قد سرني أبكاني. وقد يكون من أثر الخشوع: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وقد يكون لمصيبة وقعت أو لوجع نزل، فلو كان البكاء يدل بنفسه على الجزع والتأسف لما تنوعت دلالته، وهو صوت واحد، وإنما الفرح والحزن والجزع مستفاد من القرائن، لا من نفس الصوت. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ إنما حرم الكلام في الصلاة، والكلام ما دل على معنى في نفسه أو مع غيره بمقتضى الوضع، وأما البكاء والأنين فهو ليس بكلام، ودلالته على المعنى إنما هو بالطبع، لا بمقتضى الوضع، كالإشارة يفهم منها معنى بقرينة، وليست كلامًا بدليل قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] مع قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]. الوجه الثالث: لو سلمنا أن البكاء كلام من جهة المعنى، فالممنوع في الصلاة هو كلام الناس، وليس مطلق الكلام، لقوله ﷺ : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، ومعلوم أن البكاء ليس من كلام الناس.

стр. 6865

• دليل من قال: لا يبطل البكاء غلبة أو نسيانًا أو جهلًا إلا الكثير إذا بان منه حرفان: البكاء الأصل فيه أنه يبطل الصلاة مطلقًا؛ لأن فعله غير مطلوب في الصلاة، إلا أنه فرق بين اليسير منه وبين الكثير؛ وذلك لأن الكثير ولو كان غلبة أو نسيانًا أو جهلًا يخرج الصلاة عن هيئتها، وينتهك حرمة الصلاة بخلاف اليسير. وقياسًا على العفو عن يسير النجاسة، وللتفريق بين الحركة الكثيرة واليسيرة في الصلاة. وقياسًا على انكشاف اليسير من العورة في الصلاة، وحتى انكشاف الكثير في الزمن اليسير فإنه لا يبطل الصلاة على قول الحنفية والحنابلة، فكذلك اليسير من البكاء إذا لم يتعمد. • دليل المالكية على أن البكاء لوجع أو مصيبة لا يبطل سهوه إلا أن يكثر: نزلوه عندهم بمنزلة الكلام، عمده يبطل، وسهوه يعفى عن اليسير منه، ودليلهم دليل الشافعية إلا أن الشافعية اشترطوا أن يظهر منه حرفان، ولم يشترط ذلك المالكية؛ لأنهم لم يشترطوا ذلك في الكلام، وهو الأصل فلم يشترطوا ذلك في الفرع. • دليل من قال: لا يبطل البكاء غلبة أو نسيانًا أو جهلًا ولو كان كثيرًا: البكاء إذا لم يتعلق بالصلاة فهو من باب المنهيات، فإذا نسي فلا حكم له بخلاف المأمورات، ومثله إذا كان غلبة أو جهلًا، وهذا يقتضي عدم التفريق بين اليسير والكثير، ومثله إذا أكل الصائم، فإنه لا فرق بين الكثير والقليل فكذلك البكاء. • الراجح: أن البكاء إذا غلب على المصلي لم يفرق فيه بين غلبة الخشوع وغلبة الألم والمصيبة؛ لأنه ليس داخلًا في وسعه، ولنفي الحرج عن هذه الملة، والتكليف حسب الوسع، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإذا كان يمكنه دفعه وتمادى فهو قد تعمد أن يفعل فعلًا غير مشروع في الصلاة، فهو إما أن يلحق بالكلام، فيبطل مطلقًا، وإما أن يلحق بالحركة الأجنبية، فيغتفر القليل، وكثيره مبطل، والأول أقرب، والله أعلم. • إذا بكى المصلي خشوعًا لله: فقيل: لا يبطل مطلقًا ولو كان يمكنه دفعه، ولو ظهر منه حرفان، وهو

стр. 6866

مذهب الحنفية، والحنابلة. وقيل: لا يبطل بشرط أن يكون غلبة، لا اختيارًا، وهذا مذهب المالكية. وقيل: يبطل إن ظهر منه حرفان، وكان كثيرًا، وهو مذهب الشافعية، فإن لم يظهر منه حرفان، أو كان يسيرًا لم تبطل صلاته، وسبق توثيق ذلك. • دليل من قال: يجوز البكاء من خشية الله في الصلاة مطلقًا: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. فمدح الله الباكين من خشيته في سجودهم (١). الدليل الثاني: (ح-٢٤٦٦) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن حمزة بن عبد الله، أنه أخبره، عن أبيه، قال: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قيل له في الصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء، قال: مروه فيصلي، فعاودته، قال: مروه فيصلي، إنكن صواحب يوسف. قال البخاري: تابعه الزبيدي، وابن أخي الزهري، وإسحاق بن يحيى الكلبي، عن الزهري، وقال عقيل، ومعمر، عن الزهري، عن حمزة، عن النبي ﷺ (٢). يشير البخاري إلى الاختلاف على الزهري في وصله وإرساله، والوصل زيادة ثقة. (ح-٢٤٦٧) وروى البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أنها قالت: إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس. قالت عائشة: قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس، فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ : مه إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا

стр. 6867

أبا بكر فليصل للناس. فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا (١). ورواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة بنحوه (٢). الدليل الثالث: (ح-٢٤٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف، عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل (٣). [صحيح] (٤).

стр. 6868

الدليل الرابع: (ث-٦٠١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن محمد، عن سعد،

стр. 6869

عن عبد الله بن شداد قال: سمعت نشيج عمر، وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح، وهو يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال من هذه الأدلة: دلالتها ظاهرة على إباحة البكاء في الصلاة مطلقًا، سواء كان كثيرًا أم قليلًا، وسواء أكان غلبة أم كان يمكنه دفعه، ما دام أن هذا من خشية الله، ولم يتصنع البكاء، ودلالتها على ذلك من وجوه: الوجه الأول: إطلاق البكاء في هذه النصوص والمطلق جارٍ على إطلاقه لا يقيد إلا بدليل. الوجه الثاني: أقل ما تدل عليه هذه النصوص هو إباحة البكاء إذا كان من أثر الخشوع، وأنه لا ينهى عنه حتى ولو كان المصلي قادرًا على دفعه ما لم يتصنعه. الوجه الثالث: لم ينقل في هذه النصوص التي وقع فيها البكاء أن المصلي حاول دفعه وكتمه فلم يستطع، ولو كان يحاول ذلك لنقل. الوجه الرابع: إذا استرسل المصلي مع خشوعه وتضرعه حتى بكى لم تفسد صلاته، ولو لم يكن مغلوبًا، ولو كان بالإمكان دفعه، واشتراط الغلبة لإباحة البكاء لا دليل عليه، وكل شرط ليس في كتاب الله أو في سنة رسوله ﷺ فليس بشرط. الوجه الخامس: حرم الشارع الكلام في الصلاة بنصوص صحيحة صريحة،

стр. 6870

وجاءت هذه النصوص الشرعية تدل على وقوع البكاء في الصلاة، ولا يوجد ما يعارضها من نهي الشارع عن البكاء، أو بطلان الصلاة به إذا كان من خشية الله، وما كان ربك نسيًّا، والأصل صحة الصلاة، فدل على التفريق بين حكم الكلام وحكم البكاء في الصلاة من خشية الله. • دليل المالكية على بطلان الصلاة بالبكاء إلا أن يكون غلبة ومن خشية الله: استدل المالكية بحديث معاوية بن الحكم في صحيح مسلم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ … ). الحديث، والحديث فيه قصة (١). والبكاء ليس بواحد منها. فالبكاء يحتمل في الصلاة إذا كان غلبة، وكان أثرًا عن أمر مشروع فيها كالخشوع، فاعتبر الإلجاء عذرًا في عدم إبطال الصلاة. أما إذا كان البكاء لا يتعلق بالصلاة كما كان لوجع أو لمصيبة فهذا يعطى حكم الكلام غير المشروع في الصلاة، فما كان عمدًا فإنه يفسدها للنصوص العامة في الصحيحين وفي غيرها والتي تنص على تحريم الكلام في الصلاة، وسبق ذكرها. وما كان سهوًا، ولم يكثر فإنه يجبر بسجود السهو. •وجه التفريق بين الكثير واليسير: أن الكثير يخالف هيئة الصلاة فيفسدها بخلاف اليسير منه، ولأن الشرع يعفو عن اليسير في باب غالب المنهيات، والله أعلم. • دليل من قال: يبطل البكاء ولو كان للآخرة إن ظهر منه حرفان، وكان كثيرًا: الدليل الأول: البكاء مجرد صوت، فإذا انتظم منه حرفان أصبح كلامًا؛ وذلك أن الكلام في اللغة ما تركب من حرفين، وإن كان مهملًا لا فائدة فيه، واشتراط الإفادة اصطلاح للنحويين.

стр. 6871

• ونوقش من وجهين: الوجه الأول: لا يلزم من كون الكلام يتكون من حرفين أن يكون كل حرفين كلامًا، وقد أذن الشارع بالبصق في الصلاة مطلقًا، ولم يقيد الإباحة بأن يكون خاليًا من الحرف، والغالب على من بصق أن يخرج منه حرفان: (تف)، ومع ذلك لم تبطل به الصلاة، ولم يعتبر كلامًا، ولم يجر فيه القياس على الكلام، فكذلك البكاء، والله أعلم. الوجه الثاني: بينت فيما سبق أن الكلام هو: ما دل على معنى في نفسه أو مع غيره بمقتضى الوضع، وأما البكاء والأنين فهو ليس بكلام، ودلالته على المعنى إنما هو بالطبع، لا بمقتضى الوضع، كالإشارة يفهم منها معنى بقرينة، وليست كلامًا. الدليل الثاني: البكاء الأصل فيه أنه يبطل الصلاة مطلقًا؛ لأن فعله غير مطلوب في الصلاة، إلا أنه فرق فيه بين اليسير والكثير؛ وذلك لأن الكثير ولو كان غلبة أو نسيانًا أو جهلًا يخرج الصلاة عن هيئتها، وينتهك حرمة الصلاة بخلاف اليسير. وقياسًا على العفو عن يسير النجاسة، وللتفريق بين الحركة الكثيرة واليسيرة في الصلاة. وقياسًا على انكشاف اليسير من العورة في الصلاة، وحتى انكشاف الكثير في الزمن اليسير فإنه لا يبطل الصلاة على قول الحنفية والحنابلة فكذلك اليسير من البكاء إذا لم يتعمد. • الراجح: دلت النصوص على إباحة البكاء في الصلاة، وأن المصلي لو تطلبه في صلاته حتى بكى لم تفسد صلاته حتى ولو كان قادرًا على دفعه، ما لم يتصنعه المصلي؛ لأن تصنعه نوع من الكذب، وإظهار للتخشع، والحال ليس كذلك، وأما القول: إن الأصل في البكاء المنع إلا أن يكون غلبة فليس في النصوص ما يدل على ذلك، ولم ينقل في النصوص التي وقع فيها البكاء أن المصلي حاول دفعه وكتمه فلم يستطع، فالذي يظهر أنه استرسل مع البكاء حين خشع لسماع مواعظ القرآن، أو حين تضرع في دعائه ربه، والله أعلم.

стр. 6872

المبحث الثامن في إبطال الصلاة بالأكل والشرب الفرع الأول في إبطالها بالأكل والشرب عمدًا المدخل إلى المسألة: • كل ما ليس من جنس الصلاة وأفعالها إذا فعله المصلي وباشره فإن الأصل فيه أنه يفسد الصلاة إلا بدليل. • كل عمل لو نظر إليه ناظر لا يشك أنه ليس في صلاة فهو محرم، ومنه الأكل والشرب، باستثناء ما رخص فيه الشارع كقتل العقرب والحية. • سميت التكبيرة الأولى في الصلاة تكبيرة الإحرام؛ لأنها تحرم الأكل والشرب وغيرهما على المصلي. • قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المصلي ممنوع من الأكل والشرب. • إذا كان الكلام محرمًا بالإجماع في الصلاة؛ لكونه ينافي الصلاة، فإن الأكل والشرب ينافي الصلاة من باب أولى. • إذا ثبت أن الأكل والشرب عمدًا محرم في الصلاة، فالأصل عدم التفريق بين الكثير والقليل والفرض والنفل إلا بنص صحيح صريح، أو إجماع. • الأصل أن ما أبطل الفرض أبطل التطوع إلا بدليل • ليس كل يسير محلًّا للعفو، فهناك من اليسير ما لا يقبل العفو، كالصلاة قبل الوقت بزمن يسير، وترك إسباغ الوضوء على العقب، ونقض الطهارة بيسير البول، ونحوها.

стр. 6873

•استثناء القليل من الكثير ينبغي أن يكون مرده إلى النصوص، لا إلى مجرد القياس، فإن قياس الأكل والشرب على ما ورد فيه العفو ليس بأولى من قياسهما على ما لم يرد فيه العفو؛ لشدة منافاتهما للصلاة. • القليل عفو إذا كان لا يمكن الاحتراز منه، أو كان في الاحتراز منه مشقة كبيرة، فيعفي عنه دفعًا للحرج عن الناس، وليس منه الأكل والشرب في الصلاة. [م-٨٢١] اختلف العلماء في إبطال الصلاة بالأكل والشرب عمدًا: فقيل: تبطل الصلاة مطلقًا في فرض أو نفل، قليلًا كان أم كثيرًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية والشافعية (١). قال المرغيناني في الهداية: «(ولا يأكل ولا يشرب)؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة فإن أكل أو شرب عامدًا أو ناسيًا فسدت صلاته» (٢).

стр. 6874

قال في منهاج الطالبين: «وتبطل بقليل الأكل قلت: إلا أن يكون ناسيًا أو جاهلًا تحريمه» (١). وقيل: لا تبطل بقليل الأكل والشرب ولو تعمده، كسائر الأفعال القليلة، حكاه الرافعي قولًا في مذهب الشافعية، وغلطه النووي (٢). قال النووي: «قال أصحابنا: إذا أكل في صلاته أو شرب عمدًا بطلت صلاته سواء قل أو كثر هكذا صرح به الأصحاب، وحكى الرافعي وجهًا أن الأكل القليل لا يبطلها وهو غلط» (٣). وقال الحنابلة: «تبطل الصلاة بالأكل والشرب الكثير عمدًا مطلقًا، ولا تبطل النفل بالشرب اليسير عمدًا. وقيل: لا يبطل الشرب اليسير الصلاة مطلقًا، في الفرض والنفل، حكي قولًا في مذهب الحنابلة، قال ابن مفلح: لكنه غير معروف» (٤). وأما يسير الأكل عمدًا: فقيل: يبطل مطلقًا مشى عليه في المنتهى والمقنع، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة. وقيل: يبطل الفرض دون النفل، اختاره في الإقناع (٥). قال في شرح منتهى الإرادات: «ولا تبطل أيضًا بأكل وشرب يسيرين عرفًا سهوًا، أو جهلًا .... ولا يبطل نفل صلاة بيسير شرب عمدًا .... وعلم منه أنه يبطل الفرض، وأن يسير الأكل عمدًا يبطلهما» (٦). هذا مجمل القول في الأكل والشرب عمدًا في الفرض والنفل، وتعالوا نؤلف بين

стр. 6875

هذه الأقوال؛ لنقف على الاتفاق والافتراق: فقيل: تبطل بهما الصلاة مطلقًا في قليله وكثيره في الفرض والنفل، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية. وقيل: لا تبطل الصلاة مطلقًا بقليل الأكل والشرب حكاه الرافعي وجهًا في مذهب الشافعية، وغلطه النووي. وقيل: يسير الأكل عمدًا يبطل الفرض دون النفل، وهو قول في مذهب الحنابلة. وقيل: في التفريق بين الأكل والشرب، فالقليل من الأكل عمدًا يبطل الفرض والنفل، واليسير من الشرب عمدًا يبطل الفرض دون النفل، وهو المعتمد عند الحنابلة. وقيل: يسير الشرب لا يبطل مطلقًا، حكي قولًا في مذهب الحنابلة، ووصفه ابن مفلح الصغير بأنه غير معروف. • دليل من قال: الأكل والشرب يبطل الصلاة مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢٤٦٩) ما رواه أبو داود من طريق سفيان، عن ابن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١). [تفرد به ابن عقيل، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم، ومن حسنه فلعله حسنه لاستقامة متنه، وعدم الاختلاف فيه عليه] (٢). وجه الاستدلال: وإنما سميت التكبيرة الأولى في الصلاة تكبيرة الإحرام؛ لأنها تحرم الأكل والشرب وغيرهما على المصلي. الدليل الثاني: (ح-٢٤٧٠) روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، قال: إذا حضر العشاء، وأقيمت الصلاة،

стр. 6876

فابدؤوا بالعشاء، وهذا لفظ مسلم (١). (ح-٢٤٧١) وروى مسلم من طريق يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق، عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (٢). وجه الاستدلال: دل الحديثان على أن الصلاة والطعام لا يجتمعان. الدليل الثالث: الإجماع على تحريم الأكل والشرب في الصلاة عمدًا. قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن المصلي ممنوع من الأكل والشرب. وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن على من أكل أو شرب في الصلاة عامدًا الإعادة» (٣). ثم قال: «وقد اختلفوا في الشرب في التطوع: فروي عن ابن الزبير، وسعيد بن جبير أنهما شربا في الصلاة التطوع» (٤). فصار بمجموع كلام ابن المنذر يتوجه الإجماع إلى تحريم الأكل مطلقًا في الفرض والنفل والشرب في الفرض خاصة بخلاف الشرب في التطوع فالخلاف فيه محفوظ. الدليل الرابع: إذا كان الكلام محرمًا بالإجماع في الصلاة؛ لكونه ينافي الصلاة، فإن الأكل والشرب ينافي الصلاة من باب أولى، فإن جنس الكلام مشروع في الصلاة في الجملة من أذكار ودعاء بخلاف الأكل والشرب، فلم يثبت إباحتهما في الصلاة بنص مرفوع. الدليل الخامس: إذا ثبت أن الأكل والشرب محرم في الصلاة، فالأصل أنه لا فرق بين كثيره

стр. 6877

وقليله في إبطال الصلاة، إلا أن يأتي نص من الشارع يدل على التفريق، وليس هناك ما يدل على التفريق بين القليل والكثير في الأكل والشرب في النصوص الشرعية، وإن حفظ الخلاف في الشرب فليس مرده إلى نص مرفوع، ولأن الاحتراز من الأكل والشرب في الصلاة ممكن، بخلاف الحركة الأجنبية في الصلاة فالقليل لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف الحركة في الصلاة؛ ولهذا ورد في النصوص ما يدل على التفريق بين الكثير والقليل. • دليل من قال: لا تبطل بقليل الأكل والشرب مطلقًا: هذا القول لاحظ في الأكل والشرب أنه عمل في الصلاة ففرق بين القليل والكثير كسائر الأعمال، والفرق بينه وبين الصيام أن حقيقة الصيام هو الإمساك مع النية فإذا وجد الأكل المتعمد لم توجد حقيقة الصوم بخلاف الصلاة وأما الصلاة فهي موجودة مع يسير الأكل والشرب، وإنما أدخل فيها ما ليس منها، كسائر الأفعال الأجنبية في الصلاة، وقد فرقوا في العمل الأجنبي في الصلاة بين القليل والكثير، فكذلك ينبغي في الأكل والشرب. ولأن اليسير في الشريعة عفو في الجملة، كالعفو عن يسير النجاسات، وعن الحركة القليلة، والمشي اليسير، والالتفات اليسير، وانكشاف اليسير من العورة. ولأن الفعل الواحد الذي تجب فيه الموالاة إذا فصل بين أجزائه بوقت يسير يكون في حكم المتصل؛ ولهذا احتمل قليل الفصل بين أشواط الطواف وبين أشواط السعي، فكذلك لا يقطع موالاة الصلاة يسير الأكل والشرب فيها. وليس هذا خاصًّا في العبادات فالغرر اليسير مجمع على جوازه، ويجوز الأكل من طعام الرجل إذا كان له كسبان حرام وحلال، ولم يتعين الحرام. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن القليل عفو إذا كان لا يمكن الاحتراز منه، أو كان في الاحتراز منه مشقة كبيرة، فيعفي عنه دفعًا للحرج عن الناس، ولا يوجد ذلك في الاحتراز من الأكل والشرب في الصلاة، فلا حاجة إلى استثناء القليل من الأكل والشرب، ووقت

стр. 6878

الصلاة يسير، والمسلم لا يأتي إلى صلاته إلا وقد فرغ من حاجته، ولهذا نهى الشارع الرجل أن يصلي بحضرة طعام، وتنكير الطعام يدل على العموم، وكان بعض الصحابة إذا قدم العشاء وأقيمت الصلاة بدأ بالعشاء، لمنافاة أحدهما للآخر. الوجه الثاني: ليس كل يسير محلًّا للعفو، فهناك من اليسير ما لا يقبل العفو، من ذلك: لا يجوز أن تتقدم الصلاة على وقتها ولو بزمن يسير، ولو فعل لم تصح فرضًا. وقد قال الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: ويل للأعقاب من النار، وهو مقدار يسير بالنسبة لأعضاء الوضوء. وقال ﷺ في الربا: من زاد أو استزاد فقد أربى، فلم يعف الشارع عن يسير الربا. ولا يعفى عن يسير البول إذا خرج في نقض الطهارة والغائط من باب أولى، فالمرد في العفو عن اليسير إما إلى نصوص الشارع، وإما إلى مشقة التحرز. الوجه الثالث: الصلاة أعظم ركن عملي في الإسلام، وهي عموده، وأول ما يحاسب عنه العبد، والاهتمام بها وصيانتها عن المفسدات من أجل الواجبات، فإذا ثبت تحريم الأكل والشرب في الصلاة، فإن استثناء القليل من الكثير ينبغي أن يكون مرده إلى النصوص، لا إلى مجرد القياس، فإن قياس الأكل والشرب على ما ورد فيه العفو ليس بأولى من قياسهما على ما لم يرد فيه العفو مما ذكرنا، ومنافاة الأكل والشرب للصلاة منافاة جلية بخلاف الحركة، فإن جنس الحركة مشروع في الجملة بخلاف الأكل والشرب والقهقهة، فإن هذه موغلة في منافاة الصلاة، ومن نظر إلى أصحابها لا يشك أنهم ليسوا في صلاة. • دليل من قال: يسير الأكل عمدًا يبطل الفرض دون النفل: الدليل الأول: (ث-٦٠٢) روى أبو القاسم البغوي في الجعديات، حدثنا علي -يعني: ابن الجعد- أخبرنا شعبة، عن منصور بن زاذان،

стр. 6879

أخبرنا من رأى ابن الزبير يشرب في صلاته، وكان من المصلين (١). [إسناد ضعيف لإبهام الراوي عن ابن الزبير] (٢). فقوله: (في صلاته) عام، فيشمل الفرض والنفل، لكن قال أحمد: أراه في التطوع، وإذا ثبت هذا في الشرب ثبت في الأكل حيث لا فرق بينهما كبير من جهة كونه عملًا أجنبي عن الصلاة، وكل منهما يصل إلى جوف المصلي، ويفطر به الصائم. ولا يعرف هذا الفعل عن صحابي غير ابن الزبير هذا إن ثبت عنه. قال ابن المنذر في الأوسط: «كل من حكى عنه أنه شرب في التطوع كان شربه ساهيًا إن ثبت ذلك عن ابن الزبير» (٣). فلم يجزم ابن المنذر في ثبوته عنه. الدليل الثاني: أن النفل أوسع من الفرض، فتصح صلاة القاعد في النفل مع قدرته على القيام بخلاف الفرض، ويجوز النفل على الدابة بخلاف الفرض، كل هذا يدل على أنه يتسامح في النفل ما لا يتسامح في الفرض، وعليه يحمل فعل ابن الزبير، وقد كان ابن الزبير

стр. 6880

﵁ كثير الصلاة طويلها فربما احتاج جرعة من الماء يبل بها صوته، لهذا رأى أصحاب هذا القول أن قليل الشرب لا يمنع موالاة أفعال الصلاة، لا سيما في صلاة الليل حيث يطول فيها القيام. • ويناقش: الأصل أن ما أبطل الفرض أبطل التطوع إلا بدليل، ولم يسقط وجوب القيام في النفل، أو صحة النفل على الدابة بمقتضى القياس، بل جاءت به سنة صحيحة مرفوعة بأسانيد كالشمس، فأين السنة الصحيحة المرفوعة في إباحة الشرب في النفل، والاعتماد على أثر ابن الزبير مع اختلاف في إسناده لا يمكن الجزم به، وعلى فرض صحته فقد يكون ابن الزبير اجتهد، واجتهاده ليس بمعصوم، ولو كان هذا الحكم متلقى من هدي الرسول ﷺ لوجدته محفوظًا عند غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، فالصلاة على الدابة نقلها أكثر من صحابي في أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما، وكذا يقال في الصلاة قاعدًا في النفل، بخلاف الشرب في النافلة، فإنك لا تعرفه إلا في هذا الأثر، ولم تنقله المصنفات في الآثار كمصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة بالرغم من أنهم نقلوا مثل ذلك عن سعيد بن جبير، وطاوس، كما لم ينقل في سنن البيهقي أو آثار الطحاوي والطبري، فهو أثر غريب الإسناد على اختلاف على منصور في إسناده، والله أعلم. • دليل من قال: يجوز يسير الشرب في صلاة النفل دون الأكل: أما الدليل على إبطال الصلاة بالكثير من الشرب: فقياسًا على العمل الأجنبي الكثير في الصلاة. قال ابن قدامة: «فأما إن كثر فلا خلاف في أنه يفسدها؛ لأن غير الأكل من الأعمال يفسدها إذا كثر، فالأكل والشرب أولى» (١). وأما وجه التفريق بين الأكل والشرب: فإن الأكل يحتاج إلى مضغ ومعالجة بخلاف الشرب اليسير فهو أخف من الأكل.

стр. 6881

ولأن الأثر الوارد عن ابن الزبير إنما هو في الشرب خاصة، فلا يقاس الأغلظ على الأخف. • الراجح: الذي أميل إليه إلى تحريم الأكل والشرب عمدًا في الصلاة مطلقًا، لا فرق بين النفل والفرض، ولا بين القليل والكثير، إلا أن يبتلع المصلي ما بين أسنانه، فإن ذلك معفو عنه، وهو موافق لما عليه مذاهب الأئمة الأربعة. قال في بدائع الصنائع: «ولو بقي بين أسنانه شيء فابتلعه إن كان دون الحمصة لم يضره؛ لأن ذلك القدر في حكم التبع لريقه لقلته ولأنه لا يمكن التحرز عنه؛ لأنه يبقى بين الأسنان عادة فلو جعل مفسدًا لوقع الناس في الحرج ولهذا لا يفسد الصوم به، وإن كان قدر الحمصة فصاعدًا فسدت صلاته» (١). وقال مالك كما في المدونة: «فيمن كان بين أسنانه طعام فابتلعه في صلاته أن ذلك لا يكون قطعًا لصلاته» (٢). وقال العمراني في البيان في مذهب الإمام الشافعي: «وإن كان بين أسنانه طعامٌ، فنزل الريقُ به إلى جوفه .. لم تبطل صلاته بذلك؛ لأن الاحتراز منه لا يمكن؛ ولهذا لا يبطل به الصوم» (٣). وقال المرداوي في الإنصاف: «لو بلع ما بين أسنانه مما يجري فيه الريق من غير مضغ، لم تبطل صلاته. نص عليه، وهو المذهب، وعليه جمهور الأصحاب» (٤). وقيل: تبطل صلاته إن أمكن أزالته، فابتلعه، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).

стр. 6882

فرع في الأكل والشرب في الصلاة ساهيًا أو جاهلًا المدخل إلى المسألة: • النسيان والجهل مسقطان للإثم مطلقًا. • المنهيات تسقط بالجهل والنسيان، ومنه الأكل والشرب من الصائم، والصلاة بثوب نجس ناسيًا، ونحو ذلك. • المأمورات تسقط بالجهل، ولا تسقط بالنسيان، فالمستحاضة التي تركت الصلاة جهلًا منها لم تؤمر بالإعادة، ولو ترك المكلف الصلاة أو الطهارة نسيانًا لم تسقط عنه الصلاة. • قد يقال: إن الأكل ناسيًا عذر نادر جدًّا، والأحكام إنما تناط بالغالب، ولا عبرة بالنادر، وحالة الصلاة مذكرة، فلا يعفى بالنسيان بخلاف الصوم فإنه لا مذكر فيه، والأول أقوى. [م-٨٢٢] اختلف العلماء في الأكل والشرب ناسيًا: فقيل: تبطل مطلقًا في فرض أو نفل، قليلًا كان أم كثيرًا، وهو مذهب الحنفية (١).

стр. 6883

قال المرغيناني في الهداية: «(ولا يأكل ولا يشرب)؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة فإن أكل أو شرب عامدًا أو ناسيًا فسدت صلاته» (١). وقال المالكية: إذا سلم، وأكل، وشرب فجمع الثلاثة سهوًا بطلت؛ لكثرة المنافي. وإذا فعل واحدًا منها كأن أكل ساهيًا فقط، أو شرب ساهيًا فقط، أو سلم ساهيًا فقط، بلا جمع لم تبطل، وجبر بسجود السهو. وإن فعل اثنين من ثلاثة، كما لو أكل وشرب بلا سلام ساهيًا، أو سلم وفعل أحدهما، فتأويلان: فمن أناط البطلان بوجود السلام مع غيره لشدة منافاته، قال: لا تبطل بجمع الأكل والشرب ساهيًا، ويجبر بالسجود. ومن أناط البطلان بالجمع قال: تبطل، وهو الأظهر، لا سيما إذا كان أحدهما سلامًا. ومحلهما في إمام وفذ لا مأموم، فيحمل عنه الإمام ذلك، ومحلهما أيضًا في وقوع ذلك سهوًا، وإلا بطلت (٢). قال الدردير في الشرح الصغير: «اجتماع الثلاثة مبطل اتفاقًا -يعني: السلام والأكل والشرب سهوًا- وانفراد أحدها لا يبطل، ويجبر بالسجود، وحصول اثنين فيه خلاف والأظهر البطلان، لا سيما إذا كان أحدهما سلامًا» (٣). قال سحنون كما في المدونة: «قلت لابن القاسم: فإن انصرف حين سلم، فأكل، أو شرب، ولم يطل ذلك أيبني أم يستأنف؟ قال: هذا عندي يبتدئ.

стр. 6884

قلت: أتحفظه عن مالك؟ قال: لا» (١). وقيل: إذا أكل أو شرب ناسيًا أو جاهلًا ومثله يجهل فإن كان كثيرًا بطلت صلاته، وإن كان قليلًا لم تبطل، ويرجع في الكثرة والقلة إلى العرف، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٢). وقيل: لا يبطل الأكل ناسيًا، ولو كثر الأكل، وهو قول في مقابل الأصح في مذهب الشافعية. قال في تحرير الفتاوى: «محل عدم البطلان في النسيان إذا قل الأكل، فإن كثر فالأصح البطلان» (٣). فقوله: (فالأصح البطلان) يشير إلى خلاف عند الشافعية في مقابل الأصح. هذا مجمل القول في الأكل والشرب سهوًا في الفرض والنفل، وتعالوا نؤلف بين هذه الأقوال: فقيل: تبطل مطلقًا، وهو مذهب الحنفية. وقيل: لا تبطل مطلقًا، وهو قول في مقابل الأصح في مذهب الشافعية. وقيل: تبطل بالكثير دون القليل، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وقيل: تبطل إن جمع الأكل والشرب، فإن أفرد أحدهما لم تبطل، وجبر بسجود السهو، وهو قول في مذهب المالكية. وقيل: لا تبطل ولو جمع الأكل والشرب بل يجبر بسجود السهو إلا أن يكون مع أحدهما السلام ساهيًا، وهو الأظهر في مذهب المالكية.

стр. 6885

• دليل من قال: تبطل الصلاة مطلقًا إذا أكل ساهيًا: الدليل الأول: الأكل عمل لو نظر إليه ناظر لا يشك أنه في غير صلاة فكان منافيًا للصلاة، بخلاف الصوم؛ فإنه يفرق فيه بين النسيان والعمد على قول الجمهور خلافًا للمالكية. ولأن الأكل والشرب في الصلاة ناسيًا نادر غاية الندرة فلا يعتبر عذرًا بخلاف الصوم فإنه يقع كثيرًا. ولأنه قد اقترن بحال المصلي ما يذكره من الكف عن الحركة الكثيرة، والامتناع عن الكلام، واستدبار القبلة، ووجوب قراءة الفاتحة وغيرها من أعمال الصلاة، فحالة الصلاة مذكرة، فلا يعفى بالنسيان بخلاف الصوم فإنه لا مذكر فيه. • ويناقش: بأن حال المصلي تُذَكِّره فيما لو تطلب الأكل، أما إذا مد يده إلى جيبه فأخذ منه قطعة مما يؤكل فوضعه في فيه، فإنه قد يذهل المصلي عن صلاته الوقت اليسير، خاصة إذا كان مأمومًا يستمع إلى قراءة إمامه، والله أعلم .. • دليل من قال: الأكل والشرب ناسيًا أو جاهلًا لا يبطل الصلاة مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢٤٧٢) ما رواه الشيخان من طريق هشام، حدثنا ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: إذا نسي، فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه (١). وجه الاستدلال: إذا عفي عن الأكل والشرب ناسيًا في الصيام من غير فرق بين القليل والكثير، فأولى أن يعفى عنه في الصلاة، وذلك أن منافاة الأكل والشرب للصيام أشد من منافاته للصلاة، فإن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب، فإذا أكل أو شرب لم توجد حقيقة الصيام، بخلاف الصلاة، فالأكل والشرب يعتبر عملًا من الأعمال

стр. 6886

الأجنبية عن الصلاة، وحقيقة الصلاة تبقى موجودة مع العمل الأجنبي كسائر الأفعال الأجنبية، يبطلها الكثير من غير حاجة، بخلاف اليسير منها والكثير مع الحاجة فلا يبطلها، فكان الأكل والشرب ناسيًا في الصلاة أولى بالعذر من الصيام إذا أكل أو شرب ناسيًا. الدليل الثاني: أن الأكل والشرب من جنس المنهيات، والمنهيات تسقط بالنسيان والجهل من غير فرق بين القليل والكثير: (ح-٢٤٧٣) فقد روى أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: فدل الحديث على أن المنهيات تسقط بالنسيان، ولهذا خلع النبي ﷺ نعليه بعد ما مضى جزء من صلاته وبنى على ما صلى، والأكل والشرب في الصلاة من جنس المنهيات، بخلاف المأمورات فإنه حين رأى رجلًا في قدمه لمعة لم يصبها الماء، قال: ارجع فأحسن وضوءك (٣). وقال ﷺ للمسيء صلاته كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه: ارجع فَصَلِّ

стр. 6887

فإنك لم تُصَلِّ. • والفرق بين المأمورات والمنهيات من حيث المعنى: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها، امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيها. ذلك أن فعل الناسي والجاهل يجعل وجوده كعدمه؛ لأنه معفو عنه، فإذا كان قد فعل محظورًا كان كأنه لم يفعله، فلا إثم عليه، ويصبح فعله العبادة كأنها خالية من فعل المحظور. وإذا ترك واجبًا ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه بالترك، لكنه إذا صار في حكم من لم يفعله يبقى في عهدة الأمر حتى يفعله إذا كان الفعل ممكنًا، وبهذا يظهر الفرق بين الكلام في الصلاة ناسيًا وبين ترك الوضوء. • دليل من فرق بين القليل والكثير: الدليل الأول: الأكل والشرب عمل في الصلاة فيفرق فيه بين القليل والكثير كسائر الأفعال الأجنبية في الصلاة، وقد فرقوا في العمل الأجنبي في الصلاة بين القليل والكثير فكذلك ينبغي في الأكل والشرب، خاصة إذا كان صادرًا عن سهو أو جهل. ولأن اليسير في الشريعة عفو في الجملة، كالعفو عن يسير النجاسات، وعن الحركة القليلة، والمشي اليسير، والالتفات اليسير، وانكشاف اليسير من العورة. ولأن الفعل الواحد الذي تجب فيه الموالاة إذا فصل بين أجزائه بوقت يسير يكون في حكم المتصل ولهذا احتمل قليل الفصل بين أشواط الطواف وبين أشواط السعي، فكذلك لا يقطع موالاة الصلاة يسير الأكل والشرب فيها ناسيًا. • دليل من قال: إذا أكل وشرب أو سلم ساهيًا لم تبطل فإن جميع اثنين بطلت: أما الدليل على أن السلام وحده ساهيًا لا يبطل الصلاة فذلك لحديث أبي هريرة المتفق عليه في قصة ذي اليدين (١).

стр. 6888

فقد سلم النبي ﷺ من اثنتين، فَكُلِم في ذلك، وحين تحقق له وقوع السهو بنى على صلاته، وسجد للسهو، فلم يبطل ما صلى. فإذا أكل فقط ساهيًا أو شرب فقط ساهيًا من باب أولى؛ لأن السلام يتحلل به المصلي من الصلاة بخلاف العمل داخل الصلاة. أما إذا أكل مع السلام ساهيًا، أو شرب مع السلام ساهيًا، أو جمع بين الأكل والشرب ساهيًا فإن المنافاة تكون شديدة. وجه ذلك: أن السلام موضوع للخروج من الصلاة، فإذا أضاف إليه الأكل أو الشرب كانت المنافاة شديدة، فبطلت صلاته، ولأن اجتماع المنافي مع غيره يجعل مثل ذلك مفسدًا للصلاة. • ويناقش: بأن حديث قصة ذي اليدين قد اجتمع مع السلام أفعال كثيرة منافية، واغتفر ذلك، كالكلام، واستدبار القبلة، والمشي، ودخول المنزل ثم الخروج منه، كما في حديث عمران بن حصين في مسلم (١)، ومع ذلك بنى على صلاته. فإذا اعتبرنا أن السهو عذر فكل فعل من هذه الأفعال لا أثر له؛ لا فرق بين وقوعه وحده أو كان ذلك باجتماعه مع غيره؛ لأن العلة في العفو هو النسيان، سواء أكان المنافي واحدًا أم أكثر، وإنما يقال الاجتماع يؤثر لو كان الفعل عمدًا، فيقال: إذا أكثر العمل الأجنبي المنافي أفسد الصلاة؛ لأن الكثرة تخرجه عن هيئة الصلاة، والله أعلم. دليل من قال: إذا جمع بين الأكل والشرب لم تبطل صلاته: أدلة هذا القول هي أدلة من قال: لا تبطل الصلاة بالأكل والشرب ساهيًا، وقد تقدم ذكرها، والله أعلم. • الراجح: تفصيل المالكية في هذه المسألة ليس بالقوي، واليسير من الأكل والشرب ناسيًا لا ينبغي الخلاف فيه وأنه لا يبطل الصلاة، ويبقى الترجيح بين قولين قويين:

стр. 6889

أحدهما: القول بأن الأكل والشرب ناسيًا لا يبطل الصلاة مطلقًا، قياسًا على الصيام. والثاني: القول بأن الكثير منه يبطل الصلاة بخلاف الصوم، وفرقًا بين النسيان في الصلاة والنسيان في الصيام فإن الصائم يتعرض للنسيان كثيرًا، بخلاف الصلاة، باعتبار أن حال المصلي تذكره وتمنع من تمكن النسيان إلى الحال الذي يجعله يأكل ويشرب في صلاته دون أن يشعر، والنادر لا حكم له، وإنما الأحكام تناط بالغالب، وهذا القول لعله أقرب القولين وفيه احتياط للصلاة، والله أعلم.

стр. 6890

فرع إبطال الصلاة بالردة المدخل إلى المسألة: • الصلاة وسائر العبادات إذا ارتد في أثنائها بطلت. • المرتد كالكافر الأصلي، والكافر ليس من أهل العبادة. • الإيمان شرط في صحة العبادة، وإن اختلف في كونه شرطًا لوجوبها، فإذا ارتد في أثناء العبادة بطلت. • الصلاة عبادة يبنى بعضها على بعض، وبطلان جزء منها إبطال لجميعها. [م-٨٢٣] إذا ارتد المصلي أثناء الصلاة بطلت صلاته، سواء قلنا: إن الردة تنقض الطهارة والصلاة، أو قلنا: إن طهارته باقية باعتبار أن الردة ليست حدثًا، وذلك أن الإسلام من شروط صحة الصلاة وسائر العبادات، فإذا ارتد وهو بالصلاة بطلت صلاته؛ لتلبسه بالكفر، فالردة تجعله كالكافر الأصلي. ولو صحت صلاته مع كونه مرتدًّا لصحت العبادة من الكافر. وإذا كان قطع النية يفسد الصلاة فكيف بمن كفر بالله؛ فالكافر ليس من أهل القرب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] (١).

стр. 6891

قال ابن نجيم الحنفي: «تبطل العبادة بالارتداد في أثنائها» (١). وقال العمراني في البيان: «الردة تنافي الصلاة، فلم تصح معها» (٢). وقال في كشاف القناع: «وإن ارتد أثناء عبادته بطلت مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]» (٣). وقال ابن تيمية: «الردة تبطل جميع العبادات من الطهارة، والصلاة، والصوم، والإحرام … لأن الكافر ليس من أهل العبادات» (٤).

стр. 6892

أحكام سجود السهو تمهيد المبحث الأول تعريف السهو المدخل إلى المسألة: • أطلق النبي ﷺ النسيان على السهو، فقال حين سها في الصلاة: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون). • التفريق بين النسيان والسهو والغفلة لا يقوم على حقيقة شرعية متلقاة من الشارع، ولا على حقيقة لغوية، فكتب اللغة لا تفرق بينها، حيث يجمع بينها عدم استحضار الشيء وقت الحاجة إليه. • قاعدة: اختلاف المبنى يدلُّ على اختلاف المعنى، ليست قاعدة مطردة، وإلا لم يكن في العربية: ألفاظ مترادفة. • تعريف السهو والفرق بينه وبين النسيان والغفلة: [م-٨٢٤] السهو والغفلة والنسيان ألفاظ يرى جمهور الفقهاء والأصوليين أنها ألفاظ مترادفة (١).

стр. 6893

يقول ابن أمير حاج في شرح التحرير نقلًا من حاشية ابن عابدين: «ذهب الفقهاء والأصوليون وأهل اللغة إلى عدم الفرق … » (١). وقال في شرح الكوكب المنير: «ومنه أي من الجهل البسيط: سهو وغفلة ونسيان، والجميع بمعنى واحد عند كثير من العلماء» (٢). • والدليل على أنه لا فرق بينها من حيث المعنى: (ح-٢٤٧٤) ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين (٣). فأطلق النبي ﷺ النسيان على السهو. ولأن التفريق لا يقوم على حقيقة شرعية متلقاة من الشارع، ولا على حقيقة لغوية، فالقواميس اللغوية لا تفرق بينها، حيث يجمع بينها عدم استحضار الشيء وقت الحاجة إليه. ويرى بعضهم أنها ألفاظ متقاربة، وتستخدم بمعنى واحد تسامحًا. يقول ابن أمير حاج في شرح التحرير: « … فرق الحكماء بأن السهو زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة. والنسيان: زوالها عنهما معًا … » (٤). يقول الآمدي نقلًا من حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات: «والذهول والغفلة والنسيان كل منها مضاد للعلم، وهي إما ألفاظ مترادفة أو قريبة من المترادف» (٥). فالسهو والغفلة أشد تقاربًا وإن كانت الغفلة أعم من السهو، ويتبين ذلك من

стр. 6894

خلال التعريف. تعريف السهو اصطلاحًا (١): السهو: هو الذهول عن المعلوم مع اعتقاد ضده، كأن تُسلِّم في الرباعية من ركعتين وأنت تظن أنك صليت أربعًا. وأما تعريف الغفلة: فالغفلة: أعم من السهو، فهي الذهول عن المعلوم، اعتقد ضده أم لا (٢). وقد تستخدم في الترك إهمالًا وإعراضًا، قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]. وأما النسيان: فهو ضد الحفظ، وهو زوال المعلوم من الحافظة (٣). ويشترط للنسيان أن يتقدمه ذكر، فإذا لم يتقدمه لم يوصف بالنسيان. وأما السهو والغفلة: فهو الذهول عن المعلوم تقدمه ذكر أم لا. يقول أبو الوليد الباجي في الحدود: السهو على قسمين: أحدهما: أن يتقدمه ذكر ثم يعدم الذكر، فهذا يصح أن يسمى سهوًا، ويصح أن يسمى نسيانًا.

стр. 6895

والقسم الثاني: ألا يتقدمه ذكر، فهذا لا يصح أن يوصف بالنسيان، وإنما يوصف بالسهو والذهول (١). وقيد السهو (في الصلاة) ليخرج السهو عنها، فالسهو عنها قد يكون نسيانًا، وقد يكون تركًا. قال ابن الأثير نقلًا: «السهو في الشيء تركه عن غير علم، والسهو عنه تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] (٢). وقال في المجموع المغيث: السهو عن الشيء: تركه (٣). وقال الزمخشري: «فإن قلت: أي فرق بين قوله ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ وبين قولك فِي صَلاتِهِمْ؟ قلت: معنى عَنْ: أنهم ساهون عنها سهوَّ ترك لها، وقلَّة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين أو الفسقة … ومعنى (في صلاتهم): أنّ السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم، وكان رسول الله ﷺ يقع له السهو في صلاته فضلًا عن غيره» (٤). فالسلامة من السهو في الصلاة محال، فلا ينفك عنه البشر، ولهذا علل النبي ﷺ وقوع السهو منه بكونه بشرًا ينسى كما ينسى البشر. وهو مصداق لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]. وقوله: ﴿مِثْلُكُمْ﴾ تأكيد لبشريته ﵊. وقوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ بيان الفرق بينه وبين سائر البشر، وهو الوحي، فالرسل عباد الله فلا يعبدون، ولا ينبغي لهم، ورسل من الله فلا يكذبون، لأن الكذب منهم يبطل دعوى إرسالهم من قبل الله. قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩].

стр. 6896

من أطاعهم فقد أطاع الله. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَه﴾ [الحشر: ٧] (ح-٢٤٧٥) وأما ما رواه الإمام مالك في الموطأ، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: إني لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ (١). قال ابن عبد البر: «أما هذا الحديث بهذا اللفظ، فلا أعلمه يروى عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه مسندًا، ولا مقطوعًا، من غير هذا الوجه، والله أعلم، وهو أحد الأحاديث الأربعة في «الموطأ» التي لا توجد في غيره مسندة، ولا مرسلة، والله أعلم» (٢). وقال العراقي في طرح التثريب: «هذا الحديث لا أصل له» (٣).

стр. 6897

المبحث الثاني إعادة الصلاة بسبب السهو المدخل إلى المسألة: • جميع مبطلات الصلاة توقيفية. • إذا أمكن تصحيح العبادة لم يذهب المصلي إلى رفضها. • لا يوجد دليل من الشارع يقضي بإبطال الصلاة لوقوع السهو فيها، والأصل الصحة وعدم البطلان. • وَقَعَ السهو من النبي ﷺ في صلاته، فصحح صلاته، وسجد لسهوه ولم يبطلها. • جبر الصلاة بالسجود إذا وقع فيها سهو أولى من تركها بلا جبر أو من رفضها؛ لأن ذلك سنة النبي ﷺ والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع، ولا يجوز لأحد الاستدراك على النبي ﷺ ، ولا تقديم النظر على النقل. • كل من أبطل الصلاة لكثرة السهو أو الشك، أو الزيادة فقد قاله بناء على اجتهاد محض، ولم يَبْنِ قوله على سنة محكمة، ولا أثر صحيح، ولا قاعدة فقهية مسلمة. • لا فرق بين وقوع السهو في الصلاة مرة واحدة وبين تكراره في الصلاة الواحدة إلا أن يكون السهو حالة مرضية فلا يلتفت له. • موجب السهو سجدتان ولو تكرر، سواء أكان السهو من جنس واحد كالزيادة، أم كان من جنسين مختلفين كالزيادة والنقص؛ لأن السهو هو العلة في السجود، وهو موجب واحد، لا نوعه، فيكفي سجدتان لأنواع السهو. • الموسوس لا يأتي بما شك فيه، ولا أثر له على صلاته ولا سجود عليه، كغلبة الحدث. • علاج الوسواس بالإعراض عنه، وهو من أعظم الأسباب لتثبيت اليقين. • الزيادة في الصلاة ولو بلغت مثلها لا يوجب بطلان الصلاة خلافًا للمالكية.

стр. 6898

[م-٨٢٥] الصلاة الواجبة إذا شرع فيها العبد وجب عليه إتمامها، ولا يجوز الخروج منها لوقوع السهو فيها؛ لأن جميع مبطلات الصلاة توقيفية متلقاة من الشارع، ولم يجعل الشارع السهو من مبطلاتها. وقد وقع السهو من النبي ﷺ في صلاته، وبين لنا وجه العمل المشروع في الصلاة، وأن المتروك منه ما يسقط بالسهو، ويجبر بالسجود، كما لو نسي التشهد الأول، أو زاد في صلاته ساهيًا. ومنه ما لا يسقط بالسهو كما لو سلم من اثنتين في الرباعية والثلاثية فلا بد من إصلاح صلاته، بأن يأتي بالركعات الباقية، ويسجد للسهو. لا فرق بين أن يقع ذلك مرة واحدة، أو يكثر في الصلاة إذا تحقق من السهو، فالموجب واحد، إلا أن يكون السهو حالة مَرَضِية فلا يلتفت إليه، ولو كان السهو يفرق فيه بين قليله وكثيره لجاءت النصوص الشرعية بما تقوم فيه الحجة على الخلق، وما كان ربك نسيًا. ولا يوجد دليل من الشارع يقضي بإبطال الصلاة لوقوع السهو فيها. وهناك من الفقهاء من اعتبر إعادة الصلاة لا تجزئه؛ لأن السجود باق في ذمته. جاء في ضوء الشموع شرح المجموع: «ولا يجوز إبطال الصلاة، ولا إعادتها بعده .... ونقل ابن ناجي في (شرح المدونة) عن ابن بشير: من ترك السجود، وأعاد الصلاة لم تجزه، والسجود باق في ذمته، اه يحتاج إلى أن الصلاة الثانية ليست طولًا، ولا رفضًا للأولى بل للسجود فقط (١). يقصد بقوله: (ليست طولًا) أي ليست بفاصل طويل يبطل الصلاة الأولى. (ولا رفضًا للأولى) أي لا تتضمن نية الإعادة رفض الصلاة الأولى فيبقى السجود في ذمته، كما لو شرع في نافلة وعليه سجود سهو، فإنه يعود ويسجد، ولا يعتبر فاصلًا طويلًا ولا رفضًا للصلاة الأولى، والله أعلم. وعلى كل حال فالصلاة التي جبرت بسجود السهو أفضل من إعادة الصلاة

стр. 6899

لوقوع السهو فيها. قال ابن أبي حمزة: «إن الصلاة التي يسهو فيها المصلي ويسجد لها أفضل من سبعين صلاة لا سهو فيها، أي لأن الصلاة بغير سهو تحتمل القبول وعدمه، وإذا كانت بالسهو وسجد فقد أرغم أنف الشيطان كما قال ﵊: (فتلك ترغم أنف الشيطان) وما يغيظ الشيطان يرجى منه رضا الرحمن، ففضلت على غيرها بتلك الصفة» اه ولعل قوله: (أفضل من سبعين صلاة) هذا التفضيل بالعدد لا يراد لفظه، وهو أسلوب عربي يراد منه مطلق الكثرة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، ولو كان التفضيل للصلاة التي سجد لسهوها على الصلاة التي أعادها بسبب السهو لقبل ذلك لأن إصابة السنة أفضل من مخالفتها. (ح-٢٤٧٦) لما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، أخبرنا عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين (١). [رجح أبو داود أن الحديث مرسل، وأن ذكر أبي سعيد ليس بمحفوظ] (٢). قال ابن عبد البر: «لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال في الساهي في صلاته أن يقطع ويستأنف» (٣). قلت: ويستثنى من كلام ابن عبد البر ثلاث مسائل وقع الخلاف في وجوب استئناف الصلاة بالسهو: المسألة الأولى: قال الحنفية: من شك في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أم

стр. 6900

أربعًا، وكان ذلك أولَّ ما عرض له، فإنه يستأنف، فإن كثر تحرى، فإن لم يمكن أخذ بالأقل (١). واختلف الحنفية في معنى قولهم: (أول ما عرض له)، فقيل أول شك عرض له في عمره، ولم يكن سها في صلاة قط بعد بلوغه. وقيل: المراد أول سهو عرض له في تلك الصلاة، ولم يكن السهو له عادة، لا أنه لم يسه قط. وهو قول ضعيف، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى دراسة مذهب الحنفية عند الكلام على الشك في الصلاة، انظر: (الشك في عدد الركعات). المسألة الثانية: إذا كثر السهو في الصلاة، فاختلف العلماء في وجوب الإعادة. فقال عبد الملك بن الماجشون: «يعيد الصلاة» (٢). وقال زروق: «يقع في الصلاة -يعني السهو- فيجبر بالسجود ما لم يكثر فتبطل، أو يقل جدًّا فيغتفر» (٣). وهذا القول مخالف للمعتمد في مذهب المالكية، فالمالكية قالوا: إذا أيقن بالسهو كفاه سجدتان وإن تكرر، ويصلح صلاته إلا أن يستنكحه الشك أو يستنكحه السهو. فمن استنكحه الشك: بحيث يعتريه كثيرًا بأن يشك كل يوم، ولو مرة، أزاد أم نقص؟ وهل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ ولم يتيقن شيئًا يبني عليه، فحكمه عند المالكية: أن يلهو عنه، ولا إصلاح عليه، بل يبني على الأكثر، وعليه أن يسجد بعد السلام، فإن لم يله عنه، بأن عمل بمقتضاه ولو عمدًا بأن بنى على الأقل لم تبطل صلاته. (ح-٢٤٧٧) لما رواه الشيخان من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
следующие страницы →