من أطاعهم فقد أطاع الله.
قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَه﴾ [الحشر: ٧]
(ح-٢٤٧٥) وأما ما رواه الإمام مالك في الموطأ، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: إني لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ (١).
قال ابن عبد البر: «أما هذا الحديث بهذا اللفظ، فلا أعلمه يروى عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه مسندًا، ولا مقطوعًا، من غير هذا الوجه، والله أعلم، وهو أحد الأحاديث الأربعة في «الموطأ» التي لا توجد في غيره مسندة، ولا مرسلة، والله أعلم» (٢).
وقال العراقي في طرح التثريب: «هذا الحديث لا أصل له» (٣).
стр. 6897
المبحث الثاني إعادة الصلاة بسبب السهو
المدخل إلى المسألة:
• جميع مبطلات الصلاة توقيفية.
• إذا أمكن تصحيح العبادة لم يذهب المصلي إلى رفضها.
• لا يوجد دليل من الشارع يقضي بإبطال الصلاة لوقوع السهو فيها، والأصل الصحة وعدم البطلان.
• وَقَعَ السهو من النبي ﷺ في صلاته، فصحح صلاته، وسجد لسهوه ولم يبطلها.
• جبر الصلاة بالسجود إذا وقع فيها سهو أولى من تركها بلا جبر أو من رفضها؛ لأن ذلك سنة النبي ﷺ والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع، ولا يجوز لأحد الاستدراك على النبي ﷺ ، ولا تقديم النظر على النقل.
• كل من أبطل الصلاة لكثرة السهو أو الشك، أو الزيادة فقد قاله بناء على اجتهاد محض، ولم يَبْنِ قوله على سنة محكمة، ولا أثر صحيح، ولا قاعدة فقهية مسلمة.
• لا فرق بين وقوع السهو في الصلاة مرة واحدة وبين تكراره في الصلاة الواحدة إلا أن يكون السهو حالة مرضية فلا يلتفت له.
• موجب السهو سجدتان ولو تكرر، سواء أكان السهو من جنس واحد كالزيادة، أم كان من جنسين مختلفين كالزيادة والنقص؛ لأن السهو هو العلة في السجود، وهو موجب واحد، لا نوعه، فيكفي سجدتان لأنواع السهو.
• الموسوس لا يأتي بما شك فيه، ولا أثر له على صلاته ولا سجود عليه، كغلبة الحدث.
• علاج الوسواس بالإعراض عنه، وهو من أعظم الأسباب لتثبيت اليقين.
• الزيادة في الصلاة ولو بلغت مثلها لا يوجب بطلان الصلاة خلافًا للمالكية.
стр. 6898
[م-٨٢٥] الصلاة الواجبة إذا شرع فيها العبد وجب عليه إتمامها، ولا يجوز الخروج منها لوقوع السهو فيها؛ لأن جميع مبطلات الصلاة توقيفية متلقاة من الشارع، ولم يجعل الشارع السهو من مبطلاتها.
وقد وقع السهو من النبي ﷺ في صلاته، وبين لنا وجه العمل المشروع في الصلاة، وأن المتروك منه ما يسقط بالسهو، ويجبر بالسجود، كما لو نسي التشهد الأول، أو زاد في صلاته ساهيًا.
ومنه ما لا يسقط بالسهو كما لو سلم من اثنتين في الرباعية والثلاثية فلا بد من إصلاح صلاته، بأن يأتي بالركعات الباقية، ويسجد للسهو.
لا فرق بين أن يقع ذلك مرة واحدة، أو يكثر في الصلاة إذا تحقق من السهو، فالموجب واحد، إلا أن يكون السهو حالة مَرَضِية فلا يلتفت إليه، ولو كان السهو يفرق فيه بين قليله وكثيره لجاءت النصوص الشرعية بما تقوم فيه الحجة على الخلق، وما كان ربك نسيًا.
ولا يوجد دليل من الشارع يقضي بإبطال الصلاة لوقوع السهو فيها.
وهناك من الفقهاء من اعتبر إعادة الصلاة لا تجزئه؛ لأن السجود باق في ذمته.
جاء في ضوء الشموع شرح المجموع: «ولا يجوز إبطال الصلاة، ولا إعادتها بعده .... ونقل ابن ناجي في (شرح المدونة) عن ابن بشير: من ترك السجود، وأعاد الصلاة لم تجزه، والسجود باق في ذمته، اه يحتاج إلى أن الصلاة الثانية ليست طولًا، ولا رفضًا للأولى بل للسجود فقط (١).
يقصد بقوله: (ليست طولًا) أي ليست بفاصل طويل يبطل الصلاة الأولى.
(ولا رفضًا للأولى) أي لا تتضمن نية الإعادة رفض الصلاة الأولى فيبقى السجود في ذمته، كما لو شرع في نافلة وعليه سجود سهو، فإنه يعود ويسجد، ولا يعتبر فاصلًا طويلًا ولا رفضًا للصلاة الأولى، والله أعلم.
وعلى كل حال فالصلاة التي جبرت بسجود السهو أفضل من إعادة الصلاة
стр. 6899
لوقوع السهو فيها.
قال ابن أبي حمزة: «إن الصلاة التي يسهو فيها المصلي ويسجد لها أفضل من سبعين صلاة لا سهو فيها، أي لأن الصلاة بغير سهو تحتمل القبول وعدمه، وإذا كانت بالسهو وسجد فقد أرغم أنف الشيطان كما قال ﵊: (فتلك ترغم أنف الشيطان) وما يغيظ الشيطان يرجى منه رضا الرحمن، ففضلت على غيرها بتلك الصفة» اه
ولعل قوله: (أفضل من سبعين صلاة) هذا التفضيل بالعدد لا يراد لفظه، وهو أسلوب عربي يراد منه مطلق الكثرة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، ولو كان التفضيل للصلاة التي سجد لسهوها على الصلاة التي أعادها بسبب السهو لقبل ذلك لأن إصابة السنة أفضل من مخالفتها.
(ح-٢٤٧٦) لما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، أخبرنا عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين (١).
[رجح أبو داود أن الحديث مرسل، وأن ذكر أبي سعيد ليس بمحفوظ] (٢).
قال ابن عبد البر: «لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال في الساهي في صلاته أن يقطع ويستأنف» (٣).
قلت: ويستثنى من كلام ابن عبد البر ثلاث مسائل وقع الخلاف في وجوب استئناف الصلاة بالسهو:
المسألة الأولى: قال الحنفية: من شك في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أم
стр. 6900
أربعًا، وكان ذلك أولَّ ما عرض له، فإنه يستأنف، فإن كثر تحرى، فإن لم يمكن أخذ بالأقل (١).
واختلف الحنفية في معنى قولهم: (أول ما عرض له)،
فقيل أول شك عرض له في عمره، ولم يكن سها في صلاة قط بعد بلوغه.
وقيل: المراد أول سهو عرض له في تلك الصلاة، ولم يكن السهو له عادة، لا أنه لم يسه قط.
وهو قول ضعيف، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى دراسة مذهب الحنفية عند الكلام على الشك في الصلاة، انظر: (الشك في عدد الركعات).
المسألة الثانية: إذا كثر السهو في الصلاة، فاختلف العلماء في وجوب الإعادة.
فقال عبد الملك بن الماجشون: «يعيد الصلاة» (٢).
وقال زروق: «يقع في الصلاة -يعني السهو- فيجبر بالسجود ما لم يكثر فتبطل، أو يقل جدًّا فيغتفر» (٣).
وهذا القول مخالف للمعتمد في مذهب المالكية، فالمالكية قالوا: إذا أيقن بالسهو كفاه سجدتان وإن تكرر، ويصلح صلاته إلا أن يستنكحه الشك أو يستنكحه السهو.
فمن استنكحه الشك: بحيث يعتريه كثيرًا بأن يشك كل يوم، ولو مرة، أزاد أم نقص؟ وهل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ ولم يتيقن شيئًا يبني عليه، فحكمه عند المالكية: أن يلهو عنه، ولا إصلاح عليه، بل يبني على الأكثر، وعليه أن يسجد بعد السلام، فإن لم يله عنه، بأن عمل بمقتضاه ولو عمدًا بأن بنى على الأقل لم تبطل صلاته.
(ح-٢٤٧٧) لما رواه الشيخان من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
стр. 6901
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس (١).
بخلاف الشاك غير المستنكح فهذا يجب عليه إصلاح صلاته بالبناء على الأقل، والإتيان بما شك، ويسجد.
ومن استنكحه السهو: بحيث يعتريه كثيرًا، ويتيقن السهو، فحكمه أن يصلح صلاته، بأن يأتي بما سها عنه، ولا سجود عليه.
والفرق: أن الساهي يضبط ما تركه بخلاف الشاك فلا ضبط عنده (٢)
وفي الحالين ليس عليه أن يرفض صلاته لكثرة السهو أو الشك كما هو اختيار ابن الماجشون.
ومعنى: استنكحه: أي داخله، وكثر عليه، وتكرر منه ولو كل يوم مرة.
فهنا فرق المالكية بين حالين أن يكثر السهو منه في صلاة واحدة، ويتيقن السهو، ولم يكن السهو عادة له إلا نادرًا، فهذا يجب عليه أن يصلح صلاته، ويسجد لسهوه، ولم يفرقوا فيه بين وقوعه في الصلاة الواحدة مرة أو أكثر.
وبين أن يكون من عادته تكرر السهو أو الشك، ولو مرة واحدة في اليوم، فهذا يعطى حكم المستنكح على التفصيل السابق.
يقول أبو الوليد الباجي: «الساهي على ضربين:
ضرب يمكنه التيقن؛ لأن السهو يقع منه نادرًا، وضرب يكثر منه السهو حتى لا يكاد يحصل له يقين، فهذا من باب الوسواس» (٣).
стр. 6902
وقال ابن أبي موسى الحنبلي نقلًا من المغني: «إذا كثر السهو حتى يصير مثل الوسواس لها عنه» (١).
وقال ابن رجب: «الشك إذا لزم صاحبه وصار وسواسًا، لم يلتفت إليه، وهو قول الثوري، وروي عن القاسم بن محمد، وصرح به أصحابنا أيضًا» (٢).
وجاء في المبدع: «فإن كثر السهو حتى صار وسواسًا لم يتلفت إليه» (٣).
وقيل: السهو وإن كثر لا يبطل الصلاة ويجبر بسجدتين، وهو مذهب الحنفية والشافعية (٤).
جاء في المبسوط: «وإذا سها في صلاته مرات لا يجب عليه إلا سجدتان» (٥).
قال ابن نجيم: «لو ترك جميع واجبات الصلاة ساهيًّا فإنه لا يلزمه أكثر من سجدتين» (٦).
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «ولو سها في صلاته مرارًا لا يجب عليه إلا سجدتان» (٧).
هذه هي المسألة الثانية التي وقع فيها خلاف في رفض الصلاة إذا وقع فيها السهو.
المسألة الثالثة: ذهب المالكية إلى أن المصلي إذا زاد في صلاته مثلها بطلت صلاته، كما لو زاد في الصلاة الثلاثية أو الرباعية أربع ركعات محققات، على ما شهره ابن الحاجب.
وقيل: تجزئ، وكثرة السهو لا تفسد الصلاة، وهي رواية مطرف عن مالك (٨).
стр. 6903
قال ابن شاس: «وإن كثرت الزيادة، فكانت في الرباعية مثلها، فالمشهور المعروف من المذهب بطلان الصلاة، وروي القول بصحتها» (١).
وتقدير الزيادة التي تبطل الصلاة تحتاج إلى توقيف؛ فجميع المقادير في الشرع توقيفية، ولا أعلم نصًا في المسألة يفرق بين زيادة وأخرى، فإذا كانت هذه الزيادة سببها السهو، ولم يكن موسوسًا، فيكفيه سجدتان، فرواية مطرف عن الإمام مالك رغم أنها ليست هي الرواية المشهورة في المذهب إلا أنها هي الراجحة، من حيث القواعد والنظر الفقهي، والله أعلم.
وسوف نتعرض لها بشيء من التفصيل عند الكلام على حكم الزيادة في الصلاة، انظر مسألة: (المصلي يزيد أكثر من ركعة في الصلاة).
وإنما استدعى التنبيه على هذه المسألة عند الكلام على الموقف الفقهي من إبطال الصلاة بالسهو، والله أعلم.
стр. 6904
المبحث الثالث الصلوات التي يدخلها سجود السهو
المدخل إلى المسألة:
• كل عبادة دخل الجبران في فرضها دخل في نفلها كالحج.
• السهو في النفل كالسهو في الفرض أو بلفظ آخر: ما ثبت في الفرض ثبت بالنفل إلا بدليل.
• ليس في سجدتي السهو سهو.
• لا يدخل سجود السهو في صلاة الجنازة بالاتفاق؛ لأنه لا سجود في صلبها.
• لا يشرع سجود السهو في سجود التلاوة والشكر، لأن سجود السهو شرع في الصلاة، ولم يأت في الشرع إطلاق اسم الصلاة عليهما، والأصل في العبادات المنع.
• قول النبي ﷺ إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى … الحديث. فيه عمومان: عموم في السبب في قوله: (إذا شك) فيشمل الفرض والنفل، وعموم في المحل في قوله: (في صلاته) نكرة مضافة فتعم كل صلاة.
• سجود السهو له وظيفتان: جبران الصلاة، أو إرغام الشيطان، فكما يحتاج إليهما في الفرض، يحتاج إليهما في النفل ..
[م-٨٢٦] اتفق العلماء على أن سجود السهو يشرع في صلاة الفرض إذا وجد سببه، واتفقوا على أنه لا يشرع في صلاة جنازة؛ لأنه لا سجود في صلبها، ففي جبرانها أولى.
وإذا عرض له سهو في
стр. 6905
سجود السهو فلا يشرع في سهوه سجود، وحكي فيه الإجماع، جاء في المجموع: نقل العبدري إجماع المسلمين على أنه إذا سها في سجود السهو لم يسجد (١).
ولأنه ربما أدى إلى التسلسل.
قال الخلوتي في حاشيته: «وفيه نظر؛ لأن توهم التسلسل ليس مفسدًا، إنما المفسد لزومه حقيقة، إلا أن يقال: من قواعدهم إقامة المظنة مقام المئنة» (٢).
[م-٨٢٧] واختلفوا في سجود التلاوة والشكر:
فقيل: لا يسجد، وهو قول الجمهور؛ وبعض المتأخرين من الشافعية؛ لأنه لم ينقل، ولا هو في معنى ما نقل، والجبر توقيفي، والأصل المنع.
ولأن السهو خاص بالصلاة، والأصح أنهما لا يعدان صلاة، وسيأتي بحث ذلك إن شاء الله تعالى في باب مستقل.
ولأنه لو شرع سجود السهو فيهما لكان الجبر زائدًا على الأصل.
وقال الشافعية: يسجد لهما إذا سها فيهما خارج الصلاة (٣).
لأن سجود التلاوة والشكر صلاة، فيعطيان حكم السهو في الصلاة؛ للشمول اللفظي (إذا سها أحدكم في صلاته).
فصلاة: نكرة مضافة، فتعم كل صلاة فرضًا كانت أم نفلًا، ومنه سجود التلاوة والشكر، والله أعلم.
ولا مانع من جبران الشيء بأكثر منه، ألا ترى أن المجامع في يوم من رمضان إذا لم يقدر على العتق يصوم شهرين وهما أكثر من المجبور، ولأنه لو سها فزاد سجدة، فإنه يجبر ذلك بسجدتين، وهما أكثر من المجبور.
والراجح قول الجمهور.
[م-٨٢٨] واختلفوا أيضًا: في سجود السهو في صلاة النفل:
فقيل: يشرع سجود السهو في صلاة النفل، وهو مذهب الأئمة الأربعة (٤).
стр. 6906
قال في الفروع: «ولا سجود لسهو في جنازة، وسجود تلاوة، وسهو (و) ورمز بالواو إشارة إلى وفاق الأئمة الأربعة، والنفل كالفرض (و)» (١).
وقيل: لا يسجد في النافلة، وحكي قولًا قديمًا في مذهب الشافعي، وهو قول ابن سيرين، وإحدى الروايتين عن قتادة (٢).
جاء في المجموع: حاصل ما ذكره -يعني الشيرازي- طريقان:
أصحهما، وبه قطع الجمهور: أنه يسجد للسهو في صلاة النفل.
والثاني: على قولين: الجديد يسجد. والقديم لا يسجد.
وهذا الطريق حكاه المصنف، وشيخه القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهم من العراقيين، ولم يذكره جمهور الخراسانيين، والشيخ أبو حامد وغيره من العراقيين. قال أبو حامد: نص في القديم أنه يسجد للسهو في صلاة النفل، وبه قال جميع العلماء إلا ابن سيرين (٣).
• دليل الجمهور على مشروعية السهو للنافلة:
الدليل الأول:
(ح-٢٤٧٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير،
стр. 6907
عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم (١).
[منكر سندًا ومتنًا] (٢).
الدليل الثاني:
(ح- ٢٤٧٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس.
وجه الاستدلال:
فالشرط في قوله: (إذا قام يصلي) يقتضي عموم ذلك في كل صلاة، ومن خص ذلك في صلاة النفل فقد خصص العام بلا مخصص.
الدليل الثالث:
(ح- ٢٤٨٠) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيما للشيطان (١).
стр. 6910
• الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
قوله: (إذا شك .. في صلاته)، فيها عمومان: أحدهما: الشرط في قوله: (إذا شك) فيعم الشك في الفرض والنفل.
والعموم الثاني: قوله: (في صلاته) فصلاة نكرة مضافة، فتعم كل صلاة فرضًا كانت أم نفلًا، والله أعلم.
الوجه الثاني:
دل الحديث أن سجود السهو له وظيفتان: جبران الصلاة، أو إرغام الشيطان وهاتان كما يحتاج إليهما في الفرض، يحتاج إليهما في النفل.
الدليل الرابع:
(ح-٢٤٨١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة؟ قال: لا، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين (١).
وجه الاستدلال:
عموم قوله: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) فإن هذا عام يشمل الفرض والنفل.
الدليل الخامس:
الصلاة عبادة من جنس واحد، والأصل أن ما ثبت في الفرض ثبت في النفل، فشروطهما وأركانهما وسننهما ومبطلاتهما واحدة إلا ما استثناه الشارع بدليل خاص، كسقوط القيام واستقبال القبلة في حق المتنفل.
ولما كانت صلاة النافلة تصح على الدابة، ولا يصح ذلك في الفرض جاء
стр. 6911
التصريح بالتفريق.
(ح-٢٤٨٢) فقد روى البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته، حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل، إلا الفرائض ويوتر على راحلته (١).
(ح- ٢٤٨٣) ورواه مسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (٢).
فلولا الاستثناء في قوله: (غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة) لكان فعله في النافلة دليلًا على صحة فعله في الفريضة، ولم يأت دليل يدل على سقوط سجود السهو في حق المتنفل، فالأصل استوائهما في الحكم، والله أعلم.
الدليل السادس:
(ث-٦٠٣) ما رواه البخاري معلقًا، قال أبو عبد الله: وسجد ابن عباس ﵄ سجدتين بعد وتره.
وترجم له البخاري: باب السهو في الفرض والتطوع (٣).
• ويناقش:
بأن السجدة قد تطلق على الركعة،
• دليل من قال: لا يسجد لسهو النافلة:
الدليل الأول:
يمكن الاستدلال لهم بالقول: إنه لم يرد في النافلة، والأصل في سجود السهو التوقيف.
• ويجاب:
بأن العلة في سجود السهو ليس كون العبادة فرضًا وهذه نفلًا، فهذا لا تأثير له في سجود السهو، فإلحاق النفل بالفرض ليس من باب القياس، بل للشمول
стр. 6912
اللفظي، فحقيقة الصلاة لا فرق بين نفلها وفرضها، فصلاة الصبح وسنة الصبح واحدة من جهة الحقيقة، والفرضية والسنية متعلقة بنية المكلف، لا من جهة أفعال الصلاة وحقيقتها، وكذلك يقال في الصيام والحج، محظوراتهما واحدة، لا فرق في الأفعال بين نفل وفرض، فالعلة إذًا في السجود هو حصول السهو في الصلاة، وحاجتها إلى جبر ما وقع فيها، وهذا لا فرق فيه بين فرض ونفل، فكما أن السهو خلل في صلاة الفرض، فهو خلل في صلاة النفل، وما جَبرَ الفرض جَبرَ النفل إلا بدليل، ولذلك لو وقع في نفل الحج انتهاك محظور وجب الجبر كالفرض.
الدليل الثاني:
إطلاق اسم الصلاة على النفل والفرض لا يجعل حقيقتهما واحدة، فهو من قبيل الاشتراك اللفظي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فجمعت الآية بين صلاة الله وبين صلاة الملائكة، وهما مختلفان حقيقة، وإن اشتركا في اللفظ، وكإطلاق الطهور على الماء والتراب مع اختلاف حقيقتهما، وكالاشتراك في إطلاق اسم السجود على سجود الصلاة وسجود التلاوة، وسجود الشكر، وسجود التحية كما في شريعة يوسف، مع اختلاف الحقيقة بينها، وكالاشتراك في إطلاق القرء على الطهر والحيض، وحقيقتهما متضادة، وكإطلاق الزكاة على زكاة النفس وزكاة المال، وهذا هو الذي اختاره الإمام فخر الدين لما بين صلاتي الفرض والنفل من التباين في بعض الشروط، كالقيام، واستقبال القبلة، وعدم اعتبار العدد المعنوي، وغير ذلك.
• ويجاب:
بأن جمهور الأصوليين على خلاف ما اختاره فخر الدين، ذكر ذلك ابن حجر في الفتح (١).
وقال العلائي في نظم الفرائد نقلًا من شرح سنن أبي داود لابن رسلان: « .... والذي يظهر أنه مشترك معنوي، أي: متواطئ لوجود القدر الجامع بين
стр. 6913
كل ما يسمى صلاة، وهو التحرم والتحلل تعبدًا لله تعالى مع ما يشمل الكل من الشروط التي لا تنفك، وهو أولى من القول الأول؛ لأن الاشتراك اللفظي على خلاف الأصل والتواطؤ خير منه، فعلى هذا يكون قوله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر صلى ثلاثًا أو أربعًا) وقوله: (إن أحدكم إذا قام يصلي فلبس عليه صلاته)، ثم قال بعده: (فليسجد سجدتين) شامل لقسمي الفرض والنفل لدخول كل منهما في اسم الصلاة .... ويدل على العموم ترجمة البخاري باب السهو في الفرض والنفل» (١).
• الراجح:
أن القول الذي لا تردد فيه أن النفل والفرض سواء في سجود السهو، متى وجد سببه من نقص، أو زيادة، تيقن ذلك أو شك فيه، والله أعلم.
стр. 6914
المبحث الرابع الحكمة من مشروعية سجود السهو
إذا قام العبد بالمأمور مستوفيًا شروطه وأركانه وواجباته ترتبت عليه آثاره من الإجزاء وسقوط الطلب.
وقد يتطرق إلى العبادة خلل، وهذا الخلل تارة يفسدها مطلقًا، من غير فرق بين العمد والسهو كالحدث للوضوء.
وتارة يفسد الجزء الذي وقع فيه الخلل وحده دون باقي العبادة، ويوجب ذلك إعادته وحده بشكل صحيح، كما لو نسي سجدة في ركعة من ركعات الصلاة، فلا تبطل الصلاة بالكلية إذا أمكن تدراك ذلك.
وتارة يكون وقوع الخلل لا يفسد العبادة، ولا يوجب إعادة الجزء الذي وقع فيه الخلل، وإذا لم يفسدها، فمنه ما تصح معه العبادة، ولا يشرع له تعويض بدلًا عن الفائت، وقد ينقص ذلك من ثوابها كالعبث اليسير في الصلاة بلا حاجة.
ومنها ما يشرع له تعويض لرقع الخلل الذي وقع فيها.
وهذا الجابر للخلل تارة يكون من جنس العبادة، كسجود السهو،
وقد يكون الجابر من غير جنس العبادة، كالكفارات في الأيمان والحج، ونحوهما.
والصلاة من هذه العبادات التي قد يتطرق إليها الخلل بسبب السهو، فكان من محاسن الشريعة مشروعية سجود السهو حيث إن كل إنسان لا يمكنه التحرز منه، فلا بد من وقوعه منه في هذا الركن العظيم، فلما كان المصلي معرضًا للزيادة في صلاته، أو للنقص منها، أو للشك فيها، شرع له سجود السهو، فكان سجود السهو يجبر الخلل العارض للصلاة وهذه هي الحكمة من مشروعيته.
فإذا وقع الخلل فيها، فقد يقع سهوًا، وقد يقع عمدًا، وكلاهما قد يقع في أركانها، أو في واجباتها، أو في سننها.
стр. 6915
وسوف أتعرض بالبحث إن شاء الله تعالى إلى صفة جبر الخلل الواقع في الصلاة، سواء أوقع سهوًا، أم عمدًا عند الكلام على أسباب سجود السهو من زيادة، أو نقص، أو شك، فقد تَرِدُ هذه الأمور على فروض الصلاة، وقد تَرِدُ على سننها، وبعضها محل اتفاق بين الفقهاء، وبعضها محل خلاف، فانظره عند دراسة أسباب سجود السهو إن شاء الله تعالى.
стр. 6916
الباب الأول في شروط سجود السهو
الشرط الأول في اشتراط النية لسجود السهو
المدخل إلى المسألة:
• العبادات التي تتميز بنفسها، ولا تلتبس بغيرها، فعلها لا يفتقر إلى نية، كالإيمان بالله، والتسبيح، وقراءة القرآن.
• النية مشروعة في العبادة لتمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض: كأن تكون هذه فريضة، وتلك نافلة.
• السجود يتنوع منه سجود الصلاة، وسجود السهو، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، فاحتاج إلى نية تميز بعضه عن بعض.
• نية الصلاة تكفي عن نية خاصة لأفعالها من قيام وركوع وجلوس وسجود.
• ذهول المصلي عن النية داخل الصلاة ليس قطعًا لها، فيستصحب حكمها.
• المصلي دخل في الصلاة، وليس في نيته سجود السهو؛ لأن الأصل عدمه.
• سبب سجود السهو لا يطلب تحصيله في الصلاة، وتعمده من المحظورات، فلم تشمله نية ابتداء الصلاة.
• سجود السهو يفتقر إلى نية خاصة من غير فرق بين القبلي والبعدي.
• المأموم إذا سجد متابعة لإمامه كفاه، ولهذا سجد النبي ﷺ للسهو وتبعه الصحابة كما في حديث ابن بحينة قبل علمهم أن السهو يوجب السجود.
[م- ٨٢٩] من المعلوم أن نية الصلاة تكفي عن نية خاصة للركوع والسجود والجلوس في الصلاة، فهل تكفي نية الصلاة أيضًا عن نية سجود السهو، أم تشترط للسهو نية خاصة؟
стр. 6917
جاء في تحفة المحتاج: «وأما سجود السهو فليس سببه مطلوبًا فيها، وإنما هو منهي عنه، فلم تشمله نيتها ابتداء» (١).
قال السيوطي: «ليس السهو نفسه من لوازم الصلاة، بل وقوعه فيها خلاف الغالب، فلم يكن في النية إيماء إليه، ولا ادِّكار، ونظير ذلك فدية المحظورات في الحج والعمرة، فإنه لا بد لها من النية، ولا يقال: يكتفى بنية الإحرام؛ لأنها ليست من لوازم الإحرام، ولا من ضرورياته … » (٢).
فالمصلي إذا نوى الصلاة نوى الصلاة الشرعية بقيامها وركوعها وسجودها، وكل ما يجب لها، فذهوله عن النية، وهو في الصلاة، ليس قطعًا لها، فيستصحب حكمها، لكنه لا ينوي سجود السهو حتى يوجد مقتضيه، فلم تشمله نية الصلاة، لهذا وقع خلاف هل تشترط نية مستقلة لسجود السهو؟
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول:
أن سجود السهو يحتاج إلى النية مطلقًا، قبليًّا كان أم بعديًا، اختاره عبد الباقي الزرقاني والعدوي من المالكية (٣).
وانتقد ذلك الخرشي والدسوقي بأنه خلاف النقل (٤).
• وجه هذا القول:
أن المصلي دخل في الصلاة، وليس في نيته سجود السهو، لأن الأصل عدم السهو، فلا ينوي المصلي سجود السهو حتى يوجد مقتضيه، فلم تشمله نية الصلاة.
القول الثاني:
أن سجود السهو لا يفتقر إلى نية؛ لأن نية الصلاة قد تضمنته؛ لأنه قد أتى بالنية
стр. 6918
مع الإحرام؛ لأنه ينوي الصلاة بفروضها، ومسنونها، وسجود السهو من المسنون وبدل عن مسنون، فلا يفتر إلى نية مجردة، وهو قول في مذهب الشافعية (١).
وهذان قولان متقابلان.
قال ابن الرفعة في كفاية النبيه: «موجب الصلاة الإتيان بفروضها وسننها، وسجود السهو بدل عن المسنون، فلم يفتقر إلى نية مجردة» (٢).
قال السيوطي: «لم أر أحدًا ذكر وجوب النية في سجود السهو إلا على القول القديم أن محله بعد السلام، أما على الجديد الأظهر فلم يذكروا ذلك أصلًا، بل صرحوا بخلافه، فقالوا فيما إذا سلم ناسيًا، ثم عاد للسجود، هل يكون عائدا إلى الصلاة؟ وجهان: أصحهما: نعم، والثاني: لا. فإن قلنا: نعم، لم يحتج إلى تحرِّم، وإلا احتاج إليه، وهذا كلام لا غبار عليه، والتقليد آفة كبيرة» (٣).
وقد انتقد بعض الشافعية كلام السيوطي بأن فقهاء الشافعية قد صرحوا بوجوب النية حتى في المختصرات، وإذا قصد المصلي سجود السهو فقد نواه، أتراه سجد للسهو، وهو ليس من أعمال الصلاة بلا نية، هذا غير متصور.
قال الرملي: «وجوب نية سجود السهو مذكور في كلامهم حتى في مختصر التبريزي، وكلامهم كالصريح في وجوب النية فيهما حتى في المختصرات؛ إذ قولهم: سجد للسهو، وسجد للتلاوة لا يتحقق كون السجود لذلك إلا بقصده .... ودعوى تصريح الأصحاب بعدم وجوب نية سجود السهو ممنوعة» (٤).
وقول السيوطي ليس بدعًا من القول، فالسجود عند الشافعية محله قبل السلام، ومذهب المالكية يصححون في السجود القبلي لو سجد للسهو ذاهلًا عن النية، وإنما الكلام في تحقيق مذهب الشافعية، والله أعلم.
стр. 6919
القول الثالث:
قال المالكية: النية شرط في السجود البعدي، وأما القبلي فتكفيه نية الصلاة (١).
قال الدردير في الشرح الكبير: «وأما القبلي فإنْ أتى به في محله فالسلام للصلاة، ولا يحتاج لنية؛ لأنه داخلها، بخلاف لو أخَّر» (٢).
فعلق الدسوقي في حاشيته: قوله: «(لأنه داخلها) أي فنية الصلاة المعينة منسحبة عليه، فلو اتفق أنه أتى بالسجدتين ذاهلًا عن كونه ساجدًا للسهو لصحت» (٣).
القول الرابع:
قال الشافعية في الأصح: تجب نية السجود على الإمام والمنفرد دون المأموم (٤).
جاء في تحفة المحتاج: «وإنما لم تجب على المأموم؛ لأن أفعاله تنصرف لمحض المتابعة بلا نية منه، وقد مر أنه يلزمه موافقته فيه، وإن لم يعرف سهوه فكيف تتصور نيته له» (٥).
ويدل على التفريق بين المأموم وغيره حديث ابن بحينة المتفق عليه، حيث سجد النبي ﷺ لسهوه وتبعه الصحابة قبل علمهم أن السهو يوجب السجود.
• الراجح:
أن سجود السهو يفتقر إلى النية، من غير فرق بين القبلي والبعدي إلا أن هذا في حق الإمام والمنفرد، وأما المأموم فلو سجد متابعًا لإمامه دون أن يستحضر النية صح سجوده والله أعلم.
стр. 6920
الشرط الثاني
في اشتراط الطهارة لسجود السهو
المدخل إلى المسألة:
• قال ﷺ : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.
• كل ما قطع البناء في أفعال الصلاة فإنه يقطع بناء سجود السهو عليها كالحدث وطول الفصل، والعكس صحيح.
• إذا انصرف المصلي، وعليه سجود سهو فلم يتم صلاته؛ لافتقار صلاته إلى جابر، وجابر الصلاة مرتبط بها.
• جابر الصلاة مرتبط بها ارتباط المسبب بسببه، فليس سجود السهو صلاة مستقلة بنفسه، فإذا وجد الحدث امتنع بناء السجود على الصلاة.
• ثبوت التحلل من السهو يدل على أن له تحريمة، ولا تحريمة له إلا تحريمة الصلاة، فدل على ارتباطه بالصلاة.
• بقاء الطهارة شرط لبقائه في حكم الصلاة، فإذا أحدث امتنع البناء، فإن قلنا: سجود السهو واجب، ولا يسقط بالسهو أوجب إعادة الصلاة، وإن قلنا: السجود سنة، أو واجب يسقط بالسهو فات السجود بالحدث، وصحت الصلاة.
[م- ٨٣٠] لا يختلف الفقهاء أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وأن الرجل لو أحدث متعمدًا في صلاته بطلت صلاته، وإذا أحدث قبل السجود القبلي بطلت صلاته، ووجب عليه استئناف الصلاة؛ لأنه أحدث قبل التحلل من صلاته.
وأما إذا سلَّم ناسيًا أن عليه سجود السهو، فأحدث، ثم تذكر أن عليه السجود للسهو، فهل يجوز سجود السهو، وهو محدث، أو يجب أن يتطهر، فيسجد، أو
стр. 6921
يفوت السجود بالحدث، وتصح الصلاة؟ في ذلك خلاف بين العلماء:
فقيل: لا تشترط الطهارة لسجود السهو، فيجوز السجود على غير طهارة مع الكراهة، وهذا اختيار ابن حزم (١).
وقيل: تشترط الطهارة لسجود السهو البعدي، وهو قول الجمهور على خلاف بينهم في فوات السجود بالحدث:
فقيل: لا يفوت السجود بالحدث، فيجب عليه إذا تطهر: إما السجود، وإما إعادة الصلاة، وهذا قول ابن تيمية من الحنابلة (٢).
وقيل: إذا أحدث امتنع البناء، وفات السجود، وصلاته صحيحة، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣).
стр. 6922
قال في الإقناع في مذهب الإمام أحمد: «وإن طال الفصل أو خرج من المسجد أو أحدث لم يسجد، وصحت» (١).
وقال المالكية: الحدث في السجود البعدي لا يمنع من البناء على ما صلى، فيتطهر، ويسجد (٢).
وقال الشافعية: إن أحدث قبل الشروع في السجود فاته السجود، وصحت صلاته، وإن أحدث بعد شروعه في السجود بطلت صلاته؛ لأنه عاد إلى حكم الصلاة، والحدث يبطل الصلاة (٣).
هذه خمسة أقوال في المسألة، وملخصها كالتالي:
يجوز السجود من المحدث، وهذا تفرد به ابن حزم.
وقيل: لا يصح السجود إلا متطهرًا على خلاف بينهم في فوات السجود البعدي بالحدث.
فقيل: إذا أحدث فات السجود مطلقًا، وصلاته صحيحة.
وقيل: الحدث لا يمنع من البناء على السجود للسهو، فيتطهر، ويسجد للسهو.
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: إذا أحدث قبل الشروع في السجود فات السجود، وإن أحدث بعد شروعه في السجود بطلت صلاته.
وقيل: إذا أحدث وجب عليه إذا تطهر إما السجود، أو إعادة الصلاة.
стр. 6923
• دليل من قال: لا تشترط الطهارة لسجود السهو:
(ح-٢٤٨٤) روى مسلم في صحيحه، قال: حدثني محمد بن عمرو بن عباد ابن جبلة حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث،
أنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماء.
قال: وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث،
أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (١).
ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وفيه: إنما أمرتم بالوضوء للصلاة (٢).
فإذا ثبت أن الطهارة لا تجب إلا للصلاة، فما أطلق عليه في الشرع صلاة وجبت له الطهارة، كحديث ابن عمر في الصحيحين: صلاة الليل مثنى مثنى.
وقد صح في الشرع إطلاق اسم الصلاة على الفرائض، وعلى الوتر، وعلى النوافل التابعة للصلوات، وعلى صلاة الجنازة، ولم يثبت في الشرع إطلاق اسم الصلاة على سجود السهو، وعليه فليس بصلاة، ولا يجب الوضوء إلا لما سمي صلاة في الشرع.
• ويناقش:
بأن سجود السهو لا يستقل بنفسه حتى يسمى صلاة، فهو مرتبط بالصلاة ارتباط المسبب بالسبب، ويشترط الموالاة بينه وبين الصلاة، وشرع جابرًا للصلاة، والصلاة لا يتصور جبرها إلا من جنسها، فكما أن القيام في الصلاة لا يسمى صلاة على وجه الاستقلال، إلا أنه جزء منها، لا يصح فعله بلا طهارة فكذلك سجود السهو.
قال ابن تيمية: «والفرق بين هاتين -يعني سجدتي السهو- وبين سجود
стр. 6924
التلاوة: أن هاتين صلاة، وأنهما سجدتان، وقد أقيمتا مقام ركعة، وجعلتا جابرتين لنقص الصلاة، فجعل لهما تحليل، كما لهما تحريم، وهذه هي الصلاة. كما قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) وأما سجود التلاوة فهو خضوع لله، وكان ابن عمر وغيره يسجدون على غير وضوء … » (١).
• دليل من قال: لا يسقط سجود السهو بالحدث:
الدليل الأول:
أمر النبي ﷺ بسجود السهو قبل السلام كما في حديث أبي سعيد الخدري، إذا لم يدر كم صلى، وهو في مسلم.
وأمر بالسجود بعد السلام كما في حديث ابن مسعود في تحري الصواب، والأصل في الأمر الوجوب، فلا تبرأ ذمة العبد إلا بفعله، فإذا سلم ساهيًا حتى أحدث كان عليه أن يتوضأ ويسجد للسهو إن اعتبرنا الموالاة بين سجود السهو وبين الصلاة ليست بشرط، أو اعتبرناها شرطًا، ورأينا أن مثل هذا الفاصل ليس طويلًا، أو اعتبرناه طويلًا وقلنا: الموالاة تسقط بالعذر كالطهارة.
وإن قلنا: الموالاة شرط مطلقًا، فعليه إعادة الصلاة، ولا يصح إسقاط الواجب بالسهو عنه، وإسقاط بدله أيضًا، فهذا لا يعرف في الشرع.
• ويجاب:
هذه الأدلة تدل على وجوب سجود السهو، وهي مسألة خلافية، لكن ليس فيها دليل على جواز بناء سجود السهو على الصلاة مع وجود فاصل من الحدث المانع من البناء، فالحدث كما أبطل الطهارة أبطل البناء على الصلاة، فكل ما قطع البناء في أفعال الصلاة فإنه يقطع بناء سجود السهو عليها، وبالتالي يفوت السجود، وأما وجوب إعادة الصلاة فهو مبني على حكم سجود السهو، فمن قال: إنه سنة، أو قال: واجب، ويسقط بالسهو صحت الصلاة.
стр. 6925
ومن قال: واجب، ولا يسقط بالسهو أوجب إعادة الصلاة، والصلاة المعادة لا يوجد فيها سهو، فلا حاجة فيها إلى جابر، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٤٨٥) ما رواه البخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين،
عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين، فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم … الحديث.
ورواه مسلم بنحوه من طريق أيوب، عن ابن سيرين (١).
(ح-٢٤٨٦) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،
عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن النبي ﷺ قام بأفعال كثيرة ليست من جنس الصلاة، حيث انصرف النبي ﷺ من صلاته ظانًا إتمامها، ومشى خطوات -وفي رواية عمران: أنه دخل منزله، وخرج
стр. 6926
يجر رداءه- وتكلم، والكلام أشد من الحركة في إبطال الصلاة، ومع ذلك كل هذه الأفعال لم تمنع من سجود السهو، ولم يسقط عنه سجود السهو بهذه الأفعال المنافية للصلاة فكذلك لا يبطل سجود السهو بالحدث، فدل على أن الساهي ليس كالعامد، فلو تعمد مثل هذه الأفعال لبطلت صلاته بالإجماع.
• ويجاب:
الكلام والمشي والانصراف عن القبلة كلها من المحظورات، بخلاف الطهارة فهي من المأمورات، وقياس المحظورات على فعل المأمورات قياس مع الفارق، وسوف أزيد هذه المسألة وضوحًا في الأدلة التالية إن شاء الله تعالى.
• وجه من قال: الحدث يمنع من البناء:
القائلون بأن الحدث يمنع من البناء اختلفوا في توجيه المنع:
التوجيه الأول:
المانع من البناء هو الحدث نفسه، فإذا أحدث انتقضت طهارته، وإذا كان الحدث يمنع من البناء على أفعال الصلاة، فكذلك الحدث يمنع من بناء سجود السهو على أفعال الصلاة، فبقاء الطهارة شرط لبقائه في حكم الصلاة، فإذا أحدث امتنع البناء، فإن قلنا: السجود واجب، ولا يسقط بالسهو عنه أوجب ذلك إعادة الصلاة، وإن قلنا: إن سجود السهو سنة، أو قلنا: واجب يسقط بالسهو عنه فات السجود بالحدث.
• ويناقش:
بأن المصلي أحدث؛ لاعتقاده تمامَ صلاته، فإذا لم يخرجه السلام ولا الكلام ولا استدبار القبلة، ولا المشي كما في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين لم يخرجه الحدث، نعم لو أنه أحدث بعد ما علم بالحال، وتيقن أنه قد بقي عليه شيء من صلاته كان الحدث مبطلًا للصلاة ومانعًا من البناء.
• وأجيب:
هناك فرق بين الكلام والمشي باعتبار أنهما من المحظورات، فإذا فعلهما ساهيًا كانت في حكم العدم، بخلاف الطهارة، فإن تحصيلها من المأمورات، فلو
стр. 6927
صلى ناسيًا أنه محدث لم تصح صلاته، وإذا سلم ساهيًا قبل تمام صلاته، فأحدث خرج عن حكم الصلاة، سواء أسبقه الحدث بدون اختياره، أم فعله متعمدًا يعتقد تمام صلاته، ولهذا حتى على القول بجواز عودته للصلاة لا تصح عودته حتى يتوضأ فرقًا بينه وبين الكلام والسلام والمشي فإنه يكفي أن يعود، وكأن شيئًا لم يكن، فلا يقاس الحدث على الكلام والمشي.
والدليل على التفريق بين المأمورات والمنهيات:
(ح-٢٤٨٧) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله - ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١).
[صحيح] (٢).
فدل الحديث على أن المنهيات تسقط بالنسيان، ولهذا خلع النبي ﷺ نعليه بعد ما مضى جزء من صلاته وبنى على ما صلى، بخلاف المأمورات فإنه حين رأى رجلًا في قدمه لمعة لم يصبها الماء، قال: ارجع فأحسن وضوءك (٣).
وقال ﷺ للمسيء صلاته كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ.
فإن اعترض معترض بالانحراف عن القبلة، فإن التوجه للقبلة من المأمورات، ولا يبطل الصلاة على الصحيح.
فالجواب: لا نسلم أن الانحراف عن القبلة من قبيل المأمورات؛ لأن التوجه
стр. 6928
نفسه يصح بلا نية، والمأمورات يشترط لها النية.
وإذا صحت صلاة المخطئ في القبلة، صحت صلاة الناسي لها؛ لأن النسيان قرين الخطأ في الأحكام.
ولا يصح قياس الحدث على الانحراف عن القبلة؛ لأن من ظن بقاء طهارته، فصلى محدثًا وجبت عليه إعادة الصلاة إذا علم، ومن تحرى القبلة، فصلى، فتبين أنه مخطئ لم تجب عليه الإعادة، فتبين الفرق بين الحدث والانحراف عن القبلة.
التوجيه الثاني:
قالوا المانع من البناء ليس الحدث، ولكن ما يترتب عليه، فذهابه للوضوء يلزم منه طول الفصل، وقربه شرط لصحة البناء، وإذا امتنع البناء لطول الفاصل، فقد اختلفوا في أثر ذلك على صحة الصلاة:
فمن الفقهاء من أسقط سجود السهو وصحح الصلاة، إما باعتبار أن سجود السهو سنة فات محلها، وهو قول عند الشافعية، وقد بحثت حكم السهو في مسألة مستقلة، فارجع إليه إن شئت.
ومنهم من يسقط سجود السهو وإن كان واجبًا بناء على قواعده بأن ترك الواجب، ولو عمدًا لا يبطل الصلاة، كالحنفية، وقد بحثت حكم ترك الواجب في الصلاة في مسألة مستقلة، فارجع إليه إن شئت.
ومنهم من يرى أن الواجب إذا فارق محله سقط بالسهو، وتصح الصلاة بدليل أن التشهد الأول يسقط بالسهو، وإذا صح تعويض التشهد بسجود السهو؛ فذلك لأن سجود السهو نفسه لا يتصور تعويضه، لهذا سقط إلى غير بدل، كما أنه لو سهى في سجود السهو لا يشرع له تعويضه، وإن كان السهو من موجبات السجود، وهذا قول الحنابلة.
• ونوقش:
لا نسلم أن الاشتغال بالطهارة يلزم منه طول الفاصل،
стр. 6929
(ح-٢٤٨٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا، ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (١).
وجه الاستدلال:
أقيمت الصلاة، ثم تذكر النبي ﷺ حدثه، فخرج إلى بيته فاغتسل وحين عاد بنى على إقامته، ولم يعد الإقامة، فدل هذا على أن وقت الطهارة لم يقطع الموالاة بين الإقامة والصلاة، سواء قلنا: إن الموالاة واجبة أو مستحبة، فترك إعادة الإقامة دليل على عدم فوات الموالاة بالطهارة، والله أعلم.
ولو سلمنا أن تحصيل الطهارة يتطلب فاصلًا طويلًا فإن الاشتغال بشرط العبادة عذر تسقط به الموالاة الواجبة، كما قال المالكية ذلك في موالاة الوضوء، فإنهم قالوا بوجوبها وأسقطوها بالعذر، وأصول الشريعة في جميع مواردها تفرق بين القادر والعاجز، والمفرط والمعتدي ومن ليس كذلك، ولأن هذا الرجل لا يمكنه أن يفعل ما أمر به إلا هكذا، وقد اتقى الله ما استطاع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وقياسًا على قراءة الفاتحة، فكما أنها تجب الموالاة في قراءتها، ولو سكت في أثناء الفاتحة سكوتًا طويلًا لغير عذر وجب عليه إعادة قراءتها، ولو كان السكوت من أجل قراءة الإمام أو فَصَلَ بذكر مشروع كالتأمين ونحوه لم تبطل الموالاة، فإذا اغتفر هذا الفاصل في الكلام وهو أوكد من الموالاة في الأفعال، اغتفر الفاصل لتحصيل شرط العبادة، وقل مثله في الطواف والسعي إذا أقيمت الصلاة، فإن الطائف يصلي، ثم يرجع، ويبني على طوافه وسعيه.
• ورد هذا:
لو سلمنا أن العذر مقبول في البناء مع الحدث لقلنا بجوز البناء على الصلاة إذا
стр. 6930
سبقه الحدث، وهو يصلي، فيتوضأ، ويكمل صلاته، وقد قال به الحنفية، والشافعي في القديم، وإذا ضعفنا هذا القول ضعفنا القول ببناء السهو إذا أحدث متعمدًا، وهو يعتقد أنه خارج الصلاة من باب أولى؛ لأن الحدث مع العمد أغلظ من الحدث إذا سبقه.
• الراجح:
أن كل ما يمنع من البناء على أفعال الصلاة يمنع من بناء السهو على الصلاة، ومنه الحدث وطول الفصل، فإذا كانت صلاته قد بقي عليه شيء منها وجب استئناف الصلاة، وإن كانت صلاته قد تمت، ولم يبق عليه إلا سجود السهو كان الخلاف في وجوب إعادة الصلاة لبطلان سجود السهو راجع إلى الخلاف في حكم سجود السهو:
فمن قال: إنه سنة، أو قال: واجب يسقط بالسهو حكم بفوات السجود بالحدث، وصلاته صحيحة.
ومن قال: إن السجود واجب، ولا يسقط بالسهو أوجب إعادة الصلاة بالحدث، كما لو أحدث أثناء الصلاة؛ لأنه ما لم يسجد للسهو لم يتم صلاته؛ لافتقار صلاته إلى جابر، وجابر الصلاة مرتبط بها، ارتباط المسبب بسببه، فليس سجود السهو صلاة مستقلة بنفسه، وثبوت التحلل من السهو يدل على أن له تحريمة، ولا تحريمة له إلا تحريمة الصلاة، وفواته بالحدث يوجب إعادة الصلاة، وإذا أعاد الصلاة فلا حاجة إلى سجود السهو؛ لأن الصلاة التي حصل فيها السهو قد بطلت، والصلاة المعادة ليس فيها ما يوجب سجود السهو، والله أعلم.
стр. 6931
الشرط الثالث في اشتراط استقبال القبلة لسجود السهو
[م-٨٣١] يشترط لسجود السهو ما يشترط لسجود الصلاة، فإذا أراد أن يسجد سجود السهو فعليه استقبال القبلة لصحة سجوده، فلو سجد إلى غير القبلة عالمًا عامدًا قادرًا لم يصح سجوده (١).
стр. 6932
(ح-٢٤٨٩) روى البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فثنى رجليه واستقبل القبلة)، دليل على أنه يشترط للسجود ما يشترط للصلاة، فهذا وإن كان فعلًا إلا أنه بيان لواجب مستقر مجمع عليه، وهو أن الصلاة ومنها سجود السهو لا تصح إلا باستقبال القبلة، وانحرافه عن القبلة سهوًا من غير عمد لا يبطل الصلاة، كما لو صلى إلى غير القبلة من غير تعمد لم تبطل صلاته (٢)، فكذلك انحرافه عن القبلة ساهيًا لا يبطل صلاته إلا أن النبي ﷺ لم يسجد إلا وهو متجه إلى القبلة.
قال الحافظ ابن رجب: «المقصود من هذا الحديث هاهنا: أن من سها في صلاته، وهو ناس، ثم ذكر بعد سلامه، فإنه يسجد للسهو، ويستقبل القبلة، فإن سجود السهو من تمام الصلاة، ولو كان بعد السلام فهو جزء من الصلاة،
стр. 6933
فيشترط له استقبال القبلة» (١).
وقد تكلمت عن مسألة الرجل يترك سجود السهو نسيانًا حتى انحرف عن القبلة، فارجع إليه غير مأمور.
стр. 6934
الشرط الرابع أن يقع السهو في صلاة ذات ركوع وسجود
المدخل إلى المسألة:
• ليس في سجدتي السهو سهو.
• لا يدخل سجود السهو في صلاة الجنازة بالاتفاق؛ لأنه لا سجود في صلبها.
• لا يشرع سجود السهو في سجود التلاوة والشكر، لأن سجود السهو شرع في الصلاة، ولم يأت في الشرع إطلاق اسم الصلاة عليهما، والأصل في العبادات المنع.
[م-٨٣٢] اتفق العلماء على أن سجود السهو يشرع في صلاة الفرض إذا وجد سببه، واتفقوا على أنه لا يشرع في صلاة جنازة؛ لأنه لا سجود في صلبها، ففي جبرانها أولى.
وإذا عرض له سهو في سجود السهو فلا يشرع في سهوه سجود، وحكي فيه الإجماع، جاء في المجموع: نقل العبدري إجماع المسلمين على أنه إذا سها في سجود السهو لم يسجد (١).
[م-٨٣٣] واختلفوا في سجود التلاوة والشكر:
فقيل: لا يسجد، وهو قول الجمهور؛ وبعض المتأخرين من الشافعية.
وقال الشافعية: يسجد لهما إذا سها فيهما خارج الصلاة (٢).
وقد تكلمت على هذه المسألة في مبحث سابق مستقل تحت عنوان: الصلوات التي يدخلها سجود السهو، فأغنى ذلك عن إعادتها، ولله الحمد.
وهناك شروط مختلف فيها كاشتراط ألا يحصل مانع يمنع من بناء سجود
стр. 6935
السهو على الصلاة كاشتراط الموالاة بين سجود السهو وبين الصلاة بحيث إذا سلم وطال الفصل فات سجود السهو، وكاشتراط ألا يتكلم إذا سلم من صلاته وقبل سجود السهو، وألا يمشي، وألا يخرج من المسجد، ولضعف مأخذ هذه الشروط آثرت أن أذكرها في مناسبات أخرى ستأتينا إن شاء الله تعالى في باب حكم سجود السهو، في مبحث إذا نسي سجود السهو، فارجع إليه غير مأمور.