← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١). فالسلام في سجود السهو بعد السلام في الحديثين ذكر مطلقًا، بقوله: (ثم سلَّم) والفعل فيه إجمال، ويصدق على التسليمة الواحدة كما يصدق على الثنتين، وإنما حلمناه على التسليمتين لأن هذا اللفظ ورد في حديث ابن بحينة، وهو متفق عليه، ولفظه: (صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام، فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه، كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم) (٢). فإذا كان قوله: (ثم سلم) في حديث ابن بحينة في السجود القبلي محمولًا على التسليمتين، كما هو فعله ﵊ في صلاته المكتوبة حمل قوله: (ثم سلم) في حديث ابن مسعود وحديث عمران ابن حصين على التسليم المعهود، وهما تسليمتان، فلو كان مخالفًا لتسليم الصلاة لنقل ذلك، فلما لم ينقل حمل على التسليم المعروف، والله أعلم. قال الزيعلي: «يسلم تسليمتين، وهو الصحيح صرفًا للسلام المذكور في الحديث إلى المعهود» (٣). وقد اعتبر ابن المنذر أن الخلاف في تسليم سجود السهو كالخلاف في التسليم من الصلاة، ولهذا قال بعد أن ذكر الخلاف بين النخعي وأصحاب الرأي، قال: «وقد ذكرت في كتاب صفة الصلاة اختلاف أهل العلم في التسليمة والثنتين» (٤). فأحال في خلاف التسليم في السهو على الاختلاف في التسليم في الصلاة، وقد واظب النبي ﷺ على التسليمتين في الصلاة، ولم يصح حديث واحد بأن النبي ﷺ اقتصر على تسليمة واحدة، فكذلك الشأن في السهو.

стр. 7002

• ونوقش: بأن التسليم من الصلاة آكد من التسليم في سجود السهو، فلا يقاس الأخف على الأعلى، فالسلام الذي يحصل به التحليل ورد في حق الصلاة كما في حديث علي ﵁، (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، ولم يطلق الشارع على سجود السهو اسم صلاة، حتى يكون لها تحريم وتحليل، فالسلام في سجود السهو هو من سنن سجود السهو، وليس شرطًا في التحلل كما هو السلام من الصلاة، فقياس سجود السهو على سجود الصلاة قياس مع الفارق. ولو سلمنا أن قياس السهو مخرج على قياس الصلاة فإنه قد صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ، ابن عمر وأنس وعائشة ﵃ في الاكتفاء بتسليمة واحدة في الصلاة، وسبق تخريجه في المجلد العاشر، ولا شك أن هؤلاء الصحابة كانوا من طول الملازمة للنبي ﷺ ، والمعرفة بسنته، والحرص على اتباعها، ومن أهل الفتوى والفقه مما يجعل توافقهم على جواز التسليمة الواحدة في منزلة المرفوع، لأني لا أظن بهم أنهم أخذوا المسألة من قبيل الرأي المحض في أمر عظيم كالصلاة، فالظن بهم أنهم علموا هذا الحكم من النبي ﷺ ، وهو يدل على جواز الاكتفاء بتسليمة واحدة في الصلاة، واستحباب التسليمتين، وإذا كان هذا في الصلاة، فمن باب أولى في سجود السهو. • دليل من قال: يسلم تسليمة واحدة: هؤلاء استدلوا بأن قوله: (وتحليلها التسليم) أن (أل) في التسليم للجنس، وليس للعهد، فيصدق على التسليمة الواحدة. وأن التسليم مصدر، وهو يصدق على القليل والكثير، ولا يقتضي عددًا، فيدخل فيه التسليمة الواحدة. ولأن الصحابة منهم من يسلم تسليمتين، ومنهم من يسلم تسليمةً واحدةً، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء، بل قد روي عن جماعةٍ منهم التسليمتان، والتسليمة الواحدة، فَدَلَّ على أنهم كانوا يفعلون أحيانًا هذا، وأحيانًا هذا، وهذا إجماع منهم

стр. 7003

على أن الواحدة تكفي (١)، وإذا كان هذا في الصلاة، ففي السهو من باب أولى. ولأن لفظ التسليم في أحاديث سجود السهو مجمل بلفظ: (ثم سلَّم) والمتيقن التسليمة الواحدة، ولا يحمل على أكثر منها إلا بدليل. وقياسًا على صلاة الجنازة، فإذا كانت صلاة الجنازة تسليمة واحدة، وهي تسمى صلاة شرعية في لفظ الشارع؛ لمشروعية التحريمة فيها، والقراءة والدعاء والتسليم، فمن باب أولى سجود السهو أن يُكْتَفى بتسليمة واحدة، ولم يأت في الشرع إطلاق اسم الصلاة عليه، ولا تحريمة لسجود السهو، ولا قراءة، ولا ركوع، ولا يستقل بنفسه، وقد سلم الساهي سلام الصلاة قبل سجود السهو، على وجه الاستقلال، فكان يكفيه تسليمة واحدة، والله أعلم. • الراجح: أن سجود السهو يسن له تسليمتان، ولو اكتفى بتسليمة واحدة صح، لأنه لو ترك التسليم بالكلية لم يؤثر ذلك على صحة سجوده، وقد ناقشت حكم التسليم في مسألة مستقلة، والله أعلم.

стр. 7004

الباب الثالث في سنن سجود السهو الفصل الأول التكبير في سجود السهو المدخل إلى المسألة: • قال ابن تيمية: التكبير قول عامة أهل العلم. اه وحكاه النووي إجماعًا. • التكبير في سجود السهو كالتكبير في صلب الصلاة صفة وحكمًا. • كل تكبيرة عدا تكبيرة الإحرام سنة إلا أن يتوقف عليها اقتداء المأموم بالإمام فتجب لا لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء. • ذكر الرسول ﷺ للمسيء في صلاته تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له غيرها من تكبيرات الانتقال، ولو كانت واجبة لذكرها. • القول بأن الرسول ﷺ ذكر للمسيء ما قصر فيه بعيد جدًّا، كيف يتصور أن المسيء قد أساء في تكبيرة الإحرام، وأحسن جميع تكبيرات الانتقال؟ فمن أحسن تكبيرات الانتقال حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة. • القول بأن النبي ﷺ لم يعلم المسيء التكبير؛ لأنه لم يكن واجبًا ثم وجب بعيد جدًّا، يحتاج للقول به دليل بَيِّن من الوقوف على تاريخ التشريع، والأصل أن التكبير شرع مع الركوع والسجود، فالقول بأن التكبير كان مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب دعوى لا دليل عليها من النصوص. (ح-٢٥٢٣) روى البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين:

стр. 7005

أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع (١). وفي رواية للبخاري من طريق يزيد بن إبراهيم، عن محمد به: (ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر) (٢). (ح-٢٥٢٤) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام، فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه، كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم (٣). وفي رواية لهما من طريق الليث، عن ابن شهاب به، وفيه: … فلما أتم صلاته سجد سجدتين، فكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم (٤). [م -٨٤١] قال النووي: يشرع التكبير لسجود السهو وهذا مجمع عليه (٥). وقال ابن الملقن: أما التكبير في سجود السهو فهو ثابت عن رسول الله ﷺ (٦). وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: ويكبر في سجدتي السهو حال ابتدائهما والقيام منهما؛ لأن رسول الله ﷺ فعل ذلك، ولأن الشروع في كل السجود بتكبير، فكذلك الرفع منه اعتبارًا بسجود الصلاة، وسجود التلاوة (٧).

стр. 7006

وقال ابن تيمية: والتكبير قول عامة أهل العلم، ولكن تنازعوا في التشهد والتسليم (١). وقال ابن الملقن: «التكبير في سجود السهو كما في سجود الصلاة» (٢). فقول ابن الملقن: كما في سجود الصلاة: أي صفة وحكمًا. وقال في شرح منتهى الإرادات: «(وما يقال فيه) من تكبير، وتسبيح (و) ما يقال (بعد رفع) منه، كرب اغفر لي بين السجدتين (كسجود صلب)؛ لأنه مطلق في الأخبار، فلو كان غير المعروف لبينه» (٣). فقوله: كسجود الصلب، وقد سبق لي أن تكلمت عن حكم تكبيرات الانتقال في الصلاة، في صفتها، وفي حكمها عند الكلام على صفة الصلاة، وأن الجمهور على أنها سنة خلافًا للحنابلة، ورجحت قول الجمهور، فأغنى ذلك عن إعادة بحثه هنا، فارجع إليه إن شئت (٤).

стр. 7007

الفصل الثاني في الذكر المشروع في سجود السهو وفي جلسته المدخل إلى المسألة: • إنما شرعت الصلاة لإقامة ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. • كل أفعال الصلاة المقصودة تشتمل على ذكر، ومنه سجود السهو وجلسته. • لا يشرع سكوت في الصلاة خالٍ من الذكر إلا ما قيل في سكتة لطيفة بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع لتراد النفس، وليس طلبًا للسكوت، وإلا جلسة الاستراحة على القول بمشروعيتها، وهي ليست جلسة مقصودة، بل صفة في النهوض. • إذا لم يرد في النصوص ذكر مخصوص يقال في سجدتي السهو حمل الذكر فيهما على ما كان يُفْعَل في نظيرهما في سجود الصلاة والجلسة بين السجدتين. • لو كان مشروعًا في سجدتي السهو وفي جلسته ما يخالف حكم نظيرها من الصلاة لبينه النبي ﷺ لأمته • قال ﷺ : (وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء) ف (أل) في السجود للعموم، فيدخل فيه كل سجود، ومنه سجدتا السهو. [م- ٨٤٢] لم يرد في النصوص ذكر مخصوص يقال في سجود السهو، ولا في الجلسة بين سجدتيه، وحيث لا يشرع سكوت في الصلاة، فعلى هذا يكون الذكر المشروع فيهما هو الذكر المشروع في نظيرهما من الصلاة من تسبيح، ودعاء في السجود، ودعاء بالمغفرة بين السجدتين؛ إذ لو كان مشروعًا فيهما ما يخالف حكم الصلاة لبينه النبي ﷺ لأمته، فلما لم يرد في النصوص ما يبين المشروع فيهما علم أن الحكم فيهما كالحكم في نظيرهما من الصلاة. قال ابن قدامة: «ويقول في سجوده ما يقول في سجود صلب الصلاة؛ لأنه

стр. 7008

سجود مشروع في الصلاة، أشبه سجود صلب الصلاة» (١). وقد نص عليه أحمد (٢). ونص الشافعية بأن كيفيتهما كسجود الصلاة في واجباته ومندوباته ويأتي بذكر سجود الصلاة فيهما (٣). وقال النووي: «وصفة السجدتين في الهيئة والذكر صفة سجدات الصلاة» (٤). وقال النووي: «وكتب الأصحاب ساكتة عن الذكر فيهما، وذلك يشعر بأن المحبوب فيها هو المحبوب في سجدات صلب الصلاة، كسائر ما سكتوا عنه من واجبات السجود ومحبوباته» (٥). ولم أقف على ما يخالفه عند الحنفية والمالكية (٦). • واستدلوا على ذلك: الدليل الأول: (ح-٢٥٢٥) بما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى يعني -ابن أيوب الغافقي- حدثني عمي إياس بن عامر، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم (٧).

стр. 7009

[منكر] (١). فقوله: (اجعلوها في سجودكم)، سجود نكرة مضافة إلى معرفة، فتعم كل سجود. الدليل الثاني: (ح- ٢٥٢٦) روى مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (٢). فقوله: (وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء) ف (أل) في السجود للعموم، فيدخل فيه كل سجود، ومنه سجدتا السهو. الدليل الثالث: (ح- ٢٥٢٧) روى البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع (٣). فقوله: (مثل سجوده أو أطول) في هذا الحديث نص على مقدار السجود، وأنه كمقدار سجوده في صلاته أو أطول، وإذا كان لا يوجد سكوت مشروع في الصلاة، حتى قال أبو هريرة للنبي ﷺ : بأبي وأمي يا رسول الله إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي … إلخ متفق عليه.

стр. 7010

فكان أبو هريرة يعلم أن النبي ﷺ لم يكن ليسكت في الصلاة لهذا سأله في سكوته ما يقول؟ لأن الصلاة إنما شرعت لإقامة ذكر الله، وإذا كان لا بد في سجود السهو من ذكر، ولم يأت بيانه بالنصوص حمل الذكر فيهما على ما كان يُفْعَل في نظيرهما في سجود الصلاة والجلسة بين السجدتين، وقد تكلمت في صفة الصلاة على ما يقال فيهما اتفاقًا وخلافًا. وقوله: (ثم رفع ثم كبر فسجد) فيه الدلالة على مشروعية الفصل بين السجدتين في سجود السهو، ولم يذكر الجلسة، ولو اقتصر على ذكر الجلسة بين السجدتين لدخل فيه الرفع، وكأن المقصود هو السجدتان، وذكر الرفع ليتحقق الفصل بين السجدتين، فليس مقصودًا لنفسه، ولم يأت ذكر للجلوس بين السجدتين، وأحاديث السهو القولية لا تذكر إلا السجدتين، وأحاديث السهو الفعلية تذكر السجدتين والرفع، وتنقل تكرار التكبير للسجود، ثم تتفق على عدم ذكر الجلوس في خسمة أحاديث تنقل صورًا مختلفة من السهو، وما كان ربك نسيًا، كما أنه لم يأت في النصوص ما يقوله بعد الرفع من السجدة الأولى. قال الأذرعي: «وسكتوا عن الذكر بينهما، والظاهر أنه كالذكر بين سجدتي صلب الصلاة» (١). وقال في الإنصاف: «سجود السهو، وما يقوله فيه، وبعد الرفع منه، كسجود الصلاة، فلو خالف أعاده بنيته» (٢). وقال في شرح منتهى الإرادات: «(وما يقال فيه) من تكبير، وتسبيح (و) ما يقال (بعد رفع) منه، كرب اغفر لي بين السجدتين (كسجود صلب)؛ لأنه مطلق في الأخبار، فلو كان غير المعروف لبينه» (٣). والظاهر أن الجلسة بين السجدتين في سجدة السهو ليست مقصودة لذاتها، فهي أخف من الجلسة في الصلاة، وذلك لأن الجلسة بين السجدتين في الصلاة

стр. 7011

قد جاء الأمر بها في حديث المسيئ صلاته، قال ﷺ : (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) (١)، فكانت من الأركان، ولم يأت ذكر لها في سجود السهو، ولو حكاية فعل، وكأن المقصود هو الفصل بين السجدتين، ولهذا قال في حديث أبي هريرة السابق: (ثم رَفَعَ، ثم كَبَرَ فسجد)، فذكر الفصل بين السجدتين بالرفع، ولم يذكر الجلسة بين السجدتين. (ح- ٢٥٢٨) وروى الشيخان من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس (٢). فلم يذكر موجبًا للسهو غير السجدتين. (ح- ٢٥٢٩) وروى البخاري من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود في قصة سهو النبي ﷺ ، وفيه: قيل: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فسجد بهم سجدتين، ثم قال: هاتان السجدتان لمن لا يدري: زاد في صلاته أم نقص … (٣). فجعل موجب السهو سجدتين، ولما كان الفصل ضروريًا بينهما لتتميز كل سجدة عن الأخرى ذكر الرفع، ولم يذكر الجلوس.

стр. 7012

قال الدسوقي في حاشيته: «لو أتى بالنية، وسجد، وترك ما عدا ذلك، من تكبير، وتشهد، وسلام فالظاهر الصحة، كما في خش» (١). وقال في الفواكه الدواني: «فلو ترك الإحرام بمعنى التكبير … واقتصر على فعل السجدتين بنيتهما، لم تبطل صلاته» (٢).

стр. 7013

فجعل الاقتصار على السجدتين بنيتهما كافيًا في صحة السجود، ولم يذكر الجلوس بين السجدتين. فجعل أركان سجود السهو محصورًا باثنين: النية، والسجدتين، ويلزم من ذلك الفصل بينهما بالرفع، ويأتي إن شاء الله تعالى الخلاف في التشهد والتسليم. فالراجح والله أعلم أن الجلوس في سجود السهو ليس من أركان السجود، ولا الطمأنينة فيه من أركانه، وهو مما يفترق فيه الجلوس بين الصلاة وبين سجود السهو، فتأمل. واستحب بعض الشافعية أن يقول في سجوده: سبحان من لا ينام ولا يسهو؛ لكونه لائقًا بالحال (١). وهو استحسان لا أصل له، واعتقاد سنيته استدارك لا يليق، قال الحافظ ابن حجر: «لم أجد له أصلًا» (٢). • الراجح: الخلاف في حكم التكبير لسجود السهو، والذكر في السجود، وفي الجلسة بينهما كالخلاف في الصلاة المكتوبة، فالجمهور على أن تكبيرات الانتقال وأذكار السجود وأذكار الجلسة بين السجدتين من السنن. قال العدوي في حاشيته على الخرشي: «والظاهر أن تكبيرة السجود سنة، وأما النية فلا بد منها» (٣). ويذهب الحنابلة إلى اعتبار ذلك من الواجبات. والراجح قول الجمهور، وقد تم بحث ذلك، ولله الحمد، والأقرب أن الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيها ليست ركنًا في سجود

стр. 7014

السهو؛ لعدم وروده في الأدلة، فالنصوص تأمر بسجدتين للسهو، ولم تتعرض للجلوس، والأحاديث التي نقلت صفة سجود السهو من السنة الفعلية اقتصرت على أنه رفع من السجود، ولم تذكر الجلوس، فلا تعتبر ركنًا في سجود السهو، فلو اكتفى المصلي بالسجدتين والرفع منهما، صح سجوده، والله أعلم.

стр. 7015

الباب الرابع في حكم سجود السهو الفصل الأول في اختلاف العلماء في حكم سجود السهو المدخل إلى المسألة: • جاء الأمر بالسجود للسهو في حديث صحيح، والأصل في الأمر الوجوب. • الصلاة فيها فروض وسنن بالاتفاق، واختلفوا في وجود الواجب فيها، والمالكية والشافعية على نفيه خلافًا للحنفية والحنابلة. • إذا ترك المصلي ركنًا سهوًا سجد للسهو، وأتى بالركن، ولا ينوب السجود عن الأركان، فهل الجابر فعلهما معًا، فيكون السجود واجبًا، أو الجابر الإتيان بالركن، وسجود السهو بمنزلة الاستغفار، ولأن السجود بعد الإتمام القصد منه ترغيم الشيطان فهو أخف من سجود يكون بدلًا عن المتروك. • هل سجود السهو لا يجب حتى يكون بدلًا عن المتروك، كما في ترك الواجب، على القول بوجوده، بخلاف الفروض والسنن، فالأول لا ينوب السجود عنها؛ لوجوب الإتيان بها، والثاني: لا يجب السجود عنها؛ لجواز تركها؛ ولأن البدل له حكم المبدل. • السجود القبلي والبعدي يشتركان بأن المقتضي واحد وهو السهو، والواجب واحد، وهو السجدتان، ولم توجبه التحريمة حتى يكون جزءًا من الصلاة، فإذا صح أن السجود البعدي ليس جزءًا من الصلاة، صح كذلك أن السجود القبلي ليس جزءًا منها، وإن وقع فيها، كسجود التلاوة. • إذا جاز تأخير القبلي إلى بعد السلام في المعتمد من مذاهب الأئمة الأربعة،

стр. 7016

كان ذلك إشارة إلى أن سجود السهو ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا وجابرًا للنقص لكان جزءًا من الصلاة، لا يستقل بنفسه. • إذا صح توصيف السجود القبلي بأنه واجب فيها، والبعدي واجبًا لها، وكان ترك الثاني لا يبطل الصلاة كترك الأذان والإقامة على القول بوجوبهما، فإذا صح نقل القبلي إلى بعدي صار الجميع واجبًا لها، لا فيها، ولا تبطل الصلاة بتركه. • الأصل في مشروعية السهو لترك السنن سجود النبي ﷺ لترك التشهد الأول، وهو من السنن الفعلية. • الفعل لا عموم له حتى يمكن تعدية الحكم إلى سائر السنن بخلاف القول. • لا أعلم دليلًا يأمر المصلي بالسجود إذا ترك التشهد الأول حتى يكون هذا دليلًا على وجوب السجود أو وجوب التشهد الأول. • التفريق بين سنة وأخرى بحيث يسجد لترك بعضها دون بعض إذا لم يكن قائمًا على نص أو إجماع في النفس منه شيء، ولهذا من يفرق بين السنن كالمالكية والشافعية لا يتفقون إلا على التشهد الأول، والباقي مفردات لهذا المذهب أو ذاك. • كل سنن الصلاة مهمة وإن كان بعضها أكثر أهمية من بعض. • جمهور الفقهاء على أن المصلي يسجد لترك السنن المؤكدة على خلاف في تحديدها، ولم يخالف في ذلك إلا الحنفية. [م- ٨٤٣] بعد أن تكلمت في الباب السابق عن صفة سجود السهو، وبينت شروطه وفروضه وسننه ناسب بعد ذلك أن أتكلم عن حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد اختلف الفقهاء في حكم سجود السهو: فقيل: واجب مطلقًا، سواء أكان عن نقص أم عن زيادة، وهو الصحيح من مذهب الحنفية، وبه قال الحنابلة وحكاه قولًا صاحب الطراز من المالكية، على خلاف بينهم في بطلان الصلاة بتركه، فالحنفية يرون الصلاة صحيحة، وعليه الإعادة جبرًا لما فات لا بدلًا عن الصلاة، وقال الحنابلة: الصلاة باطلة (١).

стр. 7017

وقيل: السجود سنة مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الإمام مالك، ومذهب الشافعية (١). قال خليل في مختصره: «سن لسهو … سجدتان» (٢). قال الدسوقي: «ما ذكره المصنف من سنية السجود للسهو، سواء كان قبليًا أو بعديًا هو المشهور من المذهب» (٣). وقال في الفواكه الدواني: «فليسجد له -يعني للسهو- سجدتين على جهة السنية، ولو كثرت السنن المتروكة على المعتمد، واقتصر عليه خليل» (٤). وهذان قولان متقابلان.

стр. 7018

وقال بعض المالكية: السجود واجب إن كان قَبْلِيًّا، وهو ما كان بسبب نقص، ولا خلاف -يعني في المذهب- في كونه سنة إن كان بَعْدِيًّا، وهو ما كان بسبب زيادة (١). قال الدسوقي في حاشيته: «وقيل: بوجوب القبلي، قال في الشامل: وهو مقتضى المذهب» (٢). وأخذه المازري من بطلان الصلاة بتركه، ولا يطرد هذا على أصول المالكية فإنهم يبطلون الصلاة بترك ثلاث سنن عمدًا. وقيل: واجب إن كان قَبْلِيًّا وترك ثلاث سنن، فإن ترك السجود بطلت صلاته، وسنة إن ترك اثنتين (٣). وقيل: يجب القبلي فقط إذا كان عن نقص في الأفعال، وسنة إن كان عن سهو في الأقوال، وهو قول في مذهب المالكية (٤).

стр. 7019

وانفرد الحنابلة بالقول بأن سجود السهو يكون مباحًا، إذا ترك المصلي شيئًا من سنن الأقوال أو الأفعال. هذه أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، وملخصها كالتالي: يجب السجود مطلقًا. يسن مطلقًا. يجب السجود الْقَبْلِيُّ مطلقًا، وهو ما كان عن نقص، ويسن الْبَعْدِيُّ. يجب الْقَبْلِيُّ فقط إذا ترك ثلاث سنن، ويسن إذا ترك اثنتين. يجب القبلي فقط إذا كان عن نقص في الأفعال دون الأقوال، والأقوال الثلاثة الأخيرة للمالكية. • دليل من قال: سجود السهو سنة: الدليل الأول: الأصل عدم الوجوب إلا في دليل صحيح صريح سالم من الاعتراض. الدليل الثاني: (ح-٢٥٣٠) ما رواه أبو داود من طريق أبي خالد، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك، وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مرغمتي الشيطان (١). وجه الاستدلال: قضى الحديث أن السجدتين نافلة، أي مستحبة، فيجب حمل الأحاديث الواردة بالأمر بالسجود للسهو على الاستحباب.

стр. 7020

• وأجيب عن هذا الاستدلال بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن قوله: (كانت الركعة نافلة … إلخ) تفرد بها ابن عجلان، فهي زيادة شاذة (١).

стр. 7021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7022

• ويرد على هذا: بأن شذوذ هذا الحرف من حيث الصنعة، لا يعني ذلك عدم اقتضائه معنى، فالحديث في مسلم (فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته)، بمعنى أن النبي ﷺ لم يبطل الركعة الخامسة، وجعل السجدتين بمثابة ركعة كاملة؛ حيث شفَّعَ بها الخامسة، فكأنه انصرف عن ست ركعات، ومعلوم أن الركعة إما إتمام للصلاة وإما زائدة عن القدر المفروض، والحكم بزيادتها إما يستدعي بطلانها، وهذا خلاف الحديث، أو صحيحة ويستدعي ذلك أن يشفعها حتى لا تكون صلاة النهار مع المغرب شفعًا، فجعلت السجدتان بمنزلة الركعة، فكانت الركعة والسجدتان نافلة، وهو معنى ما قاله ابن عجلان في زيادته: (كانت له نافلة والسجدتان)، فتكون الصلاة قد جمعت بين الفرض والنفل بتحريمة واحدة، بسلام واحد، وهذا لا يعرف مثله في الصلاة لولا هذا الحديث، وفي حال السهو، وليس في حال الاختيار. الجواب الثاني: أن مالكًا وداود بن قيس قد روياه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا، والإمام مالك لا يعدله أحد ممن خالفه، ولو كانوا جماعة. وقد تجنب البخاري إخراج الحديث الموصول في صحيحه، وقد لا يكون

стр. 7023

على شرطه من جهة الرواة عن زيد بن أسلم، وإن كان قد أخرج جملة من الأحاديث من رواية زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد. • ويرد على هذا الجواب: بأن الحديث المرسل حجة عند المالكية. الجواب الثالث: إعطاء السجدتين حكم الركعة، أهو حكم عام في كل حالات السهو حتى يستفاد منه عموم حكم السهو، أم أنهما في حكم الركعة في هذه الحال الخاصة، ولا يصح تعدية الحكم إلى عموم حالات السهو؟ فالجواب: أن هذا الدليل مقصور على هذه الحالة فقط بدليل أن المصلي لو قام إلى الخامسة ساهيًا، ثم تيقن أنها خامسة، فأراد أن يتمها ويشفعها بركعة لتكون سادسة لم يصح له ذلك، وإنما يصح في حديث الباب لترددها بين الجبران وبين الشفع. ولو أنه سها فصلى الرباعية ثلاثًا كان عليه الإتيان بركعة، فإذا سجد للسهو، بعد ذلك، وكانت السجدتان بمثابة ركعة كاملة كان ذلك زيادة في صلاته وتحولت صلاته إلى وتر، كل ذلك يدل على أن هذا الحكم مقصور على مثل هذه الحالة، فكيف يستفاد منه عموم حكم السهو في كل الحالات، والله أعلم. الجواب الرابع: إذا اعتبرنا السجدتين نافلة في حال صلى خمسًا، فالمقتضي لسجودهما في هذه الحال ليس السهو، وإنما هو جعل الصلاة شفعًا؛ لتكون المغرب وتر النهار، والكلام في حكم سجدتي السهو حين يكون المقتضي لهما سجود السهو. الجواب الخامس: لو سلمنا أن الحديث فيه دلالة على أن سجدتي السهو نافلة مطلقًا، فإن ذلك لا يكون إلا في حال كانت الصلاة تامة، وهو أمر غير معلوم؛ لاحتمال أن تكون الصلاة ناقصة، فإن كانت الصلاة ناقصة فهل تقولون: إن الركعة والسجدتين نافلة مع أن الحديث جعلها إتمامًا للناقص، وإتمام الناقص واجب، وما دام أن السجدتين

стр. 7024

تحتملان النفل والوجوب لم يكن في الحديث دلالة على حكم سجود السهو، فهو بمثابة الرجل ينام ويبيت النية للصيام إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي، وإن كان من شعبان كان نافلة، فأصبح صائمًا، ولم يتبين له الأمر حتى أفطر، فيصدق عليه أن يقال: إن كان هذا اليوم من رمضان فهو صيام واجب، وإن كان من شعبان فهو مستحب، وتردده بين المستحب والواجب لا يجعل الجميع مستحبًا، ولا الجميع واجبًا حتى يعلم المستحب من الواجب، فكذلك الصلاة، وقد لا يعلم، فيكون السجود واجبًا لاحتمال النقص، وللخروج من العهدة بيقين، والله أعلم. • ويرد على هذا الجواب: أن إتمام الناقص إن كان في الفروض فجبرها بالإتيان بالفرض، ولا يكفي السجود، فكان السجود نافلة أي زائدًا عن الجبر الواجب، وإن كان النقص في السنن فهي ليست واجبة حتى يكون جبرها واجبًا، وسيأتي مزيد بيان لهذا الكلام في دليل مستقل إن شاء الله تعالى، ولا وجود لقسم الواجب في أفعال الصلاة على الصحيح، وهو مذهب المالكية والشافعية خلافًا للحنفية والحنابلة، وقولهم ضعيف؛ لأنهم لا يتفقون على واجبات الصلاة إلا على واجب واحد، هو التشهد الأول، والباقي مفردات، وسوف يأتي بحث هذه المسألة في فصل مستقل إن شاء الله تعالى. الجواب السادس: أن قوله: (كانت نافلة) النافلة في اللغة تأتي أحيانًا بمعنى التطوع في مقابل الواجب، ومنه نافلة الصلاة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. وتأتي بمعنى الزائد، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]. وذلك أن إبراهيم أعطي إسماعيل ثم إسحاق على الكبر استجابة لدعائه، الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق فكان يعقوب بن إسحاق زيادة على ما دعا به إبراهيم؛ لهذا كان نافلة.

стр. 7025

والمعنى في الحديث لا تحتمل إلا الزيادة، حيث فسرها بضدها، فإن كانت الصلاة ناقصة، كانت السجدة إتمامًا للناقص، وإن كانت تامة كانت الركعة والسجدتان نافلة، أي زائدة عن القدر المطلوب، واغتفر ذلك للسهو، ومعنى الزائد يختلف عن معنى المستحب. • ويرد على هذا الجواب: أن تفسير النافلة بالزائدة ليس معنى آخر للنافلة، فتفسيرها بالتطوع أو الزائد المعنى واحد، لأن الأصل في تفسير النفل: هو القدر الزائد على المفروض، وهو يصدق عليهما. ثم الإخبار بأن الصلاة إن كانت تامة فالركعة زائدة هذا تحصيل حاصل وإخبار بما هو معلوم ضرورة، ينزه عن مثله خطاب الشارع، ولكنه يريد أن يقول: إنها لصاحبها في حكم نافلة التطوع والتي لا تفسد صلاته، فأي فائدة فقهية في الإخبار بأن الصلاة إن كانت تامة فالركعة زائدة، بل يمكن أن يقال: إن تفسيرها بالزائد يوقع في إشكال، فالزيادة في الصلاة يبطل الصلاة ويبطل الزيادة، فلما جعل الزيادة في حكم نافلة التطوع أعطى الزيادة شرعية مستقلة، وحكم بصحة الصلاة. والذي أراه بعد هذه المناقشة أن الحديث ليس فيه دليل على حكم سجود السهو، لا في حال النقص، ولا في حال الزيادة، أما في حال الزيادة فهو حكم بأن السجدتين حولت الركعة إلى شفع بدلًا من الوتر، وأن الركعة والسجدتين نافلة إخراج لهما عن حكم الفريضة، لا أن السهو هو الموجب للسجود، وإن كانت الصلاة ناقصة فالسجدتان لم تكن جابرة للنقص، وإنما الجابر الحقيقي الركعة التي كانت عوضًا عن الفائت، وكانت السجدتان بمنزلة الاستغفار؛ لأنها ترغيم للشيطان، والله أعلم. الدليل الثالث: (ث-٦٠٤) روى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر قال: إذا شك الرجل في صلاته فلم يدر أثلاثًا أم أربعًا، فليبن على أتم ذلك في نفسه، وليس عليه سجود، قال: وكان الزهري يقول يسجد سجدتي السهو، وهو جالس.

стр. 7026

[صحيح موقوفًا على ابن عمر] (١). وظاهر قوله: (ليس عليه) يريد به نفي الوجوب، لا نفي المشروعية. فقد روى مالك في الموطأ، وابن وهب كما في شرح معاني الآثار، كلاهما، عن عمر بن محمد بن زيد، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا شك أحدكم في صلاته فليتوخ الذي يظن أنه نسي من صلاته فليصله، ثم ليسجد سجدتي السهو، وهو جالس (٢). [صحيح]. الدليل الرابع: سجود السهو بدل لما ليس بواجب كالتشهد الأول، وقاسوا عليه السنن المؤكدة، وبدل ما ليس بواجب لا يكون واجبًا، وليس بدلًا عن الفروض. قال الماوردي: «سجود السهو ينوب عن المسنون دون المفروض، والبدل في الأصول على حكم مبدله أو أخف، فلما كان المبدل مسنونًا وجب أن يكون البدل مسنونًا» (٣). وبيان كلام الماوردي: أن السهو إن كان بسبب خلل في الفرض، فلا ينوب السجود عن الفرض، فلو ترك ركنًا لا يصح أن يكون سجود السهو عوضًا عنه، بل يتعين على المصلي إصلاح صلاته بالإتيان بما ترك من الأركان، وإذا كان السجود ليس بدلًا عن الفرض، بل هو قدر زائد على الجبر الواجب كان السجود سنة؛ لأن السجود بعد إتمام الصلاة هو من باب ترغيم الشيطان، وترغيمه بمنزلة الاستعاذة منه. وإن كان السجود بدلًا عن مسنون على القول بجبران السنن المتروكة، فالسجود ليس بواجب؛ لأن البدل له حكم المبدل، فالتعويض من جنس الفائت، ولا يوجد في أفعال الصلاة ما هو واجب على الصحيح، بخلاف الحج فإنما وجب

стр. 7027

الجبران فيه؛ لأنه بدل عن واجب. • ونوقش هذا الاستدلال: هذا الاستدلال لا يصح إلا على القول بأن أفعال الصلاة فروض وسنن، ولا واجب فيها، وهو الصحيح، وأما من يقول بوجود الواجب في أفعال الصلاة فلا يلتزم هذا الدليل؛ لأنه قد يكون سجود السهو عنده بدلًا عن واجب كالحنفية والحنابلة، على اختلاف بينهم في وقوع السجود بدلًا عن مسنون: فمنهم من منع أن يكون سجود السهو بدلًا عن مسنون كالحنفية. ومنهم من لا يرى مانعًا من السجود إذا ترك سنة لا سيما السنن المؤكدة كالمالكية والشافعية. ومنهم من يرى السجود مباحًا إذا ترك سنة؛ كما هو مذهب الحنابلة. ومثل هذا لا ينقض القول بوجوب سجود السهو إذا ترك ركنًا، أو واجبًا على القول بوجود قسم الواجب في أفعال الصلاة. انظر: الخلاف في وجود قسم الواجب في أفعال الصلاة عند الكلام على (النقص في واجبات الصلاة). الدليل الخامس: لما صح للمصلي في بعض حالات السهو أن يسجد للسهو بعد السلام دل ذلك على أمرين: الأول: أن المصلي له أن يتحلل من صلاته قبل أن يسجد لسهوه، لقول النبي ﷺ (وتحليلها التسليم) وهذا دليل على استقلاله عن الصلاة، فهو ليس جزءًا من الصلاة، حتى ولو سجد قبل السلام أشبه بسجود التلاوة. الثاني: أن تركه لا يفسد الصلاة؛ لأنه إذا جاز تأخيره إلى بعد السلام، كان ذلك إشارة إلى أن سجود السهو ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا وجابرًا للنقص لكان جزءًا من الصلاة، لا يستقل بنفسه.

стр. 7028

• ونوقش من وجهين: الوجه الأول: بأن هذا قد يصدق على السجود البعدي، فلا يسلم هذا القول في السجود القبلي؛ لأنه جزء من الصلاة. • ويجاب: إذا صدق هذا القول على السجود بعد السلام فهو يكشف لك حكم السجود قبله؛ لأن القبلي والبعدي يشتركان بأن سببهما السهو في الصلاة، فالموجب واحد وهو السهو، والواجب واحد، وهما السجدتان، وسجود السهو لم يجب بسبب التحريمة حتى يكون جزءًا من الصلاة، فإذا صح أن السجود البعدي ليس جزءًا من الصلاة، صح كذلك أن السجود القبلي ليس جزءًا منها، وإن وقع فيها، كسجود التلاوة يقع في الصلاة وخارجها، ووقوعه في الصلاة لا يجعله جزءًا منها، كما أن وقوعه داخل الصلاة لا يجعله واجبًا على الصحيح فكذلك سجود السهو، وقد جوز الأئمة الأربعة تأخير القبلي إلى ما بعد السلام، أو العكس، والخلاف إنما هو في الاستحباب، حتى حكاه طائفة من العلماء إجماعًا (١). وممن حكى الإجماع من المالكية: ابن عبد البر، والقاضي عياض. ومن الشافعية: الماوردي، وإمام الحرمين، والنووي. ومن الحنابلة، القاضي أبو يعلى (٢). قال الماوردي: «لا خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون والأولى» (٣). وفي وجه عند الحنابلة، رجحه ابن تيمية: أن ما شرع قبل السلام يجب فعله

стр. 7029

قبله، وما شرع بعده يجب فعله بعده، خلافًا للمعتمد في المذهب، وسيأتي بحث هذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: لا يمنع أن يكون سجود السهو بعد السلام، ويكون واجبًا، إلا أنه واجب لها، لا واجبًا فيها، فتركه لا يبطل الصلاة، ولو عمدًا كما لو ترك الأذان، بخلاف السجود القبلي فإنه واجب فيها. • ويجاب: القول بأن القبلي واجب فيها، والبعدي واجب لها دعوى في محل النزاع، واختلاف محل السجود لا يغير من حكمه، فالمقتضي واحد، وهو السهو، والواجب واحد، وهما السجدتان، واختلاف محله من التنوع والتيسير. الدليل السادس: قالوا: سجود السهو مشروع في صلاة النفل وكيف يجبر النفل بالواجب. • ويناقش: النفل لا يصح إلا بالإتيان بشروطه وأركانه، وواجباته، فإذا ترك ركنًا من أركان الصلاة كان الجبر واجبًا وشرطًا لصحة النافلة، أما إذا أراد الخروج من النفل وعدم المضي فيه بسبب السهو، فهذا ينبني على الخلاف في النافلة، هل تلزم بالشروع بعد اتفاقهم في أنه يلزم إتمام نفل الحج والعمرة بالشروع: فقال الحنفية: يجب إتمام النفل بالشروع فيه، ولو أفسده وجب قضاؤه مطلقًا، سواء أبطله لعذر أم لغير عذر، قياسًا على نفل الحج والعمرة. وقال الشافعية والحنابلة: لا يجب إتمام النفل مطلقًا؛ لأنه لا يجب المضي في فاسده. (ح- ٢٥٣١) لما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين، قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا (١).

стр. 7030

وقال المالكية: إن قطع النفل بعذر لم يجب الإتمام، وإن قطعه بلا عذر وجب إتمام نفل يبنى آخره على أوله، كالصلاة والصوم والاعتكاف وطواف التطوع وائتمام المقتدي (١). • دليل من قال: يجب سجود السهو: الدليل الأول: (ح-٢٥٣٢) ما رواه البخاري من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله: صلى رسول الله ﷺ قال إبراهيم: زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين (٢). [اختلف رواة حديث ابن مسعود في سجود السهو أهو محفوظ من السنة الفعلية أم من السنة القولية، كما اختلفوا في الأمر بالسجدتين بعد السلام] (٣).

стр. 7031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7033

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7035

الدليل الثاني: (ح-٢٥٣٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس (١). وجه الاستدلال: قوله: (فليسجد سجدتين) فيه الأمر بالسجود، والأصل فيه الوجوب. (ح-٢٥٣٤) ومنه ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته،

стр. 7036

فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان (١). وجه الاستدلال: قوله: (فليطرح … ثم يسجد سجدتين) فيه الأمر بطرح الشك والسجود، والأصل في الأمر المجرد عن القرائن حمله على الوجوب، وهو ظاهر الكتاب والسنة، وعلى هذا جمهور الأصوليين والفقهاء، فمن أراد أن يحمل هذا الأمر على الاستحباب فلابد له من قرينة تمنع حمل الأمر على ظاهره. • ويناقش: هذا الدليل من أقوى أدلة القائلين بالوجوب، ويجاب عليه من وجهين: الوجه الأول: الأوامر الشرعية تأتي للوجوب، وتأتي للاستحباب، والمتيقن الاستحباب، فلا يصار للوجوب إلا بقرينة، ولا قرينة في هذه الأمر أنه للوجوب. قال شيخنا ابن عثيمين في شرحه لقواعد الأصول ومعاقد الفصول: «بأن الأمر إذا لم يكن هناك قرينة تدل على الوجوب فهو للندب؛ لأن الأصل عدم التأثيم بتركه». وهذا هو آخر القولين لشيخنا، وكان قبلُ يرى أن الأصل في الأمر للوجوب. الوجه الثاني: على التسليم بأن الصيغة للوجوب فإنه يتساهل في الصوارف فيصرف الأمر من الوجوب إلى الندب لأدنى صارف لأنك تجد أوامر في الشريعة قد صرفت عن الوجوب للندب ولا يعرف لها صارف إلا ما ينقدح في نظر المجتهد وفهمه، كحديث: (يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك) (٢)، فالتسمية للأكل عند جمهور الفقهاء ليست للوجوب، والصارف ليست قرينة لفظية منعت القول بالوجوب، كما لو نقل ترك التسمية أحيانًا، أو أقر النبي ﷺ أحدًا على ترك التسمية، وإنما ظهر للمجتهد

стр. 7037

بأن هذا الأمر يتعلق بالآداب. ومثله حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) (١)، فإن الأمر بالغمس ليس للوجوب، بل ولا للندب، وإنما هو للإرشاد، والصارف ليس قرينة لفظية، وإنما كون الأمر يتعلق بالصحة، وقل مثل ذلك لأحاديث كثيرة صرفت من الوجوب للندب لقرينة معنوية ظهرت لفهم المجتهد، وهذا ما جعل الشاطبي ﵀ يقول: إن دلالة الأمر والنهي وُكِلَت إلى أنظار المكلفين ليجتهدوا فيها (٢). وقاعدة الأصل في الأمر للوجوب هذه القاعدة أغلبية، وليست كلية، فلا يعترض عليها بوجود بعض الأوامر خرجت عن هذه القاعدة، لأن هذا سبيل القواعد الأصولية، وخروج بعض الأوامر عن هذه القاعدة لا يسقطها، وعلى المجتهد ألا يتشدد في الصوارف، فكل قرينة لفظية أو معنوية صالحة لصرف الأمر عن الوجوب قد تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. وكل دليل احتج به من قال: السجود سنة فإنه صالح أن يكون صارفًا للأمر من الوجوب؛ لأن الصارف قد اتفقنا على أنه قد يصرف الأمر لقرينة لفظية أو معنوية، ولفهم المجتهد، ومن هذه الصوارف أن سجود السهو إما أن يكون لترك فرض، أو لترك سنة، فإن كان لترك فرض، فالجابر هو الإتيان بالركن الناقص، ولا يعتبر السجود تعويضًا عن الركن الناقص، فكان الجابر الحقيقي هو تصحيح الصلاة بالإتيان بالركن، والسجود قدر زائد على الجبر، وهو من ترغيم الشيطان، فكان بمنزلة الاستعاذة، وإن كان لترك سنة كان الجبر ليس واجبًا؛ لأنه بدل عن مسنون، والبدل له حكم المبدل، ولا يوجد قسم الواجب في أفعال الصلاة على الصحيح، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٢٥٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن مسافع، أن مصعب بن شيبة أخبره، عن عقبة بن محمد بن الحارث،

стр. 7038

عن عبد الله بن جعفر، أن رسول الله ﷺ قال: من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم (١). [ضعيف] (٢). الدليل الرابع: الأصل في سجود السهو أنه شرع جبرًا لنقص العبادة فكان واجبا قياسًا على دماء الجبر في باب الحج (٣). • ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الجبر في انتهاك محظورات الحج يشترط فيه العمد، دون السهو على الصحيح، عكس الصلاة، حيث لا يجبر فيها الترك مع العمد، فكان قياسًا مع الفارق. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. الوجه الثاني: على التسليم بأن جبر الحج كجبر السهو في الصلاة، فالحج له واجبات، والجبر تعويض عن تفويت واجب لا يمكن تداركه، فقام الجبر مقامه كما لو حلق رأسه في الحج، وأما الصلاة فلها فروض وسنن، ولا واجب فيها على الصحيح، وسجود السهو لا ينوب عن الفروض، فلا بد من الإتيان بها، والسنن جبرها ليس بواجب، انظر الأدلة على أن الصلاة لا واجب فيها في مسألة: (النقص في واجبات الصلاة). الدليل الخامس: أن النبي ﷺ سجد للسهو، وواظب عليه. (ح-٢٥٣٦) وقد جاء في حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال

стр. 7039

لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (١). وكذلك واظب عليه صحابته من بعده، والمواظبة دليل على وجوبه. • ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: المواظبة ليست دليلًا على الوجوب؛ لأن حالات السجود التي تعرض لها النبي ﷺ في حياته من السنة الفعلية لا تتجاوز ثلاث مرات، فلا يصدق عليه القول بالمواظبة، فإذا كانت المواظبة على سنة الفجر والتي لم يتركها النبي ﷺ حضرًا ولا سفرًا، وكانت تتكرر يوميًا، لم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، وكان يواظب على رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، فهل قال أحد بوجوبها للمواظبة، فكيف يكون فعل السجود ثلاث مرات في حياته ﷺ دليلًا على الوجوب، نعم لم يثبت أن النبي ﷺ ترك السجود إذا وجد سببه، وهذا لا يكفي عند أهل الأصول دلالة على وجوب الفعل. الوجه الثاني: أما الجواب عن فعل الصحابة فإنه قد يعكس، فيقال: لو كان السجود واجبًا لنقل عنهم القول بالوجوب، فعدم النقل عنهم أمارة على استحبابه عندهم، وفعلهم وأمرهم به يدل على مشروعيته، وليست محلًا للنزاع، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفرقون في الأحكام بين الواجب والمندوب والمكروه والحرام، فترك عمر سجود التلاوة، وهو يخطب مع أنه مأمور به في القرآن، وواظب عليه النبي ﷺ ، حتى لم يكن يدعه وهو بين ظهراني المشركين، ومع ذلك اعتبره مندوبًا متعلقًا بمشيئة القارئ، وقالت: أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا، ففهمت أن النهي للكراهة تفريقًا بينه وبين المحرم، فلماذا لم ينقل عن أحد من الصحابة القول بوجوب سجود السهو لو كان ذلك واجبًا، والله أعلم. الجواب الثالث: وأما الاستدلال بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فسبق الجواب عنه، وأن

стр. 7040

الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوالٍ وهيئاتٍ، وصفاتٍ وأقوالٍ، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، كما يفهم من حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) التحذير من إحداث صفات في الصلاة تخالف ما كان يفعله النبي ﷺ في صلاته، والله أعلم. • دليل من قال: يجب السجود للنقص دون الزيادة: سجود السهو إن كان بسبب نقص في الصلاة، فالسجود جبر وتعويض لما فات منها، وجبران الناقص واجب؛ لأنه إصلاح لصلاته، بخلاف الزيادة فإنها قدر زائد على التمام، والساهي معذور، والسجود نفسه لا يرفع هذه المفسدة، ومحل السجود بعد السلام صيانة للصلاة عن الزيادة في مقاديرها، فكان مستقلًا عن الصلاة، فهو بمنزلة الاستغفار، لذا كان السجود سنة، وتركه لا يبطل الصلاة، حتى صحح ابن حزم السجود بعد السلام، ولو كان محدثًا؛ لأنه ليس في نفسه صلاة، ولا جزءًا من الصلاة، ويشكل عليه مشروعية السلام فيه للتحلل منه، بخلاف سجود التلاوة فإنه ليس فيه سلام على الصحيح. وقد حكى جمع من المالكية وبعض الشافعية الإجماع على أن السجود بعد السلام سنة، ونقلته في الأقوال، وقد بينت في الأقوال إلى وجود خلاف في مذهب المالكية فلا تصح دعوى الإجماع حتى في مذهب المالكية، فضلًا عن غيرهم من الحنفية والحنابلة، والله أعلم. • واعترض: بأن السجود بعد السلام لا ينافي القول بوجوبه؛ ولهذا الحنفية يرون سجود
следующие страницы →