فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فليطرح … ثم يسجد سجدتين) فيه الأمر بطرح الشك والسجود، والأصل في الأمر المجرد عن القرائن حمله على الوجوب، وهو ظاهر الكتاب والسنة، وعلى هذا جمهور الأصوليين والفقهاء، فمن أراد أن يحمل هذا الأمر على الاستحباب فلابد له من قرينة تمنع حمل الأمر على ظاهره.
• ويناقش:
هذا الدليل من أقوى أدلة القائلين بالوجوب، ويجاب عليه من وجهين:
الوجه الأول:
الأوامر الشرعية تأتي للوجوب، وتأتي للاستحباب، والمتيقن الاستحباب، فلا يصار للوجوب إلا بقرينة، ولا قرينة في هذه الأمر أنه للوجوب.
قال شيخنا ابن عثيمين في شرحه لقواعد الأصول ومعاقد الفصول: «بأن الأمر إذا لم يكن هناك قرينة تدل على الوجوب فهو للندب؛ لأن الأصل عدم التأثيم بتركه».
وهذا هو آخر القولين لشيخنا، وكان قبلُ يرى أن الأصل في الأمر للوجوب.
الوجه الثاني:
على التسليم بأن الصيغة للوجوب فإنه يتساهل في الصوارف فيصرف الأمر من الوجوب إلى الندب لأدنى صارف لأنك تجد أوامر في الشريعة قد صرفت عن الوجوب للندب ولا يعرف لها صارف إلا ما ينقدح في نظر المجتهد وفهمه، كحديث: (يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك) (٢)، فالتسمية للأكل عند جمهور الفقهاء ليست للوجوب، والصارف ليست قرينة لفظية منعت القول بالوجوب، كما لو نقل ترك التسمية أحيانًا، أو أقر النبي ﷺ أحدًا على ترك التسمية، وإنما ظهر للمجتهد
стр. 7037
بأن هذا الأمر يتعلق بالآداب.
ومثله حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) (١)، فإن الأمر بالغمس ليس للوجوب، بل ولا للندب، وإنما هو للإرشاد، والصارف ليس قرينة لفظية، وإنما كون الأمر يتعلق بالصحة، وقل مثل ذلك لأحاديث كثيرة صرفت من الوجوب للندب لقرينة معنوية ظهرت لفهم المجتهد، وهذا ما جعل الشاطبي ﵀ يقول: إن دلالة الأمر والنهي وُكِلَت إلى أنظار المكلفين ليجتهدوا فيها (٢).
وقاعدة الأصل في الأمر للوجوب هذه القاعدة أغلبية، وليست كلية، فلا يعترض عليها بوجود بعض الأوامر خرجت عن هذه القاعدة، لأن هذا سبيل القواعد الأصولية، وخروج بعض الأوامر عن هذه القاعدة لا يسقطها، وعلى المجتهد ألا يتشدد في الصوارف، فكل قرينة لفظية أو معنوية صالحة لصرف الأمر عن الوجوب قد تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب.
وكل دليل احتج به من قال: السجود سنة فإنه صالح أن يكون صارفًا للأمر من الوجوب؛ لأن الصارف قد اتفقنا على أنه قد يصرف الأمر لقرينة لفظية أو معنوية، ولفهم المجتهد، ومن هذه الصوارف أن سجود السهو إما أن يكون لترك فرض، أو لترك سنة، فإن كان لترك فرض، فالجابر هو الإتيان بالركن الناقص، ولا يعتبر السجود تعويضًا عن الركن الناقص، فكان الجابر الحقيقي هو تصحيح الصلاة بالإتيان بالركن، والسجود قدر زائد على الجبر، وهو من ترغيم الشيطان، فكان بمنزلة الاستعاذة، وإن كان لترك سنة كان الجبر ليس واجبًا؛ لأنه بدل عن مسنون، والبدل له حكم المبدل، ولا يوجد قسم الواجب في أفعال الصلاة على الصحيح، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-٢٥٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن مسافع، أن مصعب بن شيبة أخبره، عن عقبة بن محمد بن الحارث،
стр. 7038
عن عبد الله بن جعفر، أن رسول الله ﷺ قال: من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
الأصل في سجود السهو أنه شرع جبرًا لنقص العبادة فكان واجبا قياسًا على دماء الجبر في باب الحج (٣).
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الجبر في انتهاك محظورات الحج يشترط فيه العمد، دون السهو على الصحيح، عكس الصلاة، حيث لا يجبر فيها الترك مع العمد، فكان قياسًا مع الفارق.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].
الوجه الثاني:
على التسليم بأن جبر الحج كجبر السهو في الصلاة، فالحج له واجبات، والجبر تعويض عن تفويت واجب لا يمكن تداركه، فقام الجبر مقامه كما لو حلق رأسه في الحج، وأما الصلاة فلها فروض وسنن، ولا واجب فيها على الصحيح، وسجود السهو لا ينوب عن الفروض، فلا بد من الإتيان بها، والسنن جبرها ليس بواجب، انظر الأدلة على أن الصلاة لا واجب فيها في مسألة: (النقص في واجبات الصلاة).
الدليل الخامس:
أن النبي ﷺ سجد للسهو، وواظب عليه.
(ح-٢٥٣٦) وقد جاء في حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال
стр. 7039
لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي.
رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (١).
وكذلك واظب عليه صحابته من بعده، والمواظبة دليل على وجوبه.
• ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
المواظبة ليست دليلًا على الوجوب؛ لأن حالات السجود التي تعرض لها النبي ﷺ في حياته من السنة الفعلية لا تتجاوز ثلاث مرات، فلا يصدق عليه القول بالمواظبة، فإذا كانت المواظبة على سنة الفجر والتي لم يتركها النبي ﷺ حضرًا ولا سفرًا، وكانت تتكرر يوميًا، لم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، وكان يواظب على رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، فهل قال أحد بوجوبها للمواظبة، فكيف يكون فعل السجود ثلاث مرات في حياته ﷺ دليلًا على الوجوب، نعم لم يثبت أن النبي ﷺ ترك السجود إذا وجد سببه، وهذا لا يكفي عند أهل الأصول دلالة على وجوب الفعل.
الوجه الثاني:
أما الجواب عن فعل الصحابة فإنه قد يعكس، فيقال: لو كان السجود واجبًا لنقل عنهم القول بالوجوب، فعدم النقل عنهم أمارة على استحبابه عندهم، وفعلهم وأمرهم به يدل على مشروعيته، وليست محلًا للنزاع، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفرقون في الأحكام بين الواجب والمندوب والمكروه والحرام، فترك عمر سجود التلاوة، وهو يخطب مع أنه مأمور به في القرآن، وواظب عليه النبي ﷺ ، حتى لم يكن يدعه وهو بين ظهراني المشركين، ومع ذلك اعتبره مندوبًا متعلقًا بمشيئة القارئ، وقالت: أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا، ففهمت أن النهي للكراهة تفريقًا بينه وبين المحرم، فلماذا لم ينقل عن أحد من الصحابة القول بوجوب سجود السهو لو كان ذلك واجبًا، والله أعلم.
الجواب الثالث:
وأما الاستدلال بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فسبق الجواب عنه، وأن
стр. 7040
الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوالٍ وهيئاتٍ، وصفاتٍ وأقوالٍ، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، كما يفهم من حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) التحذير من إحداث صفات في الصلاة تخالف ما كان يفعله النبي ﷺ في صلاته، والله أعلم.
• دليل من قال: يجب السجود للنقص دون الزيادة:
سجود السهو إن كان بسبب نقص في الصلاة، فالسجود جبر وتعويض لما فات منها، وجبران الناقص واجب؛ لأنه إصلاح لصلاته، بخلاف الزيادة فإنها قدر زائد على التمام، والساهي معذور، والسجود نفسه لا يرفع هذه المفسدة، ومحل السجود بعد السلام صيانة للصلاة عن الزيادة في مقاديرها، فكان مستقلًا عن الصلاة، فهو بمنزلة الاستغفار، لذا كان السجود سنة، وتركه لا يبطل الصلاة، حتى صحح ابن حزم السجود بعد السلام، ولو كان محدثًا؛ لأنه ليس في نفسه صلاة، ولا جزءًا من الصلاة، ويشكل عليه مشروعية السلام فيه للتحلل منه، بخلاف سجود التلاوة فإنه ليس فيه سلام على الصحيح.
وقد حكى جمع من المالكية وبعض الشافعية الإجماع على أن السجود بعد السلام سنة، ونقلته في الأقوال، وقد بينت في الأقوال إلى وجود خلاف في مذهب المالكية فلا تصح دعوى الإجماع حتى في مذهب المالكية، فضلًا عن غيرهم من الحنفية والحنابلة، والله أعلم.
• واعترض:
بأن السجود بعد السلام لا ينافي القول بوجوبه؛ ولهذا الحنفية يرون سجود
стр. 7041
السهو كله بعد السلام، ويذهبون إلى القول بالوجوب، فلا منافاة بينهما، إلا أنه بانفصاله واستقلاله أصبح واجبًا لها، لا واجبًا فيها عند الحنابلة، كالأذان والإقامة على الصحيح، وترك الواجب لها لا يبطل الصلاة، وإن كان يستحق الإثم مع العمد.
• دليل من قال: يجب إن كان السهو في الأفعال دون الأقوال:
هذا القول رأى أن الأفعال آكد من الأقوال؛ ولهذا كانت أغلب أفعال الصلاة من قيام وركوع وسجود وجلوس أركان، وأما الأقوال فأكثرها محسوب في السنن، وإنما يتفقون على ركنية التحريمة، والقراءة، والجمهور على تعين الفاتحة خلافًا للحنفية.
ففي حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته لم يذكر له من الأقوال إلا تكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، وكل ما ذكر له هي أفعال، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا.
• ويناقش:
بأن أغلب الأفعال إما فروض لا ينوب سجود السهو عنها، بل لابد من الإتيان بها، وإما سنن لا يشرع السجود لتركها، كرفع اليدين في التكبير، ووضع اليمنى على اليسرى، والنظر إلى موضع السجود، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، والتجافي فيه، وفي السجود، ومد ظهره معتدلًا، وجعل رأسه حياله، والبداية بوضع الركبتين قبل اليدين حال الهوي للسجود، والتفريق بين ركبتيه، والافتراش في التشهد الأول، وفي الجلوس بين السجدتين، والتورك في التشهد الثاني، ووضع اليمنى مقبوضة محلقة، والإشارة بالسبابة، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة … إلخ أفعال الصلاة التي لا يستحب السجود لتركها.
وبقية السنن المؤكدة اختلف العلماء في مشروعية السجود لتركها، وعلى القول بأنه مشروع قياسًا على ترك التشهد الأول وجلسته فهذا مجرد فعل، والفعل لا يقتضي الوجوب؛ ولأن السجود بدل عما ليس بواجب، والبدل له حكم المبدل.
• الراجح:
القول بأن سجود السهو سنة قول قوي، والقول بالوجوب فيه احتياط لا يخفى
стр. 7042
من جهة أن الأمر يتعلق بأعظم أركان الإسلام العملية، والمسلم لا يغامر في صحة صلاته، ولا عمل له أرجى من أن يكون سببًا في نجاته يوم القيامة من صلاته، ومن سجد فقد خرج من العهدة بيقين، ومن ترك السجود اختلف الناس في صحة صلاته، خاصة أن الأمر بالسجود محفوظ في السنة بأكثر من حديث صحيح، وإن كان القول بالسنية ليس قولًا ضعيفًا فالكفة تكاد تكون متقاربة، والترجيح فيه نزعة احتياطية، والشافعية طردوا القول بسنيته، وأما المالكية فلهم أربعة أقوال، والمعتمد في المذهب أنه سنة، والحنفية وإن قالوا بوجوبه إلا أنهم لا يبطلون الصلاة بتركه، فصار القائلون بالبطلان بتركه متعمدًا هم الحنابلة، والله أعلم.
стр. 7043
الفصل الثاني في تعدد سجود السهو
المدخل إلى المسألة:
• سجود السهو حقيقته واحدة سجدتان، وموجبه واحد، وهو السهو، وإن تعددت صوره.
• لا يحفظ في السنة أن النبي ﷺ أو أحدًا من أصحابه سجد للسهو أكثر من مرة، والأصل عدم المشروعية.
• لا يتكرر السهو بتكرر أسبابه، وهذه المسألة فرع عن قاعدة مختلف فيها: هل يتعدد الموجب بتعدد أسبابه (١).
• إذا كان السهو علة وسببًا في السجود (سها فسجد)، اندرجت أفراده تحت السجدتين؛ لترتب الحكم على الوصف، كما لو زنى أكثر من مرة ولم يحد، كفاه حد واحد.
• الأصل ترتيب الأحكام على أسبابها كسجود التلاوة، وإنما أخر سجود السهو عن سببه إلى آخر الصلاة حتى لا يتكرر السجود بتكرر السهو.
стр. 7044
• المسبوق إذا سجد لسهو إمامه قبل السلام، ثم سها فيما يقضيه منفردًا سجد مرة أخرى؛ حتى لا يخلو السهو الثاني عن جابر أو ترغيم للشيطان، كما لو تجدد الموجب بعد الكفارة لزمه كفارة أخرى.
• السهو في الصلاة الواحدة وإن تكرر لا يوجب إلا سجدتين إلا المسبوق إذا سها فيما يقضيه إذا سجد لسهو إمامه قبل السلام؛ لكونه منفردًا فيما يقضي بعد أن كان مقتديًا في أصل الصلاة، فنزل هذا بمنزلة اختلاف الصلوات.
[م- ٨٤٤] اختلف العلماء في الرجل يتكرر منه السهو أكثر من مرة في الصلاة، فهل يكفيه سجدتان لجميع سهوه، أو يتعدد السجود لتعدد السهو؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: إن تكرر السهو قبل السجود كفاه سجدتان مطلقًا، وهو قول عامة الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
واستثنى الشافعية المسبوق إذا سجد مع الإمام، فإنه يعيد في آخر صلاته على المشهور، فيتعدد السجود والسهو واحد، وهي عكس مسألة البحث، سوف تأتينا هذه المسألة في فصل مستقل (٢).
وقيدت ذلك بقولي: (قبل السجود)؛ ليخرج ما لو سجد المسبوق لسهو إمامه قبل السلام، ثم سها المسبوق فيما يقضيه منفردًا فإنه يسجد مرة أخرى، ولا يكتف
стр. 7045
بسجوده الأول مع إمامه، نص على ذلك الحنفية والمالكية والحنابلة، والله أعلم (١).
وقيل: لكل سهو سجدتان مطلقًا، وبه قال ابن أبي ليلى وأحد القولين عن الأوزاعي (٢).
وقيل: إن كان السهو من جنس واحد كما لو شك في صلاته مرارًا نابت السجدتان عن جميعه، وإن كانا من جنسين كما لو شك ونقص لم يتداخلا وهو أحد القولين عن الأوزاعي (٣).
وقيل: إن كان أحدهما قبل السلام والآخر بعد السلام لم يتداخلا، وبه قال ابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون (٤).
• دليل من قال: سجود السهو وإن كثر سجدتان:
الدليل الأول:
لا يحفظ في النصوص أن النبي ﷺ أو أحدًا من أصحابه سجد للسهو أكثر من مرة، والأصل عدم المشروعية، ولا يكرر سجود السهو إلا بدليل صريح، أو قول صحابي لا مخالف له، أو إجماع محفوظ، وكل ذلك لا يحفظ.
فإن قيل: لم يوجد المقتضي حتى يستدل بالترك.
فالجواب:
أن الشريعة فيها بيان كل شيء، ولذلك الشك قد بينت النصوص حكمه من السنة القولية، ولم يوجد المقتضي في حياة النبي ﷺ ، وما كان ربك نسيًّا.
الدليل الثاني:
(ح-٢٥٣٧) روى البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس:
стр. 7046
نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع.
ورواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن أيوب به (١).
(ح- ٢٥٣٨) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،
عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن النبي ﷺ سها، وتكلم، واستدبر القبلة، ومشى ولم يزد على سجدتين.
• ويناقش:
العلماء متفقون على أن المصلي إذا زاد أو نقص من جنس ما هو مشروع في الصلاة مما تبطل الصلاة بتعمده، إذا وقع ذلك منه سهوًا فإنه يسجد للسهو، واختلفوا في الأفعال الأجنبية التي ليست من جنس أفعال الصلاة، بل هي من المحظورات إذا فعلت سهوًا كالكلام، والمشي واستدبار القبلة، فذهب المالكية والشافعية إلى أنها من أسباب السجود، خلافًا للحنفية والحنابلة، والراجح: أن المنهيات من كلام، واستدبار للقبلة، وحركة كثيرة إذا وقعت سهوًا لم تبطل الصلاة وكأنها لم تفعل، ولا سجود بسببها؛ لأن الأصل في السجود التوقيف، ولم يثبت أنها من أسباب السجود، والموجب لسجود النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين وفي حديث عمران بن حصين كونه سلَّم من صلاته قبل إتمامها سهوًا، وليس سجوده بسبب الكلام، ولا الحركة، ولا انصرافه عن القبلة، والأصل عدم اعتبار
стр. 7047
المحظورات من سجود السهو إلا أن يثبت دليل مستقل أن النبي ﷺ أمر بالسجود لها، أو فعلها وحدها فسجد.
وقد تكلمت عن المسألة في مبحث مستقل، وعليه فلا يكون الحديث شاهدًا إلا على مذهب المالكية والشافعية.
• ورد هذا:
بأن الحديثين فيهما دلالة حتى على مذهب الحنفية والحنابلة، فالنقص من الصلاة سبب متفق عليه، وزيادة التسليم سبب آخر متفق عليه، والقيام قبل إتمام الصلاة سبب ثالث متفق عليه، وكلها من جنس ما هو مشروع في الصلاة، فكان في الحديث شاهد على عدم تعدد سجود السهو بتعدد أسبابه، وإذا نوزع في الاستدلال بحديث أبي هريرة وحديث عمران، فالدليل التالي لا نزاع فيه إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
الدليل الثالث:
أن النبي ﷺ لما ترك التشهد الأول، والجلوس له كما في حديث عبد الله بن بحينة في الصحيحين اكتفي بسجدتين، وكلاهما من أسباب سجود السهو.
الدليل الرابع:
(ح-٢٥٣٩) ما رواه أبو يعلى من طريق حكيم بن نافع الجزري الرقي، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : سجدتا السهو تجزئ في الصلاة من كل زيادة ونقصان (١).
وفي رواية: سجدتا السهو لكل زيادة ونقصان.
[ضعيف، قال أبو يحيى الساجي: لا أصل له عن هشام] (٢).
الدليل الخامس:
لما أخر سجود السهو عن علته أو سببه، وجعل محله آخر الصلاة لكي لا يتكرر السجود بتكرر السهو، ولو وجب لكل سهو سجدتان لوجب أن يفعل عقيب السهو، ألا ترى أن سجود التلاوة لما تكرر جعل محله عقيب سببه، فلما كان سجود السهو مخالفًا له في محله، وجب أن يكون مخالفا له في حكمه (١).
стр. 7050
ولأن من مقاصد سجود السهو ترغيم الشيطان، وذلك يحصل بسجدتين في آخر الصلاة (١).
• دليل من قال: يتكرر السجود بتكرر السهو مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٢٥٤٠) ما رواه مسلم، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة؟ قال: لا، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين)، فالأصل أن الأمر إذا علق بشرط يتكرر بتكرر الشرط، فإذا تجدد النسيان تجدد الأمر بالسجود، كقوله ﷺ : إذا دخل أحدكم المسجد فليصلِّ ركعتين قبل أن يجلس، فكل ما دخل المسجد فهو مأمور بالصلاة، فالدخول علة الأمر بالصلاة، والنسيان علة الأمر بالسجود، والحديث سنة قولية، وهو مقدم على حديث ذي اليدين وحديث عمران؛ لأنهما من السنة الفعلية.
ومثله قول النبي ﷺ : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، يقتضي تكرار الإجابة بتكرار سماع الأذان.
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
أن زيادة: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) غير محفوظة، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في مبحث (نقص السنن في الصلاة سهوًا).
стр. 7051
الجواب الثاني:
أن التكرار إما أن يكون مستفادًا من الأمر أو من الشرط أو منهما.
فالصحيح أن مطلق الأمر وحده لا يقتضي التكرار، ولا ينفيه، فهو يفيد طلب الماهية من غير إشعار بواحدة ولا بكثرة، إلا أنه لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرة، فصارت المرة من ضرورة الامتثال بالمأمور به، لا أن الأمر يدل عليها بذاته، بل بطريق الالتزام، ولا يصار إلى التكرار إلا بقرينة، ولذلك لما أمر النبي ﷺ بالحج قال رجل: أفي كل عام؟ قال: لو قلت: نعم لوجبت … الحديث.
فلو كان الأمر موجبًا للتكرار لاستفيد ذلك من صيغة الأمر، ولو كانت الصيغة تنفيه لما استفهم عنه، وهو عربي قح، يقال: عربي قح إذا كان خالصًا لا هجنة فيه.
ولا يستفاد الوجوب من الشرط وحده، كما قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لا يقتضي تكرار الفعل كل ما قام إلى الصلاة ما لم يكن محدثًا.
ولا للثالث، فإنا نقطع بأن من قال لولده: إذا دخلت السوق فاشتر كذا، فهو ممتثل إذا فعل ذلك مرة واحدة، ولذلك علق الحج بشرط الاستطاعة ولم يقتض التكرار، نعم إذا كان الشرط علة فالعلة مقتضية لمعلولها، والسهو علة في السجود، فإذا تكرر السهو فإن كان السهو الثاني وقع بعد أن سجد للسهو الأول، كما في المسبوق إذا سها مع إمامه فسجد إمامه قبل السلام سجد معه، فإذا سها فيما يقضيه فإن السهو يقتضي التكرار؛ حتى لا يخلو السهو الثاني من جابر وترغيم للشيطان، أما إذا كان لم يسجد للسهو الأول وتكرر السهو فتعدد الموجِب لا يقتضي تعدد السجود، فالزنى علة الجلد، والسرقة علة القطع، ولو تكرر الزنا قبل الحد، أو تكررت السرقة لم يتكرر الحد، بخلاف ما لو تكرر بعد الحد، فكذلك السهو، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٥٤١) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن أبيه جبير بن نفير،
стр. 7052
عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم (١).
[منكر سندًا ومتنًا] (٢).
وجه الاستدلال:
أفاد الحديث تكرار السجود؛ لتكرار السهو، سواء أكان السهو من جنس واحد، أم كان من جنسين مختلفين.
• ونوقش من وجهين:
الأول: أن الحديث ضعيف.
الثاني: لو ثبت فهو مشترك الدلالة؛ إذ يحتمل أن يكون معناه كما ذكرتم، ويحتمل أن يكون معناه: السهو كله له سجدتان لأن (كل) لفظة تستغرق الجنس، وإنما ترجح المعنى الثاني بدليل تأخير سجود السهو عن سببه ليكون نائبًا عن الجميع (٣).
قال في الجوهر النقي: «معنى قوله: (لكل سهو سجدتان) أي سواء كان من زيادة أو نقصان، كقولهم: لكل ذنب توبة، وحمله على هذا أولى من حمله على أنه كلما تكرر السهو ولو في صلاة واحدة، فلكل سهو سجدتان» (٤).
الدليل الثالث:
ولأن كل سهو أوجب نقصانًا في الصلاة فيستدعي جابرًا.
• ويناقش:
هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على أن كل سهو يستدعي جابرًا لوحده، فالعبادات تتداخل، فهذا طواف الوادع يسقط بطواف الإفاضة إذا أخرَّه الحاج على الصحيح، مع أن طواف الوادع طواف واجب خلافًا للمالكية، وغسل الجمعة يتداخل مع غسل الجنابة، مع أن القول بوجوب غسل الجمعة قول قوي جدًّا.
стр. 7053
• دليل من قال: يتكرر السجود باختلاف جنس السهو:
إذا كان السهو من جنس واحد تداخلا؛ لاتفاقهما، كما لو شك مرارًا في الصلاة فإذا اختلف جنس السهو لم يتداخلا؛ لاختلافهما، كما لو شك وزاد.
• ويناقش:
أن الحكم معلق بالسهو، لا بنوعه، فالشك والنقص والزيادة موجبها واحد، فالطهارة موجبها الحدث، ولو تنوع الحدث، كما لو بال ونام وخرجت منه ريح.
• دليل من قال: إذا اختلف محل سجود السهو تكرر السجود:
إذا اختلف محل السجود، كأن وجب عليه سجود محله قبل السلام، وآخر بعده، فإنه يمتنع التداخل بينهما؛ لاختلاف محلهما.
• ويناقش:
اختلاف محل السجود في أحاديث السهو لا يرجع لمعنى أوجب التفريق، بل هو من التنوع الذي مرده إلى السعة والتيسير.
قال مالك ﵁: ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلًا (١).
ولو كان اختلاف محل السجود يرجع إلى وجود معنى يوجب التفريق، لعَلَّمه النبي ﷺ لأمته، حتى لا يُعرِّض صلاة أمته للخلل، في أعظم أركان الإسلام العملية.
• الراجح:
الأصل عدم تكرار السجود بتكرر السهو ما لم يقع السهو بعد سجود السهو كما في المسبوق إذا سجد لسهو إمامه، ثم سها فيما يقضيه، فإنه يسجد لسهوه الثاني؛ حتى لا يخلو السهو من جابر أو ترغيم للشيطان، والله أعلم.
стр. 7054
الفصل الثالث في جواز سجود السهو قبل السلام وبعده
المدخل إلى المسألة:
• اختلاف محل السجود في أحاديث السهو لا يرجع لمعنى أوجب التفريق، بل هو من التنوع الذي مرده إلى السعة والتيسير.
• لو كان اختلاف محل السجود يرجع إلى وجود معنى أوجب التفريق، لَعَلَّمه النبي ﷺ لأمته، حتى لا يُعرِّض صلاة أمته للخلل، في أعظم أركان الإسلام العملية.
• لو فرض أن هذا الاختلاف يرجع لمعنى تركه النبي ﷺ لاجتهاد العلماء ليستنبطوه، لكان أولى الناس بمعرفته والقول به هم الصحابة، فلما لم ينقل عن أحد منهم أن مرد ذلك لوصف الزيادة والنقص عُلِم أنه ليس وصفًا مؤثرًا.
• الأصل في أفعال الصلاة عدم التعليل، ومنه اختيار السجود جابرًا دون غيره، واختيار محله، ومن ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل.
• يصح تقديم السجود البعدي، وتأخير السجود القبلي، وهو المعتمد في مذاهب الأئمة الأربعة، وحكي إجماعًا، ولا يصح الإجماع.
• التعليل بالنقص والزيادة مخالف لعمل الناس كما قال مالك، ومخالف لعمل أكثر أهل المدينة، كما نقل الترمذي في السنن، قال مالك: ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلًا.
• إذا شك المصلي، فأخذ بالمتيقن فصلاته تامة يقينًا؛ لأن ما شك فيه قد طرحه، فإذا سجد قبل السلام؛ لحديث أبي سعيد الخدري، كان سجود السهو زيادة في صلاته، ولم يمنع ذلك من سجوده قبل السلام، وإن قدرتم الشك المطروح في حكم الموجود، كان ذلك ركعة خامسة، واحتاجت إلى شفعها بالسجدتين، ولم يمنع تقدير الزيادة من السجود قبل السلام.
• العمل بالظن عند بعض الحنابلة، لا فرق فيه بين ظن النقص، وظن الزيادة،
стр. 7055
فكذلك السهو المتيقن، وكلاهما من أسباب السهو، فلو كانت العلة الزيادة والنقص لاطرد الحكم.
• تعليلهم سجود السهو بعد السلام للزيادة حتى لا تجتمع زيادتان، لو كانت الزيادة سهوًا في حكم الموجودة لبطلت الصلاة، ولَمَا بنى النبي ﷺ على صلاته بالرغم من أنه تكلم، وانصرف، عن القبلة، ومشى.
• اتفق الأئمة الأربعة على جواز سجود السهو قبل السلام وبعده، واختلفوا في محل الندب على سبعة أقوال، فما اتفقوا عليه من الجواز أحب إلى نفسي مما اختلفوا فيه في محل الندب، إلا ما فعله النبي ﷺ فموافقته أحب.
• لا تخرج عن محل اتفاق الأئمة الأربعة من القول بالجواز إلا لتنتقل إلى مخالفة جمهورهم في أي قول اخترته من الأقوال السبعة الواردة في المسألة، وأضعف الأقوال من قال: بوجوب محل السجود.
[م- ٨٤٥] سبق أن تكلمت على حكم سجود السهو، وبينت أن الأئمة الأربعة على قولين: المالكية والشافعية أنه سنة، خلافًا للحنفية والحنابلة القائلين بالوجوب، ومسألتنا هذه في اختلافهم في محل السجود، والخلاف فيها أقل من الخلاف في حكم السجود، لأن الخلاف في محل السجود إنما هو لمعرفة السنة، وإلا فالأئمة الأربعة في المعتمد يتفقون على جواز تقديم السجود وتأخيره، إذا علمت هذا نأتي لاستعراض أقوال الفقهاء في محل السجود:
فقيل: سجود السهو كله زيادة أو نقصانًا السنة فيه بعد السلام، وهو مذهب الحنفية، وقال به من التابعين الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وهو قول الإمام الثوري (١).
قال الكاساني في البدائع: «وأما بيان محل السجود للسهو فمحله المسنون بعد السلام عندنا» (٢).
وقيل: السنة في سجود السهو كله أن يكون قبل السلام، وهو مذهب الشافعية،
стр. 7056
ورواية عن أحمد، وبه قال ابن شهاب، ومكحول، والليث، وابن أبي ذئب وربيعة الرأي، والأوزاعي (١).
وقال الترمذي: «وهو قول أكثر الفقهاء من أهل المدينة، مثل يحيى بن سعيد، وربيعة، وغيرهما» (٢).
قال الشافعي: «سجود السهو كله عندنا في الزيادة والنقصان قبل السلام، وهو الناسخ، والآخر من الأمرين» (٣).
وقيل: إن سها بزيادة فالسنة فيه بعد السلام، أو بنقص وحده، أو مع زيادة فقبل السلام، وهو مذهب المالكية، واختاره أبو ثور والمزني من الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وبه قال إسحاق بن راهويه (٤).
стр. 7057
قال ابن رجب: «والقول الثالث: إن كان السهو من نقصان من الصلاة؛ فإن سجوده قبل السلام، وإن كان من زيادة فيها؛ فإن السجود بعد السلام؛ لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان، وهو قول مالك، والشافعي في القديم، وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد» (١).
ولم يكن ذهاب الإمام مالك إلى هذا القول بناء على أصله في تقديم عمل أهل المدينة على غيرهم، فقد نقل الترمذي في السنن كما سبق أن أكثر فقهاء أهل المدينة يرون السجود للسهو كله قبل السلام، وذكر منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وذكر غيره أنه أيضًا مذهب سعيد بن المسيب، والزهري، وبه قال أبو هريرة في أحد قوليه، وكل هؤلاء مدنيون (٢).
ولا اختار الإمام مالك قوله بناء على تقديم العمل على الآثار، فقد بين أن عمل الناس على السعة والجواز، قال مالك: ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلًا (٣).
ولا أعلم له سلف من سنة مرفوعة، ولا آثار عن الصحابة تكشف أن العلة الزيادة والنقص.
وقيل: بالتخيير بينهما، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، رجحه البيهقي (٤).
قال البيهقي: «فالأشبه بالصواب جواز الأمرين جميعًا، وإلى هذا ذهب كثير من أصحابنا» (٥).
стр. 7058
وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «وللمكلف أن يفعل أي ذلك شاء من السجود قبل أو بعد في نقص أو زيادة، وهو قول مالك في المجموعة» (١).
وقال الحنابلة: سجود السهو كله تبعًا للنصوص الواردة، وما لم يرد فيه نص فالسجود قبل السلام.
وقد ورد النص بالسجود بعد السلام في موضعين.
إذا سلم قبل إتمام صلاته مطلقًا، وهو المذهب، وهي عبارة المنتهى، وعبارة الإقناع: إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر.
وإذا بنى الإمام على غالب ظنه.
وما عداه فالسجود قبل السلام، وبه قال أبو أيوب سليمان بن داود، وزهير بن أبي خيثمة، ورجحه ابن المنذر (٢).
قال ابن المنذر: «وأصح هذه المذاهب مذهب أحمد بن حنبل؛ لأنه قال بالأخبار كلها في مواضعها، وقد كان اللازم لمن مذهبه استعمال الأخبار كلها إذا وجد إلى استعمالها سبيلًا أن يقول بمثل ما قال أحمد» (٣).
جاء في الإنصاف: «ومحله قبل السلام، إلا في السلام قبل إتمام صلاته، وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه، وهذا المذهب في ذلك كله، وهو المشهور والمعروف عند الأصحاب» (٤).
стр. 7059
وقيل: محل السجود كله بعد السلام إلا في موضعين فإنه مخير:
أحدهما: من سها فقام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد.
الثاني: إذا شك في صلاته، فلم يدر في الثنائية، أصلى ركعة أم ركعتين، وفي الثلاثية، أصلى ثلاثًا أم أقل، وفي الرباعية، أصلى أربعًا أم أقل، فهذا يبني على الأقل، فإذا تشهد في آخر صلاته فهو مخير، إن شاء سجد للسهو قبل السلام، وإن شاء سلم، ثم سجد للسهو، وهذا اختيار ابن حزم الظاهري (١).
وقال داود الظاهري: «لا يشرع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد فيها النبي ﷺ فيها فقط» (٢).
وهذا متوقع على أصول الظاهرية.
وفي وجه عند الحنابلة رجحه ابن تيمية قالوا: يجب أن يكون سجود السهو في الزيادة بعد السلام، وفي النقص قبل السلام (٣).
стр. 7060
هذه سبعة أقوال، وتركت قولًا ثامنًا يؤثر عن الشوكاني ﵀ لانفراده به، وتأخره لم أنشط لذكره، من شاء فليراجعه.
• سبب الاختلاف بين هذه الأقوال:
والسبب في اختلافهم: أنه ﵊ ثبت عنه أنه سجد قبل السلام، وثبت عنه أنه سجد بعد السلام، فاختلف موقف العلماء من هذه الأحاديث على ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب الترجيح.
والثاني: مذهب الجمع.
والثالث: مذهب الجمع والترجيح.
فأما من ذهب إلى الترجيح، فكانوا على طريقتين:
الطريقة الأولى: ترجيح أحاديث السجود قبل السلام، وهذه طريقة الإمام الشافعي، حيث احتج بحديث ابن بحينة، ورأى أن ما يعارضه من الأحاديث فهو منسوخ بما روي عن ابن شهاب أنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ السجود قبل السلام)، ولا يصح عن الزهري.
الطريقة الثانية: ترجيح أحاديث السجود بعد السلام: وهذه طريقة الحنفية، احتجوا بحديث أبي هريرة بقصة ذي اليدين، وهو حديث متفق على صحته.
وأجابوا عن حديث ابن بحينة بأنه قد عارضه حديث المغيرة بن شعبة: (أنه ﵊ قام من اثنتين، ولم يجلس، ثم سجد بعد السلام).
وحديث المغيرة ضعيف، ولا يقوى على معارضة حديث ابن بحينة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
стр. 7061
واحتجوا أيضا لذلك بحديث ابن مسعود الثابت: (أن رسول الله ﷺ صلى خمسًا ساهيًا وسجد لسهوه بعد السلام)، ولا دليل فيه؛ لأنه ﷺ لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام.
وأما من ذهب إلى الجمع بين الأحاديث، فعلى طريقتين أيضًا:
الطريقة الأولى: أن هذه الأحاديث لا تتناقض، فحملوا الأحاديث التي فيها السجود بعد السلام على الزيادة، والتي فيها السجود قبل السلام على النقص، فوجب أن يكون حكم السجود في سائر المواضع كما هو في هذا الموضع، قالوا: وهو أولى من حمل الأحاديث على التعارض.
الطريقة الثانية في الجمع: أن هذه الأحاديث تفيد جواز الأمرين، فله أن يفعل أيهما شاء، مع تفضيل ما ورد فيه النص على غيره، ولكن ليس على سبيل الإلزام.
وأما من ذهب مذهب الجمع والترجيح: فقال: يسجد في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ على النحو الذي سجد فيه رسول الله ﷺ ، فإن ذلك هو حكم تلك المواضع، وهذه طريقة الجمع. وأما المواضع التي لم يسجد فيها رسول الله ﷺ ، فالسجود فيها قبل السلام، وهذه طريقة الترجيح.
فكأن أصحاب هذا القول رأوا أن أحاديث السجود بعد السلام على خلاف القياس، فاقتصروا فيها على ما ورد، ولم يقيسوا عليها، بخلاف أحاديث السجود الذي قبل السلام، فهي جارية على الأصل، باعتبار السهو حدث في الصلاة، والجابر يكون داخل الصلاة (١).
إذا علم ذلك نأتي إلى تفصيل الاستدلال، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
• دليل من قال: السنة أن يسجد للزيادة بعد السلام وللنقص قبل السلام:
ورد في حديث ابن بحينة في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته وانتظر الناس تسليمه سجد سجدتين قبل أن يسلم (٢).
فقال المالكية: إنما سجد النبي ﷺ قبل السلام؛ لأن السهو كان عن نقص.
(ح-٢٥٤٢) وروى البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق أيوب بن
стр. 7062
أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ أصدق ذو اليدين فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول (١).
فقال المالكية: إنما سجد النبي ﷺ بعد السلام؛ لأن السهو كان عن زيادة؛ لأنه سها، وسلم من ركعتين، وتكلم، وانصرف، وبنى، فزاد سلامًا، وعملًا، وكلامًا، وهو ساهٍ.
ثم بنوا على هذين الحديثين، فقالوا: كل موضع ليس فيه عن النبي ﷺ حديث، فإنه يسجد فيه في الزيادة بعد السلام على حديث أبي هريرة، وفي النقصان قبل السلام على حديث ابن بحينة، وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث (٢).
ولم نقل بوجوب ذلك؛ لأن الحديثين حكاية فعل لا تقتضي الوجوب، وقد جوَّز الأئمة الأربعة تأخير القبلي إلى ما بعد السلام، أو العكس، والخلاف إنما هو في الاستحباب، حتى حكاه طائفة من العلماء إجماعًا (٣).
دليل من قال: يجب السجود للزيادة بعد السلام وللنقص قبله:
الدليل الأول:
لما اختلف حديث أبي سعيد الخدري وحديث ابن مسعود في محل سجود السهو، فالسجود في حديث أبي سعيد الخدري قبل السلام، والسجود في حديث ابن مسعود بعد السلام، كان ذلك دليلًا على أن السجود يختلف محله باختلاف سببه،
стр. 7063
وأن الأخذ بالتحري يختلف عن الأخذ بالمتيقن، وإلا لكان محل السجود فيهما واحدًا، والقول نفسه ينطبق على حديث ابن بحينة في السجود للنقص قبل السلام، وعلى حديث أبي هريرة، وعمران بن الحصين في السجود للزيادة بعد السلام.
فالشارع حكيم لا يفرق بين شيئين بلا فرق، فلا يجعل بعض السجود بعده، وبعضه قبله إلا لفرق بينهما، فبحثنا عن هذا الوصف، فوجدنا الزيادة والنقص وصفًا مناسبًا، فأنيط الحكم به.
والشك الذي في حديث أبي سعيد الخدري صريح أنه لا يمكن معه التحري؛ لقوله: فلا يدري أصلى ثلاثًا أم أربعًا، بينما لا يوجد مثل هذا في حديث ابن مسعود.
• ونوقش هذا من وجوه:
الوجه الأول:
الأصل في أفعال الصلاة عدم التعليل، ومنها اختيار السجود جابرًا دون غيره، واختيار محله.
فمذهب المالكية قائم على أن محل سجود السهو معلل، وأن الزيادة والنقص وصفان مؤثران في اختلاف محل السجود، ومن ثم طردوا الحكم فيما لم يرد فيه نص على كل زيادة ونقص، وهي علة مستنبطة، وليست منصوصة، والأصل في أفعال الصلاة عدم التعليل، وإذا كان اختيار السجود جابرًا دون غيره يعتبر تعبديًّا، فكذلك محله، ولو كانت الزيادة والنقص وصفًا مؤثرًا في محل السجود لكان أولى الناس بالقول به هم الصحابة والتابعون، ولم أجد ذلك مأثورًا عنهم، وقد عُرِف هذا القول عن الإمام مالك، وهو مخالف لما عليه أكثر فقهاء أهل المدينة، كما ذكر ذلك الترمذي في سننه، وسجود النبي ﷺ في حديث ذي اليدين، أو في حديث ابن بحينة أفعال، والفعل لا عموم له، فالجزم بأن وصف الزيادة والنقص هو العلة في التفريق لا دليل عليه.
الوجه الثاني:
قولهم: إن الشارع لا يفرق بين شيئين بلا فرق، فيقال: إن هذا الاختلاف من قبيل التنوع، وهو لا يوجب فرقًا، فهو دليل على السعة والجواز، فلو قدم السجود البعدي
стр. 7064
أو أخر السجود القبلي لصحت صلاته، وهو قول الأئمة الأربعة في المشهور المعتمد في مذهبهم، حيث أجازوا تأخير السجود وتقديمه، والله أعلم.
ولأن العمل بالظن عند بعض الحنابلة، لا يفرق فيه بين ظن النقص، وظن الزيادة، فما بال السهو المتيقن، يفرق فيه، وكلاهما من أسباب السهو فلو كانت العلة الزيادة والنقص لاطرد الحكم.
ولأن صور السهو في السنة أكثرها ثبت من السنة الفعلية، و جاء الأمر بالسجود قبل السلام من السنة القولية في حديث أبي سعيد.
فإما أن تكون الصور واحدة في حكم السهو ومحله، فيحمل بعضها على بعض، فيكون الاختلاف من باب التنوع والسعة، أو يقال: هما صور مختلفة في الحكم والمحل، فما ثبت أنه سجد بعد السلام من السنة الفعلية، لا يقال بوجوبه إعمالًا للدلالة اللفظية، فالسجود للزيادة بعد السلام ثبت من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، ومن حديث عمران، وهما من السنة الفعلية، لا دلالة فيهما على الوجوب.
وثبت من حديث ابن مسعود، والمحفوظ أنه وقع بعد السلام ضرورة؛ لأنه صلى خمسًا، ولم يعلم إلا بعد السلام، فلا يثبت حديث في الأمر بالسجود للزيادة بعد السلام.
ولو قبلنا حديث ابن مسعود من رواية منصور، فهو في التحري، وليس في الزيادة، ولا فرق فيه بين أن يتحرى النقص، أو يتحرى الزيادة،، فمن أين لكم القول بوجوب السجود بعد السلام إذا كان عن زيادة.
فإنْ أثبتنا الاختلاف بين صور السهو الواردة في الأحاديث في محل السجود، لم نحمل بعضها على بعض في حكم السجود، فما ثبت من السنة الفعلية لا يفيد الوجوب، فحَمْلُ السنن الفعلية، كحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران على وجوب السجود بعد السلام إذا كان عن زيادة، استدلالًا بحديث أبي سعيد بالأمر بالسجود في حال الشك مع الحكم باختلاف صور السهو ليس مسلمًا، ولا يقبل من حيث القواعد الأصولية، لأن السبب مختلف، فحديث أبي سعيد سببه الشك وهو سنة قولية، وحديث أبي هريرة وعمران سببه الزيادة، وهما
стр. 7065
من السنة الفعلية، فإذا اختلفت هذه الأحاديث في السبب وفي محل السجود، كيف يحمل بعضها على بعض في الحكم؛ إذ لا دلالة في الفعل على الوجوب؟.
والقول بالاستحباب ليس مدفوعًا، ولكن بلا تعليل، فيستحب ما ورد فيه النص، وما عداه يكون على السعة والاختيار كما نقل ذلك الإمام مالك عن عمل الناس.
الوجه الثالث:
حديث ابن مسعود رغم أنه وارد في الشك إذا كان معه ترجيح، فظاهره يعارض حديث أبي سعيد الخدري في أمرين:
الأمر الأول: في محل السجود، فحديث أبي سعيد الخدري السجود فيه قبل السلام، وحديث ابن مسعود السجود بعد السلام، وكلاهما لا يتحدثان عن الزيادة، في الصلاة.
الأمر الثاني: حديث أبي سعيد الخدري فيه الأمر بطرح الشك، والبناء على ما استيقن، وحديث ابن مسعود فيه الأمر بالتحري.
أما الاختلاف في موضع السجود فإن حديث ابن مسعود قد رواه الأسود بن يزيد عن ابن مسعود كما في صحيح مسلم (١)، فلم يذكر الأمر بالسجود بعد السلام.
وكذلك رواه علقمة بن قيس، عن ابن مسعود، من رواية إبراهيم بن سويد عنه، كما في صحيح مسلم، ولم يذكر السجود بعد السلام (٢).
وكذلك رواه إبراهيم النخعي، عن علقمة به، من رواية الحكم بن عتيبة عنه في الصحيحين (٣)، ومن رواية الأعمش عنه في صحيح مسلم (٤)، ومن رواية المغيرة بن مقسم عنه خارج الصحيحين بسند صحيح (٥)، ولم يذكروا فيه الأمر بالسجود بعد السلام.
وخالف كل هؤلاء منصور بن المعتمر، وروايته في الصحيحين، فرواه عن
стр. 7066
إبراهيم النخعي، عن علقمة به، فذكر السجود بعد السلام، وذكر الأمر بالتحري، وقد تفرد بهما، وقد أشار الإمام أحمد إلى تفرد منصور، وسيأتي تخريج هذه الطرق بألفاظها إن شاء الله تعالى.
وقد خالف منصور خمسة من الرواة الثقات، كلهم لا يذكرون الأمر بالسجود بعد السلام، ولا يذكرون لفظ التحري، وتوهيم الواحد أقرب من توهيم خمسة من الثقات، والمحفوظ من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ إنما سجد بعد السلام لكونه لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام
(ح-٢٥٤٣) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم (١).
فكان سجوده بعد السلام ضرورة، لا عن قصد، فليس في الحديث دليل على أنه لو ذكر قبل السلام أنه كان سوف يسجد بعد السلام، ويخالف حديث أبي سعيد.
وجاء في مسائل أبي داود: قلت لأحمد: حديث عبد الله: أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا؟
قال: النبي ﷺ : لم يذكر إلا بعد ما سلم وتكلم.
قلت لأحمد: فإذا صلى خمسًا، وذكر في التشهد، يسجد قبل السلام؟ قال: نعم» (٢).
فلم ير الإمام أحمد التعليل بالزيادة، وإلا جعل السجود بعد السلام.
وقال ابن حجر: «اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام؛ لتعذره قبله؛ لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة لتجويزهم الزيادة في الصلاة؛ لأنه كان زمان توقع النسخ» (٣).
ولم يأخذ جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في المعتمد العمل بالتحري بحمله على الظن، بل قالوا: إذا شك أخذ بالمتيقن، وفسروا التحري بقصد
стр. 7067
الصواب، وهو معنى أصيل ليس من قبيل التأويل مذكور في الكتاب، والسنة، ولغة العرب، وقد ذكرت الأدلة على ذلك عند الكلام على مسألة الشك في عدد الركعات.
فحديث أبي سعيد الخدري لا يصلح حجة في الزيادة والنقص لأنه ورد في الشك، وكذلك لا يؤخذ من حديث ابن مسعود؛ لأنه ورد في الظن، ومحل السجود لا يختلف سواء أظن النقص أم ظن الزيادة، والظن فرد من أفراد الشك عند أهل الفقه وأهل اللغة خلافًا لأهل الأصول حيث جعلوه قسيمًا للشك.
فلم يبق في الاستدلال على المسألة إلا حديث ابن بحينة، وقد سجد فيه النبي ﷺ قبل السلام، وحديث أبي هريرة وعمران، وقد سجد فيهما النبي ﷺ بعد السلام، فمن سجد في هذه المواضع كما ورد فقد أحسن، لكن القياس عليها بناء على أن العلة في هذه الأحاديث الزيادة والنقص قول ضعيف؛ لأن أفعال الصلاة الأصل فيها التعبد، ولكونه لم يُعَلِّم النبي ﷺ هذا لأمته، ولا يُعْرَف هذا القول عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين، ولو كانت العلة الزيادة والنقص لم يسوِّ الشارع الحكم في باب الظن بين النقص والزيادة، والقول بالوجوب أضعف، لأنها سنن فعلية، ويكفي في تضعيفه أنه مخالف للمعتمد في مذهب الأئمة الأربعة، وقد سبق أن ذكرت ذلك، ولكن تكراره يزيد المسألة رسوخًا، والله أعلم.
الوجه الرابع:
أن المالكية في المشهور وإن أخذوا بالمتيقن في حال الشك مطلقًا، أمكنه التحري أم لا، فهم لم يقولوا بالسجود قبل السلام، وهذه مخالفة صريحة لحديث أبي سعيد الخدري.
يقول الخرشي: «المصلي إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، ولم يكن موسوسًا فإنه يبني على الأقل المحقق، ويأتي بما شك فيه، ويسجد بعد السلام؛ لاحتمال زيادة المأتي به … (١).
الدليل الثاني:
(ح-٢٥٤٤) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق حاتم بن عبيد الله النمَريِّ،
стр. 7068
عن عيسى بن ميمون، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أن النبي ﷺ سها قبل التمام، فسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم، وقال: من سها قبل التمام سجد سجدتي السهو قبل أن يسلم، وإذا سها بعد التمام سجد سجدتي السهو بعد أن يسلم (١).
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
[أن الحديث تفرد به رجل متروك] (٢).
الوجه الثاني:
أن الحديث لا دلالة فيه من جهة لفظه؛ لأن قوله: (من سها قبل التمام) يعم كل سهو كان قبل تمام الصلاة، سواء أكان بالزيادة أم بالنقص فيسجد قبل السلام.
وقوله: (وإذا سها بعد التمام) لا يكون السهو بعد التمام إلا إذا قصد بالتمام تمام الأفعال ما عدا التسليم، أو يكون المقصود ب (سها بعد التمام) أي علم سهوه بعد تمام صلاته فيسجد بعد السلام، فليس في الحديث ما يكون حجة على التفريق بين الزيادة
стр. 7069
والنقص، مع أننا لا حاجة لنا في البحث في دلالته، وقد تفرد به رجل متروك.
الدليل الثالث:
من النظر، قالوا: السجود للسهو حال النقص إصلاح وجبر لما نقص من الصلاة، فناسب أن يكون الجبر قبل الخروج من الصلاة تعويضًا لما نقص من الصلاة، وحتى لا يجتمع في الصلاة النقص، والجبر خارجها.
وأما السجود في حال الزيادة فهو ترغيم للشيطان؛ لأن الصلاة في نفسها تامة، فناسب أن يكون السجود خارج الصلاة حتى لا يجتمع في الصلاة زيادتان، زيادة السهو، وزيادة السجدتين.
• ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
من شروط القياس أن تكون العلة مطردة، فالعمل بالظن عند بعض الحنابلة، لا فرق فيه بين ظن النقص، وظن الزيادة، كلاهما السجود قبل السلام، فكذلك السهو المتيقن، وكلاهما من أسباب السهو، فلو كانت العلة الزيادة والنقص لاطرد الحكم.
الوجه الثاني:
إذا شك المصلي، فأخذ بالمتيقن فصلاته تامة يقينًا؛ لأن ما شك فيه قد طرحه، فإذا سجد قبل السلام؛ لحديث أبي سعيد الخدري، كان سجود السهو زيادة في صلاته، ولم يمنع ذلك من سجوده قبل السلام، وإن قدرتم الشك المطروح في حكم الموجود، كان ذلك ركعة خامسة، واحتاجت إلى شفعها بالسجدتين، ولم يمنع تقدير الزيادة من السجود قبل السلام.
الوجه الثالث:
إذا سلم من ركعتين، ثم أتى بالباقي فقد تمت صلاته، وعُدَّ سهوه من الزيادة، ولم يلتفت إلى كونه سها عن نقص في أول الأمر، فكذلك إذا طرح الشك وأخذ بالمتيقن، فقد تمت صلاته، فلماذا يجعل السجود قبل السلام، وهو زيادة على صلاته.
لماذا لا يعد من سلم قبل إتمام صلاته قد اجتمع في حقه سهوان: نقص وزيادة،
стр. 7070
فيقدم النقص.
فإن قلتم: ألغينا النقص حين أتم صلاته، قلنا: لما لا تقولون: ألغينا الشك حين طرحناه، وأخذنا بالمتيقن.
وقد أخذ المالكية في المشهور بطرف الحديث: وهو الأخذ بالمتيقن، وجعلوا السجود بعد السلام لموافقة القواعد في مخالفة صريحة لحديث أبي سعيد.
الوجه الرابع:
قولهم: السجود في الزيادة بعد السلام حتى لا تجتمع زيادتان.
فيقال: الزيادة إن كانت متعمدة فهي تبطل الصلاة بالإجماع، وإن كانت سهوًا فهي لغو، فالرسول ﷺ في حديث ذي اليدين، سلَّم من صلاته، وتكلَّم، ومشى، ثم عاد، وبنى على ما صلَّى، وكانت هذه الأفعال في حكم العدم، حيث لم يخرج من صلاته حكمًا، فإذا قلنا: لا تجتمع زيادتان اعتبرنا هذه الأفعال الزائدة، والمنافية للصلاة في حكم الموجود، والشرع اعتبرها ملغاة، فلو سجد قبل السلام لم يمنع ذلك من صحة صلاته، وهو المعتمد في مذاهب الأئمة الأربعة.
• دليل من قال: السجود كله بعد السلام:
الدليل الأول:
(ح-٢٥٤٥) روى البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع.
ورواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن أيوب به (١).
الدليل الثاني:
(ح-٢٥٤٦) روى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،
стр. 7071
عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن النبي ﷺ سها، فسجد بعد السلام، فأخذ منه الحنفية أن السجود للسهو كله بعد السلام.
• ويناقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
القول بتعميم السجود كله بعد السلام استدلالًا بهذين الحديثين يمكن أن يكون مقبولًا لو لم تعارضه أحاديث صحيحة في السجود قبل السلام كما في حديث عبد الله بن بحينة في الصحيحين (٢)، وكما في حديث أبي سعيد الخدري في مسلم (٣).
قال ابن حزم: تعلق أبو حنفية ببعض الآثار، وترك بعضها، وهذا لا يجوز (٤).
الوجه الثاني:
أن هذين الحديثين من السنن الفعلية، وأهل الأصول قالوا: الفعل لا عموم له، بخلاف القول.
الدليل الثالث:
(ح-٢٥٤٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم (٥).
стр. 7072
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
هذا الحديث بهذه الرواية لا دلالة فيه؛ فإن النبي ﷺ لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام، فكان سجوده بعد السلام ضرورة، لا عن قصد، فليس في الحديث دليل على أنه لو ذكر قبل السلام أنه كان سوف يسجد بعد السلام.
قال ابن حجر: «اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام؛ لتعذره قبله؛ لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة لتجويزهم الزيادة في الصلاة؛ لأنه كان زمان توقع النسخ» (١).
الوجه الثاني:
أن هذا الحديث مخالف لفقه أبي حنفية وأبي يوسف رحمهما الله، لأن المصلي إذا قام إلى خامسة، ولم يقعد في الرابعة قدر التشهد رجع إلى القعدة ما لم يسجد، وألغى الخامسة، وسجد للسهو؛ لأن ما دون الركعة يقبل الرفض. وإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه؛ لأنه خرج من الفرض قبل إكماله، وتحولت صلاته نفلًا، ولأن الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقية، والسجدة الثانية تكرار، فلو حلف لا يصلي لا يحنث بما دون الركعة، والأفضل أن يضيف إلى الخامسة سادسة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، ثم يستأنف الفرض.
وإن جلس في الرابعة مقدار التشهد، ثم قام إلى الخامسة عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة، وسلم، وإن قيد الخامسة بسجدة، ثم تذكر ضم إليها أخرى وتم فرضه، ويسجد للسهو استحسانًا، وتكون الخامسة والسادسة نفلًا؛ لأن الركعة الواحدة لا تجزئه؛ لنهيه ﷺ عن البتيراء (٢).
وفي هذا الحديث قد صلى الخامسة، فعلى كلا الافتراضين فهو مخالف لفقه أبي حنيفة، فإن افترضنا أنه قعد للتشهد في الرابعة وهذا بعيد، فلم يأت بركعة سادسة، وإن افترضنا أنه لم يقعد للتشهد، وهو الظاهر؛ لأن المصلي يقوم إلى
стр. 7073
الخامسة وهو يعتقد أنه قام من الثالثة، والثالثة لا قعود فيها، فكان مقتضى مذهب الحنفية بطلان الفريضة، وسجود النبي ﷺ للسهو تصحيح للفريضة، ولم يشفع الخامسة بسادسة، فكيف يحتجون بحديث لم يجر على وفق مذهبهم.
• ورد الحنفية:
قالوا: إن قول الراوي (صلى الظهر) والظهر اسم لجميع أركان الصلاة ومنها القعدة، وهو الظاهر، فإنما قام إلى الخامسة على تقدير أنها هي القعدة الأولى حملًا لفعل رسول الله ﷺ على ما هو أقرب إلى الصواب، وكونه لم يضف إليها أخرى، دليل الجواز، والأفضل أن يضيف إليها، فإن لم يفعل لم تبطل صلاته (١).
• ويجاب عن هذا:
بأن قول الراوي (صلى الظهر) إما ليخبر بأن ذلك جرى في صلاة الظهر،، أو أن هذا بحسب اعتقاد المصلي ونيته، لا بالنسبة للواقع.
وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: صلى بنا النبي ﷺ الظهر ركعتين، ثم سلم … الحديث (٢).
فقوله (صلى الظهر) لا يمكن أن يحمل على أنه قام بجميع فروض الصلاة بالإجماع.
واحتمال أنه قام من الرابعة بعد أن تشهد مرتين، وأنه ظن أنه يقوم من الثانية بعيد جدًّا، بل احتمال أنه ظن أنه يقوم من الثالثة أقرب.
ولأنه لو فعل كما يقول الحنفية لكان الرسول ﷺ زاد ركعة وتشهدًا بعد الخامسة، والراوي لم يذكر إلا أنه زاد خامسة، فهذا الافتراض خلاف ظاهر الحديث.
الدليل الرابع:
(ح-٢٥٤٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا،
стр. 7074
فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (١).
[هذا الحديث رواية أخرى للحديث السابق، وقد انفرد منصور، عن إبراهيم بذكر التحري، وبكون الأمر بالسجود بعد السلام] (٢).